المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتف به من قرائن وملابسات - جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها

[عبد الكريم بن زيد عكوي]

الفصل: ‌مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتف به من قرائن وملابسات

أَرَادُوا مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} وَجَعَلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُحُدٍ.

فهذه أمثلة من منهج علماء الإسلام في ترتيب مصادر السيرة والتعامل معها بحسب قوة منهجها. فلا يقدمون على كتاب الله تعالى شيئا ثم يثنون بكتب الحديث، ثم تأتي بعد ذلك المصادر الأخرى.

ص: 23

‌النقد الداخلي للأخبار

‌مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتف به من قرائن وملابسات

4-

النقد الداخلي للأخبار.

إن قواعد البحث والنقد التي سبق بيانها تتعلق كلها ببحث وتحليل العناصر الخارجية للخبر. فاستقصاء الطرق والأسانيد يحصل بها جمع أجزاء الخبر وضم بعضها إلى بعض. وتحكيم قواعد الرجال يتم به معرفة مراتب رواة الخبر من حيث العدالة والضبط مما يمكن من سبر روايتهم. وترتيب المصادر يمكن من الرجوع إلى المصادر الصحيحة المعتمدة. لكن هذه العناصر كلها إنما هي من متعلقات الخبر ولوازمه، وليس من مضمونه ومعناه. وهي جزء مهم من النقد، لكن النقاد ينظرون بعد ذلك إلى متن الخبر ومضمونه، فيحللون أجزاءه ومضامينه. فقد يكون المصدر المرجوع إليه مصدرا معتمدا في السيرة النبوية، مثل السنن الأربعة أو المسانيد أو غيرها من أمهات السنة النبوية، ورواته ممن تقبل روايتهم. لكن مع هذا كله يزيد النقاد في التثبت، فيتوقفون: لعل أحد هؤلاء الرواة قد حصل له وهم أو غلط، لأنه لا أحد يسلم من الغلط، لأن الثقة والأمانة لا تمنع من الوهم والخطأ. فالحكم بالثقة على الرجل

ص: 23

ليس قطعا بعدم احتمال صدور الخطأ منه، وإنما حكم بالظن الراجح. قال ابن الصلاح:" ومتى قالوا: "هذا حديث صحيح" فمعناه أنه اتصل سنده، مع سائر الأوصاف المذكورة. وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في حقيقة الأمر؛ إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". (1) . وبسبب هذا الاحتمال يعمد النقاد إلى النظر في متن الخبر فيحصرون عناصره المختلفة مثل ما ورد فيه من أعلام وأماكن ووقائع وغيرها، ثم يعرضونها على ما ثبت عندهم من الأخبار، وما تقرر من قواعد الشريعة وأصولها وقواعدها العامة، وما عرف من أصول العادة في أحوال البشر، وبناء على ذلك يكون الحكم على الخبر.

ويمكن تفصيل ذلك من خلال القواعد الآتية:

أ- مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتفُّ به من قرائن وملابسات

إن الأخبار والحوادث حلقات متصلة بعضها ببعض، فكل حدث له صلة بما بعده وما قبله، وكل واقعة لا تكون مستقلة بذاتها شاذة عن غيرها من الحوادث. ولهذا فإن التحقيق في الحدث التاريخي يوجب النظر فيه موصولا بغيره من الحوادث السابقة واللاحقة، مضموما إلى ما سواه من الأخبار والحوادث المتصلة بالزمان الذي يتعلق به، والمكان الذي يجري فيه.

ولهذا فإن الناقد من علماء الإسلام لا ينظر في الخبر معزولاً عن غيره، وإنما

(1) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث ص 83.

ص: 24

ينظر فيه آخذاً في الاعتبار كل ما يتصل به من الأخبار والحوادث، أي أنه يستحضر الإطار العام كله، فينظر في الخبر في انسجام مع الحوادث المتعلقة به سابقا ولاحقاً، وآخذاً بعين الاعتبار كل ما له صلة بالخبر المنظور فيه، وكل ما يتعلق بمضمونه وعناصره المتنوعة وكل ما يدخل في الظروف العامة للخبر. وإن هذه القاعدة – قاعدة استحضار ظروف الخبر ولوازمه- قاعدة عظيمة تدل على دقة مسلك النقد التاريخي عند علماء الإسلام، وتكشف تهافت ما تردد على بعض الألسنة من غفلة علماء الإسلام عن النقد الداخلي وفحص المتون، والاكتفاء بالنقد الخارجي المعتمد على أوصاف الرواة دون أحوال المتون.

وإن الظروف العامة للخبر متنوعة ومختلفة، ولا يمكن حصرها أو عدها، لأنها تختلف باختلاف الأخبار. فهي كل ما له تعلق بالخبر المنظور فيه من جهة موضوعه ومضمونه، ومن جهة الأطراف والعناصر المذكورة في الخبر، من أعلام وأشخاص ومواضع جغرافية، ومعالم حضارية وقيم فكرية ومعنوية.

والخطوة الأولى لعملية استحضار الظروف العامة للخبر هي حصر العناصر التي يتكون منها الخبر، فيتم تقسيمه إلى وحدات بحسب عناصره المتنوعة، فقد تكون عناصر جغرافية إذا ذكر في الخبر بلد أو موقع، وقد تكون عناصر فكرية وثقافية إذا كان الخبر يتعلق بقضية فكرية وعلمية، وقد تكون أعلاماً إذا ورد فيه أسماء أشخاص، وغيرها من العناصر المتنوعة التي يمكن أن يتضمنها الخبر. وهذه العناصر قد تكون منها عناصر أساسية هي صلب الخبر. وقد تكون ثانوية لأنها إنما تذكر فيه عرضا. وبعد حصر العناصر الواردة في الخبر، يعمد الناقد إلى كل عنصر فيبحث عنه مفصلا في مصادره ومظانه.

ص: 25

وكلما توسع الناظر في جمع ما يتعلق بالعناصر الواردة في الخبر، كان أكثر فائدة وأعظم لمعرفة حال الخبر المنظور فيه. مثال ذلك نقد العلماء لحديث صحيح من جهة رواته وإسناده وهو قول ابن عباس:"كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم"(1) . ولفحص هذا الخبر عمد النقاد إلى البحث خارج الخبر عما عرف واشتهر عن عناصره التي وردت فيه وهي: أبو سفيان بن حرب، وبخاصة زمن إسلامه، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، ومعاوية بن أبي سفيان. ولما استحضر الأئمة ما عرف من أحوال هذه العناصر ظهر أن هذا الخبر لا ينسجم معها، لأن المعروف في أخبار السيرة أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح، وأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة كان قبل ذلك بسنين. وفي ذلك يقول النووي:"إن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل"(2) . ولهذا حكم ابن حزم لهذا الحديث بالوضع (3) .

ومثاله أيضاً نقد الحافظ ابن حجر لخبر أورده الواقدي وهو أن قدوم

(1) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان.

(2)

"شرح النووي على صحيح مسلم" 16/63.

(3)

انظر "المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل" ص: 383.

ص: 26

ضمام بن ثعلبة على النبي صلى الله عليه وسلم كان سنة خمس. ولفحص هذا الخبر استحضر الحافظ ابن حجر رحمه الله الظروف العامة المتعلقة بالخبر فرجع إلى ما ثبت من أخبار عن قوم ضمام بن ثعلبة، وأخبار الوفود وغيرها. وهذا ما بينه بقوله عن هذا الخبر: "لكنه غلط من أوجه:

أحدها: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي عن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدا.

ثانيها: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة.

ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.

رابعها: في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد وهو ابن بكر بن هوزان في الإسلام إلا بعد وقعة حنين وكانت في شوال سنة ثمان

فالصواب أن قدوم ضمام كان سنة تسع" (1) .

ومن أمثلة ذلك أيضا نقد الخطيب البغدادي لخبر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجزية عن يهود خيبر، وكتب لهم عهدا بذلك، وأمر الإمام عليا بالكتابة، وأشهد سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان. فهذه وثيقة تاريخية يراد فحصها ونقدها. فلما نظر الخطيب البغدادي في الوثيقة قال: هذا مزور، قيل له وكيف عرفت ذلك؟ قال: لأن فيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات قبل فتح خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان، وإنما أسلم عام الفتح بعد فتح خيبر (2) . وإنما عرف الخطيب البغدادي زور هذه الوثيقة وعدم صحتها لما اعتبر بما يتصل بالعناصر الواردة في مضمونها، وبالظروف العامة التي ترجع إليها. فقد

(1)"فتح الباري" 1/152.

(2)

انظر " الوافي بالوفيات" 1/44-45، " الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ" ص:26.

ص: 27

استحضر ما يتصل بالوثيقة من أخبار السيرة النبوية، مثل فتح خيبر، وعلاقة النبي صلى الله عليه وسلم باليهود، وأخبار الصحابة خاصة تواريخ وفياتهم وزمن إسلامهم وحضورهم الغزوات والمشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستحضر أيضا أحكام الجزية في الإسلام فظهر له أن الوثيقة مجافية لجميع ذلك، فهي شاذة عن التوجه العام للمجتمع الإسلامي في عهد النبوة. وزاد ابن قيم الجوزية في العناصر المعتدّ بها، في قوله:"

إن الجزية لم تكن نزلت حينئذ ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك

إن فيه " وضع عنهم الكلف والسخر" ولم يكن في زمانه كلف ولا سخر ولا مكوس

إن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية عنهم، فإنهم حاربوا الله ورسوله وقاتلوا أصحابه، وسَلُّوا السيوف في وجوههم، وَسَمُّوا النبي صلى الله عليه وسلم، وآووا أعداءه

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسقطها عن الأبعدين مع عدم معاداتهم له كأهل اليمن

ليس في الصحابة رجل واحد قال: لا تجب الجزية على الخيبرية" (1) . فانظر: كيف يتحرك نظره رحمه الله خارج الوثيقة، وكيف ينتقل بين الأخبار المختلفة والحوادث المتنوعة، فينظر في الوثيقة مع اتساع نظره لينتشر خارجها ويستوعب كل ما يتصل بها، ويحتف بها من أخبار السيرة وأحكام الإسلام وشرائعه المتصلة بمضمون الوثيقة، وهي أحكام الجزية وعلاقة المسلمين بأهل الكتاب عامة واليهود خاصة. ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما فعله الإمامان أبو الفتح بن سيد الناس وشمس الدين الذهبي في فحص خبر بحيرى الراهب وهو عن أَبِي مُوسَى الأشعري. قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا أَشْرَفُوا

(1)"المنار المنيف في الصحيح والضعيف" ص: 94-97.

ص: 28

عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلا يَلْتَفِتُ قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ فَقَالَ إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إَِلا خَرَّ سَاجِدًا وَلا يَسْجُدَانِ إِلا لِنَبِيٍّ وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ قَالَ أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ. فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا؛ إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلالاً وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ* (1) . قال ابن سيد الناس: "في متنه نكارة وهي إرسال أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً، وكيف

(1) الخبر عند الترمذي في جامعه، كتاب المناقب، باب ما جاء في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، والحاكم في المستدرك 2/615 والطبري في تاريخه 2/277-278.

ص: 29

وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسنُّ من أبي بكر بأزيد من عامين، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم تسعة أعوام على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره، واثنا عشر على ما قاله آخرون، وأيضا فإن بلالاً لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً، فإنه كان لبني خلف الجمحيين، وعندما عذب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر رضي الله عنه رحمة له واستنقاذاً له من أيديهم، وخبره بذلك مشهور" (1) .

فقد نظر ابن سيد الناس في الخبر مع استحضار الأخبار المتصلة به والظروف العامة المحيطة به، وهي أخبار أبي بكر وتاريخه، وبلال بن رباح وعلاقته بأبي بكر وتاريخ عتقه، فتبين له أن الخبر لا يستقيم، ولو حصر نظره في الخبر منفرداً معزولاً عن غيره ما اجتمعت له هذه الفوائد.

وتبع أبا الفتح بن سيد الناس في ذلك الإمام شمس الدين الذهبي وزاد عليه في تفصيل نقد الخبر من داخله فقال:"

وأيضا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة، لأن ظل الغمامة يعدم في الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش ولا حكته الأشياخ مع توافر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده صلى الله عليه وسلم حس من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه. وأيضا فلو أثر

(1)"عيون الأثر" 1/55.

ص: 30

هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة؟ " (1) ولهذا حكم الذهبي على الخبر بقوله: "أظنه موضوعا وبعضه باطل" (2) فانظر سعة نظر الذهبي رحمه الله، وانتشار فكره خارج الخبر المنظور فيه ليستحضر وقائع بعيدة في الظاهر عن خبر بحيرى، لكن بالتدبر يظهر فائدتها في فحص الخبر. فبادئ النظر لا يجد وجها للصلة بين خبر بحيرى وبين دخول النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة بعد أن جاءه الوحي بحراء. وأيضا ما وجه الصلة بين خبر بحيرى وذهاب النبي إلى الجبال ليرمي نفسه؟ فهذه الوقائع تبدو بعيدة عن هذا الخبر، ولهذا فهي مظنة الغفلة عنها، ولن يستحضرها إلا من فطن لفائدتها وصلتها بالخبر المنظور فيه. ففي هذه الأمثلة يظهر كيف كان علماء الإسلام ينقدون متون الأخبار اعتمادا على الظروف العامة واللوازم والملابسات.

ومن فوائد استحضار الظروف العامة معرفة كون الخبر منسجما مع غيره من الأخبار والوقائع المعروفة المقررة، أو معارضته لذلك، فإن وجد ما يعارضه من الوقائع والأخبار الثابتة فإنه يكون موضعا للتوقف في صحته، أو يرد بالمرة، ولهذا يحرص النقاد – وهم ينظرون في متن الخبر- على استحضار ما قد يكون معارضا للخبر محل البحث والنظر، وهو ما يمكن تسميته باستحضار معارض الخبر.

(1)"السير" للذهبي 1 / 49، وانظر " السيرة النبوية الصحيحة" 1/107-108.

(2)

"تلخيص المستدرك" بهامش المستدرك 2/615-616.

ص: 31