الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما إذا لم يترافعوا إلينا فلا نتعرض لهم، ومن المعلوم أنهم لا ينزجرون عن ارتكاب الذنوب والآثام ولا يتورعون عن فعل المحرمات على اختلاف أنواعها من ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلك من صنوف الذنوب والآثام، ولا ذنب أعظم من الكفر فكيف يرجى منهم فعل الحداد وهم لا يفعلون ما هو أعظم من الحداد، وإلى ما قلنا أشار ابن القيم في الهدي بقوله:"وسر المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل الإيمان، ومن لم يلتزمه وخلى بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه كما خَلى بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا وهذه القاعدة متفق عليها بين العلماء"1.
فهذا ابن القيم يرى أن الحدود لا يجب على الذمية بإيجاب الشرع إلا أن يحصل الترافع منهم إلى المسلمين فحينئذ يلتزمون بأحكام الإسلام، وإلا فهم لا يتورعون عن ارتكاب المعاصي من الكبائر والصغائر والإسلام، لم يوجب على أتباعه إلزام أهل الذمة بشرائع الإسلام، وإنما يخلى بينهم وبين أحكَام الدين الذي يدينون به ما لم يترافعوا إلينا أو يتعرضوا للإسلام أو أحدٍ من أتباعه بالإهانة؛ لأنهم بعقدهم الذمة مع المسلمين وفرض الجزية عليهم وهم صاغرون إنما هو لحفظ دمائهم وأموالهم وعدم التعرض لهم إلا في الأمور التي فيها ضرر على الإسلام والمسلمين، وإيجاب الحداد على الذمية ليس فيه شيء من ذلك نعم الله عز وجل أرادَ منهم الإسلام، ولكن هم لم يمتثلوا فإذا دخلوا في الإسلام وجب عليهم ما يجب على المسلمين.
1 زاد المعاد: ج4 ص 269.
المبحث الرابع: هل شرط وجوب الحداد كونه من الوفاة
؟:
اتفق الفقهاء على أن الحداد يجب على المعتدة من الوفاة إذا توفرت الشروط الأخرى التي ذكرناها آنفاً والتي سنذكرها قريبا ولا نعلم في هذا خلافاً إلا خلافاً شاذاً ذكرناه في الفصل الثاني.
أما المعتدة من طلاق فهي على قسمين: رجعية وبائن. فالرجعية لا يجب عليها الحداد اتفاقاً لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزيّن لزوجها وتستشرف له ليرغب فيها2، فنعمة النكاح لم تفت بعد لأن الزوج له أن يراجعها، والتزين مما يبعثه على مراجعتها فتكون مندوبة إلى التزين لهذا المعنى3.
2 المغني: ج 7 ص 518، شرح العناية: ج 4 ص 340.
3 المبسوط: ج 6 ص 59.
أما البائن فقد اختلف الفقهاء في وجوب الحداد عليها على قولين مع اتفاقهم على إباحة ذلك لها، ونحن نبيّن هذين القولين وأدلة كل قول وما قد يرد على الدليل المرجوح من المناقشة مسترشدين في ذلك بالمراجع المعتمدة في كل مذهب، فنقول:
1 ـ ذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي في الجديد وأحمد في أحد قوليه وبه قال عطاء وربيعة وابن المنذر إلى عدم وجوب الحداد على المبتوتة1.
الاستدلال لهذا الرأي:
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والمعقول:
أما المنقول: فقد استدلوا منه بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشر"2. وهذه عدة الوفاة فيدل على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة3.
وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه:
أـ أنّ الحداد في عدة الوفاة إنما هو لإظهار الأسف على فراق زوجها وموته وهذا مالا يوجد في الطلاق فإنه فارقها باختيار نفسه وقطع نكاحها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه.
ب ـ أنّ المتوفى عنها لو أتت بولد لحق الزوج الميت لكونه ليس له من ينفيه على فرض أنه ليس له فاحتيط عليها بالإحداد لئلا يلحق بالميت من ليس منه بخلاف المطلقة فإن زوجها باق فهو يحتاط عليها بنفسه وينفي ولدها إذا كان من غيره.
ج ـ إنّ المبتوتة معتدة من غير وفاة فلا يجب عليها الحداد قياسا على الرجعية والموطؤة بشبهة.
2 ـ وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين والشافعي في القديم وبعض المالكية وأبو ثور وأبو عبيد إلى وجوب الحداد على المبتوتة4.
الاستدلال لهذا الرأي:
استدل أصحاب هذا الرأي بالمنقول والنظر.
1 المنتقى للباجي: ج 4 ص 145، مغني المحتاج: 3 ص 398، المغني: ج 7 ص 527.
2 تقدم تخريجه في الفصل الثاني.
3 المغني: ج 7 ص 528.
4 المبسوط: ج 6 ص 58، المغني: ج 7 ص 527، مغني المحتاج: ج 3 ص 398، فتح الباري: ج 9 ص 486.
أما المنقول فقد استدلوا منه بما يأتي:
1ـ ما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى المعتدّة أن تختضب بالحنّاء، وقال: الحناء طيب"1.
فأنت ترى أنه لم يفرّق بين معتدة الوفاة وغيرها فدل هذا على وجوب الحداد على المعتدة مطلقا كما يفيده عموم الحديث.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأمرين:
أـ أنه ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأنه لم يذكر في كتب السنة المعتبرة ولو كان صحيحا لذكروه، والحديث الضعيف لا يحتج به في الأحكام.
ب ـ لو سلّمنا بصحته لم نسلّم بعمومه في كل المعتدات، فالرجعية لا يجب عليها الحداد اتفاقاً، فعلى هذا يكون محمولا على المعتدّة من الوفاة، وتخرج البائن من هذا العموم كما خرجت الرجعية2.
2ـ روى الطحاوي في شرح الآثار بإسناده إلى حماد عن إبراهيم قال: "المطلقة والمختلعة والمتوفى عنها زوجها والملاعنة لا يختضبن ولا يتطيبن ولا يلبسن ثوباً مصبوغاً ولا يخرجن من بيوتهن". وإبراهيم أدرك عصر الصحابة وزاحمهم في الفتوى فيجوز تقليده3.
ويجاب عن هذا الاستدلال: بأنه قول تابعي، وقول التابعي ليس بحجة، فإنه إذا وقع الاختلاف بين الفقهاء في الاحتجاج بقول الصحابي فعدم الاحتجاج بقول التابعي أولى، زد على هذا أنه معارض لقول من قدّمنا من الصحابة.
وأما استدلالهم من طريق النظر: فهو إلحاق المبتوتة بالمتوفى عنها زوجها بطريق الدلالة، وتقريره أن النص ورد في وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها بلا خلاف، ومناط حكمه: إظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنها، والإبانة اقطع لها من الموت حتى كان لها أن تغسله ميتا قبل الإبانة لا بعدها فكان إلحاق المبتوتة بالمتوفى عنها زوجها كإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف4.
والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
1ـ أن القياس غير صحيح وذلك لوجودِ الفارق بين المقيس والمقيس عليه، فإن الحداد إنما وجب على المتوفي عنها زوجها إظهاراً للتأسف على فوت زوج وفي لها حتى الموت
1 فتح القدير: 4 ص 338.
2 شرح معاني الآثار: 3 ص 81.
3 شرح العناية: ج 4 ص 338.
4المصدر السابق.
بخلاف المبتوتة فإن زوجها لم يكن وفياً لها بل على العكس من ذلك فإنه أوحشها بالإبانة فلا تتأسف بفوته.
ومن جهة أخرى فإنه لا مناسبة بين البينونة وبين الموت؛ إذ أن البينونة لا يمتنع معها عود النكاح بعقد جديد بخلاف الموت فإنه لا يتصور عود النكاح بعده، ثم لو سلمنا بهذا في المطلقة لم نسلم به في المختلعة؛ لأنها قد افتدت نفسها برضاها لطلب الخلاص منه فكيف تتأسف.
ب ـ لو سلمنا بأن الحداد يجب على المبتوتة لفوات نعمة النكاح لقلنا بوجوبه على الأزواج أيضا؛ لأن نعمة النكاح مشتركة بينهما.
وهكذا تتصور المسألة بين القول والدليل والاستدلال والمناقشة، والحق واحد ومصيبه واحد، وسبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة راجع إلى أمرين:
الأمر الأول: هل وجوب الحداد على المرأة لإظهار التأسف على الزوج أو لإظهار التأسف على فوات الزوجية؟ فمن قال: هو لإظهار التأسف على فوات الزوج قال: بعدم وجوب الحداد على المبتوتة، ومن قال: هو لإظهار التأسّف على فوات الزوجية وبيان ذلك هو أن الحداد لإظهار التأسف على فوت نعمة النكاح والوطء الحلال بسببه قال بوجوب الحداد على المبتوتة؛ لأن عين الزوج ما كان مقصوداً لها حتى يكون التحزّن بفواته بل كان مقصودها نعمة النكاح، وهذا يفوتنا في الطلاق والوفاة بصفة واحدة.
الأمر الثاني: هل الحداد حق لله أو حق للزوج؟
فمن قال هو حق لله قال بوجوب الحداد على البائن، ومن قال هو حق للزوج قال بعدم وجوب الحداد عليها.
والذي أراه راجحا في هذه المسألة هو عدم وجوب الحداد على البائن، وإنما رجحت هذا القول لما يأتي:
1ـ الأدلة التي استدل بها القائلون بهذا القول أقوى في نظري من أدلة المخالفين، فحديث الصحيحين الذي ذكرناه في الاستدلال يفيد أن الحداد لا يكون إلا على ميّت كما هو ظاهر اللفظ، ثم قيّد الجواز بما ذكر في الحديث واستثني من ذلك الحداد على الزوج الميت وبين المدة التي يكون بها الحداد، فالمستثنى هنا من جنس المستثنى منه، وكذلك الأدلة التي ذكرناها هنالك كلها تلتقي حول هذا المعنى، وقد عرفت الجواب عن أدلة المخالفين عند ذكرها وهي كلها محتملة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال.
2 ـ إنّ الحداد حكم أوجبه الشارع على المرأة المتوفى عنها زوجها لأن تركه (أي الحداد) بفعل ما ينافيه من التطيب واللبس والتزيّن يدعو إلى الجماع، فمنعت المرأة منه زجراً لها عن ذلك فكان ذلك ظاهراً في حق الميت لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدة منه عن التزويج ولا تراعيه هي ولا تخاف منه بخلاف المطلّق الحي في كل ذلك ومن ثم وجبت العدة على كل متوفى عنها وإن لم تكن مدخولا بها بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا إحداد عليها اتفاقا 1.
3 ـ إنّ المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد وليس الأمر كذلك في المتوفى عنها زوجها؛ فإن عودتها إلى الزوج الميت مستحيلة فليس ثمة ما يدعو إلى إيجاب الحداد على المبتوتة، فإن قيل: هذا لا يستقيم في الملاعنة فإن تحريمها على الملاعن تحريم أبدي ومع هذا فلا حداد عليها؟ قيل: الجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن تحريم الملاعنة على الملاعن ليس محل اتفاق عند أئمة الفتوى، بل من الفقهاء من قال: إنها لا تحرم تحريما أبدياً، وإنما يكون الملاعن بعد الفرقة خاطبا من الخطاب، وقد قال بهذا فقهاء الحنفية.
الوجه الثاني: لو سلّمنا بأن الملاعنة تحرم على الملاعن على التأبيد لم نسلم بالاعتراض؛ لأننا نقول: إن وجوب الحداد إنما هو لفقد الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية.
4 ـ إن الزوج الميت فارق زوجته وهو على نهاية الإشفاق عليها والرغبة فيها، ولم تكن المفارقة من قبله، فلزمها لذلك الإحداد وإظهار الحزن، والمطلقة فارقها مختارا لفراقها مقابحاً لها فلا يتعلق بها حكم الإحداد كالملاعنة 2.
5 ـ روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشق ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" رواه أبو داود والنسائي3. فهذا الحديث نص في وجوب الحداد على المعتدة من الوفاة وهو مخصص لعموم الحديث الذي استدل به المخالفون على فرض صحته. فإن قيل: هذا الحديث لا يدل على عدم وجوب الحداد على المبتوتة بدليل آخر؟ قلنا: بل هو يدل على عدم وجوب الحداد عليها إذ أنه لم يوجد دليل أقوى منه بل ولا مساوياً له يفيد هذا الوجوب، فلما لم يوجد ذلك دل على أن المصير إلى مدلوله واجب.
1 فتح الباري: ج9 ص 486.
2المنتقى للباجي: ج 4 ص 145.
3سنن أبى داود: ج 2 ص 727، سنن النسائي ج 6 ص 203.