المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَافقه على أَنه يَجْعَل الصوامع فِي رَحْله وَيظْهر أَنه سَارِق - دقائق التفسير - جـ ١

[ابن تيمية]

الفصل: وَافقه على أَنه يَجْعَل الصوامع فِي رَحْله وَيظْهر أَنه سَارِق

وَافقه على أَنه يَجْعَل الصوامع فِي رَحْله وَيظْهر أَنه سَارِق لم يجزع أَخُوهُ لما ظهر الصوامع فِي رحْلَة كَمَا جزع إخْوَته حَيْثُ لم يعلمُوا وَكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صَابِرُونَ فَمَا بَال هَذَا يجزع الْجزع الْعَظِيم الَّذِي يصفونَ بِهِ الْمَسِيح وَهُوَ يَقْتَضِي غَايَة النَّقْص الْعَظِيم مَعَ دَعوَاهُم فِيهِ الإلهية

‌الْوَجْه السَّادِس

قَوْلهم إِنَّه كَلمته وروحه تنَاقض مِنْهُم لِأَن عِنْدهم أقنوم الْكَلِمَة فَقَط لَا أقنوم الْحَيَاة

‌الْوَجْه السَّابِع

قَوْلهم وَقد برهن بقوله رَأينَا أَيْضا فِي مَوضِع آخر قَائِلا إِن الله ألْقى كَلمته إِلَى مَرْيَم وَذَلِكَ حسب قَوْلنَا معشر النَّصَارَى إِن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت فِي مَرْيَم واتحدت بِإِنْسَان كَامِل

فَيُقَال لَهُم أما قَول الله فِي الْقُرْآن فَهُوَ حق وَلَكِن ضللتم فِي تَأْوِيله كَمَا ضللتم فِي تَأْوِيل غَيره من كَلَام الْأَنْبِيَاء وَمَا بلغوه عَن الله وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قَالَ {إِذْ قَالَت الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِن الله يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين ويكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَمن الصَّالِحين قَالَت رب أَنى يكون لي ولد وَلم يمسسني بشر قَالَ كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون}

فَفِي هَذَا الْكَلَام وُجُوه تبين أَنه مَخْلُوق لَيْسَ هُوَ مَا يَقُوله النَّصَارَى مِنْهَا أَنه قَالَ بِكَلِمَة مِنْهُ وَقَوله بِكَلِمَة مِنْهُ نكرَة فِي الْإِثْبَات يَقْتَضِي أَنه كلمة من كَلِمَات الله لَيْسَ هُوَ كَلَامه كُله كَمَا يَقُوله النَّصَارَى

وَمِنْهَا أَنه بَين مُرَاده بقوله بِكَلِمَة مِنْهُ وَأَنه مَخْلُوق حَيْثُ قَالَ {كَذَلِك الله يخلق مَا يَشَاء إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون}

كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى {إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب ثمَّ قَالَ لَهُ كن فَيكون}

وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة كهيعص {ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون}

ص: 324

فَهَذِهِ ثَلَاث آيَات فِي الْقُرْآن تبين أَنه قَالَ لَهُ {كن فَيكون} وَهَذَا تَفْسِير كَونه كلمة مِنْهُ وَقَالَ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم أخبر أَنه ابْن مَرْيَم وَأخْبر أَنه وجيه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين وَهَذِه كلهَا صفة مَخْلُوق وَالله تَعَالَى وَكَلَامه الَّذِي هُوَ صفته لَا يُقَال فِيهِ شَيْء من ذَلِك وَقَالَت مَرْيَم {أَنى يكون لي ولد} فَبين أَن الْمَسِيح الَّذِي هُوَ الْكَلِمَة هُوَ ولد مَرْيَم لَا ولد الله سبحانه وتعالى

وَقَالَ فِي سُورَة النِّسَاء {يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا}

فقد نهى النَّصَارَى عَن الغلو فِي دينهم وَأَن يَقُولُوا على الله غير الْحق وَبَين أَن {الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ} وَأمرهمْ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه وَرُسُله فَبين أَنه رَسُوله ونهاهم أَن يَقُولُوا ثَلَاثَة وَقَالَ انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد وَهَذَا تَكْذِيب لقَولهم فِي الْمَسِيح أَنه إِلَه حق من إِلَه حق من جَوْهَر أَبِيه ثمَّ قَالَ {سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد} فنزه نَفسه وعظمها أَن يكون لَهُ ولد كَمَا تَقوله النَّصَارَى ثمَّ قَالَ {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض} فَأخْبر أَن ذَلِك ملك لَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْء من ذَاته ثمَّ قَالَ {لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون} أَي لن يستنكفوا أَن يَكُونُوا عبيدا لله تبارك وتعالى فَمَعَ ذَلِك الْبَيَان الْوَاضِح الْجَلِيّ هَل يظنّ ظان أَن مُرَاده بقوله وكلمته أَنه إِلَه خَالق أَو أَنه صفة لله قَائِمَة بِهِ وَأَن قَوْله {وروح مِنْهُ} المُرَاد بِهِ أَنه حَيَاته أَو روح مُنْفَصِلَة من ذَاته

ثمَّ نقُول أَيْضا أما قَوْله وكلمته فقد بَين مُرَاده أَنه خلقه ب كن وَفِي لُغَة الْعَرَب الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن أَن يُسمى الْمَفْعُول باسم الْمصدر فيسمى الْمَخْلُوق خلقا لقَوْله {هَذَا خلق الله} وَيُقَال دِرْهَم ضرب الْأَمِير أَي مَضْرُوب الْأَمِير وَلِهَذَا يُسمى الْمَأْمُور بِهِ أمرا والمقدور قدرَة وَقدرا والمعلوم علما والمرحوم بِهِ رَحْمَة

كَقَوْلِه تَعَالَى {وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} وَقَوله {أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه}

ص: 325

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول الله للجنة أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي وَيَقُول للنار أَنْت عَذَابي أعذب بك من أَشَاء من عبَادي وَقَالَ إِن الله خلق الرَّحْمَة يَوْم خلقهَا مئة رَحْمَة أنزل مِنْهَا رَحْمَة وَاحِدَة فِيهَا تتراحم الْخلق ويتعاطفون وَأمْسك عِنْده تِسْعَة وَتِسْعين رَحْمَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع هَذِه الى تِلْكَ فرحم بهَا الْخلق وَيُقَال للمطر والآيات هَذِه قدرَة عَظِيمَة وَيُقَال غفر الله لَك علمه فِيك أَي معلومه فتسمية الْمَخْلُوق بِالْكَلِمَةِ كلمة من هَذَا الْبَاب

وَقد ذكر الإِمَام أَحْمد فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية وَذكره غَيره أَن النَّصَارَى الحلولية والجهمية المعطلة اعْترضُوا على أهل السّنة فَقَالَت النَّصَارَى الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق والمسيح كلمة الله فَهُوَ غير مَخْلُوق وَقَالَت الْجَهْمِية الْمَسِيح كلمة الله وَهُوَ مَخْلُوق وَالْقُرْآن كَلَام الله فَيكون مخلوقا

وَأجَاب أَحْمد وَغَيره بِأَن الْمَسِيح نَفسه لَيْسَ هُوَ كلَاما فَإِن الْمَسِيح إِنْسَان وَبشر مَوْلُود من امْرَأَة وَكَلَام الله لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَا بشر وَلَا مَوْلُود من امْرَأَة وَلَكِن الْمَسِيح خلق بالْكلَام وَأما الْقُرْآن فَهُوَ نَفسه كَلَام الله فَأَيْنَ هَذَا من هَذَا

وَقد قيل أَكثر اخْتِلَاف الْعُقَلَاء من جِهَة اشْتِرَاك الْأَسْمَاء وَمَا من عَاقل إِذا سمع قَوْله تَعَالَى فِي الْمَسِيح عليه السلام إِنَّه كَلمته أَلْقَاهَا الى مَرْيَم إِلَّا يعلم أَن المُرَاد (لَا) أَن الْمَسِيح نَفسه كَلَام الله وَلَا أَنه صفة لله وَلَا خَالق ثمَّ يُقَال لِلنَّصَارَى فَلَو قدر أَن الْمَسِيح نفس الْكَلَام لَيْسَ بخالق فَإِن الْقُرْآن كَلَام الله وَلَيْسَ بخالق والتوراة كَلَام الله وَلَيْسَت بخالقة وكلمات الله كَثِيرَة وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْء خَالق فَلَو كَانَ الْمَسِيح نفس الْكَلَام لم يجز أَن يكون خَالِقًا فَكيف وَلَيْسَ هُوَ الْكَلَام وَإِنَّمَا خلق بِالْكَلِمَةِ وَخص باسم الْكَلِمَة فَإِنَّهُ لم يخلق على الْوَجْه الْمُعْتَاد الَّذِي خلق عَلَيْهِ غَيره بل خرج عَن الْعَادة فخلق بِالْكَلِمَةِ من غير السّنة الْمَعْرُوفَة بالبشر

وَقَوله {بِروح مِنْهُ} لَا يُوجب أَن يكون مُنْفَصِلا من ذَات الله كَقَوْلِه تَعَالَى {وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ}

ص: 326

وَقَوله تَعَالَى {وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله} وَقَوله تَعَالَى {مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك}

وَقَالَ تَعَالَى {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين منفكين حَتَّى تأتيهم الْبَيِّنَة رَسُول من الله يَتْلُو صحفا مطهرة فِيهَا كتب قيمَة} فَهَذِهِ الْأَشْيَاء كلهَا من الله وَهِي مخلوقة وأبلغ من ذَلِك روح الله الَّتِي أرسلها إِلَى مَرْيَم وَهِي مخلوقة

فالمسيح الَّذِي هُوَ روح من تِلْكَ الرّوح أولى أَن يكون مخلوقا قَالَ تَعَالَى {فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا}

وَقد قَالَ تَعَالَى {وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا} وَقَالَ {وَالَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين} فَأخْبر أَنه نفخ فِي مَرْيَم من روحه كَمَا أخبر أَنه نفخ فِي آدم من روحه وَقد بَين أَنه أرسل إِلَيْهَا روحه

{فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته}

فَهَذَا الرّوح الَّذِي أرْسلهُ الله إِلَيْهَا ليهب لَهَا غُلَاما زكيا مَخْلُوق وَهُوَ روح الْقُدس الَّذِي خلق الْمَسِيح مِنْهُ وَمن مَرْيَم فَإِذا كَانَ الأَصْل مخلوقا فَكيف الْفَرْع الَّذِي حصل بِهِ وَهُوَ روح الْقُدس وَقَوله عَن الْمَسِيح {وروح مِنْهُ} خص الْمَسِيح بذلك لِأَنَّهُ نفخ فِي أمه من الرّوح فحبلت بِهِ من ذَلِك النفخ وَذَلِكَ غير روحه الَّتِي يُشَارِكهُ فِيهَا سَائِر الْبشر فامتاز بِأَنَّهَا حبلت

ص: 327

بِهِ من نفخ الرّوح فَلهَذَا سمي روحا مِنْهُ

وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَة من الْمُفَسّرين روح مِنْهُ أَي رَسُول مِنْهُ فَسَماهُ باسم الرّوح الَّذِي هُوَ الرَّسُول الَّذِي نفخ فِيهَا فَكَمَا يُسمى كلمة يُسمى روحا لِأَنَّهُ كَون بِالْكَلِمَةِ لَا كَمَا يخلق الآدميون غَيره وَيُسمى روحا لِأَنَّهُ حبلت بِهِ أمه بنفخ الرّوح الَّذِي نفخ فِيهَا لم تحبل من ذكر كَغَيْرِهِ من الْآدَمِيّين وعَلى هَذَا فَيُقَال لما خلق من نفخ الرّوح وَمن مَرْيَم سمى روحا بِخِلَاف سَائِر الْآدَمِيّين فَإِنَّهُ يخلق من ذكر وَأُنْثَى ثمَّ ينْفخ فِيهِ من الرّوح بعد مُضِيّ أَرْبَعَة أشهر

وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أمانتهم تجسد من مَرْيَم وَمن روح الْقُدس وَلَو اقتصروا على هَذَا وفسروا روح الْقُدس بِالْملكِ الَّذِي نفخ فِيهَا وَهُوَ روح الله لَكَانَ هَذَا مُوَافقا لما أخبر الله بِهِ لكِنهمْ جعلُوا روح الْقُدس حَيَاة الله وجعلوه رَبًّا وتناقضوا فِي ذَلِك فَإِنَّهُ على هَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِيهِ أقنومان أقنوم الْكَلِمَة وأقنوم الرّوح

ص: 328

وهم يَقُولُونَ لَيْسَ فِيهِ أَلا أقنوم الْكَلِمَة وكما يُسمى الْمَسِيح كلمة لِأَنَّهُ خلق بِالْكَلِمَةِ يُسمى روحا لِأَنَّهُ حل بِهِ الرّوح فَإِن قيل فقد قَالَ فِي الْقُرْآن {وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك} وَقَالَ {تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم}

وَقد قَالَ أَئِمَّة الْمُسلمين وجمهورهم الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَقَالَ فِي الْمَسِيح وروح مِنْهُ قيل هَذَا بِمَنْزِلَة سَائِر الْمُضَاف إِلَى الله إِن كَانَ عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا أَو صفة فِيهَا كَانَ مخلوقا وَإِن كَانَ صفة مُضَافَة إِلَى الله كعلمه وَكَلَامه وَنَحْو ذَلِك كَانَ إِضَافَة صفة وَكَذَلِكَ مَا مِنْهُ إِن كَانَ عينا قَائِمَة تعين بغَيْرهَا كَمَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالنعَم وَالروح الَّذِي أرسلها الى مَرْيَم وَقَالَ {إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك} كَانَ مخلوقا وَإِن كَانَ صفة لَا تقوم بِنَفسِهَا وَلَا يَتَّصِف بهَا الْمَخْلُوق كالقرآن لم يكن مخلوقا فَإِن ذَلِك قَائِم بِاللَّه وَمَا يقوم بِاللَّه لَا يكون مخلوقا

وَالْمَقْصُود هُنَا بَيَان بطلَان احتجاج النَّصَارَى وَأَنه لَيْسَ لَهُم فِي ظَاهر الْقُرْآن وَلَا بَاطِنه حجَّة كَمَا لَيْسَ لَهُم حجَّة فِي سَائِر كتب الله وَإِنَّمَا تمسكوا بآيَات متشابهات وَتركُوا الْمُحكم كَمَا أخبرا الله عَنْهُم بقوله {هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله} وَالْآيَة نزلت فِي النَّصَارَى فهم مرادون من الْآيَة قطعا ثمَّ قَالَ {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا} وفيهَا قَولَانِ وقراءتان مِنْهُم من يقف عِنْد قَوْله إِلَّا الله وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم لَا يعلمُونَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه لَا يُعلمهُ إِلَّا الله

وَمِنْهُم من لَا يقف بل يصل بذلك قَوْله تَعَالَى {والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا} وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَأْوِيل الْمُتَشَابه وكلا الْقَوْلَيْنِ مأثور عَن طَائِفَة من السّلف وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ قد يكون الْحَال من الْمَعْطُوف دون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا} أَي قائلين وكلا الْقَوْلَيْنِ حق بِاعْتِبَار فَإِن لفظ التَّأْوِيل يُرَاد بِهِ التَّفْسِير وَمَعْرِفَة مَعَانِيه

والراسخون فِي الْعلم يعلمُونَ تَفْسِير الْقُرْآن قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ لم ينزل الله آيَة إِلَّا وَهُوَ يحب أَن تعلم فِي مَاذَا نزلت وَمَا عني بهَا وَقد يَعْنِي بالتأويل مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ من كَيْفيَّة مَا أخبر بِهِ عَن نَفسه وَعَن الْيَوْم الآخر وَقت السَّاعَة ونزول عِيسَى وَنَحْو ذَلِك

ص: 329

فَهَذَا التَّأْوِيل لَا يُعلمهُ الا الله وَأما لفظ التَّأْوِيل إِذا أُرِيد بِهِ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره الى مَا يُخَالف ذَلِك لدَلِيل يقْتَرن بِهِ فَلم يكن السّلف يُرِيدُونَ بِلَفْظ التَّأْوِيل هَذَا وَلَا هُوَ معنى التَّأْوِيل فِي كتاب الله عز وجل

وَلَكِن طَائِفَة من الْمُتَأَخِّرين خصوا لفظ التَّأْوِيل بِهَذَا بل لفظ التَّأْوِيل فِي كتاب الله يُرَاد بِهِ مَا يؤول إِلَيْهِ الْكَلَام وَإِن وَافق ظَاهِرَة كَقَوْلِه تَعَالَى {هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه من قبل}

وَمِنْه تَأْوِيل الرُّؤْيَا كَقَوْل يُوسُف الصّديق {هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل} وَكَقَوْلِه {إِلَّا نبأتكما بتأويله} وَقَوله {ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا} وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر

وَالْمَقْصُود هُنَا أَنه لَيْسَ لِلنَّصَارَى حجَّة لَا فِي ظَاهر النُّصُوص وَلَا بَاطِنهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ}

والكلمة عِنْدهم هِيَ جَوْهَر وَهِي رب لَا يخلق بهَا الْخَالِق بل هِيَ الخالقة لكل شَيْء كَمَا قَالُوا فِي كِتَابهمْ إِن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت فِي مَرْيَم وَالله تَعَالَى قد أخبر أَنه سُبْحَانَهُ أَلْقَاهَا الى مَرْيَم والرب سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِق والكلمة الَّتِي أَلْقَاهَا لَيست خالقة إِذْ الْخَالِق لَا يلقيه شَيْء بل هُوَ يلقِي غَيره وكلمات الله نَوْعَانِ كونية ودينية فالكونية كَقَوْلِه للشَّيْء كن فَيكون

والدينية أمره وشرعه الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَكَذَلِكَ أمره وإرادته وإذنه وإرساله وَبَعثه يَنْقَسِم الى هذَيْن الْقسمَيْنِ وَقد ذكر الله تَعَالَى إِلْقَاء القَوْل فِي غير هَذَا وَقد قَالَ تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا}

وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذا رأى الَّذين أشركوا شركاءهم قَالُوا رَبنَا هَؤُلَاءِ شركاؤنا الَّذين كُنَّا نَدْعُو من دُونك فَألْقوا إِلَيْهِم القَوْل إِنَّكُم لَكَاذِبُونَ وألقوا إِلَى الله يَوْمئِذٍ السّلم}

ص: 330