المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: كون المعتدة بالغة: - الإمداد بأحكام الحداد

[فيحان شالي المطيري]

الفصل: ‌المبحث الثاني: كون المعتدة بالغة:

الجمهور هذا الرأي بل قالوا بوجوب الحداد على المجنونة1 لأنها زوجة ف" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" هي داخلة تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم:2 فهذا نص عام يفيد إيجاب الإحداد على كل زوجة من غير فرق بين ما إذا كانت عاقلة أو غير عاقلة، والقول بعدم وجوب الإحداد على المجنونة يحتاج إلى دليل مخصص لهذا العموم ولم يوجد فيبقى على عمومه دالاً على إيجاب الإحداد مطلقا، وستعرف في المبحث الآتي مزيداً من الأدلة للفريقين لما بين المبحثين من العلاقة وذلك لاشتراك الجنون والصغر في عدم التكليف.

1 المغني: ج 7 ص 517، والمنتقى للباجي: ج 4 ص 145، ومغني المحتاج: ج 3 ص 398.

2 سبق تخريجه في الفصل الثاني.

ص: 154

‌المبحث الثاني: كون المعتدة بالغة:

البلوغ هو مظنة رشد المكلف فإذا بلغ الصغير فإنه قد يعرف مصالح نفسه ويكون رشيداً يحسن التصرف في تعامله مع نفسه ومع غيره يبيِّن ذلك قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . (النساء: 6) .

والبلوغ ضد الصغر، والصغير هو من لم يبلغ النكاح، والصغر مظنة لعدم الرشد لكون الصغير فاقداً لآلة الفهم والتمييز وإدارك الأشياء على حقيقتها التي تمكنه من معرفة مصالحه وعلى هذا فهل يجب الحداد على المرأة الصغيرة التي لم تبلغ مع اتفاق الفقهاء على وجوبه على المرأة البالغة العاقلة؟.

أقول: اختلف الفقهاء في وجوب الحداد على الصغيرة على قولين:

القول الأول: ذهب الجمهور إلى وجوب الحداد على الصغيرة فلا فرق عند هؤلاء بين الصغيرة والكبيرة إلا في الإثم 3. وقول الجمهور هنا موافق لقولهم في إيجاب الحداد على فاقدة العقل بسبب الجنون - كما تم ثبته قريباً- فلا فرق عندهم في إيجاب الإحداد على الزوجة بين أن تكون عاقلة أو غير عاقلة مادام أنّ اسم الزوجية شامل لها.

الاستدلال لهذا القول: استدل أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول:

أما المنقول فهو العمومات التي تفيد إيجاب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها من غير فرق بين ما إذا كانت كبيرة أو صغيرة من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاثٍ إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". وقد ذكرنا طرفا من هذه العمومات عند

3 المغني ج 7 ص 517، والمنتقى للباجي ج 4 ص 145، ومغني المحتاج ج 3 ص 398.

ص: 154

الكلام على الفصل الثاني وهي قاضية بوجوب الحداد، شاملة بعمومها لكل أحد وإخراج الصغيرة من هذا العموم يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه.

وأما استدلالهم بالمعقول فمن وجوه:

أـ إنّ العدة تجب على الصغيرة اتفاقاً فإذا كان الأمر كذلك فإن الحداد يجب عليها لكونه حُكماً من أحكام النكاح فهو يشترك مع العدة في ذلك بالإضافة إلى ما فيه من إظهار التأسف على فراق الزوج، ونحن نعلم يقينا فراغ رحم الصغيرَة ومع ذلك وجبت العدة عليها. فالعدة إنما وجبت عليها لحق الشرع لأن فراغ رحمها من ماء الزوج أمر مقطوع به ومع هذا وجبت عليها العدة فكذلك الحداد يجب عليها.

ب ـ إن الصغيرة يحرم العقد عليها بل تحرم خطبتها مادامت في العدة وهذا المعنى يوجد في حق الكبيرة فظهر أنهما يشتركان في حكم الحداد أيضا1.

ج ـ إنّ غير المكلفة تساوي المكلفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزنا، وإنما يفترقان في الإثم2 فإذا كان الأمر كذلك فإنّ ترك الحداد فعل محرم والصغيرة ممنوعة من ذلك ويكون المنع إلى وليّها بمعنى أنه لا يمكنها من ترك الحداد كما أنه لا يمكنها من ترك العدة فتحريم الطيب وسائر أنواع الزينة عليها إنما هو لحق الشرع، فالشرع هو الذي منعها من ذلك، والغرض من هذا هو إظهار حق الزوج وهذا المعنى يستوي فيه البالغة وغيرها.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب الحداد على الصغيرة وجعلوا ذلك مخصوصا بالمرأة البالغة، وإنما قالوا بذلك لما يأتي3:

1 ـ أن الحداد حق من حقوق الشرع ولهذا لو أمرها الزوج بتركه لا يجوز لها تركه فلا تخاطب الصغيرة بذلك، وكذا شرط الإيمان فيه حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر" الحديث.

2 ـ إنّ منع الصغيرة المتوفى عنها زوجها من اللبس والطيب هو فعلها الحسّي محكوم بحرمته فلابد فيه من خطاب التكليف بخلاف العدة وإنها قد تقال على كف النفس عن الحرمات الخاصة وعلى نفس الحرمات وعلى مضي المدة وهي اللازمة لها على كل حال بمعنى أنه يثبت بعد الموت صحة نكاح الصغيرة إلى انقضاء مدة معينة وهي مدة العدة فإذا باشروا لها عقد النكاح قبل انقضاء عدتها لا يصح شرعا ولا خطاب للعباد فيه تكليفي بل هو من ربط المسببات بالأسباب وهذا كله لا يوجد في الحداد لأن

1 فتح الباري ج 9 ص 485، والمنتقى للباجي ج 4 ص145.

2 المغني ج7 ص 517.

3 انظر فتح القدير ج 4 ص 340، والمبسوط ج 6 ص 56، وبدائع الصنائع ج 3 ص 9.

ص: 155

الخطاب به خطاب تكليفي فلو اكتحلن أو لبسن المزعفر واختضبن لا يأثمن لعدم التكليف به1.

هذا ما استدل به الفريقان بالنسبة لهذه المسألة وهي مشكلة كما نرى ووجه الإشكال هو أن الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة من الصوم والصلاة والحج لأنها فاقدة للأهلية وهي التكليف فالخطاب إنما يتوجه إلى المكلفين، وعموم السنة التي استدل بها الفقهاء على وجوب الحداد قاضية بوجوب الحداد على كل امرأة من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة، زد على هذا أن العدة واجبة من غير فرق أيضا، وقد قلبت النظر في هذه المسألة كثيراً لعلي أهتدي إلى الراجح منهما وبعد نظر طويل وتفكير عميق شرح الله صدري بترجيح القول الأول وهو وجوب الحداد عليها وذلك لما يأتي:

1 ـ أن الصغيرة المتوفى عنها زوجها لا يجوز لها أن تفعل شيئا من المحرمات كالزنا والخمر والسرقة وغيرها من المحرمات، والولي مطالب بمنعها فإذا لم يمنعها من الوقوع في الفعل المحرم فهو آثم، ومن ذلك ترك الحداد وفعل ما ينافيه كالطيب وسائر أنواع الزينة، فكما أنّ الولي لا يجوز له أن يمكِّنَها من ارتكاب سائر المحرمات فكذلك لا يجوز له أن يمكّنها من ترك الحداد وهو مخاطب بذلك كما يفيده عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرّقوا بينهم في المضاجع"2 ، فلو لم يفعل الولي ذلك فهو آثم ولاشك، وكذلك ما نحن فيه.

2 ـ أنّ وجوب العدة على الصغيرة لا خلاف فيه عند أئمة الفتوى فيما علمنا، يوضحه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} . (سورة البقرة: 234) . والصغيرة زوجة والتنكير يفيد العموم والعدة عبادة وهي لازمة للصغيرة فهل يقول قائل إنها تجب هنا ولا يجب الحداد هنالك، فإن كان كذلك فهو مطالب بالدليل على وجود الفرق.

3 ـ نعم الصغيرة لا تخاطب بفروع الشريعة وإنما الولي هو المطالب بمنعها من فعل المحرمات على ما بينا، ألا ترى أن الولي لوليّ بالحج عن الصغيرة أو الصغير؟. كانت أحكام الحج لازمة لوليها بمعنى أن الولي لا يمكنه من فعل محظورات الإحرام من الطيب واللبس ونحو ذلك فلو فعل ذلك كان آثما فأي فرق بين المسألتين إنني لا أجد فرقا.

1 فتح القدير ج 4 ص 340/ والمبسوط ج 6 ص 60/ بدائع الصنائع ج 3 ص 9.

2 سنن أبي داود (ح: 495) ، مسند أحمد 2 ص 180، موطأ مالك ج اص 197.

ص: 156