المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا - التراجم الظاهرة: - الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح

[نور الدين عتر]

الفصل: ‌أولا - التراجم الظاهرة:

2 -

أنه قد اندرجت عنده الأقسام مع الصور والمسالك التي تدخل تحت الأقسام.

3 -

أنه لم يشمل بعض أنواع التراجم، وهو نوع «التَّرَاجِمُ المُفْرَدَةُ» .

وهكذا كانت الحاجة مَاسَّةً لتقسيم حاصر، وتصنيف ضابط لأنواع فنون التراجم في " صحيح البخاري "، وقد توصلنا إلى تقسيم مبتكر لأنواع التراجم عند البخاري، واستقام لنا هذا التقسيم على أربعة أنواع من التراجم، اخترنا لكل نوع منها تسمية، نرجو أن تكون مَحَلَّ القَبُولِ لَدَى العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ، وهذه الأنواع هي التالية:

‌أَوَّلاً - التَّرَاجِمُ الظَّاهِرَةُ:

وهي التي تطابق الأحاديث التي تخرج تحتها مطابقة واضحة جليلة، دون حاجة للفكر والنظر.

ثَانِيًا - التَّرَاجِمُ الاسْتِنْبَاطِيَّةُ: وهي التي تدرك مطابقتها لمضمون الباب بوجه من البحث والتفكير القريب أو البعيد.

ثَالِثًا - التَّرَاجِمُ المُرْسَلَةُ: وهي التي اكتفي فيها بلفظ (باب)، ولم يُعَنْوِنْ بشيء يدل على المضمون بل ترك ذلك العنوان.

رَابِعًا - التَّرَاجِمُ المُفْرَدَةُ: وهي تراجم لا يُخْرِجُ البخاري فيها شَيْئًا من الحديث للدلالة عليها.

أَوَّلاً - التَّرَاجِمُ الظَّاهِرَةُ:

وللبخاري مسالك متعددة من التراجم الظاهرة اشترك فيها مع غيره، وهي:

1 -

الترجمة بصيغة خبرية عامة: وذلك بأن تكون الترجمة عبارة تدل على مضمون الباب بصيغة خبرية عامة تحتمل عدة أوجه، فتدل على محتوي الباب بوجه عام، ثم يتعين المراد بما يذكر من الحديث في الباب.

ومن الأمثلة في " الجامع الصحيح ":

قول البخاري: (بَابُ المَاءِ الدَّائِمِ) ثم أخرج فيه الحديث: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (1).

(1) جـ 1 ص 57.

ص: 74

فبين أن المراد النهي عن البول فيه وعن الاغتسال منه إذا بال.

وفائدة هذه التراجم الإعلام الإجمالي بمضمون الباب ثم يدرك القارىء المعنى المقصود (1).

2 -

الترجمة بصيغة خبرية خاصة بمسألة الباب، تحددها، دون أن يتطرق إليها الاحتمال: ومن الأمثلة في " كتاب البخاري ": قوله في الزكاة: «بَابُ فََرْضِ صَدَقَةَ الفِطْرِ، وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ «صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً» .

وأخرج فيه حديث ابن عمر قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ [صَاعًا] مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ

» الحديث (2).

وفائدة هذا المسلك: إفادة أن هذا الحديث فيه دليل لهذا الحكم، أو الفائدة التي أوضحتها الترجمة، وأن المؤلف قائل بها، مختار لها، إذا كانت المسألة خلافية بين العلماء.

3 -

الترجمة بصيغة الاستفهام: وذلك بأن تكون ترجمة الباب مصوغة على عبارة من عبارات الاستفهام، وهذا المسلك عند البخاري أكثر وُجُودًا وَدِقَّةً مِنْ غَيْرِهِ.

والمقصود من الاستفهام ما يتوجه بعد في الباب من النفي أو الاثبات، وَعَبَّرَ بهذه الصيغة إثارة لانتباه الذهن وإعمال الفكر، وذلك:

إما لكون مسألة الباب موضع اختلاف تحتاج للبحث والترجيح كقول البخاري: (بَابُ هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الجُمُعَةََ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ).

وأخرج فيه أحاديث منها: حديث أبي هريرة وفيه: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ» . وحديث ابن عمر: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وحديث ابي سعيد الخُدرِي: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (3).

(1) انظر " مقدمة فتح الباري ": جـ 1 ص 9.

(2)

جـ 2 ص 130.

(3)

جـ 2 ص 5، 6.

ص: 75

فاستعمل في الترجمة صيغة الاستفهام للاحتمال الواقع في حديث أبي هريرة، فإنه شامل للجميع من شهد الجمعة ومن لم يشهدها، وكذا حديث أبي سعيد، وفي حديث ابن عمر تقييد وجوب الغسل بالمجيء لصلاة الجمعة فيخرج من لم يجيء.

ومن ثم اختلف العلماء في غسل يوم الجمعة هل هو للصلاة أو لليوم؟ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الاختلاف إذا كان الغسل للصلاة، ومن الجميع إذا كان لليوم. والأحاديث ناظرة إلى كِلَا الاحْتِمَالَيْنِ، لأن حديث ابن عمر صحيح في أن الغسل للصلاة، والأحاديث الأخر ظاهرة في أنه لليوم (1).

وأما أن يعبر بالاستفهام في الترجمة على مسألة هي موضع اتفاق العلماء، ويكون المقصد إثارة الانتباه لمعرفة دليل هذه المسألة، أو أن ثمة تفضيلاً فيها بين العلماء، أو للاحتمال في الدليل الدال عليها. كقول البخاري في الجنائز (بَابُ هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأَةُ [فِي] إِزَارِ الرَّجُلِ؟)(*).

وأخرج فيه حديث أُمَّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ:«تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ [لَنَا]: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» ، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ، وَقَالَ:«أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (2). (**).

وقد نقل ابن بطّال اتفاق العلماء عَلَى جواز تكفين المرأة بإزار الرجل، لكن البخاري أشار بقوله:«هَلْ» إلى تردد في دلالة الحديث.

كما قال ابن حجر: «فَكَأَنَّهُ [أَوْمَأَ] إِلَى احْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأَنَّ الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ وَنَحْوِهَا قَدْ لَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِعَرْقِهِ الْكَرِيمِ» ، وقد كان أطيب من ريح المسك صلى الله عليه وسلم (3). (

)

فالخصوصية به محتملة ولذلك ترجم الباب - بـ «هَلْ» -، وإن كانت كما ذكر القسطلاني

(1)" فتح الباري ": جـ 2 ص 260. و " شرح تراجم أبواب البخاري ": ص 81.

(2)

" صحيح البخاري ": جـ 2 ص 74. والشعار: ما يلي البدن من الثياب.

(3)

" فتح الباري ": جـ 3 ص 85.

----------------------------

(*)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (22) كتاب الجنائز (12) بَابُ هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (" فتح الباري بشرح صحيح البخاي " 3/ 131، طبعة سَنَةَ 1379 هـ، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان)].

(**)[المصدر السابق: الحديث رقم 1257، 3/ 131].

(

) [هذه الزيادة (وقد كان أطيب من ريح المسك صلى الله عليه وسلم) لم أجدها في " فتح الباري "، راجع " فتح الباري ": 1/ 131].

ص: 76

غير مسلمة (1).

3 -

اقتباس الترجمة من حديث الباب: وذلك بأن يجعل لفظ الحديث المروي في الباب ترجمة له، كلَّه أو بَعْضًا منه. مثال ذلك في " كتاب البخاري ":

قوله في الطب (بَابُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً [إِلَاّ أَنْزَلَ] لَهُ شِفَاءً)(*) وهو لفظ الحديث الذي أخرجه في الباب (2).

وقوله في الصلاة: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نُصِرْتُ بِالصَّبَا) وأخرج فيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (**): أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (3).

فالترجمة شطر الحديث، وَكَأَنَّ المؤلف في مثل هذه المواضيع يقول: باب هذا الحديث، وفائدة جعل لفظ الحديث أو بعضه ترجمة، إعلام أن المصنف قائل بذلك الحديث ذاهب إليه. وقد وجدت ذلك مستمرا في " صحيح البخاري "، ونص عليه الحافظ ابن حجر فقال في شرحه (4)«أَنَّ اِخْتِيَارَهُ يُؤْخَذ فِي العَادَة مِنْ الآثَار التِي يُودِعَهَا فِي التَّرْجَمَةِ» (

). اهـ.

مثال ذلك قوله في الايمان:

(بَابٌ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]) ثم أخرج فيه حديث [ابْنِ عُمَرَ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، [فَإِذَا] فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَاّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (5)(****). اهـ.

(1)" إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ": جـ 2 ص 467.

(2)

جـ 2 ص 12.

(3)

جـ 2 ص 33.

(4)

جـ 1 ص 398 في شرح (بَابٌ فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ [فِي] الثِّيَابِ).

(5)

جـ 1 ص 14.

-------------------------

(*)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (76) كتاب الطب (1) بَابُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَاّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (" فتح الباري بشرح صحيح البخاي " 10/ 134، طبعة سَنَةَ 1379 هـ، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان)].

(**)[المصدر السابق: (15) كتاب الاستسقاء (26) بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نُصِرْتُ بِالصَّبَا، الحديث رقم 1035، (" فتح الباري ": 2/ 520)].

(

) [المصدر السابق: (8) كتاب الصلاة، (13) بَابٌ فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ، (" فتح الباري ": 1/ 482)].

(****)[المصدر السابق: (2) كتاب الإيمان، (17) بَابٌ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، (" فتح الباري ": 1/ 75)].

ص: 77

فترجم بالآية لهذا الحديث إشارة إلى أن المُرَادَ بالتوبة في الآية هو التوبة عن الشرك، واستدل على ذلك بالحديث، ومقصود الباب كله الاستدلال على عصمة دم المسلم

(1).

ومثل هذا المسلك كثير في " الجامع الصحيح ".

أن يأتي في الترجمة بحديث مرفوع ليس على شرطه وَيُخْرِجَ في الباب حَدِيثًا على شرطه شَاهِدًا له، أو يترجم بحديث قد خَرَّجَهُ في موضع آخر فيذكره مُعَلَّقًا اخْتِصَارًا.

ومن ذلك قوله: (بَابٌ: الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ) وهو لفظ حديث يُروَي عن عَلِيٍّ رضي الله عنه (*) وليس على شرط البخاري، فأخرج فيه بسنده

حديث: «إِنَّ [هَذَا] الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَاّ كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ» (**).

وحديث: «لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ» (2) (

).

فاستشهد بهما لحديث الترجمة وقواه، وأشار بذكره ترجمة إلى أنه المختار عنده في عنده في شرط الولاية.

4 -

الإخبار عن بدء الحكم وظهور الشيء: وذلك أن البخاري يترجم في أول بعض الموضوعات ببدء ذلك الأمر أو بظهوره.

ومن أمثلة هذا اللون في " البخاري ":

قوله في أول " الجامع الصحيح ": (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ (3) وقوله في الصلاة: (باب بدء الأذان)(4)(*****).

ولمثل هذا التنصيص فائدة كبيرة في تاريخ التشريع، وغير ذلك من الفوائد التي يستفيدها العلماء.

(1)" عمدة القاري " للعيني: جـ 10 ص 207.

(2)

جـ 9 ص 62 وانظر " هدي الساري ": جـ 1 ص 9، 10. و " شرح تراجم البخاري ": ص 3.

(3)

جـ 1 ص 6.

(4)

جـ 1 ص 124.

--------------------

(*)[انظر " هدي الساري ": 1/ 14. مقدمة " فتح الباري بشرح صحيح البخاي، طبعة سَنَةَ 1379 هـ، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان].

(**)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (93) كتاب الجنائز (2) بَابُ الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ، حديث رقم 7139، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي (" فتح الباري بشرح صحيح البخاي " 13/ 114، طبعة سَنَةَ 1379 هـ، نشر دار المعرفة. بيروت - لبنان)].

(

) [المصدر السابق: 13/ 114، الحديث رقم 7140].

(****)[المصدر السابق: (1) كتاب بدء الوحي (1) بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ (" فتح الباري ": 1/ 8)].

(*****)[المصدر السابق: (10) كتاب الأذان (1) بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ (" فتح الباري ": 2/ 77)].

ص: 78

مسالك تفرد بها البخاري:

------------------------

ثم إن البخاري تفرد بمسالك كثيرة في تراجمه، لأنه قد أولى هذا الفن كل عنايته وأودعها علمه وفقهه، فكانت غزيرة الفوائد. قال شاه ولي الله الدهلوي في " شرح تراجم أبواب صحيح البخاري ": «وَقَدْ فَرَّقَ البُخَارِيُّ فِي تَرَاجِمِ الأَبْوَابِ عِلْمًا كَثِيرًا مِنْ شَرْحِ غَرِيبِ القُرْآنِ، وَذِكْرِ آثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالأَحَادِيثِ المُعَلَّقَةِ

». اهـ.

وبذلك كانت صناعة التراجم خصيصة لهذا الكتاب، لا يساهمه فيها كتاب غيره، لكثرة تفننه فيها وعنايته بتنويع أساليبها وصيغها. فتفرد بكثير من المسالك لم يتطرق إليها مَن بعده ومن أهم ما تفرد به من المسالك في تراجمه الظاهرة:

1 -

أن يترجم بآية قرآنية: فيجعل الآية عنوانًا للباب، والمقصود من ذلك تأويل الآية، أو الاستدلال بها لحكم من الأحكام، ثم تقوية هذا التأويل والاستدلال بما يخرج من الحديث.

2 -

أن يأتي في الترجمة بالآثار عن الصحابة فمن بعدهم، كقوله في الصلاة:

(بَابٌ فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: «لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ»)(*).

وقال: (باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب).

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجُمْدِ وَالقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ: «عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ» وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ: «عَلَى الثَّلْجِ» . اهـ. (**).

وفائدة ذكر هذه النصوص من الآيات والأحاديث والآثار في التراجم الإشارة إلى اختياره في المسألة وترجيح ما دلت عليه.

3 -

أن يترجم في أبوابه بما ذهب إليه بعض العلماء، ويذكر في الباب ما يدل عليه قائلا:(باب من قال كذا) دون أن يفصح برأيه فيه.

والمراد بذلك التنبيه على ثبوت ذلك.

مثاله:

قَوْلُهُ فِي الشُّرْبِ: (بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى، لِقَوْلِ

(*)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (8) كتاب الصلاة، (13) بَابٌ فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ، (" فتح الباري ": 1/ 482)].

(**)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (8) كتاب الصلاة، (18) بَابُ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ، (" فتح الباري ": 1/ 486)].

ص: 79

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ» (*).

ثم أخرج فيه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ» (1)(**).

وقد نَبَّهَ البخاري على أنه قصد الاستدلال وإثبات هذا القول حيث قال: لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ "».

ولكن ابن حجر - وَمِنْ بعده الدَّهًلَوِي - عَلَّلَ ذلك بأنه حيث لا يتجه للبخاري الجزم بأحد الاحتمالين (2).

ونحن نَرَى الصواب فيما قلناه أَوَّلاً، بدليل صيغة البخاري في الترجمة نفسها، ولأنه ترجم بهذه الصيغة في مسائل إجماعية، لا يَتَأَتَّى عدم الجزم فيها كقوله:(بَابُ مَنْ قَالَ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ)(3) (

) ولا يشك أحد في ثبوت ذلك، مِمَّا يدل على أن القصد هو التنبيه على الثبوت، وهذا رأي العَلَاّمَة رشيد أحمد الكنكوهي، في مقدمة " شرحه على البخاري "(4).

4 -

أن يترجم بعبارة شرطية محذوقة الجواب فيقول: (باب إذا كان كذا

) ولا يذكر جواب الشرط. ومراده ما يتحصل بعد، وحذفه للعلم به من سياق الموضوع.

مثال ذلك قوله: (بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]).

أَخْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ سَعْدٍ بْنَ أَبِي وَقَّاصَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى رَهْطًا (5) وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً هُوَ

(1) جـ 3 ص 110.

(2)

المرجعين السابقين، المكان نفسه.

(3)

جـ 6 ص 190.

(4)

وهو الشرح المسمى " لامع الدراري " طبع الهند، انظر " مقدمته ": ص 96.

(5)

أي جماعة.

--------------------

(*)[" الجامع الصحيح " للبخاري: (41) كِتَاب الحَرْثِ وَالمُزَارَعَةِ، (2) بَابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ»، (" فتح الباري ": 5/ 31)].

(**)[المصدر السابق: الحديث رقم: 2353، 5/ 31].

(

) [" الجامع الصحيح " للبخاري: (66) كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ، (16) بَابُ مَنْ قَالَ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَاّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، (" فتح الباري ": 9/ 64)].

ص: 80