المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها - حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته

[سليمان الحقيل]

الفصل: ‌الفصل الثالث: الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها

‌الفصل الثالث: الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها

أوضحنا في الفصل السابق حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنبثقة من عقيدته التي لخصها في رسالته لأهل القصيم وقلنا: إن دعوته لست مذهباً جديداً وإنما هي دعوة إلى العودة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع

وبينا أن أساس الأسس التي قامت عليه هذه الدعوة السلفية المباركة هو تحقيق التوحيد وإخلاصه لله جل وعلا، وبينا كذلك أن غاية هذه الدعوة المباركة هي تحقيق العبودية الخالصة لله جل وعلا.

وبالرغم من وضوح حقيقة الدعوة، وشرعية الأسس التي قامت عليها، ونبل الغاية والأهداف التي سعت إلى تحقيقها، بالرغم من ذلك فقد واجهت الدعوة معارضة شديدة وأثار خصومها العديد من الشبهات والمفتريات والأكاذيب.

ص: 119

أولا: حجم المعارضة التي واجهتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وأهم مظاهر هذه المعارضة.

ثانيا: الأسباب والدوافع لمعارضة دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية من قبل معارضيها.

ثالثا: أشهر المعارضين للدعوة.

رابعا: استعراض بعض الشبهات والمفتريات والأكاذيب التي أثيرت حول الدعوة والرد على هذه الشبهات من خلال مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومؤلفات أتباعه.

أولا: حجم المعارضة الداخلية التي واجهتها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومظاهر هذه المعارضة

يلاحظ الباحث في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية أنها واجهت معارضة شديدة، وقد بدأت المعارضة الداخلية من الرياض ثم امتدت وتوسعت حتى شملت معظم مناطق نجد تبعا لتوسع قاعدة الدعوة، وقد شملت هذه المعارضة الخرج وحرمة وحريملاء وثرمداء ومدن سدير والوشم والقصيم وغيرها من مناطق نجد.

وكانت المعارضة إما سياسية من جهة الأمراء والحكام، وإما معارضة علمية من جهة العلماء. بل كان هناك ما يشبه التعاضد والتكاتف بين المعارضتين السياسية والعلمية، كما يبدو من المعارضة الشديدة والطويلة الأمد من دهام بن دواس أمير الرياض ضد هذه

ص: 120

الدعوة السلفية، ومعه الخصم العنيد والعدو اللدود لهذه الدعوة، وهو سليمان بن سحيم مطوع الرياض.

ويبدو هذا التعاضد أيضا، في معارضة سليمان بن عريعر أمير الأحساء لعثمان بن معمر أمير العيينة حين آزر الشيخ الإمام في بداية دعوته، وتهديده بقطع معونته الاقتصادية، فقد عززت هذه المعارضة ما فعله محمد بن عفالق أحد علماء الأحساء، حيث كتب رسالة لابن معمر، ثم تلاها برسالة أخرى يحرضه ضد هذه الدعوة، ويشككه فيها، ويورد الشبهات والدعاوى التي يحاول ابن عفالق بواسطتها إقناع ابن معمر بالتخلي عن هذه الدعوة، والتخلص من صاحبها1.

ويذكر الدكتور عبد الله العثيمين أن أكثر من عشرين عالما وطالب علم قد عارضوا دعوة الشيخ حيث يقول: "واضح من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب" أن دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل بعض علماء نجد، فالمتتبع يلاحظ أن أكثر من عشرين عالما أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، ويأتي في مقدمة هؤلاء المعارضين عبد الله المويس من حرمة، وسليمان بن سحيم من الرياض، ويستفاد من هذه الرسائل أن معارضي الشيخ من النجديين كانوا مختلفي المواقف، فمنهم من عارض واستمر في معارضته مثل المويس، ومنهم من كان يعترف في بداية الأمر بأن ما جاء به الشيخ أو بعضه حق، لكنه غير موقفه مع مرور الزمن مثل ابن سحيم، ومنهم أيضا من كان متأرجحا في تأييده ومعارضته مثل عبد الله بن عيسى"2.

1 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 30.

2 جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بحوث أسبوع الشيخ، 1403 هـ، ج 2، ص 108 - ص 109.

ص: 121

كما أوضح الدكتور العثيمين أوجه المعارضة النجدية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله:

"تبين الرسائل الشخصية للشيخ الإمام، أن نشاط المعارضة النجدية كان مختلف الجوانب، وفي مقدمة أوجه ذلك النشاط الكتابة ضدها والمتأمل في هذه الرسائل يرى كثرة تلك الكتابة، وإن كان من المتوقع أن أغلبها لم يكن طويل المحتوى.

الوجه الثاني: من أوجه نشاط المعارضة النجدية، مجادلة ابن إسماعيل جماعة الشيخ في ثرمداء، ومجادلة سليمان بن سحيم لابن صالح في الرياض.

الوجه الثالث: الاتصال بالعلماء وذوي النفوذ خارج نجد وتحريضهم ضد الشيخ ودعوته، مثل إرساء أصحابه إلى أهل الكواز، وقبة رجب، يخبرونهم بإنكار الشيخ لما هم عليه، يستثيرونهم ضده، كما ركب المويس مع ابن ربيعة وابن إسماعيل على أهل قبة أبي طالب وأغروهم بعدم اتباع الشيخ، وواضح أن الاستنجاد بالخارج يعكس إدراك المعارضين النجديين لضعفهم أمام دعوة الشيخ وفشلهم في إيقافها.

الوجه الرابع: من وجوه نشاط المعارضين المحليّين: ترويج الكتب التي ألفها علماء غير نجديين ضد الدعوة بين الناس كما روج المويس وابن عبيد كتاب القباني البصري، وكما روج المويس وابن إسماعيل كتاب ابن عفالق1.

1 بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 1، مرجع سابق، ص 113.

ص: 122

هذه أبرز أوجه كيد المعارضة النجدية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية كما ذكر الدكتور عبد الله بن صالح العثيمين.

وعلى العموم فإنه يمكن تلخيص مظاهر هذه المعارضة فيما يلي:

1-

عمد المعارضون لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الاستهزاء والسخرية من الدعوة وأتباعها.

2-

نشر الدعايات الكاذبة والإشاعات المغرضة عن إمام الدعوة بين أوساط العلماء.

3-

كتابة الكتب والرسائل وإرسال بعض البعوث للأمراء والعلماء في المدن والقرى والبوادي ضد هذه الدعوة وأتباعها.

4-

التضييق عليها بقطع الإمدادات والمؤن والمساعدات وحصارها اقتصاديا.

5-

حمل السلاح بقطع الإمدادات والمؤن والمساعدات وحصارها اقتصاديا.

6-

السعي ضدها لدى الخلافة العثمانية ودولة الأتراك في الحجاز والولاة في الشام ومصر والعراق واليمن وغيرها وإثارة الشبهات حولها ودعوة الناس إلى حصارها والقضاء عليها.

ص: 123

ثانيا: الأسباب والدوافع لمعارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية من قبل معارضيها

تحدث كثير من العلماء عن الأسباب والدوافع لمعارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية من قبل خصوم الدعوة. فقد ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - أن خصوم الدعوة في الحقيقة ثلاثة أقسام:

علماء منحرفون يرون الحق باطلاً والباطل حقاً، ويعتقدون أن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها ودعاءها من دون الله والاستعانة بها وما أشبه ذلك دين وهدى، ويعتقدون أن مَنْ أنكر فقد أبغض الأولياء، وهو عدو يجب جهاده.

وقسم آخر: من المنسوبين للعلم جهلوا حقيقة هذا الرجل، ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين، وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بعض الأولياء والأنبياء ومن معاداتهم وإنكار كراماتهم. فذموا الشيخ وعابوا دعوته ونفروا عنه.

وقسم آخر: خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنَزلهم عن مراكزهم وتستولي على بلادهم. ويضيف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز موضحا أسباب

ص: 124

العداوة والنّزاع بين الشيخ وخصومه قائلا: "فالأسباب الثلاثة المتقدمة آنفا هي أسباب العداوة، والنّزاع بينه وبين الناس وهي:

أولا: إنكار الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص.

ثانيا: إنكار البدع والخرافات، كالبناء على القبور واتخاذها مساجد ونحو ذلك كالموالد والطرق التي أحدثها طوائف المتصوفة.

ثالثا: أنه يأمر الناس بالمعروف، ويلزمهم به بالقوة فمن أبى المعروف الذي أوجبه الله عليه، ألزم به وعزر عليه إذا تركه وينهى الناس عن المنكرات، ويزجرهم عنها ويقيم حدودها، ويلزم الناس بالحق، ويزجرهم عن الباطل1.

نعم. لقد استنكر أدعياء العلم والعوام والرعاع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وناصبوها العداء، لأنها خالفت عوائدهم الشركية ومألوفاتهم البدعية.

وبالإضافة إلى هذه الأسباب هناك سبب لهذه الخصومة والمعاداة للدعوة السلفية، وهو ما ألصق بهذه الدعوة وبصاحبها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوة منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة، عمت البلاد والعباد، فقد ألصق أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها، فزعموا أنها مذهب خامس،

1 سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الإمام محمد بن عبد الوهاب، دعوته وسيرته، 1403 هـ، ص 35 - ص 36.

ص: 125

وأنهم خوارج يستحلون دماء وأموال المسلمين، وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقص الرسول صلى الله عليه وسلم

إلى آخر تلك المفتريات.

وبجانب هذه الأسباب للمعارضة الداخلية يوجد سبب رئيس للمعارضة الخارجية، وهذا السبب في حقيقته سياسي ناتج عن الصراع والنّزاع بين أتباع الدعوة السلفية، وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع الدعوة السلفية والأشراف من جهة أخرى. وقد عمدت القوى المعادية للدعوة السلفية إلى إثارة البلبلة والتحريض على مقاومة ومعارضة الدعوة السلفية وقد أشار إلى هذه الحقيقة كثير من الباحثين والمحققين.

ويقول محب الدين الخطيب: "كان الأستاذ محمد عبده رحمه الله يستعيذ بالله من السياسة ومن كل ما يتفرع منها لأنها إذا احتاجت إلى قلب الحقائق وإظهار الشيء بخلاف ما هو عليه اتخذت لذلك جميع الأسباب، واستعانت على ذلك بمن لهم منافع شخصية من وراء إعانتها فتنجح إلى حين في تعمية الحق على كثير من الخلق. ومن هذا القبيل ما كان يطرق آذان الناس في مصر والشام والعراق وسائر بلاد الشرق الأدنى في المائة سنة الماضية من تسمية الدعوة التي دعا بها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله باسم "الوهابية" " اتهاما بأنها مذهب جديد".

ويقول محمد بن عبد الله ماضي موضحاً أن العامل السياسي كان وراء التشنيع على الدعوة السلفية التي يعبر عنها بالوهابية "عامل

ص: 126

سياسي يرجع إلى الخلاف الذي قام بين آل سعود الوهابيين وبين الدولة العثمانية.. ذلك الخلاف الذي سبب الحرب النجدية المصرية بين محمد علي والوهابيين، والذي صحبه وترتب عليه كثير من الدعايات ضد الوهابيين خصوم الدولة السياسيين وإظهارهم بمظهر المعتدي على الدين الخارج على تعاليمه حتى تسهل مقاومتهم وتيسير القضاء عليهم.

كذلك الخلاف السياسي بين آل سعود الوهابيين وبين أشراف مكة ثم بينهم وبين زعماء نجد المسلمين"1.

وقد وضح الشيخ محمد رشيد رضا بعض ما فعله أشراف مكة ضد الدعوة السلفية يقول: "كانت جريدة القبلة - لسان الملك حسين آنذاك - تكيل التهم والأكاذيب على هذه الدعوة السلفية، وقد أصدر الملك حسين عدة منشورات في جريدة القبلة سنة 1336هـ وسنة 1337هـ رمى الوهابيين بالكفر، وقذفهم بتكفير أهل السنة والطعن في الرسول.. وقام بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إلى الأشراف بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب، ثم سرى ذلك إلى مصر وظهر له في بعض الجرائد"2.

"إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض، كان لتنفير

1 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 74.

2 المختار من مجلة المنار، مرجع سابق، ص 16.

ص: 127

المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الأتراك أن يقيموا دولة عربية، ولذلك أن الناس يهيجون عليهم تبعا لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكتت ريح السياسة"1.

"ذلك بأن أمراء مكة تصدوا لمقاومة دعوة الإصلاح والتجديد الوهابية من بدء ظهورها، فأذاعوا في العالم الإسلامي كله أنها دعوة كفر وابتداع وعداوة للمسلمين والإسلام، وكان مقامهم بمكة المكرمة مسهلاً لهم ذلك، وصَدَّقَهُم أكثر الناس الذين هم أتباع كل ناعق وسعوا لحمل الدولة العثمانية على قتال آل سعود وهي استعانت على ذلك بالدولة المصرية"2.

ومن أسباب معارضة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية دفاع خصوم الدعوة "عن معتقداتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة؛ فإنه لما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات، وانتشار البدعيات واستفحال الخرافات، والغلو في الأموات، والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها

فلما غلب ذلك على حال عامة المسلمين، فإن هؤلاء المتصوفة والرافضة وجدوا في هذا الواقع الآسن مرتعاً خصباً لبث سمومهم العقدية.

1 المختار من مجلة المنار، مرجع سابق، ص 16.

2 المختار من مجلة المنار، مرجع سابق، ص 36 - ص 37.

ص: 128

فلما بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاساته، وتدعو الناس إلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه، أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، فحشد أولئك الخصوم قواهم وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي - وغيرها - ويزينونه للناس ويزعمون أنه الحق.

فنجد الصوفية أثناء ردهم على الدعوة السلفية يتبجحون بصوفيتهم ويفتخرون بانتسابهم إلى الطرق الصوفية كالنقشبندية أو القادرية أو التيجانية ويدافعون على التصوف وأدعيائه1.

ومن أسباب المعارضة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية تحريض القوى الاستعمارية آنذاك الفرنسية والبريطانية والهولندية والإيطالية ضد الدعوة وصاحبها وأتباعها. ويعود اهتمام الدول الاستعمارية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أن الدعوة السلفية انتشرت خارج الجزيرة العربية وأصبح لها أتباع سواء في الدول الإسلامية أو الدول التي يوجد بها أقليات مسلمة. وقد حمل المسلمون الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية راية المقاومة ضد القوى الاستعمارية فما كان من الدول الاستعمارية إلا أن أخذت

1 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 74 - ص 75.

ص: 129

تحرض بكل السبل ضد هذه الدعوة مشككة في مبادئها وأهدافها وصولاً إلى تفتيت وحدة المسلمين لضمان السيطرة عليهم واستعمار بلادهم وانتهاب خيراتهم. وسوف نتحدث إن شاء الله بشيء من التفصيل عن دور الدول الاستعمارية هذا عندما نرد على الشبهة القائلة بأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجية.

هذه بعض الأسباب الكامنة وراء معارضة المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.

وأختتم هذا الموضوع برأي لفضيلة الشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل طامي حول الأسباب التي أدت لنفرة الكثيرين عن الشيخ وأتباعه عند ظهور الدعوة، وقد حددها الشيخ في ثلاثة أسباب:

1-

كانت العامة في سائر الأقطار الإسلامية، تنظر إلى دولة الأتراك إذ ذاك، أنها دولة الخلافة، وأنها هي القائمة بنصرة الدين ومحاربة الكافرين وحماية شريعة سيد المرسلين. رأوها تحارب هذه الدعوة السلفية النجدية، حتى إنها أرسلت الجيوش لمحاربة آل سعود وقمعهم.

2-

كانت تسمع من علمائهم ذم الدعوة والشيخ والعلماء الصغار، كانوا يقتدون بعلمائهم الكبار الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الدعوة،

ص: 130

والدعاية ضدها.

3-

سمع الحجاج الوافدون إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماء مكة والمدينة، ولعلماء مكة والمدينة - التقديس التام من العوام، والانقياد الكامل لأقوالهم ضد الشيخ وأتباعه، الشيء الكثير من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين، ويهدمون قبابهم، ويمنعون من زيارة القبور، ويقولون عصا أحدنا خير من"محمد" ولا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم ويمنعون زيارته، فلهذه الأسباب التي ذكرناها، أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه، واعتقدوا أنه وأتباعه على غير حق"1.

ثالثا: من أشهر المعارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية

عارض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عدد كبير من الحكام والأمراء، ومن العلماء وطلاب العلم. وسبق أن أشرنا إلى أن المعارضة كانت إما معارضة سياسية وإما معارضة علمية.

والمعارضة السياسية كانت تتمثل في المعارضة الداخلية من حكام وأمراء نجد كما تتمثل في المعارضة الخارجية التي تتمثل في الدولة التركية، ودوله الأشراف في الحجاز والدول الاستعمارية آنذاك، والتي انتهجت أسلوب التحريض ضد هذه الدعوة السلفية.

1 الشيخ أحمد بن حجر آل طامي، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الكويت، الدار السلفية، الطبعة الرابعة، 1403 هـ، ص 67 - ص 68.

ص: 131

لن نتحدث عن المعارضة السياسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا المقام، فأصحاب هذه المعارضة جميعاً كانوا يدافعون عن دنياهم وما يحوزون من متاعها ويخشون أن تمتد آثار الدعوة إلى ما تحت أيديهم من هذه الدنيا، في حين أنهم في شغل بدنياهم عن دينهم، الذي يتولاه عنهم أصحاب المناصب من علماء الدين.

وإذن فالذي يهمنا ويعنينا هنا هو موقف العلماء وطلاب العلم من الدعوة السلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لقد وقف في وجه هذه الدعوة علماء خانوا أمانة العلم، قالوا غير الحق، وكانوا فيمن قال الله عنهم:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] .

"فلقد انبرى هؤلاء العلماء الذين كان يرجى منهم إصلاح ما فسد من أمر الناس في دينهم وأن يقيموا الناس على الصراط المستقيم، ودين الله القويم، انبرى هؤلاء المتاجرون بالدين لإغراق الناس في الضلال وإغراقهم بما هم فيه، وأنه هو الحق فكان أن انقاد الناس لهم.

لقد انبرى هؤلاء العلماء.. يرمون دعوة التوحيد والداعي إليها والمجتمعين على الدعوة والداعي بالإفك والبهتان وبالمروق من الدين،

ص: 132

وابتداع دين جديد، يحل محل الإسلام، وأنهم يتهجمون على مقام النبي صلى الله عليه وسلم وينالون من أولياء الله، أصحاب الأضرحة والقباب ويكفرون من يزورونهم وينذرون لهم، ويطلبون المدد والعون منهم.. إلى غير ذلك مما استخرجه هؤلاء العلماء من عقولهم الضالة وقلوبهم المريضة، من إفك وبهتان يرمون به في وجه الدعوة ويثيرون العامة عليها، ويحرضون الحكام على القضاء عليها وعلى كل من يستجيب لها"1.

وحتى تكون الصورة أكثر وضوحاً وبياناً لبعض مكائد بعض العلماء، خصوم الدعوة السلفية وتكالبهم ضدها، بمختلف السبل، نستعرض بعض النقول المختارة من الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله والتي توضح بكل جلاء ضخامة الكيد والعداء من قبل بعض العلماء ضد الدعوة السلفية، كما توضح حجم المعاناة ومقدار المشقات التي واجهها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل دعوته2.

ففي رسالة الشيخ الذي أجاب بها أهل القصيم عندما سألوه عن عقيدته أشار الشيخ إلى خصم الدعوة الأول سليمان بن سحيم فيقول: "وبلغني أن رسالة ابن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض

1 بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج 2، مرجع سابق، ص 160.

2 بتصرف من كتاب دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 33 -.

ص: 133

المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي"1.

ويذكر الشيخ في رسالة لابن عباد مطوع ثرمداء بعضاً من مناهض المعارضين - في نجد - ضد الدعوة السلفية فيقول: "وكذلك أحمد بن يحيى راعي رغبة عداوته لتوحيد الألوهية والاستهزاء بأهل العارض لما عرفوه، فإنه كان يقر أحيانا عداوة ظاهرة.. وكذلك ابن إسماعيل إنه نقض ما أبرمت معه في التوحيد، وتعرف أنه عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة كله من أوله إلى آخره في إنكار توحيد الألوهية.. وهذا الكتاب فهو عند المويس وأتباعه مثل ابن سحيم وابن عبيد يحتجون به علينا ويدعون الناس إليه"2.

ويصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لعبد الرحمن بن ربيعة مطوع ثادق بعض ما يقوم به المعارضون من جهود لصد الناس عن الدعوة السلفية فيقول: "فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى عندنا في إنكار هذا الدين والبراء منه، وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه، فإن استقمت على التوحيد وتبينت فيه ودعوت الناس إليه، وجاهرت بعداوة هؤلاء خصوصاً ابن يحيى؛ لأنه

1 مؤلفات الشيخ، ج 5، ص 11.

2 مؤلفات الشيخ، ج 5، ص 26.

ص: 134

من أنجسهم وأعظمهم كفراً، وصبرت على الأذى من ذلك، فأنت أخونا وحبيبنا"1.

ومع ما بذله خصوم الدعوة من جهود لإثارة الشبهات حول الدعوة السلفية وصاحبها وأتباعها، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بذل ما في وسعه لهداية هؤلاء الخصوم وعمل كل ما من شأنه تهيئة السبل والوسائل لتحقيق ما يؤدي إلى استقامتهم والتزامهم بمتابعة الحق المؤيد بالدليل، ويظهر اللين والتلطف معهم، كما هو واضح في رسالته لعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف أحد علماء الأحساء، حيث يقول:"فإني أحبك وقد دعوت لك في صلاتي، وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القويم"2.

هذه لمحة موجزة عن موقف بعض العلماء من الدعوة السلفية. لقد عارض العديد من العلماء هذه الدعوة السلفية للأسباب التي أشرنا إليها. ونظراً لكثرة العلماء المناوئين لدعوة الشيخ فلن نستطيع في هذا المقام أن نأتي على ذكرهم جميعاً، لذا فسوف نقتصر على ذكر بعض العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وهم:

1 - سليمان بن محمد بن سحيم المتوفى في"1181هـ"، كان من علماء الرياض وبعد سقوط الرياض في يد الدولة السعودية الأولى غادر للأحساء،

1 مؤلفات الشيخ، ج 5، ص 167.

2 الدرر السنية، ج 1، ص 32.

ص: 135

كان من ألد أعداء الدعوة السلفية، وكان أول هن بدأ نسب الأكاذيب والافتراءات إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكانت رسالته المملوءة بالأكاذيب والشبهات والمفتريات ضد الدعوة السلفية من أشد الرسائل التي استخدمت من قبل المعارضين لتشويه الدعوة السلفية، وقد بعث بتلك الرسالة الهادفة لتزوير وتحريف مبادئ الدعوة السلفية إلى سائر الأقطار والأمصار الإسلامية يستحثهم ويحرضهم ضد صاحب الدعوة، ولقد كان لهذه الرسالة الوقحة آثار سيئة ضد الدعوة وصاحبها وسوف نورد هذه الرسالة عند الحديث عن الشبهات المثارة ضد الدعوة السلفية والرد عليها.

2-

محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي أصلا الأحسائي المولد، كان من ضمن من ناصب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العداء وكاد لها بمختلف أنواع الكيد والمكر، ومن جملة أعماله ضد دعوة الشيخ أنه ألف كتاباً في الرد على هذه الدعوة السلفية بعنوان "الرسالة المرضية في الرد على الوهابية"1.

3-

من العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب محمد بن عبد الرحمن بن عفالقكانت لهذا المعارض مكانة علمية

1 للمزيد من المعلومات عن محمد بن فيروز وكتابه، انظر: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 41، وانظر أيضا ابن بسام، علماء نجد، ج 3، ص 882 - ص 886.

ص: 136

في الأحساء وله طلاب كثيرون، وقد أدرك أول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول أمرها حيث توفي"1163هـ" فعاداها أشد العداء وكاد لها. وقد ألف رسالة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عنوانها "تهكم المقلدين من مدعي تجديد الدين". والأسلوب الذي كتبت به هذه الرسالة يحمل طابع الغرور والتحدي، وقد تضمنت أسئلة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعجيزية تهكمية، وكان هدف ابن عفالق من كتابة هذه الرسالة الطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والنيل منه والاستخفاف به.

كما ألف ابن عفالق رسالة وجهها إلى عثمان بن معمر أمير العيينة يشككه في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويطعن فيها بهدف تخلي عثمان بن معمر عن نصرتها في بادئ الأمر، ومما ادعاه ابن عفالق في هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يخالف ابن تيمية وابن القيم في مسائل التوحيد. ولما لم يستجب عثمان بن معمر لطلب ابن عفالق، كتب ابن عفالق رسالة شنع فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن معمر ورماهما بتكفير المسلمين وتضليلهم.

4-

عبد الله بن عيسى المويس، قاضي حرمة توفي في"1175هـ"، كانت عداوته للدعوة ظاهرة وقد حذر الشيخ محمد بن عبد الوهاب منه وبين أعماله وتشير رسائل الشيخ أن المويس من أخطر أعداء الدعوة بالرغم من أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حاول أن يبين له وجه الحق

ص: 137

فيما اعترض عليه بأسلوب هادئ ولكن لم يستجب لداعي الخير.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب موضحاً صدود المويس عن الحق.. "هذا ابن إسماعيل والمويس وابن عبيد جاءتنا خطوطهم في إنكار دين الإسلام وكاتبناهم، ونقلنا لهم العبارات، وخاطبناهم بالتي هي أحسن وما زادهم ذلك إلا نفورا"1.

ويقول عن عبد الله بن مويس: "استدعيته أولا بالملاطفة وصبرت منه على أشياء عظيمة"2.

5-

محمد بن عبد الله بن حميد"توفي 1295هـ" من العلماء الذين كتبوا ضد الدعوة يقول ابن بسام: "إن المترجم له بحكم وظيفته يتبع الدولة العثمانية - مفتي الحنابلة بالحرم المكي - التي حاربت العقيدة السلفية وبحكم وجود المترجم له بعد النكبة التي أصابت الدعوة السلفية في بلادها فقضت عليها وكثرت أعداؤها والموالون لأضدادها، وبحكم قراءته خارج نجد على علماء نذروا أنفسهم لمحاربة هذه الدعوة فإن هذه المؤثرات طبعته بطابعها الخاص، وجعلت منه خصماً وحليفاً لأعدائها"3.

6-

أحمد بن زيني دحلان:"توفي 1304 هـ"، كان مقيماً بالبلد

1 روضة الأفهام ج 1، ص 172.

2 روضة الأفهام ج 1، ص 103.

3 علماء نجد، مرجع سابق، ص 865 - ص 866.

ص: 138

الحرام، وكان مفتي الشافعية في مكة المكرمة، وقد استطاع بسط نفوذه على كثير من طلبة العلم الوافدين إلى هذا البلد الأمين من شتى آفاق الإسلام، ملتمسين النور من مطلع الرسالة الإسلامية، حيث أقام هذا الرجل مصيدة يوقع في حبالها باسم العلم هؤلاء الوافدين لطلب العلم.. لقد عمد أحمد دحلان إلى بث الأكاذيب والمفتريات والشائعات الخبيثة ضد الدعوة السلفية وصاحبها:"ولقد كان لتلك الأكاذيب التي تقولها على الدعوة وأنصارها انتشار بين الناس، خاصة عند الحجاج القادمين من سائر أقطار المسلمين".

وضمن كتبه التي ألفها ضد الدعوة السلفية، رسالته المسماة:"الدرر السنية في الرد على الوهابية"1.

وهذه الرسالة كلها خلط وهذيان محموم وترهات من هنا وهناك نقلها من كتب المتصوفة وغيرهمثم جاء بهذا الخليط من اللغو يحاج به دعوة التوحيد من غير حياء أو خجل.

هذه أسماء بعض العلماء الذين عارضوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، ويطول بنا المقام لو تحدثنا عن كل من عارض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ولقد تصدى علماء الدعوة لهؤلاء المعارضين ومؤلفاتهم، وردوا

1 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 51.

ص: 139

لدحض أكاذيب الخصوم والرد على شبهاتهم ومناظرتهم ومناقشتهم. وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من أوائل الذين كتبوا الردود ضد مؤلفات الخصوم، وقد تضمنت رسائله الشخصية مختلف الردود، وأنواع الأجوبة على دعاوى الخصوم ورسائلهم.. كما تضمنت رسائل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ردوداً كثيرة وأجوبة نافعة ضد مؤلفات المناوئين ورسائلهم منها:

النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين.

وكذلك رسالة: "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وغيرهما.

كما ألف الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين"1282 هـ" مفتي الديار النجدية - آنذاك - كتابا بعنوان "تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس".

كما ألف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المتوفى"1292 هـ" كتابا رد فيه على ابن جرجيس بعنوان: "منهاج التأسيس والتقديس في الرد على داود ابن جرجيس".

وقد كان للشيخ عبد اللطيف رسائل زخرت بالحجج الدامغة والردود النافعة على دعاوى خصوم الدعوة السلفية.

وممن تصدوا بالرد على خصوم الدعوة بكل جدارة واقتدار الشيخ سليمان بن سحمان"المتوفى 1349 هـ"، وقد تعددت مؤلفاته رحمه الله في هذا الميدان ومنها:"كشف غياهب الظلام عن جلاء الأوهام".

ص: 140

و"الصواعق المرسلة الشهابية في الرد على الشبهة الشامية" و "الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق"، يعني جميل الزهاوي.

ولعل فيما ذكرناه من أمثلة لردود بعض علماء الدعوة السلفية على خصومها ما يوضح جهود علماء الدعوة السلفية للتصدي لمؤلفات المناوئين للدعوة السلفية وكشف باطل هؤلاء الخصوم.

رابعا: أهم الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليها:

بالرغم من سلامة الأسس التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، ونبل الغاية التي قامت من أجلها، ووضوح الأهداف التي سعت لتحقيقها بالرغم من ذلك كله، فقد تعرضت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية للنقد من قبل خصومها وأثيرت حولها شبهات كثيرة يصعب حصرها، إذ إن هذه الشبهات في حقيقة أمرها ما هي إلا أكاذيب ومفتريات وأضاليل والكذب لا نهاية له والضلال لا حدود له.

ولكون رسالة سليمان بن سحيم، خصم الدعوة الأول التي أرسلها إلى أهل البصرة والأحساء وغيرهم يشنع فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويفتري عليه أشياء باطلة تتضمن كثيرا من الشبه المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، نوردها بنصها ثم نورد جواب الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذه الرسالة وتفنيده لما ورد فيها من إفك وضلال، كما نورد

ص: 141

رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على الشبهات المثارة حول الدعوة السلفية، وفيما يلي نص رسالة سليمان بن محمد بن سحيم1.

"من الفقير إلى الله تعالى سليمان بن محمد بن سحيم إلى من يصل إليه من علماء المسلمين، وخدام شريعة سيد ولد آدم من الأولين والآخرين.

سلام عليكم ورحمه الله وبركاته

أما بعد:

فالذي يحيط به علمكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدع، مضل ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل، جرت منه أمور فظيعة، وأحوال شنيعة منها: شيء وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعد أماكننا بعد، فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين، وورثة سيد المرسلين، ليصيدوا هذا المبتدع صيد أحرار الصقور لصغار بغاث الطيور، ويردوا بدعه وضلالاته وجهله وهفواته.

والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين، جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.

فمن بدعه وضلالته أنه عمد إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكائنين في الجبيلة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها لأجل أنهم في حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدر ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافن لهم خالد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1 حسين بن غنام، تاريخ نجد "روض الأفكار" تحقيق ناصر الدين الأسد، مصر، مطبعة المدني، الرسالة السابعة، ص 293 - ص 294.

ص: 142

وعمد أيضا إلى مسجد في ذلك وهدمه، وليس داع شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى.

ومنها: أنه أحرق "دلائل الخيرات" لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا، وحرق أيضا "روض الرياحين" وقال: هذا روض الشياطين.

ومنها: أنه صح عنه أنه يقول: لو أقدر على حجرة الرسول هدمتها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب.

أما سمع قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .

ومنها: أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وتصديق ذلك أنه بعث إليّ كتاباً يقول فيه: أقروا أنكم قبلي جهال ضلال.

ومن أعظمها: أن من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حق يقطع بكفره ومن وافقه وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقاً محضاً، أو مكاسا، وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله.

ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتاباً مع بعض دعاته بخط يده، وحلف فيه بالله: أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم - في زعمه، وإلا فليس له مشايخ - ولا عرفه أبوه، ولا أهل "العارض ".

ص: 143

فيا عجبا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه، ولا أهل قطره، فمن أين علمه..؟ وعن من أخذه؟ هل أوحي إليه

؟

أو رآه مناماً

؟ أو أعلمه به الشيطان..؟

وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض.

ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي.

ومنها: أنه قاطع بكفر سادة عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر.

ومنها: أنه ثبت عنه لما قيل له: اختلاف الأئمة رحمة، قال: اختلافهم نقمة.

ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذب المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم وقفوا.

ومنها: إبطال الحج.

ومنها: أنه ترك تمجيد السلطان في الخطابة، وقال: السلطان فاسق لا يجوز تمجيده.

ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها هي بدع وضلالة، تهوي بصاحبها إلى النار.

ومنها أنه يقول: الذي يأخذه القضاة قديما وحديثا - إذا قضوا بالحق

ص: 144

بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة- إن ذلك رشوة- هذا القول بخلاف النصوص عن جميع الأمة: أن الرشوة ما أخذ لإبطال حق أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجعل.

ومنها: أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمي عليها ويجعلها لله تعالى. ويدخل مع ذلك دفن شر الجن، ويقول: ذلك كفر. واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء بذلك أنه منهي عنه فقط وذكره في حاشية"المنتهي"1.

وهذا جواب الشيخ:

من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم.

وبعد:

ألفينا مكتوبك وما ذكرت فيه من ذكرك ما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب العارض جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق. وبعضها بهتان وكذب.

وقبل الكلام فيها، لا بد من تقديم أصل، وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا والجهال إذا تنازعوا، ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة- هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله، وأهل العلم أو الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم؟

1 روضة الأفكار، مصدر سابق، ص295.

ص: 145

وإنما ذكرت هذا- ولو كان واضحاً- لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم: الحنابلة وغيرهم.

ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها، فأنكرها علي من أنكرها لأجل مخالفة العادة. وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عياناً، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق، لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة من الآية: 89] .

وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة: أن هذا هو الحق. وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي:{أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة من الآية: 90] .

وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله: إذا كان هذا هو الحق، فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة "شمسان " وأمثاله فتعذروا: أنكم سألتمونا

؟

قالوا: وان لم نسألكم، كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا

؟ وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة، وأن فيه شرفاً لغيره.

ص: 146

وأيضا: لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا إلى غير ذلك من الأمور فقام يدخل عندكم وعند غيركم بالبهتان.

والله ناصر دينه ولو كره المشركون.

وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلاً عن العوام، وأنا أضرب لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثة فصاعداً من غير عظم ولا روث وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة، لا خلاف في ذلك- ومع هذا- لو يفعله أحد - لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً، ولنهوا عن الصلاة خلفه، وبدعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة.

إذ تبين هذا فالمسائل التي شنع بها- منها ما هو من البهتان الظاهر وهي.

قوله: أني مبطل كتب المذاهب.

وقوله: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.

وقوله: إني أدعي الاجتهاد.

وقوله: إني خارج عن التقليد.

وقوله: إنى أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.

وقوله: إنى أكفر من توسل بالصالحين.

وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق.

وقوله: إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر

ص: 147

على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب.

وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله.

فهذه اثنتا عشرة مسألة: جوابي فيها أقول: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} 1.

ولكن قبله من بهت النبي محمدا صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين:{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النّور من الآية: 16] .

وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فقال الله في ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] .

وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى "لا إله إلا الله".

ومنها: أني أعرف ما يأتينى بمعناها.

ومنها: أني أقول: الإله هو الذي فيه السر.

1 سورة النور آية: 16.

ص: 148

ومنها: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك.

ومنها: أن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام ولو سمي الله عليها إذا ذبحها للجن.

فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها.

ونبدأ بالكلام عليها لأنها أم المسائل، وقبل ذلك أذكر معنى "لا إله إلا الله " فنقول: التوحيد نوعان:

توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم. وهذا حق لا بد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، لأن أكثر الناس مقرون به.

قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] .وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله، لا ملكاً مقرّباً ولا نبيّاً مرسلاً، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله: فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه، لا الملائكة، ولا الأنبياء، فمن

ص: 149

تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله، وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء.

ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها صلى الله عليه وسلم حيث قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه "1.

وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التّوبة من الآية: 31] .

فصار ناس من الضالين يدعون أناساً من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح. فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار- من جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار، فلم يحصل منهم انزجار، بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك.

وبين أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في

1 صحيح مسلم: كتاب المساقاة "1587 ،1584"، وسنن النسائي: كتاب البيوع "4565" ، ومسند أحمد "3/49 ،3/97"، وسنن الدارمي: كتاب البيوع "2579".

ص: 150

كتابك تقول: يا أخي ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم.

وأنا أقول: كلام أهل العلم رضي وأنا أنقله لك، وأنبهك عليه، فتفكر فيه وقم لله ساعة ناظراً ومناظراً مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء- أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع.

ثم يقول: قال الشيخ تقي الدين، وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر ومن أهل العبادة، حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات، وطائفة ظنوا أنه الاقرار بتوحيد الربوبية. ومنهم من أطال في تقرير هذا الموضع، وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية هي القدرة على الاختراع ونحو ذلك ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد.

قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 84] .

وهذا حق، ولكن لا يخلص به عن الإشراك بالله الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا الله، فيكون دينه لله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وأطال رحمه الله الكلام.

وقال- أيضا- في الرسالة "السنية " التي أرسلها إلى طائفة من أهل

ص: 151

العبادة ينتسبون إلى بعض الصالحين، ويغلون فيهم، فذكر حديث الخوارج ثم قال: فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ممن ينتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة- فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام قد يمرق من الدين وذلك بأمور.

منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى مثل: الغلو في عدي بن مسافر أو غيره بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو صحابي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الألوهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو أنا في حسبك، ونحو هذا- فهذا كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل: الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم- لم يكونوا يعتقدون أنها تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس من الآية: 18] .

فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة.

وقال أيضا في أثناء الباب: ومن اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن لغيره خروجا عن اتباعه أو قال:

ص: 152

عقد ورقي وكلام يتكلم به أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله، ومنه ما يقتل ومنه ما يمرض، ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنها ما يبغض أحدهما للآخر، ويحبب بين اثنين ويكفر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته.

وأما الحنفية فقال الشيخ قاسم في شرح درر البحار: النذر الذي يقع من أكثر العوام وهو أن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك كذا وكذا- باطل إجماعا لوجوه منها:-

أن النذر للمخلوق لا يجوز.

ومنها: ظن أن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر. إلى أن قال: إذا عرف هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها، وينقل إلى ضرائح الأولياء فحرام بإجماع المسلمين، وقد ابتلي الناس بهذه لا سيما في مولد أحمد البدوي.

فتأمل قول صاحب النهر مع أنه بمصر ومقر العلماء، كيف شاع بين أهل مصر ما لا قدرة للعلماء على دفعه!! فتأمل قوله"من أكثر العوام" أتظن أن الزمان صلح بعده..؟

وأما المالكية، فقال الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع". روى البخاري عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها "ذات أنواط"، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله أجعل

ص: 154

لنا "ذات أنواط"" كما لهم "ذات أنواط". فقال: الله أكبر هذا كما قال بنوا إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف من الآية: 138] ، لتركبن سنن من قبلكم.

فأنظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس، وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط، فاقطعوها.

وقال صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ "1.

ومعنى هذا أن الله لما جاء بالإسلام فكان الرجل.. إذا أسلم في قبيلته غريباً مستخفياً بإسلامه، قد جفاه العشيرة فهو بينهم ذليل خائف، ثم يعود غريبا لكثرة الأهواء المضلة والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم.

وروى البخاري عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعاً.

وذلك أنه أنكر أكثر أفعال أهل عصره.

انتهى كلام الطرطوشي.

فليتأمل اللبيب هذه الأحاديث، وفي أي زمان قيلت، وفي أي مكان، وهل أنكرها أحد من أهل العلم والفوائد فيها كثيرة، ولكن مرادي منها ما وقع من الصحابة، وقول الصادق المصدوق، أنه مثل كلام الذين اختارهم الله على العالمين لنبيهم: أجعل لنا إلها: يا عجبا إذا جرى هذا

1 صحيح مسلم: كتاب الإيمان "145" ، ومسند أحمد "1/184".

ص: 155

من أولئك السادة فكيف ينكر علينا أن رجلا من المتأخرين غلط في قوله: يا أكرم الخلق كيف تعجبون من كلامي فيه، وتظنونه خيراً وأعلم منهم؟!

ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها وتظنون أن من وصف شركاً أو كفراً أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة، ولكن أين كلامك هذا من كتابك الذي أرسلت إلي قبل أن يغريك الله بصاحب الشام وتذكر وتشهد أن هذا هو الحق وتعتذر أنك لا تقدر على الإنكار

؟

ومرادي أن أبين لك كلام الطرطوشي، وما وقع في زمانه من الشرك بالشجر، مع كونه في زمن القاضي أبي يعلى، أتظن الزمان صلح بعده..؟ وأما كلام الشافعية فقال الإمام محدث الشام أبو شامة في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، وقد وقع من جماعة من النابذين لشريعة الإسلام، المنتمين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، ومن اعتقادهم في مشايخ لهم ضالين فهم داخلون تحت قوله:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشّورى من الآية: 21] .

وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وإسراج مواضع في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح فيفعلون ذلك ويظنون أنهم يتقربون إلى الله، ثم يجاوزون ذلك إلى أن يعظم تلك الأماكن في قلوبهم ويرجون الشفاعة لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين

ص: 156

عيون وشجر وحائط وحجر، وفي دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى، والشجرة الملعونة خارج باب النصر، سهل الله قطعها فما أشبهها بذات أنواط"، ثم ذكر كلاماً طويلاً إلى أن قال: "أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، ولا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه".

فتأمل ذكره في هذا النوع أنه نبذ لشريعة الإسلام، وأنه خروج عن الإيمان ثم ذكر أنه عم الابتلاء به في الشام.

فأنت قل لصاحبكم هؤلاء العلماء من الأئمة الأربعة ذكروا أن الشرك عم الابتلاء به وغيره، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، وذكروا أن الدين عاد غريباً فهو بين اثنتين:

إما أن يقول كل هؤلاء العلماء جاهلون ضالون مضلون خارجون.

وإما أن يدعي أن زمانه وزمان مشايخه صلح بعد ذلك

؟

إذا تقرر هذا فخمس المسائل التي قدمت جوابها في كلام العلماء، وأضيف إليها مسألة سادسة، وهي إفتائي بكفر شمسان وأولاده ومن شابههم وسميتهم طواغيت، وذلك أنهم يدعون الناس إلى عبادتهم من دون الله عبادة أعظم من عبادة اللات والعزى يعبدونها في الرخاء، ويخلصون لله في الشدة، وعبادة هؤلاء أعظم من عبادتهم إياه في شدائد البر والبحر. فإن كان الله أوقع في قلبك معرفة الحق والانقياد له

ص: 157

والكفر بالطاغوت والتبري ممن خالف هذه الأصول ولو كان أباك أو أخاك - فاكتب لي وبشرني، لأن هذا ليس مثل الخطأ في الفروع، بل ليس الجهل بهذا - فضلاً عن إنكاره - مثل: الزنا والسرقة، بل والله ثم والله ثم والله إن الأمر أعظم

وإن وقع في قلبك إشكال فاضرع إلى مقلب القلوب أن يهديك لدينه ودين نبيه.

وأما بقية المسائل: فالجواب عنها ممكن إذا خلصنا من شهادة أن لا إله إلا الله، وبيننا وبينكم فيها كلام أهل العلم، لكن العجب من قولك: أنا هادم قبور الصحابة، وعبارة "الإقناع" في الجنائز: يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول. والنبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه بعث عليا لهدم القبور"1.

هذه مقتطفات من الرسالة الوافية التي رد بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على الشبهات التي أثارها سليمان بن سحيم في رسالته التي بعث بها إلى أهل البصرة والأحساء وغيرهم من أجل الطعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتشويهها.

كما رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على الشبهات التي أثارها ابن سحيم وغيره حول الدعوة السلفية يقول رحمه الله:

"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيساً على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح ولا

1 ابن غنام، تاريخ نجد، مصدر سابق، ص375- ص386.

ص: 158

معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا: النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل الله عليه:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمّد من الآية: 19] ، مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا وأن أبويه ماتا على الإشراك، بالله وأنا ننهي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً.

وأن من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون، وأنا لا نرى حقّاً لأهل البيت رضوان الله عليهم، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً إذا ترافعوا إلينا.

فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا"يعني علماء مكة" كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النّور من الآية: 16] . فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم

ص: 159

قطعا أن جميع ذلك افتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النّساء من الآية: 48، و116] ، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة. والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنْزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه كما جاء في الحديث عنه، ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم فقد جاء في الحديث:"دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه"1.

1 رواه مسلم.

ص: 160

ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا.

ونسألها من المالك لها والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعاً اللهم شفع نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم فينا يوم القيامة، اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مما سبق تتضح أهم الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وقد تولى الشيخ الرد على هذه الشبهات، كما تولى أبناؤه وأتباعه الرد عليها، وأوضحوا بكل جلاء حقيقة هذه الشبه الباطلة.

لذا لا نرى أنا بحاجة إلى استعراض المزيد من الردود على هذه الشبه سوى شبهتين منها نرى من المناسب إيراد المزيد من الردود عليها، لأن خصوم الدعوة في الوقت الحاضر على اختلاف مشاربهم وتنوع أهدافهم يركزون على هاتين الشبهتين من أجل تشويه سمعة الدعوة

ص: 161

وصاحبها وأتباعها وحماتها.

لااتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج، وأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية بالمغرب.

ثانيا: شبه اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم يكفرون المسلمين والرد عليها:

أولا: اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج، وأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية بالمغرب.

اتهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من قبل خصومه بأنهم خوارج كما زعم خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن دعوته امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم الراسبي الخارجي الذي أسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب عام 171هـ.

ولبيان بطلان ما زعمه خصوم الدعوة من وصف الشيخ وأتباعه بأنهم خوارج وأن دعوته امتداد لدعوة عبد الوهاب بن رستم، سوف نعطي نبذة عن أصل الخوارج وشواهد لمعتقدهم الباطل ومن ثم نعطى نبذة عن عبد الوهاب بن رستم ونوضح الهدف الحقيقي من القول بأن دعوة الشيخ امتداد لأفكار ومعتقد ومذهب عبد الوهاب بن رستم الخارجي.

ص: 162

الخوارج: جمع خارجي وهم أقدم فرقة من الفرق الإسلامية. وأصل حركتهم كانت في صفر سنة 37هـ عندما شعر معاوية رضي الله عنه بالهزيمة في معركة صفين، فأشار عمرو بن العاص برفع المصاحف منادياً أن يحكم كتاب الله فيما بينهم فسارع معظم جند علي طالبين إيقاف القتال وقالوا لعلي: القوم يدعونا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى القتال، وبالرغم من أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وضح لهم أنها خدعة فقد أصروا على إيقاف القتال وطلبوا منه حالاً إيقاف الهجوم الصاعق الذي يشنه"الأشتر" على صفوف معاوية مهددين بأن يتخلوا عنه.

وخشية من الفتنة أمر علي رضي الله عنه "الأشتر" بالتراجع وبقية القصة معروفة باختيار الحكمين وما تم في"دومة الجندل" بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ثم خرجت طائفة لم ترض الحكم من معسكر علي وانسحبوا إلى"حروراء" وأمروا عليهم رجلاً منهم هو"عبد الله بن وهب الراسبي" وقد حاول علي بن أبي طالب رضي الله عنه إعادتهم بالحسنى والموعظة فلم يستجيبوا فكر عليهم. وقيل: إنه لم ينج منهم إلا تسعة تفرقوا في البلدان.

ثم تزايدوا بمن كان غائبا وانضم إلى طريقتهم أو دخل في غلتهم واستمروا في تطرفهم وفي تصرفاتهم وعقائدهم والقول بالطعن في

ص: 163

سلوك عثمان واستنكار الثأر لقتله، والقول بعدم أحقية علي في الخلافة، وغير ذلك مما هو معروف عنهم وانقسموا إلى فرق عدة كما هو معروف في كتب الملل والنحل1.

تلك نبذة قصيرة عن أصل الخوارج وشواهد لمعتقدهم الباطل الذين يزعم خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الشيخ وأتباعه على مذهبهم.

لقد تعددت مزاعم خصوم الدعوة السلفية بأن الشيخ وأتباعه خوارج، وكان ابن عفالق من أول المفترينفي ذلك حيث ينعى على الشيخ وأتباعه بأن موطنهم هو نجد- قرن الشيطان- وأنهم من بقايا فتنة مسيلمة الكذاب. يقول ابن عفالق في رسالته لابن معمر:"وفي فضل أهل الشام واليمن والحرمين وفارس ما يعرفه من له أدنى معرفة بالأحاديث، وأما أنتم يا أهل اليمامة ففي الحديث الصحيح عندكم يطلع قرن الشيطان وأنتم لا تزالون في شر من كذابكم إلى يوم القيامة"2.

ويذكر علوي الحداد بعضا من علامات الخوارج ليدعي- ظلماً وعدواناً- وجودها عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه يقول

1 عبد الرحمن بن أحمد البهكلي، نفخ العود في سيرة الشريف حمود، دراسة وتحقيق محمد العقيلي، الرياض، دارة الملك عبد العزيز، 1402هـ، ص124.

2 رسالة ابن عفالق لابن معمر ق49.

ص: 164

حسبه الله: "وأهم من ذلك كله ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة، المبينة لعلامات الخوارج، مما يبين أن ابن عبد الوهاب وأتباعه منهم"1.

ويدعي الصاوي - كذباً وتلفيقاً - أن علماء الدعوة وأتباعها خوارج2.

ويؤكد ابن عابدين في حاشيته- هذا الإفك فيزعم أن اتباع الشيخ الإمام يدخلون في مسمى الخوارج3. كما يدعي محسن بن عبد الكريم أن أتباع الدعوة السلفية وصاحبها خوارج ويصفهم بأنهم مارقة4.

ويتمادى اللكنهوري ويجعل الخوارج سلف الوهابيين يقول حسبه الله: "وأن لهم أسوة في سلف من الخوارج الحرورية.. حيث كفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وجميع المسلمين من أصحابه وأنصاره بتلفيقات تشبهها أقوال هؤلاء الوهابيين. ولو تأملت بصائب النظر في تاريخهم لوجدت الوهابية ممن يحذو حذوهم في العقائد.. ثم إنك لو أمعنت النظر لوجدت شيوخ أولئك الخوارج من أهل نجد5.

1 علي بن أحمد الحداد، مصباح الأنام وجلاء الظلام، القاهرة، المطبعة العامرة، 325، ص25.

2 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص180.

3 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص180.

4 دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مرجع سابق، ص180.

5 علي نقي اللكنهوري، كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب، النجف، المطبعة الحيدرية، 1345هـ، ص77.

ص: 165

ويدعي جميل الزهاوي أن من علامة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إخباره عن هؤلاء الخوارج، يقصد أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب1.

ويزعم محمد جواد مغنية أن الوهابية تتفق مع الخوارج في مسألة التكفير.

هذه أمثلة من أقوال بعض المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب القائلين بأن الشيخ وأتباعه خوارج.

لقد كذب خصوم الدعوة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما قالوا: إنه يكفر المسلمين بالذنوب مثل قول الخوارج بكفرهم. وقد أوضح الشيخ- رحمه الله معتقده في مرتكب الذنوب في رسالته التي بعث بها لأهل القصيم حيث يقول: "ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام"2.

وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر- رحمه الله فقال السائل إنكم تكفرون بالمعاصي.

فأجاب: ليس هذا قولنا، بل إن هذا قول الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ولم نكفر أحدا بعمل المعاصي، بل نكفر من فعل المكفرات كالشرك بالله بأن يعبد معه غيره، فيدعو غير الله3.

1 للمزيد من المعلومات حول ما قال الزهاوي، انظر الفجر الصادق، ص20.

2 مجموع مؤلفات الشيخ، ج1، ص11.

3 الدرر السنية، ج8، ص208.

ص: 166

كما أوضح الشيخ عبد الرحمن بن حسن- رحمه الله أن رأي هذه الدعوة وصاحبها في الخوارج هو رأي الصحابة رضي الله عنهم1.

ويطول بنا المقام لو تتبعنا ما كتبه أتباع الدعوة السلفية من الردود على خصوم الدعوة بخصوص اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم خوارج لذا سوف نكتفي بما أورده الدكتور عبد الله العثيمين للرد على هذه التهمة حيث أوضح الأمور الجهورية بين معتقد الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه وبين معتقد الخوارج يقول الدكتور عبد الله:

"وبالإضافة إلى تسمية الشيخ وأتباعه بالوهابيين وصفهم خصومهم بصفات أخرى، مثل المبتدعة والملاحدة والخوارج. لكن الوصف الأخير أكثرها استعمالاً من قبل أولئك الخصوم. ويبدو أن مرد ذلك هو الافتراض بأن الشيخ وأتباعه، كالخوارج، يعتبرون أنفسهم فقط المسلمين، وأنهم يقاتلون من لم يوافقهم على ما يدعون إليه، وأنهم محافظون جداً على الفرائض الدينية، لكنهم غير متسامحين مع وجهات نظر الآخرين. وأنهم بالإضافة إلى ذلك ثائرون على الدولة الإسلامية المعترف بها".

وقال أيضا: "ومن الملاحظ أنه حتى الكاتب الحديث أمير علي يقول إنّ الوهابيين هم الأحفاد المباشرون للأزارقة من الخوارج

1 عبد الله بن صالح العثيمين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، الرياض، دار العلوم، 1412هـ، ص118.

ص: 167

الذين لجأوا إلى صحراء بلاد العرب بعد هزيمتهم على يد الحجاج بن يوسف. ويدعي بأن عقيدتهم شبيهة كل الشبه بتلك الآراء التي يتبعها بدقة أتباع نافع بن الأزرق""1.

ومن المعروف أن الافتراض الذي افترضه خصوم الشيخ لا يتفق مع الحقيقة. فالشيخ وأتباعه يختلفون عن الخوارج في أمور جوهرية، خاصة في العقيدة. فهم يختلفون عن الخوارج في احترامهم لجميع الصحابة ولا ينالون من عثمان أو علي، بل يوفونهما حقهما الواجب لهما. وموقفهم من هذه القضية وفي موضوع الإمامة بصفة عامة اتباع أهل السنة والجماعة. والواقع أنه في حين كان موضوع الإمامة من الموضوعات الأساسية بالنسبة للخوارج فإنه لا يحتل إلا مكانا ضيقا من كتابات الشيخ وأتباعه. ومتى تعرضوا له فإنهم يقولون بوجوب الطاعة للحاكم وإن كان عبدا حبشيا أو جائراً، ما لم يأمر بمعصية الله.

وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه من المعروف أن محمد بن عبد الوهاب ظهر في منطقة نجد التي لم تكن خاضعة آنذاك للدولة الإسلامية الكبيرة أو السلطان العثمانيوإنما كانت منطقة مقسمة إلى إمارات صغيرة لا يعترف زعماؤها بسلطة القسطنطينية عليهم. ومن هنا فإنه لا يصح

1 عبد الله بن صالح العثيمين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، الرياض، دار العلوم، 1412هـ، ص118.

ص: 168

القول إن الشيخ وأنصاره قد قاموا بثورة ضد السلطة الإسلامية العليا. بل الصحيح أن يقال إنهم حتى بداية القرن الثالث عشر الهجري- على الأقل- كانوا يدافعون عن أنفسهم ووجودهم. وهجماتهم على الأحساء- وهي لم تكن أيضا خاضعة للعثمانيين آنذاك- والحجاز والعراق جاءت بعد غزوات حكام تلك الأقطار لمناطق نفوذهم.

ومن نقاط الاختلاف المهمة بين الشيخ وأتباعه وبين الخوارج موقف الطرفين من مرتكب الكبيرة غير الشرك. فالخوارج يكفرونه، لكن الشيخ وأتباعه يتبعون تجاهة مذهب أهل السنة والجماعة في أنه عاص أو فاسق، لكنهم لا يخرجونه من الإسلام.

ولقد حاول بعض خصوم الشيخ أن يستفيدوا من صدفة ظهوره في منطقة كانت في الماضي موطنا لمسيلمة الكذاب وأنصاره، كما ذكروا أحاديث ورد فيها ذم نجد، وقالوا: إن الشيخ من نسل ذي الخويصرة التميمي الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سيخرج من ذريته من يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية.

وكان من السهل على الشيخ وأتباعه أن يردوا بنجاح على آراء خصومهم السابقة. فقد قالوا، إن المكان لا ينبغى أن يؤخذ مقياساً توزن به الأقوال والعقائد. بل أنه لم يوجد نبى إلا كان في مسقط رأسه شرك وإلحاد وكفر في فترة من الفترات. ومن أوضح ذلك مكة المكرمة التي كانت تعبد الأصنام والتي ظهر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا إن نجداً

ص: 169

المذمومة في الأحاديث هي نجد العراق على أية حال، وأن من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سيظهرون من نسل ذي الخويصرة كانوا تلك الفرقة الخارجية المسماة بالحرورية الذين ثاروا ضد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومن ناحية أخرى فإن أنصار الشيخ يقولون بوضوح وبساطة إن دعوتهم إحياء لعقيدة التوحيد والسنة في وقت لم يبق من الإسلام إلا اسمه. ويذكرون أنهم سائرون على الطريقة التي رسمها السلف الصالح من هذه الأمة كما يؤكدون أنهم يتمسكون برأي أهل السنة والجماعة في أصول الدين، ويتبعون مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع أو الفقه"انتهى كلام الدكتور عبد الله العثيمين.

أما ما يزعمه الخصوم بشأن وجود علاقة بين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والوهابية الرستمية وأن دعوة الشيخ امتداد لأفكار ومذهب عبد الوهاب بن رستم الخارجي فهذا كلام يخالف الواقع.

فعبد الوهاب بن رستم في المغرب، خارجي ومعروف أن مذهب الخوارج يتعارض مع ما يؤمن به صاحب الدعوة السلفية محمد بن عبد الوهاب، وفيما يلي نورد بعض المعلومات عن عبد الوهاب بن رستم وصولا لمعرفة الهدف الحقيقي للزعم القائل بأن دعوة الشيخ محمد بن

ص: 170

عبد الوهاب امتداد لأفكار ومذهب ومعتقد عبد الوهاب بن رستم1.

ابن رستم هو مؤسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب. وعندما أحس بدنو أجله في عام 171هـ أوصى بالأمر لسبعة من رجال الدولة الرستمية ومن بينهم ابنه عبد الوهاب، ويزيد بن فنديك، وقد بويع عبد الوهاب بما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك.

وقد انقسمت الإباضية التي هي دين ابن رستم ومن معه بذلك إلى فرقتين. الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والنكارية. ودارت بين الطرفين معارك ومقاتل انهزمت فيها النكارية وقتل زعيمها ابن فنديك وفي حال ضعف النكارية انضم إليه الواصلية المعتزلة.

وقد عزم عبد الوهاب هذا على الحج في آخر حياته، إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء خوفاً عليه من العباسيين. وقد توفي عبد الوهاب هذا الذي يعتبر المؤسس للدولة الرستمية، ذات الأشياع في شمال أفريقيا عام 211هـ2.

1 تصدى لتفنيد هذا الزعم الدكتور محمد بن سعد الشويعر في مقال كتبه في مجلة البعث الإسلامي العدد الثامن المجلد "28" عام 1404هـ ص52- ص62 تحت عنوان تصحيح خطأ تاريخي، المعلومات الخاصة بموضوع عبد الوهاب بن رستم مقتبسة من مقال الشويعر الآنف الذكر.

2 للمزيد من المعلومات، انظر: عبد العزيز سالم وآخر، المغرب الكبير، ج2، بيروت، دار النهضة العربية، ص51- ص557.

ص: 171

وتحدث المؤلف الفرنسي"شارلي أندري" في كتابه تاريخ أفريقيا الشمالية عن ممالك الخوارج، ومن ضمنها مملكة تاهرت التي هي الدولة الرستمية، وقد أفاض في حديثه عن معتقداتها ومعالمها الحضارية، وأبان بأنها تخالف أهل السنة في المعتقد1.

وتحدث ألفرد بل في كتابه الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، عن الخوارج الوهابيين وقال عن أتباع عبد الوهاب بن رستم بأنهم أشد الأباضية تقوى وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة2.

وهذه النبذة التي أوردناها تدل على أن هذه الفرق قد رصد عنها أشياء كثيرة، لأن عبد الوهاب هذا قد جعل من تاهرت مركزاً فكرياً، وفتح باب الجدل مع علماء السنة مما تبلور عنه آراء تفند معتقداتهم التي تتخالف مع ما يراه أهل السنة والجماعة. وهذا الحوار هو الذي تفتق عنه جذور عميقة عند علماء وفقهاء المغرب حول هذه الفرقة ومعتقداتها.

وقد استغل المستعمرون وأصحاب المصالح تلك الجذور، في إذكاء العداوة بين أبناء المسلمين فألبسوا الثوب القديم بما فيه من عيوب

1 للمزيد من المعلومات، انظر: شارلي أندري، تاريخ أفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة، ج2، ص41- ص48.

2 للمزيد من المعلومات، انظر: ألفرد بل، الفرق الإسلامية في شمال أفريقيا، ترجمة عبد الله بدوي، ص140- ص151.

ص: 172

وحزازات، للدعوة الجديدة التي جاءت لإصلاح العقائد.

فالإنجليز مثلا لمسوا آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في أعظم مكان يعتزون باستعماره والاستيلاء على خيراته، عندما تلقفها المسلمون الهنود على يد الداعية الإسلامي الإمام أحمد بن عرفان الشهيد وأتباعهتلك الدعوة التي ناوأت القاديانية الكافرة، التي أرادها الإنجليز واجهة لتحقيق مآربهم.

ويظهر انزعاج الإنجليز وحرصهم على القضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله التي تمثل يقظة جديدة في العالم الإسلامي، ودعوة إلى فهمه من مصادره الصافية كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنهم بذلوا جهوداً وأموالاً في هذا السبيل.

وقد أبانت رحلة"سادلر" نائب الحاكم البريطاني من حكومة الهند الشرقية، الذي قام برحلة شاقة من الهند إلى أن وصل إلى الرياض، ووقف على أطلال الدرعية التي هدمها إبراهيم باشا بناء على اتفاق مسبق مع الإنجليز ليطمئن على القضاء على قاعدة الدعوة السلفية بنفسه، لما أحدثته من خوف وقلق داخل الحكومة الإنجليزية خوفا على مصالحها، وبعد أن ارتاحت نفسه شد الرحال لاحقاً إبراهيم باشا حتى أدركه في آبار علي، على مقربة من المدينة المنورة، ليقدم له التهاني.

ص: 173

والفرنسيون أيضا لهم دور، فقد أحسوا باهتمام المغاربة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لأن سيدي محمد بن عبد الله العلوي، الذي كان سلطانا على المغرب الأقصى قد قام بمحاربة البدع والخرافات، كما كان يحارب الطرق الصوفية، ويدعو إلى العودة إلى الاجتهاد وإلى السنة1. هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: كان سيدي محمد وهو التقي الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وتأييد آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله:"أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة"". وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن باتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية، وتهديهم بعض الزوايا2.

والإيطاليون أقلقهم ما قام به محمد بن علي السنوسي"الذي تأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" من دعوة إصلاحية في ليبيا لإعادة الإسلام إلى صفائه ووضعه الصحيح في النفوس تطبيقاً وعملاً، والوقوف ضد الإيطاليين الوافدين، الذين لا يهمهم إلا استغلال خيرات البلاد والتفريق بين المسلمين3.

والهولنديون حركهم ما لمسوه من اهتمام جديد وبحرص بالإسلام في

1 للمزيد من المعلومات، انظر: المرجع السابق، ص 235.

2 للمزيد من المعلومات، انظر: تاريخ أفريقيا الشمالية، ج2، مصدر سابق، ص311.

3 للمزيد من المعلومات، انظر: المرجع السابق، ص220.

ص: 174

جزر سومطرة وجاوه وسولو، مما حركه الحجاج الأندونيسيون الذين درسوا واهتموا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، واطمأنوا إلى سلامة صلاحها للعقيدة وصفاء الدعوة، وأنها لم تقم لمآرب ذاتية، فنقلوا ذلك لبلادهم، حيث قامت دعوات متعددة مثل الجمعية المحمدية في جاكرتا، وقد بدأت الدعوة لنبذ الشوائب والخرافات، التي أدخلت على تعاليم الإسلام هذا إلى جانب تأثر الأوروبيين وبعض الأتراك والأفارقة واهتمام المسلمين بها في بلاد الشام ومصر والعراق وأفغانستان وغيرها.

فتعاون المستعمرون مع عناصر من القيادة العثمانية من أجل ضرب المسلمين بعضهم ببعض لتحقيق المآرب بإضعاف قوة المسلمين. ولذا بدأ هؤلاء الأوروبيون ينبشون الماضي، ويحركون أشياء ترضي ذوي الأهواء من أرباب المصالح، فأوهموا العامة وأنصاف المتعلمين الذين لا يقرأون ولا يتعمقون وهم الغالبية العظمى بأن هذه الدعوة الحديثة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تحركت في الجزيرة العربية، ما هي إلا امتداد لتلك الوهابية الرستمية الإباحية الخارجية التي تخالف معتقد ومذهب المسلمين.

لقد أخذ الأوروبيون من عيوب دعوة عبد الوهاب بن رستم وألبسوها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية مستغلين التشابه في الاسم"عبد الوهاب" من باب تشويه سمعة الشيخ ودعوته ومن باب التنفير

ص: 175

خوفا من عودة المسلمين إلى النهج السليم.

ثانيا- اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه بأنهم يكفرون المسلمين والرد عليها

من الاتهامات التي يتهم بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنهم يكفرون أهل القبلة ويستبيحون قتل المسلمين. وقد ردد هذا الاتهام في أوقات مختلفة وبألسنة وأقلام خصوم متعددين.

والواقع أن مسألة التكفير من أهم المسائل وأكثرها خطورة في أبواب العقائد. لذا نرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذلك أتباعه من بعده وأنصار دعوته، قد اعتنوا بهذه المسألة عناية كبيرة، ووضحوا بكل جلاء ما أشكل فيها، وبينوها وفصلوها تفصيلاً شافياً وكافياًنظراً لكثرة من اتهم صاحب الدعوة السلفية بتكفير المسلمين.

لقد أشيعت تهمة تكفير المسلمين من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في حياة الشيخ ونفاها، وبالرغم من نفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهذه التهمة الباطلة فلا تزال هذه التهمة تردد من قبل خصوم الدعوة. وسوف نورد نماذج من مفتريات وأكاذيب خصوم الدعوة في مسألة التكفير كما جاءت في مؤلفاتهم أو منقولة عنهم، ثم

ص: 176

نتبع ذلك بالرد على هذه التهمة من قبل صاحب الدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن قبل بعض علماء الدعوة السلفية.

يعد ابن عفالق من أوائل من افتروا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورماه بتكفير المسلمين، فقد قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جوابه على رد ابن معمر:"وهذا الرجل كفر الأمة، بل والله كذب الرسل، وحكم عليهم وعلى أممهم بالشرك"1.

ويقول أيضا مخاطباً عثمان بن معمر:"فجعلتم تكفير العترة النبوية، وسبهم، ولعنهم، أصلا من أصول دينكم"2. ويستمر ابن عفالق- في إفكه- منفراً ابن معمر عن الانتصار لهذه الدعوة السلفية، فيصف ابن عفالق الشيخ الإمام بأنه:"حلف يمينا بالله فاجرة أن اليهود والمشركين أحسن حالاً من هذه الأمة"3.

ويقول القباني بفرية التكفير، فيزعم أن الشيخ:"كفر هذه الأمة بأسرها، وكفر كل من لم يقل بضلالتها وكفرها..4.

1 محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الأحسائي، جواب بن عفالق على رد ابن معمر، " مخطوطة في مكتبة الدولة في برلين بألمانيا" نقلا عن عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف في كتابه دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص 58.

2 محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الأحسائي، جواب بن عفالق على رد ابن معمر، "مخطوطة في مكتبة الدولة في برلين بألمانيا" نقلا عن عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف في كتابه دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ق 63.

3 محمد بن عبد الرحمن بن عفالق الأحسائي، جواب بن عفالق على رد ابن معمر، "مخطوطة في مكتبة الدولة في برلين بألمانيا" نقلا عن عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف في كتابه دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ق 66.

4 أحمد بن علي البصري، فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، ق 165 "توجد منه صورة خطية في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ".

ص: 177

ويقول ابن سحيم- الخصم العنيد- في رسالته التي بعثها إلى علماء الأمصار والتي سبق أن ذكرناها"ومنها أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء". ثم يزيد ابن سحيم في كذبه ويقول:"ومن أعظمها أن من لم يوافقه في كل ما قاله، ويشهد أن ذلك حق، يقطع بكفره، ومن وافقه، ونحى نحوه، وصدقه في كل ما قال، قال: أنت موحد، ولو كان فاسقاً محضاً أو ما شاء..1.

ويخاطب المدعو محمد بن محمد القادري الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود- لما بلغته رسالة هذا الإمام-، فكان من خطابه هذا الإفك:

"فإنك لو تدبرت فيه بعين بصيرتك واعتبرت بها، لما كنت تحكم على الأمة المحمدية بالشرك الأكبر، من غير برهان، وليس هذا إلا شقاوة وخسران وحرمان"2.

ويقول الحداد عن الشيخ: "إذا أراد رجل أن يدخل في دينه، يقول له أشهد على نفسك أنك كنت كافراً، وأشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، وأشهد على العالم الفلاني والفلاني أنهم كفار وهكذا فإن شهد بذلك قبله، وإلا قتله"3.

1 فصل الخطاب في رد ضلالات بن عبد الوهاب، ق 165.

2 محمد بن محمد القادري، رسالة في الرد على الوهابية "موجودة في قسم المخطوطات بجامعة الملك سعود، ق4.

3 علوي بن أحمد الحداد، مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها الأنام، القاهرة، المطبعة العامرة، 1325 هـ ص 5.

ص: 178

ويزعم حسن بن عمر الشطي أن من صفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"تكفير المسلمين واعتقاده حل دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم"1.

ويفتري اللكنهوري على الشيخ الإمام أنه يكفر المسلمين ويقول:"علم أن عقيدته هو أن جميع المسلمين سوى أهل نحلته كفار مشركون، يحل أموالهم ودمائهم، ويجوز اتخاذهم عبيداً، ويستدل على ذلك بتلفيقات ما أنزل الله بها من سلطان"2.

ويتهم عثمان بن منصور الشيخ الإمام بتكفير المسلمين فيقول:"قد ابتلي الله أهل نجد بل جزيرة العرب، بمن خرج عليهم، وسعى بالتكفير للأمة خاصها وعامها، وقاتلها على ذلك جملة، إلا من وافقه على قوله، لما وجد من يعينه على ذلك"3.

ومن كذب دحلان على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه قوله:"وكانوا يصرحون بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة، وأول من صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب، فتبعوه على ذلك، وإذا دخل إنسان في دينه، وكان قد حج حجة الإسلام قبل ذلك، يقولون له حج ثانياً فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا تسقط عنك الحج"4.

1 حسن بن عمر الشطي، رسالة إثبات الصفات، ص 164.

2 علي نقي اللكنهوري، كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب، النجف، المطبعة الحيدرية، 1345 هـ، ص 52.

3 نقلا عن كتاب ""مصباح الظلام"" للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ص 16.

4 أحمد زيني، الدرر السنية في الرد على الوهابية، القاهرة، مكتبة الحلبي، 1400 هـ، ص 5.

ص: 179

ويتهم الزهاوي الشيخ الإمام بفرية تكفير المسلمين ويقول:"ثم إنه صنف لابن سعود رسالة "كشف الشبهات عن خالق الأرض والسموات"". كفر فيها جميع المسلمين، وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة"1. ويضف الزهاوي حسبه الله"فمما تمذهبت به الفرقة المارقة الوهابية من الأباطيل: تكفيرهم لكل من خالفهم من المسلمين"2.

ويقول المبتدع أحمد رضا خان هذه الفرية، حاكيا حال الشيخ الإمام:"الذي يسعده أن يكفر أجداده، وهو لا يكتفي بهذا، بل يكفر سائر المسلمين، ومن بينهم الأئمة.. إن ابن عبد الوهاب قد أعلن عقب ظهور دينه الجديد أن الأمة الإسلامية منذ ستمائة سنة تتخبط في ظلام الشرك، وقد ردد الوهابيون قول زعيمهم فيما بعد"3.

ويقول محمد بن نجيب سوقيه، عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه:"إن مذهبهم تكفير الأموات، ورمي الأحياء بالشرك من الموحدين، ولقائل أن يقول ممن عرفت إسناد الكفر والشرك لعامة الموحدين من طرف الوهابية، فالجواب أن ذلك مصرح في رسائلهم وكتبهم"4.

1 جميل صدقي الزهاوي، الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق، القاهرة، مكتبة المليجي، 1323 هـ، ص 19.

2 جميل صدقي الزهاوي، الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق، القاهرة، مكتبة المليجي، 1323 هـ، ص 27.

3 نقلا عن كتاب: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، ص 168.

4 محمد توفيق، تبيين الحق والصواب بالرد على أتباع ابن عبد الوهاب، الشام، مطبعة الفيحاء، ص 8.

ص: 180

ويقول محمد جواد مغنية وهو من خصوم الدعوة في الوقت الحاضر:"وليس من شك أنهم يريدون بالموحدين الوهابية أنفسهم، وبالمشركين جميع المسلمين بدون استثناء"1.

هذه نماذج من التهم الزاعمة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون المسلمين ولقد بلغت هذه التهم الشيخ في حياته ورد عليها كما رد عليها أتباعه، فيما يلي نورد أمثلة لهذه الردود. لقد تعددت ردوده وأجوبته عليها، لأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فقد حرص- رحمه الله على تأكيد هذه الردود وإعلان براءته مما ألصق به.. فأرسل هذه الردود إلى مختلف البلاد.

يقول الشيخ في رسالة بعث بها إلى أهل الرياض ومنفوحة:

"وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين"2.

ويقول في رسالة بعثها لمحمد بن عيد أحد مطاوعة ثرمداء:"وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله"3.

1 جواد مغنية، هذه هي الوهابية، 1964 م، ص 111 بتصرف.

2 مجموعة مؤلفات الشيخ، 5 / 189.

3 مجموعة مؤلفات الشيخ، 5 / 25.

ص: 181

وفي رسالته لأهل القصيم، يشير رحمه الله إلى مفتريات الخصم العنيد ابن سحيم، ويبرئ نفسه من فرية تكفير المسلمين وقتلهم، يقول الشيخ الإمام:

"والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها قوله: إنّي أقول إنّ الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإنّي أكفر من توسل بالصالحين، وإنّي أكفر البوصيري، جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم"1.

ويقول في رسالة بعث بها لشريف مكة، جواباً على سؤاله موضحاً بطلان ما نسب إليه من تكفير المسلمين:"وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.."2.

ويكتب الشيخ الإمام إلى إسماعيل الجراعي صاحب اليمن تكذيبا لهذه الفرية، فيقول:"وأما القول بأنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول:{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النّور من الآية: 16]3.

1 مجموعة مؤلفات الشيخ، 5 / 11، 12 وذكر ذلك- أيضا- في رسالته لعبد الله بن سحيم مطوع المجمعة 5 / 62.

2 مجموعة مؤلفات الشيخ، 3 / 11.

3 مجموعة مؤلفات الشيخ، 5 / 100.

ص: 182

ويقول في رسالة إلى عبد الرحمن السويدي:"وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، ومنها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم إني أكفر جميع الناس، إلا من تبعني، وأزعم أن أنكحتكم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عاقل أو مجنون..؟! "1.

وينفي ابنه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب هذه التهمة بقوله:"وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق بأننا نكفر الناس على الإطلاق، أهل زماننا، وبعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن فيه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله.. فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك:{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النّور من الآية: 16] ، فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعيا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص بأن الله لا يغفره، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعاً من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك،

1 مجموعة مؤلفات الشيخ، 5 / 36.

ص: 183

أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام ويخلد به في دار المقام، إذا مات موحداً بجميع أنواع العبادة"1.

ولما سئل الشيخ عبد العزيز بن حمد سبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن تلك الفرية، كان جوابه رحمه الله بعد أن ساق السؤال-:"وأما السؤال الثاني وهو قولكم: من لم تشمله دائرة إمامتكم ويتسم بسمة دولتكم، وهل داره دار كفر وحرب على العموم إلخ".

فنقول وبالله التوفيق:"الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما عنه نهى وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولم نكفر أحدا دان بالإسلام لكونه لم يدخل دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى"2.

كما يوضح الشيخ عبد اللطيف تورع جده - الشيخ الإمام - عن التكفير فيقول:"والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من

1 سليمان بن سحمان، الهدية السنية والتحفة النجدية "مجموعة رسائل لكبار أئمة نجد وعلمائها، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1403هـ ص49.

2 مجموعة الرسائل والمسائل، ج 4، ص 574.

ص: 184

أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها"1.

وضح الشيخ عبد اللطيف معتقد الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير بقوله:"فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية"2.

ويؤكد الشيخ عبد اللطيف أن من عرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أدرك براءته من تلك الفرية الكاذبة، فيقول- رحمه الله:"كل عاقل يعرف سيرة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، يعلم أنه من أعظم الناس إجلالاً للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهياً عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم، والشيخ رحمه الله لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين"3.

1 عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، بمبي، 1309 هـ، ص 65- ص 66.

2 مجموعة الرسائل،3 / 5.

3 مجموعة الرسائل،3 / 449.

ص: 185

وينفي السهسواني تهمة الشيخ وأتباعه بتكفير المسلمين من قبل دحلان وأمثاله بقوله:"إن الشيخ وأتباعه لم يكفروا أحداً من المسلمين، ولم يعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالفهم هم مشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السنة وسبي نسائهم.. ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيراً من كتبهم، فما وجدت لهذه الأمور أصلاً وأثراً، بل كان هذا بهتان وافتراء"1.

ويؤكد رشيد رضا ما نفاه السهسواني بقوله:"بل في هذه الكتب خلاف ما ذكر وضده، ففيها أنهم لا يكفرون إلا من أتى بما هو كفر بإجماع المسلمين"2.

ويورد الشيخ سليمان بن سحمان الدفاع عن الشيخ الإمام، فيقول رحمه الله حاكياً حال الشيخ-:"فإنه رحمه الله كان على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.. فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمع على تكفيره الأمة، ويوالي كافة أهل الإسلام وعلمائهم.. ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحت به الأخبار، وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع، ومن نسب إليه خلاف ما عليه أهل السنة

1 مجموعة الرسائل، 3 / 449.

2 محمد بشير السهسواني، صيانة الإنسان من وساوس دحلان، الرياض، مطابع نجد، 1395هـ، ص 485.

ص: 186

والجماعة من سلف الأمة وأئمتها فقد كذب وافترى، وقال ما ليس به علم..1.

من خلال ما نقلناه من ردود الشيخ وأتباعه وأنصاره من ردود على فرية خصوم الدعوة في مسألة التكفير تتضح سلامة وصحة معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في مسألة التكفير وأن اعتقادهم هو اعتقاد السلف الصالح فهم لا يكفرون إلا من يستحق التكفير طبقا لما ورد في الكتاب والسنة.

1 سليمان بن سحمان، الألسنة الحداد، في رد شبهات علوي الحداد، الطبعة الثانية، مطابع الرياض 1376 هـ، ص 56- ص57.

ص: 187