المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الأول: الحداد الجائز في الإسلام - الإمداد بأحكام الحداد

[فيحان شالي المطيري]

الفصل: ‌القسم الأول: الحداد الجائز في الإسلام

فليس ثمة سبب يدعو إلى حدادها. وأما المنكوحة بشبهة فكذلك لما بينا؛ ولأنها -أي المنكوحة بنكاح فاسد أو شبهة- ما فاتها نعمة النكاح والأصل هو الإباحة في الزينة لاسيما في النساء:1 يحققه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} . (الأعراف:31) .

فهذا دليل على إباحة الزينة مطلقا بما فيها زينة المرأة المعتدّة بنكاح فاسد أو شبهة وتحريم ذلك عليهما يحتاج إلى دليل ولا دليل. ثم إن النكاح الفاسد ووطأ الشبهة كل منهما معصية في الدين فيلزم الشكر على فواته لا التأسف عليه2.

1 شرح العناية ج 4 ص 342.

2 حاشية الشلبي.

ص: 166

‌الفصل الرابع: أقسام الإحداد

‌القسم الأول: الحداد الجائز في الإسلام

الفصل الرابع: أقسام الإحداد:

عرفت في الفصل الأول معنى الحداد، وأنه في اللغة: المنع مطلقا، وفي الاصطلاح: منع المرأة نفسها الزينة والطيب وكل ما يدعو إلى الرغبة فيها زمن الحداد، وذكرنا هنالكَ في أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي لأنه مجرد المنع مطلقا، أما المعنى الاصطلاحي فهو المنع بالنسبة إلى شيء خاص؛ وبناء على ذلك نرى أنه من المفيد أن نذكر أقسام الحداد الجائز منها والممنوع ليكون القارئ على بصيرة؛ لأن الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها (وبضدها تتميز الأشياء) فالجائز يعرف ليعمل به والممنوع يعرف لتركه. وإليك تحرير المقام في ذلك:

ينقسم الحداد من حيث الجملة إلى قسمين: جائز وغير جائز، والجائز قسمان: حداد المرأة على زوجها الميت وحدادها على قريبها الميت، فالتقسيم هنا من حيث النوع لا من حيث الحكم لأن الحكم لا يختلف في القسمين إنما الاختلاف في النوع أما زوجها الميت فليس في وجوب الحداد عليه خلاف إلا خلافا شاذاً على ما بيّنا، وقد عرفت الخلاف في وجوب الحداد عليها عند أئمة الفتوى إذا كانت مبتوتة كذلك لم يختلف الأئمة فيما علمت في جواز الحداد منها على قريبها الميت والمتتبع لنصوص الشرع وقواعده العامة يرى أن الحداد إنما يشرع للنساء دون الرجال فالمرأة هي التي تحد على زوجها أو على قريبها لما بينا وما سنبينه قريبا وهاك الأدلة التي تفيد هذا المعنى وإن كنا قد ذكرناها قريباً إلا أنّ المقام يقتضي إعادتها هنا بإيجاز:

1ـ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين:

الأمر الأول: أن التربص خاص بالمرأة التي مات زوجها خاصة بها وأن مدة التربص في حقها أربعة أشهر وعشراً)

ص: 166

الأمر الثاني: أنّ الزوج لا يجب عليه التربص بوفاة زوجته وبالتالي لا يجب عليه الحداد بل له أن يتزوّج ثانية دون أن يكون منوطاً بمدة معينة، والأوّل يفيده منطوق الآية، والثاني يفيده مفهومها قال الشوكاني في شرح الآية:"ومعنى الآية {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} أي ولهم زوجات فالزوجات يتربصن بعدهم وهو كقولك: "السمن منوان بدرهم" أي منه، وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى: "وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون"، وقيل: "التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن" ذكره صاحب الكشاف وفيه "أنّ قوله: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} لا يلائم ذلك التقدير؛ لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة"وقال بعض النحاة من الكوفيين: "أن الخبر عن (الذين) متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن"1.

2 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" فقد تضمّن هذا الحديث ثلاثة أمور:

الأمر الأول: جواز الحداد على القريب الميت وأنّ مدة ذلك ثلاثة أيام.

الأمر الثاني: الحداد على الزوج الميت أربعة أشهر وعشراً.

الأمر الثالث: هو أنَّ حكم الحداد خاص بالنساء دون الرجال، فالحديث وافق الآية الآنفة الذكر في وجه الدلالة في الأمرين الثاني والثالث، وتضمن حكماً زائداً على ما دلت عليه الآية وهو الأمر الأول.

3 ـ الإجماع:

أجمع المسلمون من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا على جواز القسمين السابقين وأنّ الرجال لا يدخلون في هذا الجواز وإنما هو خاص بالنساء.

وقد عرفت قريباً عند الكلام على حكم الإحداد مزيداً من الأدلة التي تتعلق بهذا الموضوع، وحاصلها بالإضافة إلى ما قلنا هو أنّ المرأة هي التي بحاجة إلى الرجل ولذلك وجب الحداد عليها لضعفها ولفوات نعمة النكاح عليها بموت العائل الذي يصونها ويحفظها ويرعى مصالحها على حد قوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} . (سورة النساء: 34) ، ولهذا كان مطالباً بالإنفاق على زوجته وكسوتها وسكنها إذا لم تكن ناشزة، وهذا كله لا يوجد في الرجل ولذلك أجمع أئمة الفتوى كما بينا أكثر من مرة على أنه لا يجب الإحداد على الرجل لعدم وجود الحكمة التي من أجلها شرع الحداد فيه.

1 فتح القدير 1 ص 248.

ص: 167