المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ استحضار الكليات وتحكيم الأصول القطعيات: - جهود علماء المسلمين في تمييز صحيح السيرة النبوية من ضعيفها

[عبد الكريم بن زيد عكوي]

الفصل: ‌ استحضار الكليات وتحكيم الأصول القطعيات:

د-‌

‌ استحضار الكليات وتحكيم الأصول القطعيات:

ومعنى ذلك أن الناقد الفاحص لخبر من الأخبار لا تغيب عنه أصول الشريعة وأحكامها الكلية وما ثبت منها من القطعيات. فكل خبر يجب أن ينسجم مع أصول الشريعة. وكل خبر يناقض أصلا مقررا بالقطع في الشريعة يحكم عليه بالرد من غير تردد. ولهذا رد علماء الإسلام أخباراً وردت في السيرة، لما رأوها تعارض ما تقرر من عصمة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الأصل يوجب رد كل خبر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لصنم، أو مدحه أو أقر باطلا أو نحو ذلك مما لا يتفق مع أصل العصمة. وعلى هذا المنهج رد المحققون خبر قصة الغرانيق. وفيه: أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم مدح آلهة العرب وهي اللات والعزى ومناة. ففي بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس في ناد من أندية قومه، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ، فأنزل الله:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم:1] فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19–20] ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى

وقد رد النقاد هذا الخبر من جهات مختلفة، منها مناقضته لما ثبت بالقطع من أحكام الشريعة وأصول الملة. وفي هذا المعنى يقول ابن العربي المعافري في نقد الخبر: "اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه، أن الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به على من يشاء، ويصرفه عمن يشاء

ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغمَّاءَ، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشرة مقامات:

ص: 40

المقام الأول:

أن النبي إذا أرسل الله إليه المَلَك بوحيه، فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده، ولولا ذلك ما صحت الرسالة ولا تبينت النبوة

ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما وبلغت إليه قولا، لم يصح له أن يقول إنه من عند الله ولا ثبت عندنا أنه أمر الله

ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها أو يتشبه بها، ما أمناه على آية ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللبس وصح اليقين في النفس.

المقام الثاني:

أن الله قد عصم رسوله من الكفر وآمنه من الشرك، واستقر ذلك في دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه، فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشرك فيه طرفة عين، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال، فضلاً عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد.

المقام الثالث:

أن الله قد عرف الرسول بنفسه وبصره بأدلته وأراه ملكوت سمواته وأرضه، وعرفه سنن من كان قبله من إخوته، فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم، ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكباً على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه.

ص: 41

المقام الرابع:

تأملوا – فتح الله أغلاق النظر عنكم - إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس مع قريش تمنى ألا ينزل عليه من الله وحي، فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي صلى الله عليه وسلم آثر وَصْلَ قومه على وَصْلِ ربه، وأراد ألا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من ربه الذي كان حياة جسده وقلبه وأنس وحشته وغاية أمنيته! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة، فيؤثر على هذا مجالسة الأعداء.!

المقام الخامس:

وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له

لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله (1) فهذه - كما لا يخفى - كلها أصول مقررة في الشريعة جعلها ابن العربي حكما تعرض عليه الأخبار. بعد أن أقام رحمه الله الحجة على بطلان خبر الغرانيق، واستحالة وقوعه لمناقضته أصول الشريعة، عبر عن هذا المنهج الذي اعتمده وأوصى به من أراد التحقيق فقال:"وقد أوعدنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم وحروفه أمامكم". (2) وذلك لأن القرآن والسنة الصحيحة هما الأصل المعتمد في معرفة أصول الشريعة وكلياتها.

(1) أحكام القرآن 3 / 1300 – 1301.

(2)

نفسه 3 / 1303.

ص: 42