المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[طلب الدعاء من الغير حيا كان أو ميتا] - زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور

[ابن تيمية]

الفصل: ‌[طلب الدعاء من الغير حيا كان أو ميتا]

الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله تعالى، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء - مثلا لما فيه من العدوان - فالنبي والصالح لا يعين على ما يكره الله، ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول.

[طلب الدعاء من الغير حيا كان أو ميتا]

وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته. فهذا هو:

(القسم الثاني) وهو أن لا تطلب منه الفعل ولا تدعوه، ولكن تطلب أن يدعو لك، كما تقول للحي: ادع لي، وكما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء، فهذا مشروع في

ص: 24

الحي كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون، ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: يا رسول الله! ادع الله لنا واستسق لنا، ونحن نشكو إليك مما أصابنا، ونحو ذلك، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاءوا عند قبر

ص: 25

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلمون عليه، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع.

وذلك أن في " الموطأ " وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وفي السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» وفي الصحيح عنه أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبويها: ولولا ذلك

ص: 26

لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا، وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس:«إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وفي سنن أبي داود عنه قال: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» .

ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور، وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئا من الأشياء، لا من درهم، ولا من زيت، ولا من شمع، ولا من حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله

ص: 27

فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» . واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟

ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف: أن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في غير تلك البقعة والدعاء؛ بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من عند القبور - قبور الأنبياء والصالحين - سواء سميت " مشاهد " أو لم تسم.

وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء؛ فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] ولم يقل: المشاهد، وقال تعالى:

ص: 28

والتابعين، كما ذكره البخاري في صحيحه والطبراني وغيره في تفاسيرهم، وذكره وثيمة وغيره في " قصص الأنبياء " في قوله تعالى:{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] قالوا: هذه أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم فاتخذوا تماثيلهم أصناما وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» .

واتفق العلماء على أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين - الصحابة وأهل البيت

ص: 30

وغيرهم - أنه لا يتمسح به، ولا يقبله؛ بل ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركني البيت - اللذين يليان الحجر - ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان موجودا، فكرهه مالك وغيره؛ لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص فيه

ص: 31

أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما فعله. وأما التمسح بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين.

وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرجل الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد بحضوره، فإذا كان الأنبياء - صلوات الله عليهم - والصالحون أحياء لا يتركون أحدا يشرك بهم بحضورهم؛ بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح عليه السلام:

ص: 32

عليه وآله وسلم، وكانوا إذ ارأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه، وقال:«إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» ولما أتي علي بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار.

فهذا شأن أنبياء الله وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علوا في الأرض وفسادا، كفرعون ونحوه، ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم أربابا، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم، كما أشرك بالمسيح وعزير.

ص: 34

فهذا مما يبين الفرق بين سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصالح في حياته وحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتحرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف.

ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب، كما ذكره السائل، ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدي فلان! كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم، ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم،

ص: 35

وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته. وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب؛ فإن الكذب مقرون بالشرك، وقد قال تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ - حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30 - 31] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين، أو ثلاثا» وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] وقال الخليل عليه السلام: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 86 - 87]

فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه: إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وانكشف غطاؤه رده عليه، وإن الشيخ إن لم

ص: 36