المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: في حكم الإحداد: - الإمداد بأحكام الحداد

[فيحان شالي المطيري]

الفصل: ‌الفصل الثاني: في حكم الإحداد:

حداداً لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حداً لأنها تمنع عن المعصية. وأما معناه في الاصطلاح: فهو أن تجتنب المرأة المعتدة المتوفى عنها زوجها كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب وكحل ولبس ومطيّب وخروج من منزل من غير حاجة.

قال ابن درستوية: "معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطّاب خطبتها والطمع فيها كما منعَ الحد المعصية"1.

وقال الزيلعي: "وهو -أي الإحداد-: ترك الزينة والطيب"2.

ونشير هنا إلى أن الإحداد فيه لغتان وهما أحدّت إحداداً فهي محدّة فهذا من باب إفعال، والثاني: تحدّ من باب ضرب يضرب، ونصر ينصر، حدّاً فهي حادّ3.

هذا ما يمكن أن يقال عن معنى الإحداد، ومنه يتبين ما بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي من العلاقة، فالمعنى اللغوي أعم من المعنى الاصطلاحي لأنه يراد به المنع مطلقا، أما المعنى الاصطلاحي فيراد به منع المعتدة من أمور خاصة إلى غاية معينة محدودة وهي مدة العدة.

فالعلاقة بين المعنيين علاقة عموم وخصوص كما ترى وهذا هو الشأن في معظم الأحكام التي لها معنى في اللغة ومعنى في الاصطلاح إن لم نقل كلها

1 فتح الباري ج 9 ص485.

2 تبيين الحقائق ج 3 ص 34.

3 المصدر السابق.

ص: 148

‌الفصل الثاني: في حكم الإحداد:

هذا وبعد عرض المعنى اللغوي والاصطلاحي للإحداد نرى أنه من المفيد أن نذكر حكمه لأن ذلك هو الهدف الأول من دراسة ما يتعلق به من أحكام بالنسبة للمرأة إذا توفرت شروطه فنقول: اتفق كل من يعتد بقوله من أئمة الفتوى على وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها من غير فرق بين ما إذا كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها بل هو واجب على الكل فلو أرادت المتوفى عنها زوجها تركه لم يكن لها ذلك لأن الواجب هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه في اصطلاح الأصوليين، فالمرأة التاركة للإحداد آثمة ولاشك لما ستعرف قريبا من المنقول والمعقول وإجماع الصحابة على وجوب الإحداد ولم أجد في هذا المعنى خلافا

ص: 148

اللهّم إلا خلافا شاذاً مرويا عن الحسن البصري والشعبي وسنذكر هذا الخلاف تتميما للفائدة وتبييناً للحق، إذن المنقول في ذلك من مذهبان: مذهب الجمهور وهو المعتمد والمشهور والمعمول به، ومذهب الحسن البصري والشعبي. ولنبدأ بمذهب الجمهور ونذكر أدلتهم ونثنِّي بالمذهب المخالف مع الإشارة إلى أدلة هذا المذهب وما أورد عليها من المناقشات.

فنقول وبالله التوفيق: ذهب جمهور الفقهاء قديما وحديثا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها على تفصيل في ذلك نذكره قريبا إن شاء الله تعالى1.

وإنما ذهب الفقهاء هذا المذهب للمنقول والمعقول وإجماع الصحابة.

أما المنقول فنورد منه ما يأتي:

أـ عن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها قالت: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"، قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمسّت منه ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً"، قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفَنُكَحِّلُها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا "، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشراً". متفق عليه مختصراً.

ب ـ عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً"2.

فقد دلّ هذان الحديثان وما في معناهما على وجوب الإحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها وهما نص في الموضوع ووجه الاستدلال من ذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا على زوج أربعة

1 تبيين الحقائق ج 3 ص 34، والمدونة الكبر ى ج 2 ص 430، ومغني المحتاج ج 3 ص 398، والكافي لابن قدامة ج 3 ص 326.

2 صحيح البخاري ج 7 ص 76، وصحيح مسلم ح 1486، وسنن أبي داود ج 2 ص 723، وجامع الترمذي ح 1197، وسنن النسائي ج 6 ص 206، وسنن ابن ماجه ح 2084.

ص: 149

أشهر وعشراً" وهذا على معنى الإيجاب لا على معنى الإباحة لأن ذلك مستثنى من التحريم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ" وهذا يقتضي أن لفظة (افعل) وهو قوله: "أربعة " تكون بعد الحظر على بابها وهو الإيجاب فالحظر هنا التحريم فاستثنى منه الإيجاب كما نرى خلافاً لمن قال من الفقهاء إنها تقتضي الإباحة.

فإن قيل الاستثناء في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا على زوج.." الخ قد وقع بعد النفي فيدل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب قيل إن الوجوب استفيد من دليل آخر بالإضافة إلى ما قلنا وهذا الدليل هو الإجماع وهو ما سنبيِّنه فيما يأتي.

وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم رضي الله عنهم القول بوجوب الإحداد ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا من الصحابة- رضي الله عنهم1

ومستند الإجماع هو ما ذكرناه من النصوص الدالة على وجوب الإحداد.

وأما المعقول فهو يفيد إيجاب الإحداد على المعتدة من الوفاة أيضاً لأن الحداد إنما وجب إظهاراً لحق الزوج على زوجته تأَسُّفاً على ما فاتها من حسن العشرة ودوام الصحبة إلى وقت الموت زد على هذا أنّ الحداد يكون واجبا لسبب آخر وهو فوات النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة في حقها لما فيه من قضاء لشهوتها وعفتها عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور النفقة وقد انقطع ذلك كله بالموت فلزمها الإحداد إظهاراً للمصيبة والحزن2.

فهذا هو النص والإجماع والمعقول كلها قاضية بإيجاب الحداد إذا وجد سببه وهو بّين كما ترى والله أعلم.

ثانيا: ذهب الحسن البصري والشعبي إلى عدم وجوب الإحداد على المعتدة من الوفاة وهو قول شاذ مخالف لإجماع أئمة المسلمين ولهذا رده بعضهم فإنّ الخلال نقل بإسناده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد قال أحمد: "ما كان بالعراق أشد تبحراً من هذين- يعني الحسن والشعبي- " قال أحمد: "وخفي ذلك عليهما". قال ابن حجر في الفتح: بعد إيراده ما ذكر "ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج وإن كان فيها ردّ على من ادّعى الإجماع"3.

1 بدائع الصنائع ج 3 ص 209، والمغني ج 7 ص517.

2 بدائع الصنائع ج 3 ص 209.

3 فتح الباري ج 9 ص 486.

ص: 150

وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر خلاف الحسن لأئمة الفتوى: "وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة فلا يُعرَّج عليه"1.

هذا ما أورده أهل العلم على هذا القول الشاذ وعلى فرض التسليم بثبوته فالاستدلال له بما يأتي:

1 ـ ما روي عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تسلبي2 ثلاثا ثم اصنعي ما شئت"3. أخرجه أحمد.

2 ـ عن أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحدّ على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي4.

فهذا دليل على عدم وجوب الإحداد على المعتدة من الوفاة أكثر من ثلاثة أيام وهو نص في محل النزاع والجواب عن هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول: أنه شاذ لا يحتج به ولا يصلح عمدة لإثبات الأحكام، قال ابن المنذر مجيبا عن ذلك:"وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوه، وكان أحمد بن حنبل يقول: "هذا شاذ ولا يؤخذ به" وقاله إسحاق5.

الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث مخالف للأحاديث الأخرى الصحيحة ولعلها لم تبلغ القائلين بهذا القول إذ إنها لو بلغتهم لم يسعهم إلا التسليم؛ لأنه لا يصح لمسلم كائنا من كان يبلغه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دالُّ على حكم من الأحكام إلا القبول والتسليم قال ابن المنذر: بعد عرض المسألة وما فيها من خلاف: "كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد، وقد رُدَّ قول الحسن بأن الأخبار قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الحداد وليس لأحد بلغَته إلا التسليم، ولعل الحسن لم تبلغه أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس6 الآنف الذكر.

1 المغني ج7 ص 517.

2 عنه تسلبي- ألبي الثياب الحداد السود وهي السلاب ككتاب.

3 مسند الإمام أحمد ج6 ص 369.

4 المصدر السابق.

5 الجامع لأحكام القرآن ج3 ص 181.

6 المصدر السابق.

ص: 151