المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الثاني من قسمي الحداد: الحداد الممنوع في الإسلام: - الإمداد بأحكام الحداد

[فيحان شالي المطيري]

الفصل: ‌القسم الثاني من قسمي الحداد: الحداد الممنوع في الإسلام:

‌القسم الثاني من قسمي الحداد: الحداد الممنوع في الإسلام:

عرفت آنفاً القسم الأول من قسمي الحداد وهو القسم الجائز في الإسلام، وعرفت أنه قسمان من حيث النوع، بقي أن تعلم القسم الذي لا يجوز وهو على ضربَين:

أحدهما: ما كان قبل الإسلام.

وثانيهما: الإحداد في عصرنا الحاضر بالنسبة للدول.

ونحن نفصّل القول في هذين الضربين بحسب الإمكان والله المستعان فنقول:

القسم الأول: الحداد في الجاهلية:

كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها تتجنّب كل ملذّات الحياة، وتشق على نفسها، فلا تستعمل طيبا ولا تغسل جسما ولا تقلم ظفراً، وتلبس شرّ ثيابها، وتعتزل المجتمع في بيت صغير وقديم تمكث فيه حولا كاملا تخرج بعده وهي في أقبح صورة وأشنع منظراً وأسوء حالا مما كانت عليه، فتعمد إلى دابة فتغتسل بها فقلّما تغتسل بشيء إلا مات، يحقّق هذا قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي قالت له: يا رسول إنّ ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" -مرتين أو ثلاثا- كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". قال حميد: فقلت لزينب: "وما ترمى بالبعرة على رأس الحول؟ " فقالت زينب: "كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها ولم تمسّ طيباً حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره"1.

وقد تضمّن هذا الحديث: ما كانت تعانيه المرأة في الجاهلية من الظلم بسبب وفاة زوجها، فمن حزن على فراق الزوج إلى حياة قاسية بعده لمدة حول كامل، بقيت المرأة في الجاهلية على هذا الحال واستمرت زمناً وهي تعاني منها في بداية الإسلام يوضحه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} . (سورة البقرة: 240) .

وبما أنّ الشريعة الإسلامية قائمة على العدل والإنصاف وتحقيق المصالح الخاصة لأفراد المجتمع الإسلامي بشرط أن لا يتضرر أحد الطرفين بدفع الضرر عن الآخر فهي لا

1 صحيح البخاري مع فتح الباري ج 9 ص 484.

ص: 168

تقر ظلماً ولا تضيع حقاً، فقد نسخت ما كانت تعاني منه المرأة بسبب وفاة زوجها واستبدلته بحكم آخر حفظ حقوق الطرفين أعني الزوج والزوجة على السواء وذلك بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا} (نقدم تخريجه) .

فنسخت السنة المذكورة في الآية الآنفة الذكر بالمدة المذكورة في هذه الآية، وحدّ الشارع للمرأة المتوفى عنها حدوداً وسنّ لها قيوداً في الإسلام، ونسخت القيود التي كانت تعاني منها في الجاهلية وذلك بالأحاديث التي تم ثبتها قريباً قال ابن حجر في الفتح بعد تقريره هذا الحكم نقلا عن ابن دقيق العيد "قال ابن دقيق العيد:"فيه -يعنى الزمن الذي يجب على الحادة في الإسلام- إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك وتهوين الصبر عليهما ولهذا قال بعده: "وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول" وفي التقييد بالجاهلية إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع لكن التقدير: بالحول استمر في الإسلام بنص قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ثم نسخت بالآية التي قبلها وهي {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} " اهـ1.

القسم الثاني: الحداد في العصر الحاضر:

إعلم أنها قد انتشرت في عصرنا الحاضر ظاهرة مخالفة للإسلام التبس أمرها على بعض زعماء المسلمين وهي الحداد وتنكيس الأعلام لوفاة زعيم من الزعماء مدة معينة تقدر غالبا بثلاثة أيام أو سبعة أيام أو ثلاثين يوما أو أربعين يوما أو أكثر أو أقل وبما أن ذلك مخالف لتعاليم الإسلام فالواجب على العلماء تبيين أمر هذه الشبهة لأبناء المسلمين الذين جهلوها أو تجاهلوها، ودحضها بالأدلة الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة أداء للواجب على حد قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . (آل عمران: 110) : وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . (آل عمران: 104) وحيث أنني واحدٌ من المتخصصين في علوم الشريعة فقد رَأيتُ أنه من الواجب عليّ القيامُ بهذه المهمة حسب الإمكان؛ لأن أمرها قد شاع وذاع في الأوساط الإسلامية حتى أصبحت من الأمور العادية المألوفة، وصدق القائل حيث يقول:"إذا كثر الإمسَاس قلّ الإحساس" فأقول -وبالله التوفيق-: المسلم هو الذي يطبق أحكام الإسلام بفعل الأوامر واجتناب النواهي، والأحكام الشرعية لا تعرف إلا بالأدلة الشرعية وقد دلت

1 فتح الباري ج9 ص 484.

ص: 169

النصوص النبوية والأدلة العقلية وإجماع الصحابة الذين عاشوا أيام الرسالة على أنه لا يجوز العمل بحكم مّا إلا إذا كان له أصل يدل عليه دَليل من الأدلة التي قررها أئمة الفتوى مصدراً للاستدلال، ومن ذلك الحداد في العصر الحديث فانه لا دليل على جوازه ولا إباحته ويظهر ذلك فيما يأتي:

1 ـ لا ريب أن الحداد لا يشرع إلا للمرأة في حق زوجها أو قريبها الميت، وقد دلّ الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على أنه ليس لغير المرأة أن تحد على ميت بل ذلك خاص بها، فالأحاديث الصحيحة التي تم ثبتها قريباً كلها تنهى عن الحداد وتحذر منه إلا في حق الزوجة فإنها تحد على زوجها أربعة أشهر وعشراً كما جاءت الرخصة عنه صلى الله عليه وسلم للمرأة خاصة أن تحد على قريبها ثلاثة أيام فأقلو كذلك الآيات القرآنية التي تفيد إيجاب العدة على المرأة المتوفى زوجها قاضية بعدم جواز الإحداد من غيرها، وكذلك إجماع الصحابة الذي تم ثبته قريبا.

أما ما سوى ذلك من الحداد فهو ممنوع شرعاً وليس في الشريعة الكاملة من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا قول صحابي ما يدل على ذلك فدل على أنه لا يجوز على ملك ولا زعيم ولا غيرها.

2 ـ أن هذا العمل فيه مخالفة صريحة للشريعة المطهرة، وأمر تترتَّبُ عليه أضرار كثيرة، وتعطيل المصالح، والتّشبه بأعداء الإسلام، وهو ممنوع شرعاً.

3 ـ أنه قد مات في حياة الكريم النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم وبناته الثلاث رقية وأم كلثوم وزينب وعمه حمزة وأعيان آخرون في غزوة مؤتة فلم يحد عليهم ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق وأفضل الأنبياء وسيّد ولد آدم، والمصيبة بموته أعظم مصائب لأن بموته ينقطع خبر السماء لكونه آخر الأنبياء، ومع هذا لم يحد عليه الصحابة رضي الله عنهم ثم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو أفضل الصحابة وأشرف الخلق بعد الأنبياء فلم يحد عليه ثم قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء وبعد أبي بكر الصديق فلم يحدوا عليهم، وهكذا مات الصحابة جميعاً فلم يحد عليهم التابعون، وهكذا مات أئمة الإسلام وأئمة الهدى من التابعين ومن بعدهم كسعيد بن المسيب وعلي بن الحسن زين العَابدين وابنه محمد ابن علي وعمر بن عبد العزيز والزهري والإمام أبى حنيفة وصاحباه والإمام مالك بن أنس والأوزاعي والثوري والإمام الشافعي والإمَام أحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية.

ص: 170

وغيرهم من أئمة العلم والهدى ولم يحد عليهم المسلمون ولو كان خيراً لكان السَّلفُ الصالح إليه أسبق، والخير كله في اتباعهم والشر في مخالفتهم.

4 ـ أن الدين الإسلامي قد اكتمل بوفاة النبي الكريم على حد قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} . (المائدة: 3) فهل في شريعة الإسلام ما يشير ولو من طرف خفي إلى جواز هذَا الأمر؟ إننا لا نجد ما يدل على ذلك، وفعله من زعماء المسلمين وقادتهم مع عدم وجوده في الشريعة المطهرة مخالفة ظاهرة لهذه الشريعة وقدح في كمالها وانتقاص لها وأنها لم تفِ بما يجدّ من الأحكام، وقد قد قرر أئمة الهدى ومصابيح الظلام قديماً وحديثا أنها صالحة لكل زمان ومكان وشاملة لمصالح العباد ماضيها وحاضرها ومستقبلها. إن الأحكام الشرعية توقيفية أعني أنه لا يجوز إثباتها إلا من طريق الشارع خصوصا ما يقدّر بالزمن منها وإلا لجاز لكل أحد أن يقول برأيه ما شاء فدل على أنه لا يجوز الحداد إلا ما ورد به الحكم عن الشارع خصوصاً ما كان مقدراً بزمن معين، وهذا الأمر فيه تقدير بزمن وهو الحداد ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو ثلاثون يوماً أو أربعون يوماً وهذا لا يكون إلا بخبر السماء، وخبر السماء لا يعرف إلا من طريق الأنبياء، ولم يعرف عنهم جواز هذا العمل فدل على أنه مخالفٌ لمنهج الله القديم.

إذا تبيّن هذا فالواجب على قادة المسلمين وأعيانهم ترك هذا الإحداد والسير على منهج سلفنا الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم، والواجب على أهل العلم تنبيه الناس على ذلك وإعلامهم به أداء لواجب النصيحة وتعاونا على البر والتقوى، ولما أوجب الله سبحانه وتعالى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم.

ص: 171