المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم ال‌ ‌مقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، - جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين - عبد القيوم السندي

[عبد القيوم عبد الغفور السندي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌المبحث الأول جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌المطلب الأول: أبو بكر وعهده:

- ‌المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه:

- ‌المطلب الثالث: المكلف بالجمع:

- ‌المطلب الرابع: كيفية الجمع:

- ‌المطلب الخامس: وسائل الجمع:

- ‌المطلب السادس: نتائج الجمع وفوائده:

- ‌المبحث الثاني جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

- ‌المطلب الأول: عثمان بن عفان وعهده:

- ‌المطلب الثاني: بواعث الجمع في العهد العثماني:

- ‌المطلب الثالث: لجنة الجمع في العهد العثماني:

- ‌المطلب الرابع: كيفية الجمع:

- ‌المطلب الخامس: عدد المصاحف العثمانية وإلى أين أرسلت

- ‌المطلب السادس: قضية الرسم المصحفي من حيث كونه توقيفياً أم لا

- ‌المطلب السابع: قضية إتقان الكتابة لدى الصحابة:

- ‌المطلب الثامن: نتائج الجمع في العهد العثماني وفوائده:

- ‌المبحث الثالث

- ‌المطلب الأول: الفروق المميزة بين الجمعين:

- ‌المطلب الثاني: الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين:

- ‌الخاتمة في أهم نتائج البحث والدراسة

- ‌اقتراح وتوصية:

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم ال‌ ‌مقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،

بسم الله الرحمن الرحيم

ال‌

‌مقدمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وبعد:

فإن القرآن الكريم بحر لا يدرك غوره، ولا تنفد درره، ولا تنقضي عجائبه، فما أحق الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تشغل به، ومما يسعدني أن أشارك في هذه الندوة المباركة التي يعزم مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على عقدها بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه بكتابة بحث في موضوع: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين.

ولا شك أن المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وتوحيدها على يد مؤسسها صقر الجزيرة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود "يرحمه الله" سباقة إلى كل خير في مختلف المجالات، وتقدم للمسلمين في أرجاء المعمورة – دون تمييز بين الأبيض والأسود – كل ما ينفعهم في الدارين، من عقيدة صافية، ومنهج سديد، وكتاب مفيد، وجو آمن، وعيش رغيد. ومن سلسلة أعمالها الخيرة – التي لا تأتي في الحصر – قيام هذا الصرح الشامخ للعناية بكتاب الله تعالى باسم "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" بالمدينة النبوية على يد منظم المملكة ومطورها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود "رزقه الله الصحة والعافية، وأمد في عمره في طاعته".

ص: 1

وهذه – في الحقيقة - سلسلة مترابطة ومتواصلة لعناية المسلمين حكاماً وشعوباً وأفراداً وجماعات بالقرآن الكريم – كلام الله - عملاً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:

"القرآن أفضل من كل شيء، فمن وقَّر القرآن فقد وقَّر الله، ومن استخف بالقرآن فقد استخفّ بحق الله تعالى"1.

والأمة الإسلامية عنيت بالقرآن الكريم عناية فائقة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فقد حفظت لفظه، وكشفت عن معانيه، واستقامت على العمل به عملاً بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} (فصلت: 30) ، وأفنت أعمارها في البحث والدراسة فيه، وفي الكشف عن أسراره، ولم يترك علماء المسلمين ناحية من نواحيه إلا أشبعوها بحثاً وتمحيصاً، وألفوا في ذلك مؤلفات قيمة في التفسير، والقراءات وما يتعلق بها من علوم كعلم الرسم والضبط والفواصل (عد الآي) والوقف والابتداء، وتوجيه القراءات، وألفوا في فضائل القرآن وآداب تلاوته، وأحكام القرآن، وفي الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وفي إعجاز القرآن، وغريبه، وإعرابه، وقصصه، وفي أمثاله وأقسامه، ومنهم من ألف في تناسب آياته وسوره

إلى غير ذلك من علوم ومعارف يقول فيها الإمام بدر الدين الزركشي2:

1 الوجيز في فضائل الكتاب العزيز للقرطبي، ص:97، وقد ذكره السيوطي في الجامع الكبير وعزاه إلى أبي نصر السجزي في الإبانة، والحكيم الترمذي في النوادر (مرسلا) ، والحاكم في تاريخه (موصولاً) ، انظر هامش الوجيز.

2 هو بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي أحد العلماء الأثبات، ولد في القاهرة سنة (745هـ) ، له مؤلفات مفيدة وكثيرة عد منها محقق البرهان (33) كتاباً، توفي في مصر سنة:(794هـ)، ترجمته في: حسن المحاضرة للسيوطي:1/185، الدرر لابن حجر: 3/397، الشذرات لابن العماد: 6/335.

ص: 2

" ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره،.."1

وكل ذلك بتسخير من الله (عزوجل) منزّل هذا الكتاب العزيز مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9)، وليس هذا إلا معجزة من معجزات هذا الكتاب الذي قال الله تعالى في وصفه:{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:42)، ثم خص به من شاء من بريته وأورثه من اصطفاه من خليقته:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} (فاطر: 32) .

هذا، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لكتابة ما ينفعني وينفع الأمة الإسلامية في الدنيا والآخرة، ويكون إسهاماً مني في مجال إبراز دور المملكة العربية السعودية في خدمة القرآن الكريم وعلومه.

والله الموفق والمعين،،،

1 البرهان: 1/12.

ص: 3

خطة البحث:

لقد قسمت البحث إلى: تمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة.

أما التمهيد: فيحتوي على:

(1)

تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحاً.

(2)

مفهوم جمع القرآن الكريم.

(3)

صلة القرآن بالقراءات.

المبحث الأول:

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتحته مطالب:

المطلب الأول: أبو بكر وعهده.

المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه.

المطلب الثالث: المكلّف بالجمع.

المطلب الرابع: كيفية الجمع.

المطلب الخامس: وسائل الجمع.

المطلب السادس: نتائج الجمع وفوائده.

المبحث الثاني:

جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وتحته مطالب:

المطلب الأول: عثمان بن عفان وعهده.

المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه.

المطلب الثالث: اللجنة المكلفة بالجمع.

المطلب الرابع: كيفية الجمع.

ص: 4

المطلب الخامس: عدد مصاحف عثمان، وإلى أين أرسلت؟

المطلب السادس: قضية الرسم المصحفي، من حيث كونه توقيفياً أو غير توقيفي.

المطلب السابع: قضية إتقان الكتابة لدى الصحابة.

المطلب الثامن: نتائج الجمع وفوائده.

المبحث الثالث: وفيه مطلبان:

(1)

الفروق المميزة بين الجمعين.

(2)

الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.

الخاتمة:

أهم نتائج البحث والدراسة.

منهجي في البحث:

لقد حاولت بقدر المستطاع أن تكون المعلومات مستقاة من المصادر الأصيلة. وترجمت للأعلام –عدا أشهر الصحابة – الوارد ذكرهم في ثنايا البحث في الحواشي.

ترجمت للخليفتين الراشدين (أبي بكر وعثمان) ولأعلام اللجنة المكلفة بجمع القرآن الكريم في صلب البحث، لما لهم من أهمية بالغة ودور كبير في المهمة.

وعرفت بلفظ (القرآن) لغةً واصطلاحاً، وأوضحت مفهوم الجمع، وبينت صلة القرآن بالقراءات في التمهيد لأهمية كل ذلك، وصلته الوثيقة بالموضوع.

ص: 5

وتعرضت لجمع القرآن الكريم في عهد الخليفتين الراشدين (أبي بكر وعثمان) فقط، حيث إن جمعهما هو الجمع الرسمي، أما ما قيل في جمعه من قبل غيرهما فلا أصل له.

وحاولت بقدر المستطاع أن يمتاز البحث بالجدية، والعمق والأصالة، والتركيز وحسن الترتيب، مع مراعاة كونه مفهوماً لدى عامة الناس ومقبولاً لدى خواصهم.

ملاحظة: لم أتطرق لسرد شبهات حول النص القرآني وجمعه وتفنيدها، لكونه عنواناً مستقلاً، وخامس محاور الندوة.

هذا ما تهيأ لي، فإن كنت موقفاً فهو من الله تعالى، وله الشكر والمنة، وإن كان غير ذلك فلا ألومنّ إلا نفسي، واسأل الله العفو والصفح.

ص: 6

التمهيد

تعريف القرآن:

القرآن (لغةً) مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا،وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 17-18) أي قراءته.

ومنه قول حسان بن ثابت1رضي الله عنه في رثاء عثمان بن عفان رضي الله عنه2:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به

يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً

أي: قراءة 3.

و (القرآن) على وزن فعلان كغفران وشكران، وهو مهموز كما في قراءة جمهور القراء، ويقرأ بالتخفيف (قران) كما في قراءة ابن كثير4.

وأصله من (القرء) بمعنى الجمع والضم، يقال: قرأت الماء في الحوض، بمعنى جمعته فيه، يقال: ما قرأت الناقة جنيناً، أي لم تضمَّ رحمها على ولد.

وسمى القرآن قرآناً لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض5.

1 هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن، وقيل أبو الوليد، شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد المخضرمين، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام، اشتهرت مدائحه في الغسانيين وملوك الحيرة، عمي قبل وفاته، وتوفي في سنة 54هـ. التهذيب:2/227-228، التقريب: 1/161، الإصابة: 1/326، الأعلام:2/175-176.

2 ستأتي ترجمته.

3 البيت في ديوان حسان بن ثابت، وقد استدل به ابن عطية لتأكيد مصدرية القرآن، انظر: مقدمتان في علوم القرآن، ص 284، والشمط: في الرجل شيب اللحية، اللسان، مادة (شمط) :7/335-336.

4 قال الشاطبي: ونقل قرآن والقران دواؤنا.. حرز الأماني، البيت رقم:502.

5 راجع لسان العرب (قرأ) :1/128، مجاز القرآن لمعمر بن المثنى:1/1-3، مناهل القرآن للزرقاني:1/14-15.

ص: 7

ولقد أصبح (القرآن) علماً شخصياً على كلام الله تعالى، ومنه قوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} 1.

واصطلاحاً:

" هو كلام الله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف،، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر جيلاً بعد جيل" وحول هذا المعنى تدور تعريفات كثير من الأصوليين، والفقهاء للقرآن الكريم2.

يقول الدكتور/ محمد عبد الله دراز 3:

" روعي في تسميته قرآنا كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ،فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم

1 سورة الإسراء: 9، وانظر تعريف القرآن في الإتقان: 1/50.

2راجع تيسير التحرير لأمير بادشاه: 3/3، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي:1/228، كشف الأسرار للنسفي مع نور الأنوار للملاجيون:1/17، إرشاد الفحول، ص:29، واقرأ كلام النويري في رسالته: القول الجاذ لمن قرأ بالشاذ، ص55، المطبوعة مع شرح الطيبة للنويري.

(القرآن كلام الله، منه بدا، بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر) الطحاوية 1/168 (اللجنة العلمية) .

3علم من أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، رزق الحظ الأوفر من علوم الإسلام، كما نهل من علوم أوربا الشيء الكثير، ولد في قرية (محلة دياي) بمحافظة كفر الشيخ عام 1894، وحصل على العالمية الأزهرية عام 1916م، ونال الدكتوراه من فرنسا عام 1947م، من مؤلفاته: التعريف بالقرآن، الأخلاق في القرآن، الدين، النبأ العظيم، توفي في مدينة لاهور بباكستان عام 1958م، انظر فاتحة كتابه: النبأ العظيم، قال الزركلي: فقيه متأدب، الأعلام: 6/246.

ص: 8

المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلاً بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر 1".

مفهوم جمع القرآن:

جمع القرآن يعني أمرين اثنين،وهما:

أ-حفظه واستظهاره في الصدور2:

فقد حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما نزل عليه من الوحي في صدره الشريف، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعلى: 6) ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعارض جبريل بالقرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي انتقل فيه إلى رفيقه الأعلى عارضه مرتين.

كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن عائشة عن فاطمة رضي الله عنهما أنها قالت: أسَرَّ إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُنِي بالقرآنِ كلَّ سنةٍ وأنهُ عارضَنِي العامَ مرَّتينِ ولا أراهُ إلا حضَرَ أجَلِي 3".

وفي ذلك يقول الإمام أبو عمرو الداني4:

1النبأ العظيم ص: 12-13.

2ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي حفظته، تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص:162.

3 البخاري، فضائل القرآن: 6/101، المناقب، رقم:3353ن مسلم، فضائل الصحابة رقم: 2450، أبو داود رقم:5217، مسند أحمد، رقم: 25209، وراجع فضائل القرآن لأبي الفضل الرازي، ص: 51، البرهان للزركشي:1/232،لطائف الإشارات للقسطلاني: 1/23.

4 عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، القرطبي، علم من أعلام القراء، ثقة حجة في القراءات وعلومها، ولد بدانية من بلاد الأندلس في: 371هـ، له أكثر من مائة مؤلف، أشهرها التيسير في القراءات السبع الذي نظمه الشاطبي في اللامية، توفي بدانية في 444هـ، معرفة القراء الكبار: 1/406، غاية النهاية: 1/503.

ص: 9

وكان يعرض على جبريل

في كل عام جملة التنزيل

فكان يقريه في كل عرضة

بواحد من الحروف السبعة

حتى إذا كان بقرب الحين

عرضه عليه مرتين1

كما حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب جم غفير من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك أبي بن كعب، وعبد الله ابن مسعود، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وهم الذين دارت أسانيد قراءات الأئمة العشرة عليهم2.

يقول العلامة ابن الجزري3:

" ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: رب إذاً يثلغوا4 رأسي حتى يدعوه خبزةً، فقال: مبتليك ومبتلى بك، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق ينفق

1 الأرجوزة المنبهة، البيت رقم: 70-72، ص:87.

2 انظر: الوجيز للقرطبي ص: 177، النشر: 1/6، الإتقان:1/222، مناهل العرفان:1/242.

3 محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين أبو الخير، المعروف بابن الجزري، الدمشقي، علم من أعلام القراء، ولد ونشأ في دمشق سنة:751هـ، من أشهر مؤلفاته: النشر في القراءات العشر، غاية النهاية في طبقات القراء، منظومة الطبية في القراءات العشر، والدرة المضيئة في القراءات الثلاث، المقدمة الجزرية في التجويد، توفي في شيراز من مدن إيران الحالية عام 833هـ، غاية النهاية: 2/247، الأعلام: 7/45.

4 أي يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز، أي يكسر.

ص: 10

عليك" 1، فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته" أناجيلهم في صدورهم2".

وقد ساعدهم على حفظه نزوله منجماً ومفرقاً، ولم يكن هم الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب، بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى، وتدبر المراد، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب.

قال أبو عبد الرحمن السلمي3: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن.. أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً4.

ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، وهذا هو السر فيما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين5.

أ - كتابته كله حروفاً وكلمات وآيات وسوراً.

وقد حدث ذلك في الصدر الأول ثلاث مرات:

الأولى: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي واحداً من كتاب الوحي فيأمره بكتابة ما نزل عليه من الوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يرشدهم

1 مسلك: صفة الجنة ونعيمها، رقم: 2865، مسند أحمد برقم: 17414 (13/387)، وانظره في الوجيز للقرطبي ص:175.

2 النشر: 1/6.

3 هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي، التابعي الجليل، شيخ الحسنين رضي الله عنهما ،ثقة ثبت، إليه انتهت القراءة تجويداً وضبطاً، توفي بعد (70هـ)، غاية النهاية:1/141، معرفة القراء: 1/52، التقريب: 1/408.

4 أخرجه أحمد في مسنده (5/410) ،وانظره في مجمع الزوائد للهيثمي (1/165)، والوجيز للقرطبي ص:137.

5 الموطأ، باب ما جاء في القرآن: رقم: 11، 1/205.

ص: 11

إلى مواضع الآيات من السور (1، ولم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رفيقه الأعلى إلا والقرآن كله كان مكتوباً، مرتب الآيات في سورها، غير أنه لم يكن مرتب السور، ولا مجموعاً في مصحف واحد، ولا موجوداً في مكان واحد، بل كان مفرقاً لدى الصحابة، وكان ذلك لما كان يتوقع من نزول ناسخ لآية حكماً أو تلاوة2.

والثانية: في خلافة أبي بكر رضي الله عنه 3.

والثالثة: على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه 4.

وسيأتي تفصيل كل ذلك في الصفحات التالية.

صلة القرآن بالقراءات:

هنا سؤال يطرح نفسه، هو أنه: هل القرآن والقراءات شيء واحدا؟ أي بينهما اتحاد كلّي، أو أنهما شيئان متغايران؟ أي بينهما تغاير كلي.

بين المتأخرين والمعاصرين من علماء القراءات في ذلك خلاف.

أ-يرى بعض المتأخرين من العلماء أن بينهما تغايراً كلياً، أي هما شيئان مختلفان، لأن القرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو في كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما

5

1 انظر: سنن أبي داود:1/206، رقم:786، والترمذي:5/254، رقم:3086، ومسند أحمد:1/57، وجمال القراء:1/84-85، وتفسير الطبري:1/102، والقرطبي:8/61، وراجع البرهان للزركشي:1/232.

2 انظر: الإتقان:1/164.

3 ستأتي ترجمته.

4 الإتقان: 1/181، مناهل العرفان:1/239.

5 ذهب إليه العلامة بدر الدين الزركشي في البرهان: (318) ، وتبعه في ذلك العلامة القسطلاني في لطائف الإشارات 1/171) والبنا الدمياطي في إتحاف فضلاء البشر (1/68) .

ص: 12

ب-ويرى بعض المعاصرين أنهما حقيقتان بمعنى واحد – أي بينهما اتحاد كلي -، وذلك لأن القرآن: مصدر مرادف للقراءة، والقراءات: جمع قراءة، إذاً فهماً حقيقتان بمعنى واحد، كما أن أحاديث نزول القرآن على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أنه لا فرق بينهما، إذ كل منهما وحي منزل1.

ج- والذي نراه هنا – والله أعلم – هو أن نفصل القول في القراءات.

فالقراءات قسمان: المقبولة والمردودة.

أما المقبولة، فهي التي تتوفر فيها الشروط الثلاثة المتفق عليها لقبولها، وهي:

أن تكون القراءة متواترة، وأن توافق وجهاً من وجوه اللغة العربية، وأن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً.

وهذا القسم هو الذي قال فيه العلماء:

(1) يجب على كل مسلم اعتقاد قرآنيته.

(2)

يقرأ به تعبداً في الصلوات وخارجها.

(3)

يكفر جاحدُ حرفِ منه.

وهذا بعينه هو ما يقال في القرآن، وهل يقرأ القرآن إلا برواية من روايات القراءات المتواترة؟ كما نقرأ نحن اليوم برواية الإمام حفص عن عاصم، ويقرأ أهل ليبيا برواية الإمام قالون عن نافع، ويقرأ أهل موريتانيا ونيجيريا وبعض البلاد الأفريقية الأخرى برواية الإمام ورش عن نافع، وكذا يقرأ أهل إثيوبيا

1 انظر" في رحاب القرآن " للدكتور/ محمد سالم محيسن: 1/209، وقد رد عليه الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل واستبعد قوله وذهب إلى أنهما ليسا متغايرين تغايراً كلياً كما أنهما ليسا متحدين اتحاداً كلياً، بل بينهما ارتباط وثيق كارتباط الجزء بالكل، انظر: القراءات أحكامها ومصدرها ص 23،وهامشه على كتاب "اتحاف فضلاء البشر" للدمياطي: 1/69.

ص: 13

وإريتريا والصومال وما جاورها برواية الإمام الدوري عن أبي عمرو، وقراءة الإمام أبي عمرو هي التي كانت رائجة في أكثر البلاد الإسلامية في عهد الإمام ابن الجزري (أي في القرن الثامن والتاسع الهجري) 1 كما هو حال رواية الإمام حفص اليوم، حيث تقرأ في أكثر من ثلثي العالم الإسلامي.

وعلى هذا، فالقرآن هو عين القراءات المتواترة، وبالعكس كذلك، فهما حقيقتان بمعنى واحد، أي بينهما اتحاد كلي.

وأما المردودة، فهي التي اختل فيها أحد الشروط الثلاثة لقبولها، أو كلها، وهي التي يطلق عليها: الشاذة، وقد قال العلماء فيها:

(1)

لا يجوز اعتقاد قرآنيتها.

(2)

لا تجوز القراءة بها تعبداً.

(3)

يجب تعزير من أصر على قراءتها تعبداً وإقراءً.

وعلى هذا، فالقراءات: هي غير القرآن، وبينهما تغاير كلي، لأن الشاذة حتى لو ثبتت قراءة منها بسند صحيح لا يعتقد قرآنيتها، بل تعتبر من الأخبار الآحاد، والخبر الواحد من أقسام الحديث، والحديث غير القرآن2.

1 انظر: النشر: 1/41، ومنجد المقرئين.

2 راجع لمزيد من التفصيل: القول الجاذ للنويري، ص: 73-88، ومقال الشيخ عبد الفتاح القاضي بعنوان: حول القراءات الشاذة والأدلة على حرمة القراءة بها، المنشور في مجلة كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص:15 وما بعدها، وكتابه القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب، ص:4-8، وكتابنا: صفحات في علوم القراءات ص 17-20.

ص: 14