المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثالثا - التراجم المرسلة: - الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح

[نور الدين عتر]

الفصل: ‌ثالثا - التراجم المرسلة:

الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا فكأنه يحيل عليه» (1).

2 -

ضَرْبٌ ذكره بدرالدين بن جماعة وهو: «كَوْنُ حُكْمِ الْتَّرْجَمَةِ أَوْلَى مِنْ حُكْمِ نَصِّ الحَدِيْثِ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي (بَابُ إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ)، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالَى بَيْنَ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ نَوْعَيْ العِبَادَةِ، فَلأَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ بِالوُقُوفِ وَنَحْوِهِ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أَوْلَى» (2).

3 -

قال ابن جماعة أيضا (3)«وَتَارَةً يَكُونُ حُكْمُ التَّرْجَمَةِ مَفْهُومًا مِنَ الحَدِيثِ، وَلَكِنْ بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ وَفَهْمٍ دَقِيْقٍ، كَمَا فُهِمَ أَنَّ الأَعْمَالَ مِنَ الإِيمَانِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ (4) «وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَوَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ» . وَجَّهَ فَهْمَهُ: أَنَّ أَحَبُّ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ يَقْتَضِي مَحْبُوبًا دُونَهُ، وَلَا يَكُونُ الدِّينُ مَحْبُوبًا وَأُحَبَّ مِنْهُ إِلَاّ بِاعْتِبَارِ الأَعْمَالِ، لأَنَّ اعْتِقَادَ الإِيمَانِ لَيْسَ فِيهِ مَحْبُوبٌ آَخَرَ أَحَبُّ، لأَنَّ اعْتِقَادَهُ غَيْرَ الإِيمَانِ كُفْرٌ

» انْتَهَى.

وهذه الأنواع وسيعة في تراجم البخاري، أخذ بها الشُرَّاحُ في كثير من الموضع، كما سبق ذكر كلام ابن حجر في التنبيه عليها، وكذلك العَيْنِي أخذ بها في مواضع كثيرة مَثَلاً قال في حديث أبي موسي في (بابُ منْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ): «مُطَابَقَتُهُ لِلْتَّرْجَمَةِ بِطَرِيقِ الإِشَارَةِ لَا بِالتَّصْرِيحِ

» وكذا قال في الباب الذي بعده (بَابُ وَقْتِ المَغْرِبِ)(5).

‌ثَالِثًا - التَّرَاجِمُ المُرْسَلَةُ:

وهي التي اُرسِلَتْ فلم تُذْكَر لها عناوين، واكتفى عنها بكلمة العنوان (بَابٌ). وبالاستقراء لهذه الصيغة اتضح لنا:

أ - أن العنوان (بَابٌ) يستعمل على وجهين من التناسب

(1)" هدي الساري ": جـ 1 ص 9.

(2)

" شرح تراجم البخاري ": ق (1 - 2).

(3)

المرجع السابق (2 أ).

(4)

" الجامع الصحيح ": جـ 1 ص 17.

(5)

" عمدة القاري ": جـ 2 ص 563 و 565. طبع استنبول.

ص: 85

1 -

أن يكون مضمون الباب مُتَّصِلاً بالباب السابق مُكَمِّلاً له، فيفصل لفائدة زائدة في مضمونه، فيكون بمنزلة الفصل من السابق.

ومن ذلك في " الجامع الصحيح " قول البخاري في الجنائز (1).

(بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ) وأخرج فيه حديث المغيرة: «مَن نِيحَ عليه يُعَذّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ)، وحديث عمر: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» .

ثم قال: (باب، وأخرج فيه حديث جابر في مقتل أبيه يوم أُحُد وفيه:«فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو - أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو -. قَالَ: «فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ لَا تَبْكِي، فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ» .

فهذا الحديث أفاد كراهة النياحة على الميت، وتعليل ذلك بأن هذا الميت ظَلَّلَتْهُ الملائكة بأجنحتها، واكتنفته الرحمة، فهو في نعيم عظيم يوجب السرور له لا الحزن والنياحة، وذلك عن طريق آخر غير ما أفادته الأحاديث السابقة من علة النهي عن النياحة، فلذلك فصله في باب مستقل.

قال الحافظ ابن حجر (2): «فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ البَابِ الذِي قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ» .

2 -

والكثير الغالب أن يكون ضمن الباب فائدة تتصل بأصل الموضوع الذي عَنْوَنَ لَهُ (بأبواب) ويكون قد ذكره عقبه لهذه الملابسة.

ومن ذلك في " البخاري " قوله في (الحَرْثِ وَالمُزَارَعَةِ):

(بَابُ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ) أخرج فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ»

، ثم قال:(باب) وأخرج فيه حديث رافع بن خديج قال: «كنا أكثرَ أهل المدينة مُزْدَرَعا، كنا نُكْرِي الأرض بالناحية منها مُسَمّي لسيد الأرض، قال: فمما يُصابُ ذلك وتسلم الأرض، ومما

رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، قَالَ:«كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ» ، قَالَ: «فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا

(1) جـ 2 ص 80، 81.

(2)

" الفتح ": جـ 3 ص 104 و 105. وانظر " شرح تراجم البخاري " للدهلوي: ص 4. ومقدمة " لامع الدراري " لرشيد أحمد الكنكوهي: ص 97.

ص: 86