الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال)
1 البخاري: فضائل القرآن: 4603.
المطلب الرابع: كيفية الجمع:
استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنه حينما شرح الله له صدره باشر بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتماداً على مصدرين هامين، وهما:
(1)
ما كتب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وبإملاء منه، وكان زيد نفسه من كتاب الوحي.
(2)
ما كان محفوظاً لدى الصحابة، وكان هو من حفاظه في حياته صلى الله عليه وسلم. وكان لا يقبل شيئاً من المكتوب، حتى يتيقن أنه:
أ - مما كتب بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بشهادة شاهدين عدلين1.
ب - وأنه مما ثبت في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته.
يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان2.
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضاً، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر وزيد:"اقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه3".
قال الحافظ ابن حجر4 (المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة)5.
1 الإتقان: 1/58.
2 كتاب المصاحف:1/181-182، وعنه السيوطي في الدرر المنثور: 4/332، وابن حجر في الفتح: 9/15، وانظر فضائل القرآن لابن كثير (27)، والإتقان: 1/166.
3 كتاب المصاحف 1/169، وانظر جمال القراء 1/86، والفتح 9/14، واللطائف 1/56، وكنز العمال 2/573، والمرشد الوجيز:55.
4 أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر العسقلاني، فلسطيني الأصل، من أعلام الحديث والتاريخ، مولده ووفاته بالقاهرة، ولد سنة: 773هـ، وتوفي سنة 852هـ، كثير التصانيف، من أشهرها: فتح الباري شرح صحيح البخاري، نخبة الفكر، تهذيب التهذيب، وتقريبه، لسان الميزان، الإصابة، بلوغ المرام،
(البدر الطالع: 1/87، الأعلام:1/178-179) .
5 الفتح:9/14.
وقد ذهب العلامة السخاوي1 إلى أن المراد بشاهدين:
رجلان عدلان يشهدان على أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن2.
وقال أبو شامة3: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مجرد الحفظ.
ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث الذي أوردناه عن البخاري سابقاً، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيداً كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
قال علي كرم الله وجه: " أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين4".
1 علي بن محمد بن عبد الصمد، علم الدين أبو الحسن السخاوي، ولد في سخا بمصر سنة 558هـ، أو 559هـ، من أبرز تلامذة الإمام الشاطبي، وأول من شرح قصيدته باسم:فتح الوصيد في شرح القصيد، ومن مؤلفاته: جمال القراء، هداية المرتاب، الوسيلة إلى شرح العقيلة، توفي في دمشق سنة:643هـ، (معرفة القراء الكبار: 2/631، غاية النهاية: 1/568، شذرات الذهب: 5/222، الأعلام:4/332) .
2 انظر: جمال القراء: 1/86.
3 عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو القاسم المقدسي الدمشقي، فلسطيني الأصل، المعروف بأبي شامة، لقب به لشامة كبيرة فوق حاجبه الأيسر، من أعلام القراء ومن أبرز تلامذة علم الدين السخاوي، ولد بدمشق سنة:599هـ، من أشهر مؤلفاته: إبراز المعاني من حرز الأماني،المرشد الوجيز،قتل في: 665هـ، المعرفة:2/673، الغاية:1/365، الأعلام:3/299.
4 كتاب المصاحف:1/166، وانظر المصنف لابن أبي شيبة: 6/168، والمسند لأحمد:1/230، 354.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
قال علي كرم الله وجه: " أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين1".
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده مدة حياته، ثم حفظها عمر بعده حتى شهادته، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة والدها، حتى طلبها منها عثمان رضي الله عنه ليستنسخ منها مصاحفه اعتماداً عليها، ثم ردها إليها إيفاء بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم2 حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت رضي الله عنها سنة 45هـ، حضر مروان جنازتها، ثم طلب من أخيها عبد الله بن عمر رضي الله عنه فبعث بها إليه فأخذها مروان وأمر بإحراقها 3.
يقول الإمام أبو عمرو الداني في جمع القرآن في العهد الصديقي:
المصاحف:1/166، وانظر المصنف لابن أبي شيبة: 6/168، والمسند لأحمد:1/230، 354.
2 مروان بن الحكم بن أبي العاص،أو عبد الملك، خليفة أموي، إليه ينسب بنو مروان،ولد بمكة في 2هـ، ونشأ بالطائف،وسكن المدينة، من خواص عثمان رضي الله عنه وكاتب سر له، ولسببه جرى لعثمان ما جرى له، قاتل في وقعة الجمل قتالاً شديداً، وشهد صفين مع معاوية، وتولى المدينة في أيامه، وأخرجه منها ابن الزبير فسكن الشام، وبها توفي في طاعون سنة:65هـ، تهذيب التهذيب: 10/91، الأعلام:7/207.
3 كتاب المصاحف:1/177، 1/179، وراجع جمال القراء: 1/88، مناهل العرفان:1/252، وانظر الفتح: 9/16، 20.
وربما قد دار مثل ذاكا
…
عليهم فعدموا بذاكا
فاستدرك الأمر وما قد كانا
…
واعمل على أن تجمع القرآنا
وراجعَ الصديقَ غير مره
…
فشرح الله لذاك صدره
فشرح الله لذاك صدره
…
فقال لابن ثابت إذ ذاكا
إني لهذا الأمر قد أراكا
…
قد كنت بالغداة والعشي
تكتب وحي الله للنبي
…
فأنت عندنا من السُّبَّاق
فاجمع كتاب الله في الأوراق
…
ففعل الذي به قد أمره
معتمدا على الذي قد ذكره
…
وجمع القرآن في الصحائف
ولم يميز أحرف التخالف
…
بل رسم السبع من اللغات
وكل ما صح من القران
…
فكانت الصحف في حياته
عند أبي بكر إلى مماته
…
ثُمَّتَ عند عمر الفاروق
حين انقضت خلافة الصديق
…
حين انقضت خلافة الصديق
ثمت صارت بعدُ عند حفصه
…
لما توفي كما في القصة1
مزايا هذه الصحف:
وامتازت هذه الصحف بميزات مهمة، منها:
أولاً: جمع فيها القرآن الكريم على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي.
ثانياً: اقتصر فيها على ما تنسخ تلاوته.
ثالثاً: ظفرت بإجماع الصحابة رضي الله عنهم عليها، وعلى تواتر ما فيها.
رابعاً: كان هذا الجمع شاملاً للأحرف السبعة التي بها نزل القرآن تيسيرا على الأمة الإسلامية2.
1 المنبهة، الأبيات: 162 –178.
2 راجع منجد المقرئين: 22، ومناهل العرفان: 1/254.
مصحف، وهي مصاحف فردية، ليست لها تلك الثقة ولم تنل حظها من الدقة والتحري، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والمزايا التي ذكرناها سابقاً، ولم يحجر أبو بكر على أحد جمع وكتابة مصحف لنفسه، فكتابة القرآن أمر مسموح لجميع المسلمين، وكان الصحابة يكتبونه لأنفسهم، منهم أبي بن كعب1، وابن مسعود
…
وغيرهما من الصحابة، وإذا كان بعض المصاحف قد سبق في الوجود على صحف أبي بكر فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال2.
المطلب الخامس: وسائل الجمع:
لم تكن وسائل الكتابة وأدواتها متوفرة وميسرة في عصر الصحابة وما قبله، فكان الناس يستخدمون لتسجيل أفكارهم وأشعارهم ومعاهداتهم ووثائقهم وسائل مختلفة من الأحجار والجلود والعظام والأخشاب وما إلى ذلك من الأشياء المتوفرة لديهم، وذلك لندرة الورق، وهذه الوسائل نفسها هي التي استخدمها الصحابة لكتابة الوحي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فمما ورد ذكره في روايات مختلفة نستطيع أن نعرف بها تلك الوسائل، وهي كالآتي:
العسب، اللخاف، الرقاع، الأضلاع، الأكتاف، قطع الأديم، القضم، الظرر، القراطيس، الصحف، الكرانيف.
هذه الأشياء هي التي ورد ذكرها في كتابة القرآن الكريم في عهد الصحابة رضي الله عنهم وقد حاولت استقصاءها مما يتوفر لدي من مراجع – وفيما يلي نعرف كل ما ذكر من ذلك:
(العسب) : جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخُوصَ ويكتبون في الطرف العريض منه3.
1 الإتقان: 1/72.
2 راجع مناهل العرفان: 1/254 –255.
3 راجع اللسان، مادة (عسب) : 1/598، وفي النهاية لابن الأثير:(3/234) : هي السَّعفة مما لا ينبت عليه الخوص، وانظر: القاموس المحيط، ص:147.