المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[التوسل بالجاه والحرمة] - زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور

[ابن تيمية]

الفصل: ‌[التوسل بالجاه والحرمة]

يكن كذلك لم يكن شيخا. وقد تغويهم الشياطين، كما تغوي عباد الأصنام كما كان يجري في العرب في أصنامهم، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجري للتتار، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك، فكثير من هؤلاء قد يجري له نوع من ذلك، لا سيما عند سماع البكاء والتصدية؛ فإن الشياطين قد تنزل عليهم، وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع: من الإرغاء، والإزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين.

[التوسل بالجاه والحرمة]

وأما (القسم الثالث) وهو أن يقول: اللهم

ص: 37

بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك: افعل بي كذا، وكذا، فهذا يفعله كثير من الناس؛ لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام، فإنه أفتى: أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك، إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن صح الحديث في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي وغيرهما «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله ! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم

ص: 38

فشفعه في» فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء المخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول:«اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .

قالوا ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله

ص: 39

مماته وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون، وقد بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون.

وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح «عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار " دار القضاء " ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم، يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما، فقال:

ص: 41

يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال: وأقلعت فخرجنا نمشي في الشمس» ، ففي هذا الحديث أنه قال: ادع الله لنا أن يمسكها عنا. وفي الصحيح أن عبد الله بن عمر قال: إني لأذكر قول أبي طالب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولما مات توسلوا بالعباس رضي الله عنه، كما

ص: 42

كانوا يتوسلون به ويستسقون، وما كانوا يستسقون به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا! يا يزيد ارفع يديك إلى الله! فرفع يديه، ودعا، ودعوا؛ فسقوا؛ فلذلك قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة.

ص: 43