الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ
وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيرِ عِوَضٍ.
ــ
بابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ
قوله: وهي تمْلِيكٌ في حَياتِه بغيرِ عِوَضٍ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ. وقيل: الهِبَةُ تقْتَضِي عِوَضًا. وقيل: مع عُرْفٍ. فلو أعْطاه ليُعاوضَه، أو ليَقْضِيَ له به حاجَةً، فلم يَفِ، فكالشَّرْطِ. واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا، صَارَتْ بَيعًا. وَعَنْهُ، يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ.
ــ
قوله: فإنْ شرَط فيها عِوَضًا مَعْلُومًا، صارَتْ بَيعًا. حُكْمُها حُكْمُ البَيعِ في ثُبوتِ الخِيارِ، والشُّفْعَةِ، وغيرِهما. هذا المذهبُ. قال الحارِثِيُّ: قاله القاضي وأصحابُه. وليس مَنْصوصًا عنه، ولا عن مُتَقَدِّمِي أصحابِه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه في «الخُلاصَةِ» ، و «تَجْريدِ العِنايَةِ» . وقدَّمه في «الشَّرْحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الرعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «الهِدايَةِ». وقيل: هي بَيعٌ مع التَّقابُضِ. وعنه، يُغَلَّبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ. ذكَرَها أبو الخَطَّابِ. وقال الحارِثِيُّ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا المذهبُ، وهو الصحيحُ، وهو مَتِين جدًّا. وقال عنِ الأولِ: هو ضَعيفٌ جِدًّا. انتهى. قال القاضي: ليستْ بَيعًا، وإنَّما الهِبَةُ تارَةً تكونُ تبَرُّعًا، وتارَةً تكونُ بعِوَضٍ، وكذلك العِتْقُ، ولا يخْرُجان عن مَوْضوعِهما. قال في «الفُروعِ»:
وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لَمْ تَصِحَّ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشيْءٍ. فَعَلَى هَذَا، أنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً.
ــ
وإنْ شرَطَه، وكان معلُومًا، صحَّتْ، كالعارِيَّةِ. وقيل: بقِيمَتِها بَيعًا. وعنه، هِبَةً. انتهى.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رحمه الله، صِحَّةَ شَرْطِ العِوَضِ فيها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وقيل: لا تصِحُّ مُطْلَقًا.
قوله: وإنْ شرَط ثَوابًا مَجْهُولًا، لم تصِحَّ. [يعْنِي الهبَةَ](1). وهو المذهبُ،
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنيه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، وابن عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ. قال في «الخُلاصَةِ»: لم يصِحَّ في الأصحِّ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» : هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» ، و «الشَّرْحِ» ، و «النَّظْمِ» ، وغيرِهم. وعنه، أنَّه قال: يُرْضِيه بشيءٍ. فيصِحُّ. وذكَرَ ما الشَّيخُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقِيُّ الدِّينِ ظاهِرَ المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ، نصَّ عليه مِن رِوايَةِ ابنِ الحَكَمِ، وإسْماعِيلَ بنِ سعيدٍ، وإليه ميلُ أبِي الخَطَّابِ. وصحَّح هذه الرِّوايَةَ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى» ، فقال؛ فإنْ شرَطَه مَجْهولًا، صحَّتْ في الأصحِّ. قال في «الكُبْرَى»: وهو أوْلَى. فعلى هذه الرِّوايَةِ، يُرْضِيه، فإنْ لم يرْضَ، فله الرُّجوعُ فيها، فيرُدُّها (1) بزِيادَةٍ ونقْص. نصَّ عليه. فإنْ تَلِفَتْ، فقِيمَتُها يومَ التَّلَفِ. وهذا البِناءُ على هذه الروايَةِ هو الصَّحيحُ. صحَّحه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقيل: يُرْضِيه بقِيمَةِ ما وهَبَه. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ» . قال الحارِثِيُّ: ويحْتَمِلُ وَجْهًا بالبِناءِ، وهو ما يُعَدُّ ثَوابًا لمثْلِه عادةً.
فائدة: لو ادَّعَى شَرْطَ العِوَضِ، فأنْكَر المُتَّهِبُ، أو قال: وَهَبْتَنِي هذا. قال: بل بِعْتُكه. ففي أيِّهما يُقْبَلُ قوْلُه وَجْهان. وأطْلَقهما في «الفُروعِ» ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» ، أحدُهما، يُقْبَلُ قولُ المُتَّهِبِ. وجزَم به في «الكافِي» ، في المَسْأَلَةِ الأولَى. وقدَّمه الحارِثِيُّ، وصحَّحَه، وقال: حكاه في «الكافِي» ، وغيرُ واحدٍ. والوَجْهُ الثَّاني، القَوْلُ قولُ الواهِب. وأطْلَقهما في «التَّلْخيصِ» ، في المَسْالةِ الأولَى.
(1) سقط من: ط.
وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنَ الإيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيهَا.
ــ
قوله: وتحْصُلُ الهِبَةُ بما يتعارَفُه النَّاسُ هِبَةً؛ مِنَ الإِيجابِ والقَبُولِ، والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يدُلُّ عليها. هذا المذهبُ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، والمَجْدُ في «شَرْحِ الهِدايَةِ» ، وغيرُهما، حتى إنَّ ابنَ عَقِيلٍ وغيرَه صحَّحُوا الهِبَةَ بالمُعاطاةِ، ولم يذْكُروا فيها الخِلافَ الذي في بَيعِ المُعاطاةِ. وجزَم به في «المُحَرَّرِ» ، و «الوَجيزِ» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «المُنَوِّرِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الشَّرْحِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «النَّظْمِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهم. قال في «التَّلْخيصِ» : وهل يقُومُ الفِعْلُ مَقامَ اللفْظِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَةِ في البيعِ بالمُعاطاةِ، وأوْلَى بالصِّحَّةِ. قال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالمُعاطاةِ. وفي «المُسْتَوْعِبِ» ، و «المُغْني» ، في الصَّداقِ: لا تصِحُّ إلا بلَفْظِ الهِبَةِ، والعَفْو، والتَّمْليكِ. وقال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: وفي العَفْو وَجْهان. وقال في «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»: وألْفاظُها، وَهبْتُ، وأعْطتُ، وَملَّكْتُ. والقَبُولُ؛ قَبِلْتُ، أو تَملَّكْتُ، أو اتَّهَبْتُ. فإنْ لم يَكُنْ إيجابٌ ولا قَبُولٌ، بل إعْطاءٌ وأخْذٌ، كانتْ هَدِيَّةً، أو صدَقَةَ تطَوُّعٍ على مِقْدارِ العُرْفِ. انتهى. وقال في «الانْتِصارِ» ، في غِذاءِ المَساكِينِ في الظِّهارِ: أطْعَمْتُكه كوهَبْتُكه. وذكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» ، وأبو الخَطَّابِ، وأبو الفَرَجِ الشِّيرازِيُّ، أن الهِبَةَ والعَطيَّةَ لا بدَّ فيهما مِنَ الإيجابِ والقَبُولِ، ولا تصِحُّ بدوُنِه، سواءٌ وُجِدَ القَبْضُ أو لم يُوْجَدْ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. قال في «الفائقِ»: وهو ضَعيف. وقدَّم في «الرِّعايتَين» ، أنّه لا يصِحُّ بالمُعاطاةِ. وتقدَّم التَّنبِيهُ على هذه المَسْأَلَةِ في كتابِ البَيعِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، لو تَراخَى القَبُولُ عنِ الإيجابِ، صحَّ، ما داما في المَجْلِسِ، ولم يتَشاغَلا بما يقْطَعُه. قاله في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» ، و «الفائقِ» . وقال في «الصُّغْرَى» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وتنْعَقِدُ بالإيجابِ والقَبُولِ عُرْفًا. وقال الزَّرْكَشِيُّ: لو تقدَّم القَبُولُ على الإيجابِ، ففي صِحَّةِ الهِبَةِ رِوايَتان. انتهى. قلتُ: هي مُشابِهَة للبَيعِ، فيَأْتِي هنا ما في البَيعِ على ما تقدَّم. ثم وَجَدْتُ الحارِثِيَّ صرَّح بذلك، ولم يحْكِ فيه خِلافًا. الثانيةُ، يصِح أنْ يهَبَه شيئًا، ويَسْتَثْنِيَ نفعَه مُدَّةً معْلومَةً. وبذلك أجابَ المُصَنِّفٌ، واقْتَصرَ عليه في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِين» .
وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض. وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
ــ
قوله: وتلْزَمُ بالقَبْضِ. يعْنِي، ولا تلْزَمُ قبلَه. وهذا إحْدَى الرِّوايتَين، وهو المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه» ، والقاضي. [قال ابنُ مُنَجَّى، في «شَرْحِه»: هذا أصحُّ](1). وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . قال
(1) سقط من: ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «الكُبْرَى» : تلْزَمُ الهِبَةُ، وتُمْلَكُ بالقَبْضِ، إنِ اعْتُبِرَ. وهو المذهبُ عندَ ابنِ أبِي مُوسى وغيرِه. وعنه، تَلْزَمُ في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزونِ، بمُجَرَّدِ الهِبَةِ. قال الشَّارِحُ: وعلى قياسِ ذلك، المَعْدودُ والمَذْرُوعُ. قال في «الفُروعِ»:[وعنه، تَلْزَمُ في مُتَمَيِّزٍ بالعقْدِ](1). اخْتارَه الأكْثَرُ. قال في
(1) سقط من: الأصل، ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الفائقِ» ، و «الحارِثِيِّ»: اخْتارَه القاضي وأصحابُه. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: لا يفْتَقِرُ المُعَيَّنُ إلى القَبْضِ، عندَ القاضي وعامَّةِ أصحابِه. وقدَّمه في «المُغْنِي» ، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه» . وأطْلَقهما في «الكافِي» ، و «الشَّرْحِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «الهِدايَةِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» . وعنه (1)، لا تلزَمُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ في القَبْضِ.
(1) في ط: «وقيل» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ، صِحَّةُ الهِبَةِ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وهو المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وطائفَةٍ، أنَّ ما يُكالُ ويُوزَنُ لا يصِحُّ إلَّا مَقْبوضًا. قال الخِرَقِيُّ: ولا تصِحُّ الهِبَةُ والصَّدقَةُ، فيما يُكالُ ويُوزَنُ، إلَّا بقَبْضِه. قال في «الانْتِصارِ» ، في البَيعِ بالصفَةِ: القَبْضُ رُكْنٌ في غيرِ المُتَعَيِّنِ، لا ينبَرِمُ العَقْدُ بدُونِه. نقَلَه الزَّرْكَشِيُّ، وصحَّحه الحارِثِيُّ. ويأْتِي كلامُ ابنِ عَقِيلٍ قَرِيبًا. الثَّاني، قوْلُه في المَكِيلِ والمَوْزونِ: لا تَلْزَمُ فيه إلَّا بالقَبْضِ. مَحْمولٌ على عُمومِه في كلِّ ما يُكالُ ويُوزَن. قال الشَّارِحُ، والمُصَنِّفُ: وخصَّه أصحابُنا المُتأَخِّرون بما ليس بمُتَعَيِّنٍ فيه؛ كقَفِيرٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْلٍ مِن دَنٍ (1). قال: وقد ذكَرْنا ذلك في البَيعِ، ورَجَّحْنا العُمومَ. قال في «الفُروعِ»: وعنه، تَلْزَمُ في مُتَمَيِّزٍ بالعَقْدِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هِبَةُ غيرِ المُتَعيِّنِ؛ كقَفِيرٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْل مِن زُبْرَةٍ، تفْتَقِرُ إلى القَبْضَ، بلا نِزاعٍ.
(1) في ا: «زبرة» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: تُمْلَكُ الهِبَةُ بالعَقْدِ أيضًا. قاله المُصَنفُ، ومَن تابعَه. ونقَلَه في «التَّلْخيصِ» . وقدَّمه في «الفائقِ» . وقاله أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه» ، في مَوْضِع. قال في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعِين»: قاله كثير مِنَ الأصحابِ؛ منهم أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه» ، وصاحِبُ «المُغْنِي» ، و «التَّلْخيصِ» ، وغيرُهم. وقيل: يتَوَقَّفُ المِلْكُ على القَبْضِ. [وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ». وجزَم به في «المُحَرَّرِ»](1). قال في «الكافِي» : لا يثْبُتُ المِلْكُ للمَوهوبِ له في المَكِيلِ والمَوْزونِ إلَّا بقَبْضِه، وفيما عَداهما رِوايتان. وقال في «شَرْحِ الهِدايَةِ»: مذهبُنا أنَّ المِلْكَ في المَوْهوبِ لا يثْبُتُ بدُونِ القَبْضِ. وفرَّع عليه، إذا د خَل وَقْتُ الغُروبِ مِن ليلَةِ الفِطْرِ، والعَبْدُ مَوْهوبٌ لم يُقْبَضْ، ثم قُبِضَ، وقُلْنا: يُعْتَبرُ في هِبَتِه القَبْضُ. ففِطْرَتُه على الواهِبِ. وكذا صرَّح ابنُ عَقِيلٍ أنَّ القَبْضَ رُكْن مِن أرْكانِ الهِبَةِ، كالإيجاب في غيرِها، وكلامُ الخِرَقِيِّ يدُلُّ عليه أيضًا. [قال ذلك في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأَرْبَعِين»] (2). وقيل:
(1) سقط من: الأصل.
(2)
زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقَعُ المِلْكُ مُراعًى؛ فإنْ وُجِدَ القَبْضُ، تبَيَّنَّا أنه كان للمَوْهوبِ بقَبُولِه، وإلَّا فهو للواهِبِ. وحُكِيَ عن ابنِ حامِدٍ، وفرَّع عليه حُكْمَ الفِطْرَةِ. قال ذلك في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والأرْبَعين» . وأطْلَقهما في «الفُروعِ» ، وهما رِوايَتان في «الانْتِصارِ» ، في نَقْلِ المِلْكِ بعَقْدٍ فاسِدٍ. قال في «الفُروعِ»: وعليهما يُخَرَّجُ النَّماءُ. وذكَر جماعَةٌ، إنِ اتَّصَلَ القَبْضُ، فعلى المذهبِ، يجوزُ التَّصَرُفُ فيه قبلَ القَبْضِ، نصَّ عليه، والنَّماءُ للمُتَّهِبِ. وعلى القولِ الثَّاني، النَّماءُ للواهِبِ قبلَ القَبْضِ.
وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، إلا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يَتَأَتَّى فيهِ قَبْضُهُ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ فِي الْقَبْضَ.
ــ
قوله: ولا يصِحُّ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ. يعْنِي، إذا قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تلْزَمُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا بالقَبْضِ. وهدا المذهبُ بشَرْطِه الآتِي، وعليه الأصحابُ، وقطَعُوا به. وقال في «التَّرْغِيبِ»: وفي صِحَّةِ قَبْضِه بدُونِ إذْنِه رِوايَتان، والإذْنُ لا يتَوَقَّفُ على اللَّفْظِ، بلِ المُناوَلَةُ والتَّخْلِيَةُ إذْن. وظاهِرُ كلامِ القاضي اعْتِبارُ اللَّفْظِ فيه. قاله الحارِثِيُّ. [وعنه، يصِحُّ القَبْضُ بغيرِ إذْنِه. قدّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»](1).
قوله: إلَّا ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ، فيَكْفِي مُضِيُّ زَمَن يتَأتَّى قَبْضُه فيه. هذا إحْدَى الرِّواياتِ. اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ، والسَّامَرِّيُّ. وجزَم به في «الوَجيزِ» ، و «التَّلْخيصِ». قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا المذهبُ.
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، ما كان في يَدِ المُتَّهِبِ يَلْزَمُ بالعَقْدِ. وهو المذهبُ. قال الشارِحُ: هذا الصَّحيحُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقدمه في «المُحَرّرِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «النظْمِ» ، وابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». قال في «الرِّعايتَين»: وهو أوْلَى. وكذا قال الحارِثِي. وعنه، لا يصِحُّ القَبْضُ حتى يأْذَنَ فيه أيضًا، ويَمْضِيَ زمَن يتَأتَّى قبْضُه فيه. جزَم به في «الخُلاصَةِ» . واخْتارَه القاضي أيضًا. وقدَّمه في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَنِ اتَّهَبَ شيئًا في يَدِه، يُعْتَبَرُ قبْضُه، فقَبِلَه، اعْتُبِرَ إذْنُ الواهِب فيه على الأشهَرِ، ثم مُضِيُّ زَمنٍ يُمْكِنُ قَبْضُه فيه ليَمْلِكَه. وقيل: يُعْتَبَرُ مُضِي الزمنِ دُونَ إذْنِه. وأطْلَقَ الأولَى والثالِثَةَ في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، وأطْلَقَ الثانِيَةَ والثَّالِثَةَ في «الكافِي» .
وَإنْ مَاتَ الْوَاهِبُ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الإذْنِ وَالرُّجُوعِ.
ــ
تنبيه: الاسْتِثْناءُ الثَّاني في كلامِ المُصَنِّفِ، مِن قوْلِه: وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. لا مِن قوْلِه: ولا يصِحُّ القَبْضُ إلا بإذْنِ الواهِبِ.
فائدتان؛ إحْداهما، صِفَةُ القَبْضِ هنا، كقَبْضِ المَبِيعِ. وعلى القَوْلِ بأنَّه لابُدَّ مِن مُضِيِّ مُدَّةٍ يتأتى قبْضُه فيها؛ فإن كان مَنْقولًا، فبمُضِيِّ مدَّةِ نقلِه فيها. وإنْ كان مَكِيلًا أو مَوْزونًا، فبمُضِيِّ مدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيالُه واتِّزانُه فيها. وإنْ كان غيرَ منْقُولٍ، فبمُضِيِّ مُدَّةِ التخْلِيَةِ. وإن كان غائبًا، لم يَصِرْ مقْبوضًا حتى يُوافِيَه، هو أو وَكِيلُه، ثم تَمْضِيَ مُدة يُمْكِنُ قبْضُه فيها. وقد تقَّدم نَظيرُ ذلك في الرَّهْنِ. الثَّانيةُ، له أنْ يرْجِعَ في الإِذْنِ قبلَ القَبْضِ، وله أنْ يرْجِعَ في نَفْسِ الهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ فيهما. وقيل: لا يصِحُّ الرُّجوعُ فيهما.
قوله: وإنْ ماتَ الواهِبُ، قامَ وارِثُه مَقامَه في الإذْنِ والرُّجوعِ. هذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الوَجيزِ» ، وغيرِهم. واخْتارَه صاحِبُ «التَّلْخيصِ» وغيرُه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الرعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، وغيرِهم. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: يبْطُلُ عقْدُ الهِبَةِ. جزَم به في «الفُصولِ» . وقدَّمه في «المُغْنِي» (1)، و «الشَّرْحِ» ، و «النظْمِ» ، و «الفائقِ». قال في «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعِين بعدَ المِائَةِ»: وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، واخْتِيارُ ابنِ أبي مُوسى، وقاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في الهِبَةِ، في الصِّحَّةِ، وأمَّا في المَرَضِ، إذا ماتَ قبلَ إقْباضِها، فجعَلا الورَثَةَ بالخِيارِ؛ لشَبَهِها بالوَصِيَّةِ.
انتهى.
فائدة: لو وهَب الغائبُ هِبَةً، وأنْفَذها مع رَسولِ المَوْهوبِ له، أو وَكِيلِه، ثم ماتَ الواهِبُ أو المَوْهوبُ له قبلَ وُصولِها، لَزِمَ حُكْمُها، وكانتْ للمَوْهوبِ له، لأنَّ قبْضَ الرسُولِ والوَكِيلِ كقَبْضِه. وإنْ أنْفَذها الواهِبُ مع رَسُولِ نفسِه، ثم ماتَ قبلَ وُصُولِها إلى المَوْهوبِ له، أو ماتَ المَوْهوبُ له، بطَلَتْ، وكانتْ للواهِبِ ولوَرَثَتِه، لعدَمِ القَبْضِ. وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيةِ. نصَّ على ذلك.
تنبيه: أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله تعالى، بقَوْلِه: قامَ وارِثُه مَقامَه. أنَّ إذْنَ الواهِبِ يبْطُلُ بمَوْتِه. وهو صحيحٌ، وكذلك يبطُلُ إذنه بمَوْتِ المُتَّهِبِ.
(1) سقط من: ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأُولَى، لو ماتَ المُتَّهِبُ قبلَ قَبُولِه، بطَل العَقْدُ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: لا يبْطُلُ. الثَّانيةُ، يقْبِضُ الأبُ للطِّفْلِ مِن نَفْسِه، بلا نِزاعٍ، ولا يحْتاجُ إلى قَبُولٍ مِن نَفْسِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، ويُكْتَفَى بقَوْلِه: وَهَبْتُه، وقَبَضتُه له. وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ أنْ يقولَ: قَبِلْتُه. وهو مَبْنِيٌّ على اشْتِراطِ القَبُولِ، على ما تقدَّم قَريبًا، والمذهبُ خِلافُه. وقال بعضُ الأصحابِ: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين؛ إمَّا أنْ يقولَ: قد قَبِلْتُه. أو: قبَضْتُه. وإنْ وهَب وَلِيٌّ غيرُ الأبِ، فقال أكثرُ الأصحابِ: لا بدَّ أنْ يُوَكِّلَ الواهِبُ مَن يقْبَلُ للصَّبِيِّ، ويقْبِضُ له؛ ليكونَ الإيجابُ مِنَ الوَلِيِّ، والقَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأب؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يُوجِبَ ويقْبَلَ ويقْبِضَ. قال المُصَنِّفُ: والصَّحيحُ عندي، أنَّ الأَبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ. قال في «الفُروعِ»: وفي قَبْضِ وَلِيٍّ غيرِ الأبِ مِن نَفْسِه، رِوايتا شِرائِه وبَيعِه له مِن نَفْسِه. الثَّالثةُ، لا يصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ والمَجْنونِ لنَفْسِه ولا قَبُولُه، ووَلِيُّه يقومُ مَقامَه فيهما. فإنْ لم يَكُنْ له أبٌ، فوَصِيُّه، فإنْ لم يَكُنْ، فالحكمُ الأمِينُ، أو مَن يُقِيمُوه مَقامَهم. ولا يقومُ غيرُ هؤلاءِ الثَّلاثَةِ مَقامَهم. وقال المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» (1): ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم
(1) المغني 8/ 253.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عندَ عدَمِهم. الرَّابعَةُ، لا يصِحُّ مِنَ المُمَيِّزِ قَبْضُ الهِبَةِ ولا قَبُولُها. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وقال في «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ» ، تبَعًا للحارِثِيِّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَين، وعبيه مُعْظَمُ الأصحابِ. وعنه، يصِحُّ قبْضُه وقَبُولُه. اخْتارَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» ، والحارِثِيُّ. وقال في «المُغْنِي» (1): ويَحْتَمِلُ أنْ تقِفَ صِحَّةُ قَبْضِه على إذْنِ وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ. وفرَّق بينَهما. وتقدَّم في الحَجْرِ، هل تصِحُّ هِبَتُه؟ والسَّفِيهُ كالمُمَيِّزِ [في ذلك](2)، وأوْلَى بالصِّحَّةِ. والوَصِيَّةُ كالهِبَةِ في ذلك. الخامسةُ، قال القاضي في «المُجَردِ»: يُعْتَبرُ لقَبْضِ المُشاعِ إذْنُ الشَّرِيكِ فيه، فيكونُ نِصْفُه مَقْبوضًا تَملُّكًا، ونِصْفُ الشَّرِيكِ أمانَةً بيَدِه. انتهى. وجزَم به في «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الرِّعايتَين». قال في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين»: في «المُجَرَّدِ» ، و «الفُصولِ» ، يكونُ نِصْفُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عندَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ»: يكونُ قَبْضُ نِصْفِ الشَّرِيكِ
(1) المغني 8/ 253.
(2)
زيادة من: ا.
وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
ــ
عارِيَّةً مَضْمونةً. انتهى. قلتُ: لو قيلَ: إنْ جازَ له أنْ يتَصرَّفَ، وتصَرَّفَ، كان عارِيَّةً، وإنْ لم يتَصرَّفْ، فوَدِيعةٌ. لكان مُتَّجِهًا. ثم وجَدْتُه في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ والأرْبَعِين» حكَى كلامَه في «الفُنونِ» فقال: قال ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه» : هو عارِيَّةٌ؛ حيثُ قبَضَه؛ ليَنْتَفِعَ به بلا عِوَضٍ. قال صاحبُ «القَواعِدِ» : وهو صحيحٌ، إنْ كان أذِنَ له في الانْتِفاعِ مجَّانًا، أمَّا إنْ طلَب منه أُجْرَةً، فهي إجارَةٌ، وإنْ لم يأْذَنْ له في الانْتِفاعِ، بل في الحِفْظِ، فوَدِيعَة. انتهى. وفيه نَظَر.
فائدة: لو قال أحدُ الشَّرِيكَين للعَبْدِ المُشْتَرَكِ: أنت حَبِيسٌ على آخِرِنا مَوْتًا. لم يعْتِقْ بمَوْتِ الأوَّلِ منهما، ويكونُ في يَدِ الثَّاني عارِيَّةً، فإذا ماتَ عتَق. ذكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» . وذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّالِثَةِ والأرْبَعِين» .
قوله: وإنْ أبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكَذا إنْ أسْقَطَه عنه، أو ترَكَه له، أو ملَّكَه له، أو تصَدَّقَ به عليه، أو عَفا عنه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه- وإنْ رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه. اعْلمْ أنَّه إذا أبْرأه (1) مِن دَينِه، أو وهَبَه له، أو أحَلَّه منه، ونحوَ ذلك، وكان المُبْرِيء والمُبْرأُ يعْلمان الدَّينَ، صحَّ ذلك، وبَرِئَ، وإنْ ردَّه ولم يقْبَلْه. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم. وقيل: يُشْترَطُ القَبُولُ. قال في «الفُروعِ» : وفي «المُغْنِي» : في إبْرائِها له مِنَ المَهْرِ، هل هو إسْقاطٌ، أو تَمْلِيكٌ؟ فيتَوَجَّهُ منه احْتِمال لا يصِحُّ به، وإنْ صحَّ اعْتُبِرَ قبولُه. وفي «المُوَجزِ» ، و «الإيضاحِ»: لا تصِحُّ هِبَةٌ في عَينٍ. وقال في «المُغْنِي» (2): إنْ حلَف لا يهَبُه، فأبْرَأَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمْلِيكُ عَينٍ. قال الحارِثِيُّ: تصِحُّ بلَفْظِ الهِبَةِ والعَطيَّةِ مع اقْتِضائِهما وُجودَ مُعَيَّنٍ، وهو مُنْتَفٍ؛ لإفْادَتِهما لمَعْنَى الإسْقاطِ هنا. قال: ولهذا لو وهَبَه دَينَه هِبَةً حقِيقَةً، لم يصِحَّ؛ لانْتِفاءِ مَعْنَى الإسْقاطِ، وانْتِفاءِ شَرْطِ الهِبَةِ. ومِن هنا، امْتنَع هِبَتُه لغيرِ مَن هو عليه، وامْتنَع إجْزاؤُه عنِ
(1) في الأصل: «بدله» .
(2)
المغني 13/ 494.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزَّكاةِ؛ لانْتِفاء حقِيقَةِ المِلْكِ. انتهى. وقال في «الانْتِصارِ» : إنْ أبْرَأَ مريضٌ مِن دَينِه، وهو كلُّ مالِه، ففي بَراءتِه مِن ثُلُثِه قبلَ دَفْعِ ثُلُثَيه، مَنْعٌ وتَسْليمٌ. انتهى.
وأمَّا إنْ عَلِمَه المُبْرأ، بفَتْحِ الرّاءِ، أو جَهِلَه، وكان المُبْرِيء، بكَسْرِها، يَجْهَلُه، صحَّ، سواءٌ جَهِلَ قدْرَه، أو وَصْفَه، أو هما. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الوَجيزِ» . وقدَّمه في «المُحَررِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وصحَّحَه النَّاظِمُ. قال في «القَواعِدِ»: هذا أشْهَرُ الرِّواياتِ. وعنه، يصِحُّ مع جَهْلِ المُبْرَأ، بفَتْحِ الرَّاءِ، دُونَ عِلْمِه. وأطْلَقَ، فيما إذا عرَفَه المدْيونُ، فيه الرِّوايتَين، في «الرعايتَين» ، و «الحاوي الصغِيرِ» . وعنه، لا يصِحُّ ولو جهِلاه، إلَّا إذا تعَذَّرَ عِلْمُه. وقال في «المُحَررِ»: ويتَخَرجُ أنْ يصِح بكُلِّ حالٍ، إلَّا إذا عرَفَه المُبْرأُ، وظَنَّ المُبْرِئُ جَهْلَه به، فلا يصِحُّ. انتهى. وعنه، لا تصِحُّ البَراءَةُ مِنَ المَجْهولِ، كالبَراءَةِ مِنَ العَيبِ. ذكَرَها أبو الخَطابِ، وأبو الوَفاءِ، كما لو كتَمَه المُبْرأ؛ خْوفًا مِن أنَّه لو عَلِمَه المُبْرِيء، لم يُبْرِئه. قاله في «الفُروعِ» . قال المُصَنِّفُ، والشارِحُ: فأما إنْ كان مَن عليه الحق يعْلَمُه ويكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خَوْفًا مِن أنَّه إذا عَلِمَه، لم يسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أنْ لا تصِحَّ البرَاءَةُ فيه؛ لأن فيه تغْريرًا بالمُبْرِئ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه. انتهيا. وتابَعَهما الحارِثِيُّ، وقال: وظاهِرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ، الصِّحَّةُ مُطْلَقًا. قال: وهذا أقْرَبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأولَى، مِن صُوَرِ البَراءَةِ مِنَ المَجْهولِ، لو أبْرَأه مِن أحَدِهما، أو أبْرأَه أحدُهما. قاله الحَلْوانِيُّ، والحارِثِيُّ، وقالا: يصِحُّ، ويُؤْخَذُ بالبَيانِ، كطَلاقِه إحْداهما (1)، وعِتْقِه أحَدَهما. قال في «الفُروعِ»: يعْنِي، ثم يُقْرَعُ، على المذهبِ. الثَّانيةُ، قال المُصَنِّفُ وغيرُه: قال أصحابُنا: لو أبْرَأَه مِن مِائَةٍ، وهو يعْتَقِدُ أنْ لا شيءَ عليه، فكانَ له عليه مِائَةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان. صحح النَّاظِمُ أنَّ البَراءَةَ لا تصِحُّ. قال الحارِثِيُّ: وهذا أظْهَرُ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ» . أصْلُهما، لو باعَ مالًا لمَوْرُوثِه، يعتَقِدُ أنَّه حيٌّ، وكان قد ماتَ وانْتقَلَ مِلْكُه إليه،
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهل يصِحُّ البيعُ؟ فيه وَجْهان. وتقدَّم الصَّحيحُ منهما في كتابِ البَيعِ، بعدَ تصَرُّفِ الفُضُولِيِّ، فكذا هنا. وقال القاضي: أصْلُ الوَجْهَين؛ مَن باشَرَ امْرأةً بالطَّلاقِ، يظُنُّها أجْنَبيَّةً، فبانَتْ امْرأَتَه، أو واجَه بالعِتْقِ مَن يعْتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتَه. ويأْتِي ذلك في آخَرِ بابِ الشَّكِّ في الطَّلاقِ. الثَّالثةُ، لا تصِحُّ هِبَةُ الدينِ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنفِ هنا. ويَحْتَمِلُ الصِّحَّة كالأعْيانِ. ذكَرَه المُصَنِّفُ ومَن بعدَه. قال في «الفائقِ»: والمُخْتارُ الصِّحَّةُ. قال الحارِثِيُّ: وهو أصحُّ. وهو المَنْصوصُ في رِوايَةِ حَرْبٍ، فذكَرَه إنِ اتَّصَلَ القَبْضُ به. وتقدم حُكْمُ هِبَةِ دَينِ السَّلَمِ في بابِه مُحَرَّرًا، فليُعاوَدْ. الرابعَةُ، لا تصِحُّ البَراءَةُ بشَرْطٍ. نصَّ عليه، في مَن قال: إنْ مِت، فأنت في حِلٍّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنْ ضَمَّ التَّاءَ، فقال: إنْ مِتُّ فأنت في حِلٍّ. فهو وَصِيَّةٌ. وجعَل الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، رَجُلًا في حِلٍّ مِن غِيبَتِه بشَرْطِ أنْ لا يعودَ، وقال: ما أحْسَنَ الشَّرْطَ. فقال في «الفُروعِ» : فيتَوَجَّهُ فيهما رِوايَتان. وأخَذَ صاحِبُ «النَّوادِرِ» مِن شَرْطِه أنْ لا يعودَ، رِوايَةً في صِحةِ الإبراء بشَرْطٍ. وذكَر الحَلْوانِيُّ صِحَّةَ الإبراءِ بشَرْطٍ، واحْتَجَّ بنَصِّه المذكُور هنا أنَّه وَصِيَّةٌ، وأن ابنَ شِهاب، والقاضي قالا: لا يصِحُّ على غيرِ مَوْتِ المُبْرِئ، وأنَّ الأَوَّل أصح؛ لأنَّه إسْقاطٌ. وقدَّم الحارِثِيُّ ما قاله الحَلْوانِيُّ، وقال: إنَّه أصحُّ. الخامسةُ، لا يصِحُّ الإبراءُ مِنَ الدَّينِ قبلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجوبِه. ذكَرَه الأصحابُ، وجزَم جماعةٌ بأنَّه تَمْلِيكَ. ومنَع بعضُهم أنَّه إسْقاطٌ، وأنَّه لا يصِحُّ بلَفْظِ الإسْقاطِ، وإنْ سلَّمْناه، فكأنَّه مَلَّكَه إيَّاه، ثم سقَط. ومنَع أيضًا أنَّه لا يُعْتَبُر قَبُولُه، وإنْ سلَّمْناه؛ فلأنَّه ليس مالًا بالنِّسْبَةِ إلى مَن هو عليه. وقال: العَفْوُ عن دَمِ العَمْدِ تَمْلِيكٌ أيضًا. وفي صحيحِ مُسْلِمٍ (1)، أنَّ أبا اليَسَرِ الصَّحابِيَّ قال لغَريمِه: إذا وَجَدْتَ قَضاءً، فاقْضِ، وإلَّا فأنت في حِلٍّ. وأعْلَمَ به الوَلِيدَ بنَ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وابنَه، وهما تابِعِيَّان، فلم يُنْكِراه. قال في «الفُروعِ»: وهذا مُتّجِهٌ. واخْتارَه شيخُنا. السَّادِسَةُ، لو تَبارَآ، وكان لأحَدِهما على الآخرِ دَين مَكْتوبٌ، فادَّعَى أحدُهما اسْتِثْناءَه بقَلْبِه، ولم يُبْرِئْه منه، قُبِل قوْلُه، ولخَصْمِه تحْلِيفُه. ذكَرَه الشّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قال في «الفُروعِ»: وتتَوَجَّهُ الرِّوايَتان في مُخالفَةِ النِّيَّةِ للعامِّ، بأيِّهما يُعْمَلُ. السَّابعةُ، قال القاضي
(1) في: باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر، من كتاب الزهد والرقائق. صحيح مسلم 4/ 2302.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحِبُّ الدِّينِ بنُ نَصْر اللهِ، في حَواشِي «الفُروعِ»: الإبراءُ مِنَ المَجْهولِ عندَنا صحيحٌ، لكِنْ هل هو عامٌّ في جَميعِ الحُقوقِ، أو خاصٌّ بالأمْوالِ؟ ظاهِرُ كلامِهم أنَّه عامٌّ. قلتُ: صرح به في «الفُروعِ» ، في آخرِ القَذْفِ، وقدَّمه. وقال الشيخُ عَبْدُ القادِرِ، في «الغُنْيَةِ»: لا يكْفِي الاسْتِحْلالُ المُبْهَمُ. ويأْتِي ذلك مُحَرَّرًا هناك.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ،
ــ
قوله: وتصِحُّ هِبَةُ المُشاعِ. هذا المذهبُ المَقْطوعُ به، عندَ الأصحابِ قاطِبَةً. وفي طريقَةِ بعضِ الأصحابِ، ويتَخَرجُ لنا مِن عدَم إِجارَةِ المُشاعِ، أنَّه لا يصِحُّ رَهْنُه ولا هِبَتُه.
وَكُلِّ مَا يَجُوزُ بَيعُهُ.
ــ
قوله: وكلِّ ما يجوزُ بَيعُه. يعْنِي، تصِحُّ هِبَتُه. وهذا صحيحٌ، ونصَّ عليه. ومَفْهومُه، أنَّ ما لا يجوزُ بَيعُه لا تجوزُ هِبَتُه. وهو المذهبُ. قدَّمه في «الفُروعِ» واخْتارَه القاضي. وقيل: تصِحُّ هِبَةُ ما يُباحُ الانْتِفاعُ به مِنَ النَّجاساتِ. جزَم به الحارِثِيُّ. [وتصِحُّ هِبَةُ](1) الكَلْبِ. جزَم به في «المُغْني» ، و «الكافِي» ، و «الشَّرْحِ». واخْتارَه الحارِثِيُّ. قال في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والثمانِين»: وليس بينَ القاضي وصاحِبِ «المُغْنِي» خِلافٌ في الحقيقَةِ؛ لأنَّ نقْلَ اليَدِ في هذه الأعْيانِ جائزٌ، كالوَصِيَّةِ، وقد صرَّح به القاضي في «خِلافِه» . انتهى. نقَل حَنْبَل، في مَن أهْدَى إلى رَجُل كَلْبَ صَيدٍ، تَرَى أنْ يُثِيبَ عليه؟ قال: هذا خِلافُ الثمَنِ، هذا عِوَضٌ مِن شيءٍ، فأمَّا الثمَنُ، فلا. وأطلَقَ في الكَلْبِ المُعَلَّمِ وَجْهَين في «الرِّعايَةِ» ، و «القَواعِدِ الفِقهِيَّةِ». وقيل: وتصِحُّ أيضًا هِبَةُ جِلْدِ المَيتَةِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويظْهَرُ لي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ على الظَّهْرِ، قوْلًا واحِدًا.
(1) سقط من: الأصل، ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّه لا تصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الوَلَدِ، إنْ قُلْنا: لا يجوزُ بيعُها. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وقيل: يصِحُّ هنا، مع القَوْلِ بعدَمِ صِحَّةِ بَيعِها. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين» ، و «الفائقِ». قلتُ: يَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ القَوْلُ بالصِّحَّةِ؛ بأنْ يكونَ حُكْمُها حُكمَ الإماءِ في الخِدْمَةِ ونحوها، إلى أنْ يموتَ الواهِبُ، فتَعْتِقَ، وتَخرُجَ مِن الهِبَةِ.
وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ،
ــ
قوله: ولا تصِح هِبَةُ المَجْهُولِ. اعْلمْ أنَّ الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّ هِبَةَ المَجْهولِ كالصُّلْحِ عنِ المَجْهولِ، على ما تقدَّم في بابِ الصُّلْحِ عندَ قوْلِه: ويصِحُّ الصُّلْحُ عنِ المَجْهولِ بمَعْلومٍ. وعليه الأصحابُ. [اعْلمْ أنَّ المَوْهوبَ المَجْهولَ؛ تارَةً يتعَذَّرُ عِلْمُه، وتارَة لا يتَعذَّرُ عِلْمُه، فإنْ تعَذَّرَ عِلْمُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكمُ الصُّلْحِ على المَجْهولِ المُتعَذَّر عِلْمُه، كما تقدَّم. وهو الصِّحَّةُ. قطَع به في «المُحَررِ»، و «النظْمِ»، و «الفُروعِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ». وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وأكثرِ الأصحابِ، أنَّه لا يصِحُّ؛ لإطلاقِهم عدَمَ الصِّحةِ في هِبَةِ](1)
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المَجْهولِ، مِن غيرِ تَفْصيلٍ. وهو ظاهِرُ رِوايَةِ أبِي داودَ، وحَرْبِ الآتِيَتَين. وإنْ لم يتَعذَّرْ عِلْمُه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تصِحُّ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وأكثرُهم قطع به. نقَل حَرْبٌ، لا تصِحُّ هِبَةُ المَجْهولِ. وقال في رِوايَةِ حَرْب أيضًا: إذا قال: شَاةً مِن غَنَمِى. يعْنِي، وَهَبْتُها له، لم يَجُزْ](1). وقال المُصَنِّفُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَهْلَ [إذا كان](2) مِنَ الواهِبِ، مَنَعَ الصِّحَّةَ، وإنْ كان مِنَ المَوْهوبِ له، لم يَمْنَعْها. وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وتصِحُّ هِبَةُ المَجْهولِ؛ كقَوْلِه: ما أخَذْتَ مِن مالِي، فهو لك. أو مَن وجَد شيئًا مِن مالِي، فهو له. واخْتارَ الحارِثِيُّ صِحةَ هِبَةِ المَجْهولِ.
فائدة: لو قال: خُذْ مِن هذا الكِيسِ ما شِئْتَ. كان له أخْذُ ما فيه جميعًا. ولو قال: خُذْ مِن هذه الدَّراهِمِ ما شِئْتَ. لم يَمْلِكْ أخْذَها كلِّها؛ إذِ الكِيسُ ظَرْفٌ،
(1) زيادة من: ا.
(2)
سقط من: الأصل.
وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْط، وَلَا شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ أَلَّا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا.
ــ
فإذا أخذَ المَظْروفَ، حَسُنَ أنْ يقولَ: أخَذْتُ مِنَ الكِيسِ ما فيه. ولا يحْسُنُ أنْ يقولَ: أخَذْتُ مِنَ الدَّراهِمِ كلَّها. نقَلَه الحارِثِيُّ عن «نَوادِرِ ابنِ الصَّيرَفِيِّ» .
قوله: ولا ما لا يقْدِرُ على تَسْلِيمِه. يعْنِي، لا تصِحُّ هِبَتُه. وهذا المذهبُ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقيل: تصِحُّ هِبَتُه. قال في «الفُروعِ» : ويتَوَجَّهُ مِن هذا القَوْلِ، جَوازُ هِبَةِ المَعْدومِ وغيرِه. قلتُ: اخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّةَ هِبَةِ المَعْدومِ؛ كالثَّمَرِ، واللَّبَنِ بالسَّنَةِ. قال: واشْتِراطُ القُدْرَةِ على التَّسْليمِ هنا، فيه نظَرٌ، بخِلافِ البَيعِ.
قوله: ولا يجوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا ما اسْتَثْناه، وقطَع به أكثرُهم. وذكَر الحارِثِيُّ جوازَ تعْليقِها على شَرْطٍ. قلتُ: واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. ذكَرَه عنه في «الفائقِ» .
وَلَا توْقِيتُهَا، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً.
ــ
تنبيه: قولُه: ولا شَرْطِ ما يُنافِي مُقْتَضاها؛ نحوَ، أنْ لا يبيِعَها، ولا يَهَبَها. هذا الشَّرْطُ باطِل، بلا نِزاعٍ. لكِنْ هل تصِحُّ الهِبَةُ، أمْ لا؟ فيه وَجْهان؛ بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ، على ما تقدَّم. [والصَّحيحُ مِنَ المذهب الصِّحَّةُ](1).
قوله: ولا تَوقِيتُها، كقَوْلِه: وَهَبْتُك هذا سَنَةً. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا ما اسْتَثْناه المُصَنِّفُ. وذكَر الحارِثِيُّ الجوازَ. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينَ.
(1) زيادة من: ا.
45
إلا فِي الْعُمْرَى؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ. أوْ: أَرْقَبْتُكَهَا. أَوْ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ. أوْ: حَيَاتَكَ. فَإنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
ــ
قوله: إلَّا في العُمْرَى؛ وهو أنْ يقُولَ: أعْمَرْتُك هذه الدَّارَ، أوْ أرْقَبْتُكها، أوْ جَعَلْتُها لك عُمْرَك، أو حَياتَك. وكذا قوْلُه: أعْطَيتُكها. أو جعَلْتُها لك عُمْرَى، أو رُقْبَى أو ما بَقِيتَ -فإنَّهُ يصِحُّ، وتكونُ للْمُعْمَرِ- بفَتْحِ الميمِ- ولوَرَثَتِه مِن بعدِه. هذه العُمْرَى، والرُّقْبَى. وهي صحيَحةٌ بهذه الألْفاظِ، وتكونُ للمُعْمَرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولوَرَثَتِه مِن بعدِه. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وقال الحارِثِيُّ: العُمْرَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَشْروعَةُ (1)، أنْ يقولَ: هي لك ولعَقِبك مِن بعدِك لا غيرُ. ونقَل يَعْقُوبُ، وابنُ هانِيء، مَن يُعْمَرُ الجارِيَةَ، هل يطَؤها؟ قال: لا أراه. وحمَلَه القاضي على الوَرَعِ؛ لأنَّ بعضَهم جعَلَها تَمْلِيكَ المَنافِعِ. قال في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والثلاثين بعدَ المِائَةِ» : وهو بعيدٌ. والصَّوابُ تحْريمُه، وحَمْلُه على أنَّ المِلْكَ بالعُمْرَى قاصِرٌ.
فائدة: لو لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، كان لبَيتِ المالِ.
(1) في ط: «الشرعية» .
وَإِنْ شَرَطَ رَجُوعَهَا إلَى الْمُعْمِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَال: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْطُ. وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ.
ــ
قوله: وإنْ شرَط رُجوعَها إلى الْمُعْمِرِ -بكَسْرِ الميمِ- عندَ مَوْتِه، أوْ قال: هِى لآخِرِنا مَوْتًا. صَحَّ الشَّرْطُ. هذا إحْدَى الرِّوايتَين. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقدَّمه في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذهبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . وعنه، لا يصِحُّ الشرْطُ، وتكونُ للمُعْمَرِ -بفَتْحِ الميمِ- ولورَثَتِه مِن بعدِه. وهو المذهبُ. قال المُصَنفُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ، نص عليه في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ. قال في «الفائقِ»: هذا المذهبُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» ، و «المُنَوِّرِ» . وقدَّمه في «المُحَررِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الرِّعايَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكُبْرَى». وأطْلَقَهما في «التَّلْخيص» ، و «الشرْحِ» . قال الحارِثِيُّ، عن المَسْأَلَةِ الأُوْلَى: هو المذهبُ. وقال عن الثَّانِيَةِ: لا تصِح الرِّوايَةُ عن أحمدَ بصِحَّةِ الشَّرْطِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: مِن لازِمِ صِحَّةِ الشرْطِ، صِحَّةُ العَقْدِ، ولا عَكْسَ. والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ العَقْدَ في هذه المَسْأَلَةِ صحيحٌ. جزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الوَجيزِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الرِّعايتَين» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الحاوي الصغِيرِ» ، وغيرِهم. قال في «الفائقِ» وغيرِه: هذا المذهبُ. وعنه، لا يصِحُّ العَقْدُ أيضًا. قال الحارِثِيُّ: وذكَر ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه وَجْهًا ببُطْلانِ العقْدِ لبُطْلانِ الشرْطِ، كالبَيعِ، ولا يصِحُّ. انتهى.
فائدة: لا يصِحُّ إعْمارُه المَنْفعَةَ، ولا إرقابُها، فلو قال: سُكْنَى هذه الدَّارِ لك عُمْرَك. أو غلَّةُ هذا البُسْتانِ. أو خِدْمَةُ هذا العَبْدِ لك عُمْرَك. أو منَحْتُكه عُمْرَك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو هو لك عُمْرَك. فذلك عارِيَّةٌ، له الرُّجوعُ فيها (1) متى شاءَ في حَياتِه أو بعدَ مَؤتِه. نقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. ونقَل أبو طالِبٍ، إذا قال: هو وَقفٌ على فُلانٍ، فإذا ماتَ، فلوَلَدِي، أو لفُلانٍ. فكما لو (2) قال: إذا ماتَ، فهو لوَلَدِه، أو لمَن أوْصَى له الواقِفُ، ليس يَمْلِكُ منه شيئًا، إنَّما هو لمَن وقَفَه، يضَعُه حيث شاءَ،
(1) زيادة من: ا.
(2)
سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ السُّكْنَى، والسُّكْنَى متى شاءَ رجَع فيه. ونقَل حَنْبَل، في الرُّقْبَى والوَقْفِ، إذا ماتَ، فهو لورَثَتِه، بخِلافِ السُّكْنَى. ونقَل حَنْبَل أيضًا، العُمْرَى والرُّقْبَى والوَقْفُ مَعْنًى واحدٌ؛ إذا لم يَكُنْ فيه شَرْط، لم يرْجِعْ إلى ورَثَةِ المُعْمَرِ، وإنْ شرَط في وَقْفِه أنَّه له حَياتَه، رجَع، وإنْ جعَلَه له حَياتَه وبعدَ مَوْتِه، فهو لورَثَةِ الذي أعْمَرَه، وإلَّا رجَع إلى وَرَثَةِ الأوَّلِ. وتقدَّم حُكْمُ الوَقْفِ المُؤقَّتِ.
فَصْلٌ: وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الأوْلَادِ الْقِسْمَةُ بَينَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ.
ــ
قوله: والمَشْروعُ في عَطيَّةِ الأوْلادِ القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي داودَ، وحَرْبٍ، ومحمدِ بنِ الحَكَمِ، والمَرُّوذِيِّ، والكَوْسَجِ، وإسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، وأبِي طالِبٍ، وابنِ القاسِمِ، وسِنْدِيٍّ. وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الوَجيزِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «الزَّرْكَشِىيِّ» . وقدَّمه في «المُغنِي» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «الرعايَةِ» ، و «الحارِثِي» ، وغيرِهم. وعنه، المَشْروعُ أنْ يكونَ الذَّكرُ كالأُنْثَى، كما في النَّفَقَةِ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُنونِ» ، والحارِثِيُّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي «الواضِحِ» وَجْهٌ، تُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ بينَ أبٍ وأُمٍّ، وأخٍ وأُخْتٍ. قال في رِوايةِ أبِي طالِبٍ: لا يَنْبَغِي أنْ يُفَضِّلَ أحدًا مِن وَلَدِه في طَعام ولا غيرِه، كان (1) يُقالُ: يعْدِلُ بينَهم في القُبَلِ. قال في «الفُروعِ» : فدخَل فيه نظَرُ وَقفٍ. وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولا يجبُ على المُسْلِمِ التسْويَةُ بينَ أوْلادِه الذِّمَّةِ (2).
(1) في ط: «كما» .
(2)
قومٌ ذمَّةٌ: مُعاهَدون، أي ذوو ذمَّةٍ، وهو: الذِّم. اللسان 12/ 221.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات؛ الأوَّلُ، يَحْتَمِلُ قوْلُه: في عَطِيَّةِ الأوْلادِ. دُخولَ أوْلادِ الأوْلادِ، ويُقَوِّيه قوْلُه: القِسْمَةُ بينَهم على قَدْرِ إرْثِهم. فقد يكونُ في وَلَدِ الولدِ مَن يَرِثُ. وهذا المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» . ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا الحُكْمَ مَخْصوصٌ بأوْلادِه لصُلْبِه. وهو وَجْهٌ. وذكَر الحارِثِيُّ، لا وَلَدَ بَنِيه (1) وبَناتِه. الثَّاني، قُوَّةُ كلامِ المُصَنِّفِ تُعْطِي أنَّ فِعْلَ ذلك على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. وهو قوْلُ القاضي في «شَرْحِه» . وتقدَّم كلامُه في «الواضِحِ» . والصَّحيحُ مِنَ
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهبِ؛ أنَّه إذا فعَل ذلك يجِبُ عليه، ولا يَأْباه كلامُ المُصَنِّفِ هنا. وجزَم به في «المُحَرَّرِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «النظْمِ» ، و «الوَجيزِ» ، و «الفائقِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . وقدَّمه في «الفُروعَ» ، و «الحارِثِيِّ». واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وقال: هو المذهبُ. الثَّالثُ، مَفْهومُ قوْلِه: والمَشْروعُ في عَطيةِ الأوْلادِ. أنَّ الأقارِبَ الوارِثِين غيرَ الأوْلادِ، ليس عليه التَّسْويَةُ بينَهم. وهو اخْتِيارُ المُصَنفِ، والشَّارِحِ. قال في «الحاوي الصغِيرِ»: وهو أصحُّ. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الوَجيزِ» ، فإنَّه قال: يجِبُ التَّعْديلُ في عطيةِ أوْلادِه بقَدْرِ إرْثهم منه. قال الحارِثِيُّ: هو المذهبُ، وعليه المُتَقدمون؛ كالخِرَقِيِّ، وأبِي بَكْرٍ، وابنِ أبِي مُوسى. قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْوٌ. انتهى. والصَّحيحُ أنَّ حُكْمَ الأقارِبِ الوُرَّاثِ في العَطِيَّةِ، كالأوْلادِ. نصَّ عليه، وجزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرعايتَين» ، و «النَّظْمِ» ، و «الفائقِ» ، و «الفُروع» ، وقال: اخْتارَه الأكثر. وأمَّا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، فلا يدْخُلان في لَفْظِ الأولادِ والأقارِبِ، بلا نِزاعٍ بينَ الأصحابِ، فهم خارِجُون مِن هذه الأحْكامِ. صرَّح به في «الرعايَةِ» وغيرِها، وهو ظاهِرُ كلامِ الباقين. الرَّابعُ، ظاهِرُ كلام المُصَنفِ مَشْروعِيَّةُ التَّسْويَةِ في الإعْطاءِ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا، وسواءٌ كانوا كلُّهم فُقَراءَ أو بعضُهم. واعْلمْ أنَّ الإمامَ أحمدَ نصَّ على أنَّه يُعْفَى عن الشَّيءِ التَّافِهِ. وقال القاضي أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يُعْفَى عن الشَّيءِ اليَسيرِ. وعنه، يجِبُ التسْويَةُ أيضًا فيه، إذا تَساوَوْا في الفَقْرِ أو الغِنَى.
فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ أوْ فَضَّلَهُ، فَعَلَيهِ التَّسْويَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إِعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا.
ــ
قوله: فإنْ خَصَّ بعضَهم أو فضلَه، فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ حتى يَسْتَوُوا. هذا المذهبُ مُطلَقًا، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «التلْخيصِ» ، وغيرِهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعٍ» ، و «الرِّعايتَين» ، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِيُّ: نصَّ عليه في روايَةِ يُوسُف بنِ مُوسى، وهو ظاهِرُ كلامَ الأكْثَرِين. انتهى. قال الحارِثِيُّ: وهو ظاهِرُ إيرادِ الكتابِ والأصحابِ. ونصَرَه. وتحْريمُ فِعْلِ ذلك، في الأوْلادِ وغيرِهم مِنَ الأقاربِ، مِنَ المُفْرَداتِ. وقيل: إنْ أعْطاه لمَعْنًى فيه؛ مِن حاجَةٍ، أو زَمانَة، أو عَمًى، أو كثرَةِ عائلَة، أو لاشْتِغالِه بالعِلمِ ونحوه، أو منَع بعْضَ وَلَدِه لفِسْقِه، أو بِدْعَتِه، أو لكَوْنِه يعْصِي الله بما يأخُذُه ونحوُه، جازَ التَّخْصيصُ. واخْتارَه المُصَنِّفُ، واقْتَصرَ عليه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه» ، إلَّا أنْ تكونَ النسْخَةُ مَغلوطَةً. وقطَع به النَّاظِمُ. وقدَّمه في «الفائقِ». وقال: هو ظاهِرُ كلامِه. قلتُ: قد رُوِيَ عن أحمدَ ما يدُلُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على ذلك؛ فإنَّه قال في تَخْصيصِ بعضِهم بالوَقْفِ: لا بأَسَ إذا كان لحاجَةٍ، وأكْرَهُه، إذا كان على سَبِيلِ الأَثرَةِ. والعَطِيَّةُ في معْنَى الوَقْفِ. قلتُ: وهذا قَويٌّ جدًّا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: فعليه التَّسْويَةُ بالرُّجوعِ أو إعْطاءِ الآخَرِ. هذا المذهبُ، أعْنِي، أنَّ التَّسْويَةَ؛ إمَّا بالرَّجوعِ، وإمَّا بالإعْطاءِ. قال في «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «الخُلاصَةِ» ، و «التلْخيصِ» ، وغيرِهم. ولم يذْكُرِ الإمامُ أحمدُ في رِوايَةٍ إلَّا الرُّجوعَ فقط. وقاله الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْر. قال الحارِثيُّ: والأظْهَرُ أنَّ المَنْقولَ عن أحمدَ ليس قوْلَين مُخْتَلِفَين، إنَّما هو اخْتِلافُ حالين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه: ظاهِرُ قولِه: أو إعْطاء الآخَرِ. ولو كان إعْطاؤُه في مَرضِ الموْتِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. قال الشَّارِحُ: وهو الصَّحيحُ. وصحَّحه في «الفائقِ» .
فَإن مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثَبَتَ لِلْمُعْطَى. وَعَنْة، لَا يَثْبُت، وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ. اخْتَارَة أَبُو عَبْدِ اللهِ بن بَطَّةَ.
ــ
قال الزَّرْكَشِيُّ: أوْلَى القَوْلَين، الجوازُ. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» . وعنه، لا يُعْطِي في مرَضِه. وهو (1) قول قدمه في «الرِّعايتَين». قال الحارِثِيُّ: أشْهَرُ الرِّوايتَين، لا يصِح. نصَّ عليه في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ، ويُوسُفَ بنِ مُوسى، والفَضْلِ بنِ زِيادٍ، وعَبْدِ الكَرِيمِ بنِ الهَيثَمِ، وإسْحاقَ بن إبْراهِيمَ. ونقَل المَيمُونِيُّ وغيرُه، لا ينْفُذُ. وقال أبو الفَرَجِ وغيرُه: يُؤمَرُ برَدِّه.
فائدتان؛ إحْداهما، يجوزُ التَّخْصِيصُ بإذْنِ الباقِي. ذكَرَه الحارِثِي، واقْتَصرَ عليه في «الفُروعِ» . الثَّانية، يجوزُ للأبِ تَمَلُّكُه بلا حِيلَةٍ. قدَّمه الحارِثِيُّ، وتابَعه في «الفُروعِ» . ونقَل ابنُ هانيِء، لا يُعْجِبُنِي أنْ يأْكُلَ منه شيئًا.
قوله: فإنْ ماتَ قبلَ ذلك، ثبَت للمُعْطَى. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بَكْر، والخِرَقِي، والقاضِي، وأصحابُه، ومَن بعدَهم. قاله الحارِثِيُّ. قال ابنُ مُنَجَّى: هذا المذهبُ. قال في «الرِّعايتَين» :
(1) في ط: «وهي» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يرْجِعَ الباقُون على الأصحِّ. وجزَم به في «الوَجيزِ» ، و «المُنَوِّرِ» . وقدَّمه في «الفُروعِ» ، و «شَرْحِ ابنَ رَزِينٍ» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، وغيرِهم. وعنه، لا يثْبُت، وللباقِين الرُّجوعُ. اخْتارَه أبو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ، وصاحِبُه أبو حَفْص (1) العُكْبَرِيَّان، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وصاحِبُ «الفائقِ» . وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «الفائقِ» ،
(1) في ا: «جعفر» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهم. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وأما الوَلَدُ المُفَضَّلُ، فيَنْبَغِي له الردُّ بعدَ الموتِ، قوْلًا واحدًا. قال في «المُغْنِي» ، و «الشرْحِ»: يُسْتَحَبُّ للمُعْطَى أنْ يُساويَ أخاه في عَطِيَّتِه. وحُكِيَ عن أحمدَ بُطْلانُ العَطِيَّةِ. واخْتارَه الحارِثِيُّ، وذكَر أنَّ بعضَهم نَقَلَه عن أحمدَ. وذكَر ابنُ عَقِيلٍ في الصحةِ رِوايتَين.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ إحْداها، قال في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: حُكْمُ ما إذا وُلِدَ له وَلَدٌ بعدَ موْتِه، حُكْمُ مَوْتِه قبلَ التَّعْديلِ المذْكُورِ بالإعْطاءِ أو الرُّجوعِ. واخْتارَ الحارِثِيُّ هنا عدَمَ الوُجوبِ (1)، وقال: إنْ حدَث بعدَ الموتِ، فلا رُجوعَ للحادِثِ على إخْوَتِه. وقاله الأصحابُ أيضًا. وفي «المُغْني» (2) تُسْتَحَبُّ التَّسْويَة بينَهم وبينَه. الثَّانيةُ، محَلُّ ما تقدَّم، إذا فعَلَه في غيرِ مرَضِ المَوْتِ، فأمَّا إنْ فعَلَه في مرَضِ الموتِ، فإنَّهم يرْجِعُون. قال في «الرِّعايَةِ»: فإنْ فعَل ذلك في مَرضِ
(1) في ط: «الرجوع» .
(2)
انظر: المغني 8/ 272.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موْتِه، فلهم الرُّجوعُ فيه. الثَّالِثَةُ، لا تجوزُ الشَّهادَةُ على التَّخْصِيصِ، [لا تحَمُّلًا ولا أداءً] (1). قاله في «الفائقِ» وغيرِه. قال الحارِثِيُّ: قاله الأصحابُ، ونصَّ عليه. قال في «الرعايَةِ»: إنْ عَلِمَ الشُّهودُ جَوْرَه وكَذِبَه، لم يتَحَمَّلُوا الشَّهادَةَ، وإنْ تحَمَّلُوها ثم عَلِمُوا، لم يُؤدُّوها في حَياته، ولا بعدَ مَوْته، ولا إثْمَ عليهم بعدَمِ (2) الأداءِ، وكذا أنْ جَهِلُوا أنَّ له وَلَدًا آخَرَ، ثم عَلِمُوه. قلتُ: بلَى، أنْ قُلْنا: قد ثبَت المَوْهوبُ لمَن وهَبَ له، وإلَّا فلا. انتهى. قال الحارِثِيُّ: والعِلْمُ بالتَّفْضِيلِ أو التَّخْصِيصِ يَمْنَعُ تحَمُّلَ الشَّهادَةِ وأداءَها مُطْلَقًا. حكاه الأصحابُ، ونصَّ عليه. الرَّابعَةُ، لا يُكْرَهُ للحَيِّ قَسْمُ مالِه بينَ أوْلادِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ» ، وقال: نقَلَه الأكثرُ. وعنه، يُكْرَهُ. قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ويُكْرَهُ أنْ يقْسِمَ أحَدٌ ماله في حياتِه بينَ ورَثَتِه، إذا أمْكَنَ أنْ يُولَدَ له. وقطَع به. وأطْلَقهما الحارِثِيُّ. ونقَل ابنُ الحَكَمِ، لا يُعْجِبُنِي،
(1) في الأصل، ط:«تحملًا وآداء» .
(2)
في الأصل، ط:«بعد» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلو حدَثَ له وَلَدٌ، سَوَّى بينَهم ندْبًا. قال في «الفُروعِ»: قدَّمه بعضُهم. وقيل: وُجوبًا. قال الإمامُ أحمدُ: أعْجَبُ إليَّ أنْ يُسَوِّىَ بينَهم. واقْتَصرَ على كلامِ الإِمامِ أحمدَ في «المُغْنِي» ، و «الشَّرْحِ». قلتُ: يتَعَيَّنُ عليه أنْ يُسَوِّيَ بينَهم.
وَإنْ سَوَّى بَينَهُمْ فِي الْوَقْفِ، أوْ وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ، جَازَ. نصَّ عَلَيهِ. وَقِياسُ الْمَذْهَبِ، أَنْ لَا يَجُوزَ.
ــ
قوله: وإنْ سَوَّى بينهم في الوَقْفِ، أو وقَف ثُلُثَه في مَرَضِه على بعضِهم، جازَ، نَصَّ عليه. ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْأَلتَين؛ إحْداهما، إذا سَوَّى بينَهم في الوَقْفِ، جازَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «التلْخيصِ» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وصحَّحه في «الخُلاصَةِ» وغيرِه. قال الحارِثِيُّ: المذهبُ الجوازُ. قال القاضي: لا بأْسَ به. نقَل ابنُ الحَكَمِ، لا بأْسَ. قيلَ: فإنْ فضَل؟ قال: لا يُعْجِبُني على وَجْهِ الأَثَرَةِ، إلَّا لعِيالٍ بقَدْرِهم، وقِياسُ المذهبِ، لا يجوزُ. وهو احْتِمالٌ في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ» ، والمُصَنِّفُ، والحارِثِيُّ. وقيل: إنْ قُلْنا: إنَّه مِلْكُ مَن وُقِفَ عليه. بطَل، وإلَّا صحَّ. فعلى المذهبِ، يُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ أيضًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي وغيرُه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» ، و «التَّلْخيصِ» ، وقال: هذا المذهبُ. وقيل: المُسْتحَبُّ القِسْمَةُ على حسَبِ المِيراثِ، كالعَطيَّةِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وقالا: ما قاله القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيراثِ والعَطيَّةِ. المسْأَلةُ الثَّانيةُ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا وقَف ثُلُثَه في مَرضِه على بعضِهم، وكذا لو أوْصَى بوَقْفِ ثُلُثِه على بعضِهم، جازَ، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. قال في «الفُروعِ»: هذه الرِّوايَةُ أشْهَرُ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» : هذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِي: هو أشْهَرُ الرِّوايتَين، وأنَصُّهما، واخْتِيارُ القاضي في «التعْليقِ» وغيرِه، وأكثرِ الأصحابِ. انتهى. وجزَم به في «المُنَوِّرِ» ، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ» وهو منها. وقدَّمه في «الفائقِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «المُحَرَّرِ». قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ. قال المُصَنِّفُ هنا: وقِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يجوزُ. فاخْتارَ عدَمَ الجَوازِ، واخْتارَه أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ. قاله القاضي، فيما وجَدْتُه مُعَلَّقًا عنه. نقَلَه الزَّرْكَشِي، واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ أيضًا. قال في «الفُروعِ»: فعنه،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كهِبَةٍ، فيصِحُّ بالإجازَةِ. وعنه، لا يصِحُّ بالإجازَةِ، إنْ قُلْنا: إن الإجازَةَ ابْتِداءُ هِبَةٍ. النهي. وقال في «الرعايَةِ الكُبْرَى» : إنْ وقَف الثُّلُثَ في مرَضِه على وارِثٍ، أو أوْصَى أنْ يُوقَفَ عليه، صحَّ، ولَزِمَ. نصَّ عليه. وعنه، لا يصِحُّ. وعنه، إنْ أجِيزَ، صحَّ، وإلَّا بطَل، كالزَّائدِ على الثُّلُثِ. ثم قال: قلتُ: إنْ قُلْنا: هو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للهِ. صحَّ، وإلَّا فلا. وقيل: يجوزُ لدَينٍ، أو عِلْمٍ، أو حاجَةٍ. انتهى. فعلي المذهبِ، لو سَوَّى بينَ ابْنِه وابْنَتِه في دارٍ لا يَمْلِكُ غيرَها، فرَدَّا، فثُلثها بينَهما وَقْف بالسَّويَّةِ، وثُلُثاها مِيراثٌ. وانْ رَدَّ ابْنُه وحدَه، فله ثُلُثا الثُّلُثَين إرْثًا، ولبِنْتِه ثُلثهما (1) وَقْفًا. وإنْ ردَّتْ ابْنَتُه وحدَها، فلها ثُلُثُ الثُّلُثَين إرْثًا، ولابنِه نِصْفُهما وَقْفًا، وسُدْسُهما إرْثًا؛ لرَدِّ المَوْقوفِ عليه. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ» ، و «الفُروعَ». قال في «الرِّعايَةِ»: وكذا له، إنْ رَدَّ هو الوَقْفَ، إلى قَدْرِ الثُّلُثِ، وللبِنْتِ ثُلثهما وَقْفًا. وقيل: لها رُبْعُهما وَقْفًا، ونِصْفُ سُدْسِهما إرْثًا. [وهو لأبِي الخَطَّابِ. قال في «المُحَررِ»: وهو سَهْوٌ. ورَدَّه شارِحُه. وهو كما قال] (2). وقيل: نِصْفُ الدَّارٍ وَقْفٌ عليه، ورُبْعُها وَقْفٌ عليها، والباقي إرْثٌ لهما
(1) في الأصل: «ثلثها» .
(2)
زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أثْلاثًا. انتهى. وعلى الثانيةِ، عَمَلُك في الدَّارِ، كثُلُثَيها على الثالِثَةِ.
فائدة: لو وقف على أجْنَبِي زائدًا على الثُّلُثِ، لم يصِحَّ وَقْفُ الزَّائدِ. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. جزَم به المُصَنِّفُ وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» ، وقال: وأطْلَق بعضُهم وَجْهَين. قلتُ: قال في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: وإنْ وقف ثُلُثَه على أجْنَبِيٍّ، صحَّ، وفيما زادَ وَجْهان.
وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إلا الأبَ. وَعَنْهُ، لَيسَ لَهُ الرُّجُوع. وَعَنْهُ، لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ، نحْوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ.
ــ
قوله: ولا يجوزُ لواهِبٍ أنْ يرْجِعَ في هِبَتِه إلَّا الأبَ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. وصحَّحَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ. وعنه، ليس له الرُّجوعُ. قدَّمه في «الرِّعايتَين» . وعنه، له الرُّجوعُ، إلَّا أنْ يتعَلَّقَ به حقٌّ، أو رَغْبَة؛ نحوَ أنْ يتزَوَّجَ الوَلَدُ أو يُفْلِسَ. وكذا لو فعَل الوَلَدُ ما يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ مُؤبدًا أو مُؤَقَّتًا. وجزَم بهذه الرَّوايَةِ في «الوَجيزِ» . واخْتارَه الشَّارِحُ، وابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه» ، وابنُ عَقِيلٍ، ذكَرَه الحارِثِيُّ، والشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وقال: يرْجِعُ فيما زادَ على قَدْرِ الدَّينِ، أو الرَّغْبَةِ. وأطْلَقَهما في «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ» . وأطْلَقَ الأُولَى والثَّالِثَةَ في «المُغْنِي» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «الشَّرْحِ» ، و «النَّظْمِ». وقيل: إنْ وهَب ولَدَيه شيئًا،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاشْتَرَى أحدُهما (1) مِنَ الآخَرِ نَصِيبَه، ففي رُجوعِه في الكُلِّ وَجْهان. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ليس للأبِ الكافِرِ أنْ يرْجِعَ في عَطيَّتِه، إذا كان وهَبَه في حالِ الكُفْرِ، وأسْلَم الوَلَدُ. فأما إذا وهَبَه حال إسْلامِ الوَلَدِ، فقِياسُ المذهبِ الجَوازُ، ولا يُقَرُّ في يَدِه. وفيه نظَرٌ. انتهى. [وقال أبو حَفْص العُكْبَرِيُّ: تحْصيلُ المذهبِ، أنَّه يرْجِعُ فيما وهَب لابْنِه، ولا يرْجِعُ فيما كان على وَجْهِ الصَّدقَةِ. واخْتارَه ابن أبِي موسى. وقد صرَّح القاضي، والمُصَنِّف، وغيرُهما، بأنَّه لا فرْق بينَ الصَّدقةِ وغيرِها، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ. انتهى] (2).
تنبيه: قوْلُه: أوْ يُفلسَ. وكذا قال أبو الخَطابِ وغيرُه. قال الحارِثِي: والصَّوابُ أنَّه مانِعٌ مِن غيرِ خِلافٍ، كما في الرَّهْنِ ونحوه. وبه صرَّح في «المُغني» ،
(1) في ط: «أحدهم» .
(2)
زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصاحِبُ «المُحَرَّرِ» ، وغيرُهما. انتهى. وعن أحمدَ، في المَرْأَةِ تهَبُ زوْجَها مَهْرَها، إنْ كان سأَلَها ذلك، ردَّه إليها، رَضِيَت أَوْ كرِهَت؛ لأنَّها لا تهَبُ له إلَّا مَخافَةَ غَضَبِه أو إضْرارِه بها، بأنْ يتَزَوجَ عليها. نصَّ عليه، في رِوايَةِ عَبْدِ اللهِ. وجزَم به في «المُنَوِّرِ» ، و «مُنْتَخَبِ الآدَمِيِّ». قال في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»: وترْجعُ المرْأة فيما وهَبَتْ لزَوْجِها بمَسْأَلَتِه، على الأصحِّ. واخْتاره ابنُ عَبْدُوس، في «تَذْكِرَتِه» . وجزَم به في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» ، في «القاعِدَةِ الخَمْسِين بعدَ المِائَةِ» . فالمُصَنِّفُ قدَّم هنا عدَمَ رُجوعِها إذا سأَلَها، وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ، وكثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وجزَم به في «الكافِي» ، و «الجامِعِ الصَّغِيرِ» ، وابنُ أَبِي مُوسى،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو الخَطَّابِ. واخْتارَه الحارِثِي، وهو اختِيارُ أبِي بَكْر وغيرِه. وقدَّمه في «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «فُصولِ ابنِ عَقِيلٍ». قلتُ: الصَّوابُ عدَمُ الرُّجوعِ، إنْ لم يحْصُل لها منه ضرَرٌ، مِن طَلاقٍ وغيرِه، وإلَّا فلها الرجوعُ. وأطْلَقهما في «المُغنِي» ، و «المُحَررِ» ، و «الرعايَةِ الكُبْرَى» ، و «الفُروعِ» .
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّها لا ترْجِعُ إذا وَهَبَتْه مِن غيرِ سُؤالٍ منه. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ وغيرِه. واخْتارَه أبو بَكْر وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقاله القاضي في كتابِ «الوَجْهَين» ، وصاحِبُ «التلْخيصِ» ، وغيرُهما. وقيل: لها الرجوعُ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ. وأطْلَقهما في «المُغْني» ، و «الشرْحِ» ، و «الرِّعايَةِ الكُبرَى». وقيل: إنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهَبَته لدَفْعِ ضرَرٍ فلم ينْدَفِعْ، أو عِوَض أو شَرطٍ، فلم يحْصُل، رجَعَتْ، والَّا فلا.
فوائد؛ إحْداها، ذكَر الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وغيرُه أنَّه لو قال لها: أنتِ طالِقٌ إنْ لم تُبْرِئينِي. فأبْرَأَته، صحَّ. وهل ترْجِعُ؟ فيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ ثالِثُها، ترْجِعُ إنْ طلَّقَها، وإلَّا فلا. انتهى. قلتُ: هذه المَسْألةُ داخِلَةٌ في الأحْكامِ المُتقَدِّمَةِ، ولكِنْ هنا آكَدُ في الرُّجوعِ. الثَّانيةُ، يحْصُلُ رُجوعُ الأبِ بقَوْله، عَلِمَ الوَلَدُ أو لم يعْلَمْ. على الصحيح مِنَ المذهبِ. ونقَل أبو طالبِ، لا يجوزُ عِتْقُها حتى يرْجِعَ فيها، و (1) يرُدَّها إليه، فإذا قبَضَها، أعْتَقَها حِينَئذٍ. قال في «الفُروعِ»: فظاهِرُه اعْتِبارُ قَبْضِه، وأنَّه يكْفِي. وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ: في قَبْضِه مع قَرِينَةٍ وَجْهان. الثَّالثةُ، لو أسْقَط الأبُ حقَّه مِنَ الرُّجوع، ففي سُقوطِه احْتِمالان في
(1) في الأصل، ط:«أو» ، وانظر: الفروع 4/ 651.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الانْتِصارِ» . قاله في «الفُروعِ» . قال ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ» : أظْهَرُهما لا يسْقُطُ؛ لثُبوتِه له بالشَّرْعِ، كإسْقاطِ الوَليِّ حقَّه مِن ولايةِ النِّكاحِ. وقد يتَرجَّحُ سُقُوطُه؛ لأنَّ الحقَّ فيه مُجرَّدُ حقِّه، بخِلافِ ولايةِ النِّكاء، فإنَّه حقًّ عليه للهِ وللمَرْأةِ، ولهذا يأثمُ بعَضْلِه. وهذا أوْجَهُ. انتهى. ويأْتِي نَظِيرُ ذلك في الحَضانَةِ. الرَّابعَةُ، تصَرُّفُ الأبِ ليس برُجوع. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وخرَّج أبو حَفْص البَرْمَكِيُّ، في كتابِ حُكْمِ (1) الوالِدَين في مالِ ولَدِهما، رِوايَةً أخْرى؛ أنَّ العِتْقَ مِنَ الأبِ صحيح، ويكونُ رُجوعًا. قال في «التَّلْخيصِ» ، و «الفُروعِ» ، وغيرِهما: لا يكونُ وَطْؤُه رُجوعًا. وهل يكونُ بيعُه وعِتْقُه، ونحوُهما رُجوعًا؟ على وَجْهَين. وعليهما، لا ينْفُذُ؛ لأنَّه لم يُلاقِ المِلْكَ. ويتَخَرَّجُ وَجْه بنُفوذِه؛ لاقْتِرانِ المِلْك. قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمْسِين». وقال في «المُغْنِي» (2): الأخْذُ المُجَرَّدُ إنْ
(1) سقط من: الأصل.
(2)
المغني 8/ 269.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قصَد به رُجوعًا، فرُجوعٌ، وإلَّا فلا، مع عدَمِ القَرينَةِ، ويُدَيَّنُ في قَصْدِه. وإنِ اقْترَن به ما يدُلُّ على الرُّجوعِ، فوَجْهان؛ أظْهَرُهما، أنَّه رُجوعٌ. اختارَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. قاله الحارِثِيُّ. الخامسةُ، حُكْمُ الصَّدَقَةِ، حُكْمُ الهِبَةِ فيما تقدَّم. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضي وغيرُه. وقدَّمه في «المُغني» ، و «الشَّرْحِ» ونصَراه. قال في «الفُروعِ»: هذا أصح الوَجْهَين. وقال في «الإرْشادِ» : لا يجوزُ الرُّجوعُ في الصَّدَقَةِ بحالٍ. وقدَّمه الحارثيُّ، وقال: هذا المذهبُ، ونصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَلٍ.
تنبيه (1): ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، بل هو كالصَّريحِ، أنَّ الأُمَّ ليس لها الرُّجوعُ، إذا وهَبَتْ ولَدَها. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ
(1) في ط: «السادسة» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: هي كالأبِ في ذلك. وجزَم به في «المُبْهِجِ» ، و «الإيضاحِ» . واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشارِحُ، والقاضي يَعْقُوبُ، والحارِثِيُّ، وصاحِبُ «الفائقِ» . وقاله في «الإفْصاحِ» ، و «الواضِحِ» ، وغيرِهما. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . السَّادِسَةُ (1)، لو ادَّعَى اثْنان مَوْلودًا، فوَهَباه أو أحدُهما شَيئًا (2)، فلا رُجوعَ؛ لانْتِفاءِ ثُبوتِ الدَّعْوَى، وإنْ ثبَت اللَّحاقُ بأحَدِهما، ثبَت الرُّجوعُ. وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّ الجَدَّ ليس له الرجوعُ فيما وهَبَه لوَلَدِ وَلَدِه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهِيرُ (2) الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: هو كالأبِ. وأطْلَقَهما في «الفائقِ» .
(1) في ط: «تنبيه» .
(2)
سقط من: الأصل.
وَإنْ نَقَصَتِ الْعَينُ، أَوْ زَادَتْ زيَادَةً مُنْفَصِلَةً، لَمْ تَمْنَعِ الرُّجُوعَ، الزِّيَادَةُ لِلابْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلأَب. وَهَلْ تَمْنَعُ الْمُتَّصِلَةُ
ــ
قوله: وإنْ نقَصَتِ العَينُ، أوْ زادَتْ زِيادَةً مُنْفَصِلَةً، لم تَمْنَعِ الرُّجوعَ. إذا
الرُّجُوعَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
ــ
نقَصَتِ العَينُ، لم تَمْنَعْ مِنَ الرُّجوعِ، بلا نِزاعِ. وكذا إذا زادَتْ زِيادَةً مُنْفَصِلَةً. على الصَّحيح مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا. وفي «المُوجَزِ» رِوايَةٌ؛ أنَّها تَمْنَعُ.
تنبيه: يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ، لو كانتِ الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ وَلَدَ أَمَةٍ، لايجوزُ التَّفرْيقُ بينَه وبينَ أمِّه، مُنِعَ الرُّجوعُ، إلَّا أنْ نقولَ: الزِّيادَةُ المُنْفَصِلَةُ للأبِ. قاله المُصَنفُ، والشَّارِحُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم. قلتُ: فيُعايَى بها. وتقدَّم في آخِرِ الجِهادِ شيءٌ مِن ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولها: والزِّيادَةُ لابْنِ -هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ- ويَحْتَمِلُ أنَّها للأبِ. وهو رِوايَةٌ في «الفائقِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، واسْتَثْنَوا وَلَدَ الأمَةِ؛ فإنَّها للوَلَدِ عندَهم، بلا نِزاع. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، وغيرِهم، وتقدَّم نَظيرُها في الحَجْر واللُّقَطَةِ.
قوله: وهل تَمْنَعُ الزِّيادَةُ المُتصِلَةُ الرُّجوعَ؟ على رِوايتَين. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ» و «المُذْهَبِ» ، و «مَسْبوكِ الذهبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «المُغْنِي» ، و «الكافِي» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «تَجْريدِ العِنايَةِ» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «القَواعِدِ» . قال في «الرِّعايتَين» ، و «الفائقِ»: وفي مَنْعِ المُتَّصِلَةِ، صُورَةً، مَعْنًى، رِوايَتان. زادَ في «الكبْرَى» ؛ كسِمَن وكِبَرٍ وحَبَلٍ وتعَلُّم صَنْعَةٍ؛ إحْداهما، تَمْنَعُ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ» ، ونَصَره المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. قال في «القاعِدَةِ الحادِيَةِ والثَّمانِين» ، بعدَ إطْلاقِ الرِّوايتَين:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَنْصوصُ عن أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، امْتِناعُ الرُّجوعِ. وهو المذهبُ على ما اصْطَلحْناه في الخُطْبَةِ. والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا تَمْنَعُ. نصَّ عليه في رِوايَةِ حَنْبَل. وهو اخْتِيارُ القاضي، وأصحابِه. قاله الحارِثِيُّ، واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ، في «تَذْكِرَتِه» ، وقال: يُشارِكُ المُتَّهِبَ (1) بالمُتَّصِلَةِ. قال في «القَواعِدِ» ، على القَوْلِ بجَوازِ الرُّجوعِ: لا شيءَ على الأبِ للزِّيادَةِ.
(1) زيادة من: ط، وانظر: تصحيح الفروع 4/ 648.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: لو اخْتلَفَ الأبُ ووَلَدُه في حُدوثِ زِيادَةٍ في المَوْهُوبِ، فالقَوْلُ قولُ الأبِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: قوْلُ الوَلَدِ. وأطْلَقهما في «الفُروعَ» .
وَإِنْ بَاعَهُ الْمُتَّهِبُ ثُمَّ رَجَعَ اليهِ بِفَسْخ أَوْ إِقَالةٍ، فَهَلْ لَهُ الرُجُوعُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَإِنْ رَجَعَ إلَيهِ بِبَيع أَوْ هِبَةٍ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ.
ــ
قوله: وإنْ باعَه المُتَّهِبُ ثم رجَع إليه بفَسْخٍ أو إقالةٍ، فهل له الرُّجوعُ؟ على وَجْهَين. وكذا لو رجَع إليه بفَلَسِ المُشْتَرِي. وأطْلَقهما في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «المُحَرَّرِ» و «النَّظْمِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، و «تَجْريدِ العِنايَةِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ؛ أحدُهما، يرْجِعُ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الكافِي» ، و «الوَجيزِ» ،
وَإِنْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لابْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْ أَبُوهُ الرُّجُوعَ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ.
ــ
و «المُنَوِّرِ» . واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه» . والوَجْهُ الثَّاني، لا يرْجِعُ. صحَّحَه في «التَّصْحيحِ» . وقطَع به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. قاله الحارِثِيُّ. وهذا في الإقالةِ، إذا قُلْنا: هي فَسْخ. أمَّا إذا قُلْنا: هي بَيعٌ. فقال في «فَوائدِ القَواعِدِ» : يمْتَنِعُ رُجوعُ الأبِ. وتقدَّم ذلك في فَوائدِ الإقالةِ؛ هل هي فَسْخ، أو بَيعٌ؟ [وقيل،: إنْ رجَع بخِيارٍ، رجَع، وإلَّا فلا. وأطْلَقهُنّ الزَّرْكَشِيُّ](1).
قوله: وإنْ رجَع إليه ببَيع أو هِبَةٍ، لم يَمْلِكِ الرُّجوعَ. بلا نِزاعٍ. وكذا لو رجَع إليه بإرْثٍ أو وَصِيَّةٍ.
قوله: وإنْ وهَبَه المُتَّهِبُ لابْنِه، لم يَمْلِكْ أَبوه الرُّجوعَ، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو. إذا وهَبَه المُتَّهِبُ لابْنِه، ولم يرْجِعْ هو، لم يَمْلِكِ الجَدُّ الرجوعَ. على الصحيحِ
(1) زيادة من: ا.
وَإنْ كَاتَبَهُ أوْ رَهَنَهُ، لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، إلَّا أنْ يَنْفَكَّ الرَّهْنُ وَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ.
ــ
مِنَ المذهبِ. جزَم به ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» ، و «الشَّارِحِ» ، و «المُحَررِ» ، و «الوَجيزِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الرَّعايتَين» ، و «الحاوي الصغِيرِ» ، و «الفائقِ» . وفيه احْتِمالٌ، له الرُّجوعُ، ذكَرَه أبو الخَطَّابِ. قال في «التَّلخيص» وهو. وأطْلَقهما في «الفُروعِ» . وإنْ رجَع، ملَك الواهِبُ الأولُ الرُّجوعَ، على الصحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به المُصَنفُ هنا، وجزَم به في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، و «الفائقِ» ، و «الرِّعايتَين» ، «الحاوي الصَّغِيرِ» . ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَمْلِكَ الرُّجوعَ. وأطْلَقهما في «المُغني» ، و «الشرْحِ» ، و «الفُروعَ» .
قوله: وإنْ كاتَبَه، لم يَمْلِكِ الرُّجوعَ، إلَّا أنْ يَفْسَخَ الكِتابَةَ. هذا المذهبُ مَبْنيٌّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على القَوْلِ بعدَمِ جوازِ بَيعِ المُكاتَبِ. أمَّا على القَوْلِ بجَوازِ بَيعِه، وهو المذهبُ، فحُكْمه حُكمُ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ. قاله الشارِحُ. [وقد صرَّح قبلَ ذلك بجوازِ الرُّجوعِ في العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ (1). فكذا هنا، لكِنَّ المُسْتأْجِرَ مُسْتَحِقٌّ للمَنافِع مُدَّةَ الإِجارةِ، والكِتابَةُ باقِيَةٌ على حُكْمِها إذا رجَع أيضًا. وقال في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِير»: وإنْ كاتَبَه، ومُنِعَ بَيعُ المُكاتَبِ، وزالتْ الكِتابَةُ بفَسْخٍ أو عَجْزٍ، رجَع، وإلَّا فلا، كما لو باعَه. وما أخَذَه الابنُ مِن دَين الكِتابَةِ، لم يأْخُذْه منه أبُوه، بل يأْخُذُ ما يُؤدِّيه وَقْتَ رُجوعِه وبعدَه، فإنْ عجَزَ، عادَ إليه. [قال الزَّرِكشِيُّ: وشَرْطُ الرُّجوعِ أنْ لا يتَعَلَّقَ بالعَينِ حقٌّ يمْنَعُ تصَرُّفَ الابنِ؛ كالرهْنِ، وحَجْرِ الفَلَسِ، والكِتابَةِ، وإنْ لم يَجُزْ بَيعُ المُكاتبِ](1).
فائدة: لا يمْنَعُ التَّدْبِيرُ الرُّجوعَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: يَمْنَعُ. وهذا الحُكْمُ مُفَرَّعٌ على القَوْلِ بجوازِ بَيعِه، فأمَّا على القَوْلِ بمَنْعِ البَيعِ، فإن الرُّجوعَ يمْتَنِعُ كالاسْتِيلاءِ. قاله الشَّارِحُ وغيرُه.
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة: إجارَةُ الوَلَدِ له، وتزْويجُه، والوَصِيَّةُ به، والهِبَةُ قبلَ القَبْضِ، والمُزارَعَةُ، والمُضارَبَةُ به، والشَّرِكَةُ، وتعْلِيقُ عِتْقِه بصِفَةٍ، لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ. وكذا وَطْءُ الوَلَدِ، لا يَمْنَعُ الرُّجوعَ. وكذا إباقُ العَبْدِ ورِدة الوَلَدِ، لا يمْنَعُ، إنْ قيلَ ببَقاءِ المِلْك. وإنْ قيل: مُراعًى. فكذلك الرُّجوعُ. وإن قيل: بزوالِه (1) مَنَعَت.
(1) في الأصل: «بجوازه» .
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا: إنْ كَانَ سَأَلهَا ذلِكَ رَدَّهُ إِلَيهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ؛ لِأَنَهَا لَا تَهَبُ لَهُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إِضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ: وَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَيَتَمَلَّكَهُ مَعَ حَاجَتِهِ وَعَدَمِهَا، فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ حَاجَةُ الابْنِ بِهِ.
ــ
قوله: وللأَبِ أنْ يَأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه ما شاءَ. هذا المذهبُ بشَرْطِه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. ومنَع مِن ذلك ابنُ عَقِيلٍ، ذكَرَه في مسْأَلةِ الإعْفافِ. وقال الشيخُ تَقِي الدِّينِ: ليس للأبِ الكافِرِ أنْ يتَمَلَّكَ مِن (1) مالِ وَلَدِه المُسْلِمِ، لا سِيَّما إذا كان الوَلَدُ كافِرًا ثم أسْلَمَ. قلتُ: وهذا عَينُ الصَّوابِ. وقال أيضًا: والأشْبَهُ أنَّ الأبَ المُسْلِمَ ليس له أنْ يأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِهِ الكافِرِ شيئًا. فعلى المذهبِ، قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُسْتَثْنَى، ممَّا للأبِ أنْ يأْخُذَه مِن مالِ وَلَدِه، سُرِّيَّةٌ للابنِ، وإنْ لم تَكُنْ أمَّ وَلَدٍ؛ فإنها مُلْحَقَةٌ بالزَّوْجَةِ. ونصَّ عليه أحمدُ في أكثرِ الرِّواياتِ. ويأْتي كلامُه أيضًا قريبًا، إذا تَمَلَّكَ في مَرِضِ مَوْتِه أو مرَضِ مَوْتِ الابنِ.
قوله: مع الحاجَةِ وعدَمِها. يعْنِي، مع حاجَةِ الأدب وعدَمِها. وهذا المذهبُ.
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وقيل: لا يتَمَلَّكُ مِن مالِ وَلَدِه إلَّا ما احْتاجَ إليه. وسأَله ابنُ مَنْصُورٍ وغيرُه عن الأبِ، يأْكُلُ مِن مالِ ابْنِه؟ قال: نعم، إلَّا أنْ يُفْسِدَه، فله القُوت فقط.
تنبيه: مفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الأمَّ ليس لها أنْ تأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِها كالأبِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وقيل: لها ذلك كالأبِ.
قوله: إذا لم تتَعَلَّقْ حاجَةُ الابنِ به. يُشْترَطُ في جَوازِ أخْذِ الأبِ مِن مالِ وَلَدِه، أنْ لا يضُرَّ الأخْذُ به، كما إذا تعَلَّقَتْ حاجَتُه به. نصَّ وجزَم به. في «الكافِي» ، و «المُغْنِي» ، و «الشرْحِ» ، و «تذكِرةِ ابنِ عَبْدُوس» ، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ» . قال في «المُغْنِي» ، و «الشرْحِ»: وللأبِ أنْ يأْخُذَ مِن مالِ وَلَدِه ما شاءَ، مع غِناه وحاجَتِه، بشَرْطَين؛ أحدُهما، أنْ لا يُجْحِفَ بالابنِ، ولا يأْخُذَ ما تعَلقَتْ به حاجَتُه. الثَّاني، أنْ لا يأْخُذَ مِن أحَدِ وَلَدَيه، فيُعْطِه الآخَرَ. نصَّ عليه، في رِوايَةِ إسْماعِيلَ بنِ سَعيدٍ. انتهَيا. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قِياسُ المذهبِ، أنَّه ليس للأبِ أنْ يتَملَّكَ مِن مالِ ابنِه في مَرَضِ مَوْتِ الأبِ ما يُخَلِّفُه تَرِكَةً؛ لأنَّه بمرَضِه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قدِ انْعَقَدَ السَّبَبُ القاطِعُ لتَملُّكِه، فهو كما لو تَملكَ في مرَضِ مَوْتِ الابنِ. انتهى. وقال أيضًا: لو أخَذ مِن مالِ وَلَدِه شيئًا، ثم انْفَسَخ سبَبُ اسْتِحْقاتِه، بحيثُ وجَب ردُّه إلى الذي كانَ مالِكَه؛ مثلَ أنْ يأْخُذَ الأبُ صَداقَ ابْنَتِه، ثم يُطَلِّقَ الزوْجُ، أو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يأْخُذَ الزَّوْجُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ التي باعَها الوَلَدُ، ثم يرُدَّ السِّلْعَةَ بعَيبٍ، أو يأخُذَ المَبِيعَ الذي اشْتَراه الوَلَدُ، ثم يُفْلِسَ بالثَّمَنِ، ونحو ذلك، فالأقْوَى في جميعِ الصُّوَرِ،
وَإِنْ تَصَرَّفَ فيهِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ؛ بِبَيعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أوْ إبْرَاءٍ مِنْ دَين، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ.
ــ
أنَّ للمالِكِ الأوَّلِ الرُّجوعَ على الأبِ. انتهى. وعنه، للأبِ تمَلكُه كلِّه، بظاهِرِ قوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«أنْتَ ومَالُك لأبِيك» .
قوله: وإنْ تصَرَّفَ قبلَ تمَلُّكه ببَيع، أو عِتْقٍ، أو إبْراء مِنْ دَين، لم يصِحَّ تَصَرُّفُه. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. قال في «الفُروعِ»: ولا يصِح تصَرفه فيه قبل تمَلُّكِه، على الأصح. قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هذا المَعْروفُ مِنَ المذهبِ. وعنه، يصِحُّ. وخرَّج
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو حَفْص البَرْمَكِيُّ رِوايَةً بصِحةِ تصَرُّفِه بالعِتْقِ قبلَ القَبْضِ. وقال أبو بَكْر في «التَّنْبِيهِ» : بَيعُ الأبِ على ابنِه، وعِتْقُه، وصدَقَتُه، ووَطْءُ إمائِه، ما لم يَكُنِ الابنُ قد وَطِيء، جائزٌ، ويجوزُ له بَيعُ عَبِيدِه وإمائِه، وعِتْقُهم. فعلى المذهبِ، قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَقْدَحُ في أهْلِيَّته؛ لأجْلِ الأذَى، لا سِيَّما بالحَبْسِ. انتهى. وقال في «المُوجَزِ»: لا يمْلِكُ إحْضارَه في مَجْلِسِ الحُكْمِ، فإنْ أحْضَرَه (1)، فادَّعَى، فأقَرَّ، أو قامَتْ بَيِّنَةٌ، لم يُحْبَسْ.
(1) في ط: «حضر» .
وَإنْ وَطِيء جَارِيَةَ ابْنِهِ فَأَحْبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا مَهْرَ وَلَا حَدَّ. وَفِي التَّعْزِيرِ وَجْهَانِ.
ــ
فائدة: يحْصُلُ تمَلكُه بالقَبْضِ. نصَّ عليه، مع القَوْلِ أو النِّيَّةِ. قال في «الفُروعِ»: ويتوَجَّهُ، أو قرِينَةٍ. وقال في «المُبْهِجِ»: في تصَرُّفِه في غيرِ مَكِيلٍ أو مَوْزونٍ، رِوايَتان؛ بِناءً على حُصولِ مِلْكِه قبلَ قَبْضِه.
قوله: وإنْ وَطِيء جارِيَةَ ابْنِه، فأحْبَلها، صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له. إنْ كان الابنُ لم يَكُنْ وَطِئَها، صارَتْ أَمَّ وَلَدٍ لأبِيه، إذا أحْبَلَها، بلا نِزاعٍ. وإنْ كان الابنُ يَطؤُها، فظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، أنَّها تصيرُ أمَّ وَلَدٍ له أيضًا، إذا أحْبَلها. وهو أحدُ الوَجْهَين. ورجحَه المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» . وهو كالصَّريحِ فيما قطَع به صاحِبُ «المُحَرَّرِ» ، والشَّارِحُ، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ» ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «التلْخيصِ» ، وغيرُهم. وقطَع به في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» . والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها لا تصيرُ أمَّ وَلَدٍ للأبِ، إذا كان الابنُ يطَؤها. نصَّ عليه. قال في «الفُروعِ»: وإنْ كان ابنُه يطَؤها، لم تصِرْ أمَّ وَلَدٍ في المَنْصوصِ.
تنبيه: هذا إذا لم يَكُنِ الابنُ قدِ اسْتَوْلَدَها، فإنْ كان الابنُ قدِ اسْتَوْلَدَها، لم ينْتَقِلِ المِلْكُ فيها باسْتِيلادِه، كما [لا ينْتَقِلُ](1) بالعُقودِ. وذكَر ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه» ، أنَّها تصيرُ مُسْتَوْلدَةً لهما جميعًا، كما لو وَطِيء الشَّرِيكان أمَتَهما في طهْر واحِدٍ، وأَنتْ بوَلَدٍ، وألْحَقَتْه القافَةُ بهما. قاله في «القاعِدَةِ الخامِسَةِ والخَمْسِين» .
قوله: ووَلَدُه حُرٌّ لا تَلْزَمُه قِيمَتُه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، تَلْزَمُه قِيمَتُه.
(1) في ط: «ينتقل» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: ولا مَهْرٌ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، يَلْزَمُه المَهْرُ. تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الأبَ لا يلْزَمُه قِيمَةُ جارِيَةِ ابنِه إذا أحْبَلها. قال في «الفُروعِ»: وقد ذكَر جماعَةٌ هنا، لا يثْبُتُ للوَلَدِ في ذِمةِ أبيه شيءٌ، قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: وهو ظاهِرُ كلامِه، وهذا منه. والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنّه تلْزَمُه قِيمَتُها. قدمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الفُروعِ» .
قوله: ولا حَدٌّ. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، يُحَدُّ. قال جماعَةٌ: ما لم يَنْوِ تَملُّكها. منهم ابنُ حَمْدانَ، في بابِ حدِّ الزِّنا.
تنبيه: محَلُّ هذا، إذا كان الابنُ لم يطَأها، فأمَّا إنْ كان الابنُ يطَؤُها، ففي
وَلَيسَ لِلابْنِ مُطَالبَةُ أبِيهِ بِدَين، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَلَا أرْشِ جِنَايَةٍ، وَلَا غَيرِ ذَلِكَ.
ــ
وُجوبِ الحدِّ عليه رِوايَتان منْصُوصَتان. وأطْلَقهما في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» ، و «الفُروعِ». قلتُ: ظاهِرُ ما قطَع بهِ المُصَنفُ هنا، وفي بابِ حدِّ الزِّنا، وفي «الكافِي» ، و «المُغْنِي» وغيرِه، أنَّه لا حَدَّ عليه، سواءٌ كان الوَلَدُ يطَؤُها، أو لا. وقطَع بالإطْلاقِ هناك الجُمْهورُ. قال الحارِثِيُّ هنا: ولا فَرْقَ في انْتِفاءِ الحدِّ بينَ كوْنِ الابنِ وَطِئَها، أوْ لا. ذكَرَه أبو بَكْر، والسَّامَرِّي، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». انتهى. قلتُ: والأوْلَى وُجوبُ الحدِّ.
قوله: وفي التَّعْزيرِ وَجْهان. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفائقِ» ، و «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ؛ أحدُهما، يُعَزَّر. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قال الشَّارِحُ: هذا أوْلَى. قال في «الفُروعِ» : ويُعَزَّرُ في الأصحِّ. وصحَّحه في «التصْحيحِ» ، و «شَرْح الحارِثِيِّ» ، و «النَّظْمِ» . وقدَّمه في «الرِّعايَةِ» ، في بابِ حدِّ الزِّنا. والوَجْهُ الثَّاني، لا يُعَزَّرُ. وقيل: يُعَزَّرُ، وإنْ لم تحْبَلْ.
قوله: وليس للابنِ مُطالبَةُ أبِيه بدَين، ولا قِيمَةِ مُتْلَف ولا أرْشِ جِنايَةٍ، ولا غيرِ ذلك. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وقال في «الرِّعايَةِ»: قلتُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُطالِبَه بماله في ذِمَّتِه؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مع حاجَتِه إليه، وغِنَى والِدِه عنه. قال في «الرِّعايَةِ الصغْرَى»: ولا يُطالِبُ أباه بما ثبَت له في ذِمَّتِه في الأصحِّ؛ بقَرْض، وإرْثٍ، وبَيع، وجِنايَةٍ، وإتْلافٍ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ ذلك يثْبُتُ في ذِمَّتِه، ولكِنْ يُمْنَعُ مِنَ المُطالبَةِ به. وهو أحدُ الوَجْهَين، والمذهبُ منهما. قدَّمه في «المُغْنِي» . وهو ظاهِرُ كلامِه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايَةِ» ، و «الحاوي». قال الحارثِيُّ: ومِنَ الأصحابِ مَن يقولُ بثُبوتِ الدَّينِ، وانْتِفاءِ المُطالبةِ؛ منهم القاضي، وأبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ. انتهى. واخْتارَه المَجْدُ في «شَرْحِه» . وقدَّم في «الفُروعِ» ، إذا أوْلَدَ أمَةَ ابنه، أنَّه تثْبُتُ قِيمَتُها في ذِمتِه. ذكَرَه في بابِ أُمَّهاتِ الأولادِ. والوَجْهُ الثَّاني، لا يثْبُتُ في ذِمَّةِ الأبِ شيءٌ لوَلَدِه. قال الحارِثيُّ: وهو الأصحُّ. وبه جزَم أبو بَكْر، وابنُ البَنَّا، وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وهو المَنْصوصُ عن أحمدَ. وتأوَّلَ بعضُ الأصحابِ النَّصَّ. قال المُصَنِّفُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المنْصوصُ عن أحمدَ؛ وهو قوْلُه: إذا ماتَ الأبُ، بطَل دينُ الابنِ. وقوْلُه، في مَن أخَذ مِن مَهْرِ ابْنتِه شيئًا فأنْفَقَه: ليس عليه شيءٌ ولا يُؤْخَذُ مِن بعدِه. على أنَّ أخْذَه له، وإنْفاقَه إيَّاه، دليلٌ على قَصْدِ التَّملُّكِ. انتهى. قال الحارِثيُّ: محَلُّ هذا في غيرِ المُتْلَفِ، أمَّا المُتْلَفُ؛ فإنه لا يثْبُتُ في ذِمَّتِه. وهو المذهبُ بلا إشْكالٍ. ولم يَحْكِ القاضي، في «رُءوسِ مَسائِلِه» ، فيه خِلافًا. انتهى. وأطْلَقهما في «الشَّرْحِ» ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» ، و «الفائقِ» ، و «الفُروعِ» . فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، هل يَمْلِكُ الأبُ إبْراءَ نفْسِه مِنَ الدَّينِ؟ قال القاضي: فيه نظَرٌ. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَمْلِكُ الأبُ إسْقاطَ دَينِ الابنِ عن نفسِه. قال في «الفُروعِ» : وذكَر غيرُ القاضي، أنَّه لا يَمْلِكُه؛ كإبْرائِه كَرِيمَ الابنِ وقَبْضِه منه. انتهى. ويأْتِي قريبًا، في «القاعِدَةِ الثَّالثةِ» ، هل يسْقُطُ الدَّينُ بمَوْتِ الأبِ؟ وظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّه لو وجَد عَينَ مالِه الذي باعَه أو أقْرَضَه بعدَ مَوْتِ أبِيه، أنَّ له أخْذَه، إنْ لم يَكُنِ انْتقَدَ ثَمَنَه. وهو إحْدَى الرِّوايتَين. وقدَّم في «المُغْني» ، كما تقدَّم، أنَّ الأبَ إذا ماتَ، يرْجِعُ الابنُ في تَرِكَتِه بدَينِه؛ لأنَّه لم يسْقُطْ عن الأبِ، وإنَّما تأخَّرَتِ المُطالبَةُ به. انتهى. قلتُ: هذا في الدَّينِ، ففي العَينِ بطريقٍ أوْلَى. [والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، ليس له أخْذُه](1). وأطْلَقَهما في «المُبْهِجِ» ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ» . قال في «المُبْهِجِ» ، و «الحارِثِيِّ»: وكذا لو وجَد بعضَه.
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأُوْلَى، ليس لوَرَثَةِ الابنِ مُطالبَةُ أبِيه بما للابْنِ عليه مِن الدَّينِ وغيرِه، كالابنِ نفْسِه، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي» و «الشرْحِ» ، و «الحارِثِيِّ». وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل: لهم المُطالبَةُ، وإنْ مَنَعْنا الابنَ منها. وأطْلَقَهما في «الفائقِ» . وقال في «الانْتِصارِ» ، في مَن قتَل ابنَه: إنْ قُلْنا: الدِّيَةُ للوارِثِ. طالبَه، وإلَّا فلا. الثَّانيةُ، لو أقَرَّ الأبُ بقَبْضِ دَينِ ابنِه، فأنْكَرَ الابنُ، رجَع على الغَريمِ، ويرْجِعُ الغريمُ على الأبِ. نقَلَه مُهَنَّا. قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُه، لا يرْجِعُ مع إقْرارِه. الثَّالثةُ، لو قضَى الأبُ الدَّينَ [الذي عليه لابنِه](1) في مَرضِه، أو أوْصَى له بقَضائِه، كان مِن رَأْسِ المالِ، قاله الأصحابُ. وإنْ لم يقْضِه ولم يُوصِ به، لم يسْقُطْ بمَوْتِه، على أحَدِ الوَجْهَين. اختارَه بعضُهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» ، و «المُغْنِي» . والمَنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يسْقُطُ، كحَبْسِه به في الأُجْرَةِ، فلا يثْبُتُ كجِنايَةٍ. قدَّمه في «المُحَررِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وجزَم به ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وأطْلَقَهما في «الشرْحِ». وقيل: ما أخذَه ليَمْلِكَه، يسْقُطُ بمَوْتِه، وما لا فلا. وتقدَّم، إذا وجَد عَينَ مالِه الذي باعَه بعدَ مَوْتِ الأبِ. وتقدَّم، هل يثْبُتُ له في ذِمَّةِ أبِيه دَينٌ، أمْ لا؟ الرَّابِعَةُ، للابنِ مُطالبَةُ أبِيه بنَفَقَتِه الواجِبَةِ عليه. قاله الأصحابُ، قال في «الوَجيزِ»: له مُطالبَتُه بها، وحَبْسُه عليها. وهو مُسْتَثْنًى مِن عُمومِ كلامِ مَن أطْلَقَ. ويُعايَى بها. قال في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس» ، وغيرِهم: للابنِ مُطالبَةُ أبِيه بعَينٍ له في يَدِه. قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ. الخامسةُ،
(1) سقط من: ط.
وَالْهَدِيّةُ وَالصَّدَقَةُ نَوْعَانِ مِنَ الْهِبَةِ.
ــ
هل [لوَلَدِ وَلَدِه](1) مُطالبَتُه بما له في ذِمَّتِه؟ قال في «الرِّعايَة» : قلتُ: يَحْتَمِلُ وَجْهَين. وإنْ قُلْنا: لا يثْبُتُ في ذِمَّتِه شيءٌ. فهدَرٌ. انتهى. قلتُ: ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ، أنَّ له مُطالبَتَه.
قوله: والهَدِيَّةُ والصَّدَقَةُ نَوْعان مِنَ الهِبَةِ. يعْنِي، في الأحْكامِ. وهذا المذهبُ. جزَم به في «المُغْنِي» ، و «الشرْحِ» ، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى» ، و «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَب» ، و «الخُلاصَةِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال في «الفائقِ»: والهَدِيَّةُ والصَّدقَةُ نَوْعان مِنَ الهِبَةِ، يَكْفِي الفِعْلُ فيهما إيجابًا وقَبُولًا، على أصحِّ الوَجْهَين. وقال في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»: هما نَوْعا هِبَةٍ. وقيل: يَكْفِي الفِعْلُ قَبُولًا. وقيل: وإيجابًا. وقال في «الكُبْرَى» : ويكْفِي الفِعْلُ فيهما قَبُولًا، في الأصحِّ، كالقَبْضِ. وقيل: وإيجابًا، كالدَّفْعِ. وقالا: ويصِحُّ قبْضُهما
(1) في الأصل: «لولده» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بلا إذْنٍ، ولا مُضِيِّ مُدَّةِ إمْكانِه، ولا يرْجِعُ فيهما أحدٌ. وقيل: إلَّا الأبُ. وقيل: بل يرْجِعُ في الصَّدَقَةِ فقط على وَلَدِه الرَّشيدِ، إنْ كان قبَضَها، وعلى الصَّغِيرِ فيما له بيَدِه منها. انتهى. ونقَل حَنْبَلٌ، والمَرُّوذِيُّ، لا رُجوعَ في الصَّدَقَة. وقال في «المُسْتَوْعِبِ» ، و «عُيونِ المَسائلِ» ، وغيرِهما: لا يُعْتَبرُ في الهَدِيَّةِ قبولٌ للعُرْفِ، بخِلافِ الهِبَةِ. وقال ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه»: ولا رُجوعَ فيهما لأحَدٍ، سِوَى أبٍ.
فوائد؛ إحْداها، وعاءُ الهَدِيَّةِ مع العُرْفِ، فإنْ لم يَكُنْ عُرْفٌ، ردَّه. قاله في «الفُروعَ». قال الحارِثيُّ: لا يدْخُلُ الوعاءُ إلَّا ما جرَتِ العادَةُ به، كقَوْصَرَّةِ (1) التَّمْرِ، ونحوها. الثانيةُ، قال في «الرعايَةِ الكُبْرَى»: إنْ قصَد بفِعْلِه ثوابَ الآخِرَةِ فقط، فهو صدَقَةٌ. وقيل: مع حاجَةِ المُتَّهِبِ. وإنْ قصَد بفِعْلِه إكْرامًا وتوَدُّدًا وتحَبُّبًا ومُكافَأةً، فهو هَدِيَّة. قال الحارِثِيُّ: ومِن هنا اخْتَصَّتْ بالمَنْقُولاتِ؛ لأنَّها تُحْمَلُ إليه، فلا يُقالُ: أهْدَى أرْضًا، ولا دارًا. انتهى. وغيرُهما هِبَة وعَطِيَّةٌ ونِحْلَةٌ. وقيل: الكل عَطِيَّة، والكُلُّ مَنْدوب. انتهى. وقال في «الحاوي الصَّغِيرِ»: الهِبَةُ، والصَّدَقَةُ، والنِّحْلَةُ، والهَدِيَّةُ، والعَطِيَّةُ، مَعانِيها مُتَقارِبَة، واسْمُ العَطيَّةِ شامِلٌ لجِمِيعِها، وكذلك الهِبَةُ. والصَّدَقَةُ والهَديَّةُ مُتَغايران؛ فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يأْكُلُ مِنَ الهَبَةِ دُونَ الصَّدَقَةِ (2). فالظَّاهِرُ أنَّ مَن أعْطَى شيئًا يتَقَرَّبُ به إلى اللهِ تعالى للمُحْتاجِ، فهو صَدَقَةٌ، ومَن دفَع إلى إنْسانٍ شيئًا للتَّقَرُّب إليه والمَحَبَّةِ له، فهو هَدِيَّة. وجميعُ ذلك مَنْدوبٌ إليه،
(1) القوصرّةُ: وعاء للتمر.
(2)
تقدم تخريجه في 7/ 297.
فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ المَريضِ: أمَّا الْمَرِيضُ غَيرَ مَرَضِ الْمَوْتِ، أو مَرَضًا غَيرَ مَخُوفٍ كَالرَّمَدِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَالصُّدَاعِ، وَنحْوهِ، فَعَطَايَاهُ كَعَطَايَا الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، تَصِحُّ فِي جَمِيعِ مَالِهِ.
ــ
مَحْثُوثٌ عليه. انتهى. الثَّالثةُ، لو أُعْطِيَ شيئًا، مِن غيرِ سُؤالٍ، ولا إشْرافٍ، وكان ممَّن يجوزُ له أخْذُه، وجَب عليه الأخْذُ. في إحْدَى الرِّوايتَين. اخْتارَه أبو بَكْر في «التَّنْبِيهِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ؛ للحَدِيثِ في ذلك (1). والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجِبُ. قال الحارِثِيُّ: وهو مُقْتَضَى كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه مِنَ الأصحابِ. قالوا في الحَجِّ: لا يكونُ مُسْتَطيعًا ببَذْلِ غيرِه له. وفي الصَّلاةِ: لا يَلْزَمُه قَبُولُ السُّتْرَةِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ. وذكَر الرِّوايتَين الخَلَّالُ في «جامِعِه» ، والمَجْدُ في «شَرْحِه» . وأطْلَقهما الحارِثِيُّ.
قوله: أمَّا المَرِيضُ غيرَ مَرَضِ الموْتِ، أو مَرَضًا غيرَ مَخُوفٍ، فعَطاياه كعَطايا
(1) تقدم تخريجه في 7/ 227.
وَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ؛ كَالْبِرْسَامِ، وَذَاتِ الْجَنْبِ، وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ، وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، وَالْفَالِجِ فِي
ــ
الصحيح سَواءٌ، تصِحُّ في جَمِيعِ مالِه. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، ولو ماتَ به. وقال أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ» ، في التَّيَمُّمِ: حُكْمُه حُكْمُ مرَضِ المَوْتِ المَخُوفِ.
فائدة: لو لم يَكُنْ مرَضُه مَخُوفًا حال التَّبَرُّعِ، ثم صارَ مَخُوفًا، فمِن رَأسِ المالِ. حكاه السامَرِّيُّ، واقْتَصر عليه الحارِثِيُّ؛ اعْتِبارًا بحالِ العَطِيَّةِ.
ابْتِدَائِه، وَالسُّلِّ فِي انْتِهَائِه، وَمَا قَال عَدْلَانِ مِنْ أهْلِ الطِّبِّ: إنَّهُ مَخُوفٌ،
ــ
تنبيه: مفْهومُ قوْلِه: وما قال عَدْلان مِن أهلِ الطبُ: إنه مَخُوفْ. فعَطاياه كالوَصِيَّةِ. أنَّه لا يُقْبَلُ في ذلك عَدْلٌ واحِدٌ مُطْلَقًا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وهو ظاهِرُ ما جزَم به في «الوَجيزِ» ، و «الفائقِ» ، و «الرعايَةِ» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الشرْحِ» ، و «الفُروعِ». وقيل: يُقْبَلُ واحِدٌ عندَ العَدَمِ. وهو قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِي (1). وذكَر ابنُ رَزِين، المَخُوف عُرْفًا، أو بقَوْلِ عَدْلَين.
(1) سقط من: الأصل.
فَعَطَايَاهُ كَالْوَصِيَّةِ فِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ، وَلَا تَجُوزُ لِأَجْنَبِيٍّ
ــ
قوله: فعَطاياه كالوَصِيَّةِ في أنَّها لا تجوزُ لوارِثٍ، ولا تجوزُ لأجْنَبِيّ بزِيادَ؛ على الثُّلُثِ، إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ؛ مثلَ الهِبَةِ والعِتقِ والكِتابَةِ والمُحاباةِ. يعْني، إذا ماتَ مِن ذلك. أمَّا إذا عُوفِيَ، فهذه العَطايا كعَطايا الصَّحيحِ.
بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ، مِثْلَ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُحَابَاةِ.
ــ
تنبيه: تَمْثِيلُه بالعِتْقِ مع غيرِه، يدلُّ على أنَّه كغيرِه في أنَّه يُعْتَبرُ مِنَ الثُّلُثِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وخرج ابنُ عَقِيلٍ، والْحَلْوانِي، مِن مُفْلِسٍ، رِوايَةً هنا بنَفاذِ عِتْقِه مِن كل المالِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، لو علَّق صَحيحٌ عِتْقَ عَبْدِه على شَرْطٍ، فوُجِدَ الشَّرْطُ في مرَضِه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يكونُ مِنَ الثُّلُثِ. قدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ أبِي مُوسى، وغيرُهما. وقيل: يكونُ مِن كلِّ المالِ. وحكاهما القاضي في «خِلافِه» رِوايتَين. ذكَرَه في «القاعِدَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ بعدَ المِائَةِ» . ومحَلُّ الخِلافِ، إذا لم تَكُنِ الصِّفَةُ واقِعَةً باخْتِيارِ المُعَلِّقِ، فإنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانتْ مِن فِعْلِه، فهو مِنَ الثُّلُثِ، بغيرِ خِلافٍ. الثَّانيةُ، المُحاباةُ لغير وارِثٍ مِنَ الثُّلُثِ. كما قال المُصَنِّفُ. لكِنْ لو حاباه في الكِتابَةِ، جازَ، وكان مِن رَأْسِ المالِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ» . وذكَرَه القاضي في مَوْضِعٍ مِن كلامِه، وأبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائلِ». قال الحارِثِيُّ: وهذا المذهبُ عندَ جَماعَةٍ؛ منهم القاضي أبو الحُسَينِ، وأبو يَعْلَى الصَّغِيرُ، والمَجْدُ، وهو أصحُّ. انتهى. وقيل: مِنَ الثُّلُثِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ هنا، والقاضي في «المجرَّدِ» ، وأبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» ، والسَّامَريُّ في «المُسْتَوْعِبِ». قلت: وهو ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ. واخْتَلف فيها كلامُ أبي الخَطَّابِ. وكذا حُكْمُ وَصِيَّتِه بكِتابَتِه، وإطْلاقُها يَقْتَضِي أنْ تكونَ بقِيمَتِه.
فَأمَّا الْأمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ؛ كَالسُّلِّ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِج فِي دَوَامِهِ، فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ، وَإلَّا فَلَا، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنَ الثُلُثِ.
ــ
قوله: فأمأ الأمْراضُ المُمْتَدَّةُ، كالسُّلِّ، والجُذامِ، والفالِجِ في دَوامِه، فإنْ صارَ صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ، فهي مَخُوفَةٌ -بلا نِزاعٍ- وإلَّا فلا. يعْنِي، وإنْ لم يَصِرْ صاحِبُها صاحِبَ فِراشٍ، فعَطاياه كعَطَايا الصَّحيحِ. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي» ،
وَمَنْ كَانَ بَينَ الصَّفَّينِ عِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْب، أوْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، أوْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ، وَالْحَامِل عِنْدَ الْمَخَاضِ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أشْهُرٍ. وَقِيلَ عَنْ أحْمَدَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَايَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ.
ــ
و «الشَّرْحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، وغيرِهم. وصحَّحه الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه. وقال أبو بَكْر في «الشَّافِي»: فيه وَجْهٌ آخَرُ؛ أنَّ عَطِيَّتَه مِنَ الثُّلثِ. وهو رِوايَة عن أحمدَ.
قوله: ومَن كان بينَ الصَّفَّين عندَ التِحام الحَرْبِ، أو في لُجَّةِ البَحْرِ عندَ هَيَجانِه، أو وقَع الطَّاعُونُ ببَلَدِه، أو قُدِّمَ ليُقْتَصَّ مِنه، والحامِلُ عندَ المَخاضِ، فهو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالمَرِيضِ. يعْنِي المَرِيضَ المرَضَ المَخُوفَ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصْحابُ في الجُمْلَة. وجزَم به في «الوَجيزِ» ، وغيرُه مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وقيل عن أحمدَ ما يدُلُّ على أن عَطايا هؤلاءِ مِنَ المالِ كلِّه، وذكَر كثيرٌ مِنَ الأصحابِ هذه الروايَةَ مِن غيرِ صِيغَةِ تَمْرِيضٍ. وقال الشَّارِحُ وغيرُه: ويَحْتَمِلُ أنّ الطاعُونَ إذا وقَع ببَلَدِه، أنَّه ليس بمَخوفٍ؛ فإنَّه ليس بمَريضٍ، وإنَّما يَخافُ المرَضَ. وما هو ببَعيدٍ. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنْ كان الغالِبُ مِنَ الوَلِيِّ الاقْتِصاصَ، فمَخُوفٌ، وإنْ كان الغالِبُ منه (1) العَفْوَ، فغيرُ مَخُوفٍ.
تنبيه: قوْلُه: ومَن كان بينَ الصَّفَّين عندَ التِحامِ الحَرْبِ. قال المُصَنفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفائقِ» ، وغيرُهم: إذا الْتَحَم الحربُ، واخْتلَطَتِ
(1) سقط من: ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّائِفَتان للقِتالِ، وكانتْ كلُّ واحدَةٍ منهما مُكافِئَةً للأُخْرَى أو مَقْهُورَةً، فأمَّا القاهِرَةُ منهما بعدَ ظُهورِها (1)، فليستْ خائِفَةً.
قوله: قال الخِرَقِيُّ: وكذَلك الحامِلُ إذا صارَ لها سِتةُ أشْهُرٍ. وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ. وقدَّمه الحارِثِيُّ، وقال: هذا المذهبُ. انتهى. والمذهبُ الأوَّلُ، عندَ الأصحابِ. ونصَّ عليه. ولو قال المُصَنِّفُ: وقال الخِرَقِيُّ. بالواو، لكان أوْلَى.
(1) في الأصل: «ظهور» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، إذا أثْقَلَتِ الحامِلُ، كان مَخُوُفًا، وإلَّا فلا. قال في «الرعايَةِ»: وعندَ ثِقَلِ الحَمْلِ، وعندَ الطَّلْقِ.
قوله: والحامِلُ عندَ المَخاضِ. يعْنِي، حتى تَنْجُوَ مِن نِفاسِها، بلا نِزاعٍ. قيل: سواءٌ كان بها ألَمٌ في هذه المُدَّةِ، أو لا. قدَّمه في «الفُروعِ» ، و «الفائقِ» ، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» . وهو ظاهِرُ كلامِه في «الصُّغْرَى» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . قال الحارِثِيُّ،: وهو المَنْصوصُ. وقيل: إنَّما يكونُ مَخُوفًا في هذه المُدَّةِ، إذا كان بها ألَمٌ قال في «الفُروعِ»: هذا أشْهَرُ. قال في «الكافِي» : ولو وضَعَتْ، وبَقِيَتْ معها المَشِيمَةُ، أو حصَل مرَضٌ، أو ضَرَبانٌ، فمَخُوفٌ، وإلا فلا. قال الحارِثِيُّ: الأقْوَى أنَّه إنْ لم يَكُنْ وجَعٌ، فغيرُ مَخوفٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتارَ المُصَنِّفُ.
فوائد؛ منها، حُكْمُ السِّقْطِ حُكْمُ الوَلَدِ التَّامِّ. قاله المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» ، وغيرُه. قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وإنْ ولَدَتْ صَغِيرًا، أو بَقِيَ مرَضٌ، أو وَجَعٌ وضَرَبان شديدٌ، أو رأتْ دمًا كثيرًا، أو ماتَ الوَلَدُ معها، أو قُتِلَ، وقيل: أو أَسْقَطَتْ وَلدًا تامًّا. فهو مَخُوفٌ. انتهى. وإنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً، فعطَاياها كعَطايا الصَّحيحِ. [على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ». قال في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»: فعَطاياها كعَطايا الصَّحيحِ، إلّا مع ألَمٍ. قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، بعدَ أنْ قام أنَّ عطَاياها كعَطايا الصَّحيحِ](1): وقيل: أو وضَعَتْ مُضْغَةً، أو عَلقَةً، مع ألَمٍ أو مَرضٍ. وقيل:
(1) سقط من: ط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا حُكْمَ لهما بلا ألَمٍ ولا مَرضٍ. ومنها، حُكْمُ مَن حُبِسَ للقَتْلِ، حُكْمُ مَن قُدِّمَ ليُقْتَصَّ منه. ومنها، الأسِيرُ؛ فإنْ كان عادَتُهم القَتْلَ، فحُكْمُه حُكْمُ مَن قُدِّمَ ليُقْتَصَّ منه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، عَطاياه مِن كلِّ المالِ. وإنْ لم تَكُنْ عادَتُهم القَتْلَ، فعَطاياه مِن كلِّ المالِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعنه، مِنَ الثُّلُثِ. نصَّ عليه. واخْتارَه أبو بَكْرٍ، وتأوَّلَها القاضي على مَن عادَتُهم القَتْلُ. ومنها، لو جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا، فهو كالمَريضِ مع ثَباتِ عَقْلِه وفَهْمِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «الفائقِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه (1). وقال في «الرِّعايَةِ»: إنْ فسَد عقْلُه. وقيل: أو لا. لم تصِحَّ وَصِيَّتُه. ومنها، حُكْمُ
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن ذُبِحَ أو أُبِينَتْ حُشْوَتُه؛ وهي أمْعاؤُه، لا خَرْقِها وقَطْعِها فقط، ذكَرَه المُصنِّفُ وغيرُه، حُكْمُ المَيِّتِ. ذكَرَه المُصَنِّفُ وغيرُه في الحرَكَةِ في الطِّفْلِ، وفي الجِنايَةِ. قال الحارِثِيُّ: ذكَرَه الأصحابُ. وقال المُصَنِّفُ هنا: لا حُكْمَ لعَطيَّتِه ولا لكلامِه. قال في «الفروعِ» : ومُرادُه أنَّه كمَيتٍ. وذكَر المُصَنِّفُ أيضًا في «فَتاويه» ، إنْ خرَجَتْ حُشْوَتُه ولم تَبِنْ، ثم ماتَ وَلَدُه، وَرِثَه، وإنْ أُبِينَتْ، فالظَّاهِرُ، أنَّه يَرِثُه؛ لأنَّ المَوْتَ زُهوقُ النَّفْسِ وخُروجُ الرُّوحِ، ولم يُوجَدْ؛ ولأنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ ويورَثُ بمُجَرَّدِ اسْتِهْلالِه، وإنْ كان لا يدُلُّ على حياةٍ أثْبَتَ مِن حياةِ هذا. انتهى. قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ هذا مِنَ الشَّيخِ، أنَّ مَن ذُبِحَ ليس كمَيتٍ، مع بَقاءِ رُوحه. انتهى. قال في «الرِّعايَةِ»: ومَن ذُبِحَ أو أُبِينَتْ حُشوَتُه، فقَوْلُه لَغْوٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنْ خرَجَتْ حُشْوَتُه، أو اشْتَدَّ مرَضُه، وعقْلُه ثابِتٌ؛ كعُمَرَ، وعَليٍّ، رضي الله عنهما، صحَّ تصَرُّفُه وتَبرُّعُه ووَصِيَّتُه.
وَإنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنِ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا.
ــ
قوله: وإنْ عجَز الثُّلُثُ عنِ التَّبَرُّعاتِ المُنْجَزَةِ، بُدِئَ بالأوَّلِ فالأوَّلِ. هذا
فَإِنْ تَسَاوَتْ قُسِمَ بَينَ الْجَمِيعِ بالْحِصَصِ. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
ــ
المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ. وعنه، يُقْسَمُ بينَ الكُلِّ بالحِصَصَ، كالوَصايا. وهو وَجْهٌ في «المُحَرَّرِ». قال الحارِثِيُّ: وليس بشيءٍ.
قوله: فإنْ تَساوَتْ، قُسِمَ بينَ الجَميعِ بالحِصَصِ. إنْ لم يَكُنْ فيها عِتْقٌ، ووَقَعَتْ دَفْعَةً واحِدَةً، قُسِمَ الثُّلُثُ بينَهم بالحِصَصِ، بلا نِزاعٍ. وإنْ كان فيها عِتْقٌ، فكذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به كثيرٌ منهم. وقال الحارِثِيُّ في العِتْقِ: يُقْرَعُ بينَهم، فيَكْمُلُ العِتْقُ في بعضِهم، كما في حالِ الوَصِيَّةِ. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ. قدَّمه في «الهِدايَةِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» . وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ» ، و «الشَّرْحِ» .
وَأمَّا مُعَاوَضَةُ الْمَرِيضِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَتَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإنْ كَانتْ مَعَ وَارِثٍ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا تَصِحَّ لِوَارِثٍ.
ــ
قوله: وأمَّا مُعاوَضَةُ المَرِيضِ بثَمَنِ المِثْلِ، فتصِحُّ مِن رَأْسِ المالِ، وإنْ كانَت. مع وارِثٍ. إنْ كانتِ المُعاوَضَةُ في المَرَضِ، مع غيرِ الوارِثِ بثَمَنِ المِثْلِ، صحَّتْ مِن رَأْسِ المالِ، بلا نِزاعٍ. وإنْ كانتْ مع وارِثٍ، والحالةُ هذه، فكذلك.
وَإنْ حَابَى وَارِثَهُ، فَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا حَابَاهُ، وَتَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ،
ــ
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الخُلاصَةِ» ، و «المُغْنِي» ، و «المُحَرَّرِ» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الحارِثِيِّ» ، وغيرِهم. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يصِحَّ لوارِثٍ؛ لأنَّه خَصَّه بعَينِ المالِ. وهو لأبِي الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ» ، في الوَصِيَّةِ. قال في «الفُروعِ»: وعنه، تصِحُّ مع وارِث بإجازَةٍ. اخْتارَه في «الانْتِصارِ» ، في مَسْألةِ إقْرارِ المَريضِ لوارِثٍ بمالٍ.
فائدة: لو قضَى بعضُ الغُرَماءِ دَينَه، [وتَرِكَتُه تَفِي ببَقِيَّةِ دَينِه](1)، صحَّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الهِدايَةِ» ، و «المُذْهَبِ» ، و «الخُلاصَةِ». قال في «الفُروعِ»: ونصُّه، يصِحُّ مُطْلَقًا. وصحَّحه في «النَّظْمِ» . وقال أبو الخَطَّابِ، وابنُ البَنَّا: لا يصِحُّ إلَّا قضاؤُهم بالسَّويَّةِ، إذا ضاقَ مالُه. ذكَرَه في «المُسْتَوْعِبِ» .
قوله: وإنْ حابَى وارِثَه، فقال القاضي: تبْطُلُ في قَدْرِ ماحاباه، وتصِحُّ فيما عَداه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. جزَم به في «المُغْنِي» ، و «الشرْحِ» ،
(1) سقط من: الأصل.
وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ فِي حَقِّهِ. فَإن كَانَ لَهُ شَفِيعٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، فَإنْ أخَذَهُ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.
ــ
و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى» ، و «الوَجيزِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الفُروعِ» ، و «الحارِثِي» ، وقال: هذا المذهبُ. وصحَّحه في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . وعنه، لا يصِحُّ البَيعُ مُطْلَقًا. اخْتارَه في «المُحرَّرِ» . وعنه، يَدْفَعُ قِيمَةَ باقِيه، أو يَفْسَخُ البَيعَ. قال الحارِثيُّ: ويأْتِي، في بابِ الوَصايا، أنَّ الأشْهَرَ للأصحابِ، انْتِفاءُ النُّفوذِ عندَ عدَمِ الإِجازَةِ، فيتَقَيَّدُ ما قال هنا مِنَ البُطْلانِ بعدَمِ الإجازَةِ. انتهى. ويأْتِي في أواخِرِ فَصْلِ، وتُفَارِقُ العَطِيَّةُ الوَصِيَّةَ (1)، حكْمُ ما إذا حابَى أجْنَبِيًّا.
(1) سقط من: الأصل.
وَإنْ بَاعَ الْمَرِيضُ أجْنَبِيًّا وَحَابَاهُ، وَكَانَ شَفِيعُهُ وَارِثًا، فَلَهُ الْأخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيرِهِ.
ــ
قوله: وإنْ باعَ المَرِيضُ أجْنَبِيًّا، وحاباه، وكان شَفِيعُه وارِثًا، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ لغيرِه. وهذا المذهبُ. جزَم به في «المُحَرَّرِ» ، و «الشَّرْحِ» (1)، و «الوَجيزِ» ، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». قال في «الفُروعِ»: أخَذَ شَفِيعُه الوارِث بالشُّفْعَةِ في الأصحِّ. وقدَّمه في «الشَّرْحِ» ، و «المُغْنِي» ، و «الحارِثِيِّ» ، وقال: هذا الأشْهَرُ. وقيل: لا يَمْلِكُ الوارِثُ الشُّفْعَةَ هنا. وهو احْتِمالٌ في «المُغْنِي» ، و «الشَّرْحِ». قال الحارِثِيُّ: وفي «المُغْنِي» ، في الشُّفْعَةِ وَجْهٌ، لا شُفعَةَ له.
(1) سقط من: ط.
وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، ثُمَّ مَلَكَ مَالًا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ. وَإنْ صَارَ عَلَيهِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُهُ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ.
ــ
قوله: ويُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عندَ المَوْتِ، فلو أعْتَق عَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، ثم ملَك مالًا يخْرُجُ مِن ثُلُثِه، تبَيَّنَّا أنَّه عتَق كلُّه، وإنْ صارَ عليه دَينٌ يَسْتَغْرِقُه، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهِيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وقال الحارِثِيُّ: في اعْتِبارِ الثُّلُثِ في الوَصِيَّةِ بحالِ الوَصِيَّةِ خِلافٌ، فيَجْرِي مِثلُه في العَطِيَّةِ، على القَوْلِ به، وأوْلَى. قال: وهذا الوَجْهُ أظْهَرُ. قال: ومِنَ الأصحابِ مَن أوْرَدَ رِوايَةً، أو وَجْهًا؛ يَعْتِقُ ثُلُثُ العَبْدِ فيما إذا كان عليه دَين يسْتَغْرِقُ العَبْدَ. انتهى.
فَصْلٌ: وَتفَارِقُ الْعَطِيَّة الوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ اشيَاءَ، أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ مِنْهَا، وَالْوَصَايَا يُسَوِّي بَينَ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا. وَالثَّانِي، أَنَّه لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي الْعَطِيَّةِ بخِلَافِ الْوَصِيَّةِ. الثَّالِثُ، أَنَّهُ يُعْتَبَر قَبُولهُ لِلعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا، وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ.
ــ
فائدة: قوْلُه: وتُفارِقُ العَطِيَّةُ الوَصِيَّةَ في أرْبَعَةِ أشْياءَ، أحَدُها، أنَّه يُبْدَأُ بالأوَّلِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالأوَّلِ منها، والوَصايا يُسَوَّى بينَ المُتَقَدِّمِ والمَتَأَخِّرِ منها. هذا صحيح، لكِنْ لو اجْتَمعَتِ العَطِيَّةُ والوَصِيَّةُ، وضاقَ الثُّلُثُ عنهما، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ العَطِيَّةَ تُقَدَّم. وعليه الأصحابُ. وجزَم به في «المُغْنِي» ، و «الشَّرْحِ» ، و «النَّظْمِ» ، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، وغيرِهم. وصححه في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وعنه، التَّساوي. قدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، لكِنْ صحَّح الأوَّلَ، كما تقذم. وعنه، يُقَدَّمُ العِتْقُ. قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» قلتُ: إنْ كانتِ الوَصِيَّةُ فقط ممَّا يخْرُجُ مِن أصلِ المالِ، قُدِّمَتْ، وأُخْرِجَتِ العَطِيَّةُ مِن ثُلثِ الباقِي؛ فإنْ أعْتَق عبْدَه، ولم يخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، فقال الوَرثَةُ: أعْتَقَه في مرَضِه. وقال العَبْدُ: بل في صِحَّتِه. صُدِّقَ الوَرَثَةُ. انتهى.
وَالرَّابعُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ حينِهَا وَيَكُونُ مُرَاعًى، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ،، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ. فَلَوْ أعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا، أوْ وَهَبَهُ لإنْسَانٍ، ثُمَّ كَسَبَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ شَيئًا، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ، كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إنْ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كَانَ مُعْتَقًا، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مَوْهُوبًا، وَإنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَلَهُمَا مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. فَلَوْ أعْتَقَ عَبْدًا لَامَال لَهُ سِوَاهُ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شيءٌ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ، وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيئَانِ، فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَينِ فَيَعْتِقُ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْهُ نِصْفُهُ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا. وَإنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ شَيئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ، فَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أخْمَاسِهِ، وَلَهُ ثَلاثَةُ أخْمَاسِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ. وَإنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ نِصْفُ شيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيئَانِ فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِهِ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.
وَإنْ كَانَ مَوْهُوبًا لإِنْسَانٍ، فَلَهُ مِنَ الْعَبْدِ بِقَدْرٍ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَبِقَدْرِه
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْ كَسْبِهِ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا، وَمَهْرُ مِثْلِهِا نِصْفُ قِيمَتِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا، يَعْتِقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا.
وَلَوْ وَهَبَهَا مَرِيضًا آخَرَ لَا مَال لَهُ أيضًا، فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ، صَحَّتْ هِبَةُ الأَوَّلِ فِي شَيْءٍ، وَعَادَ إِلَيهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ، بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ، وَلِلأَوَّلِ شَيئَانِ، فَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أرْبَاعِهَا، وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبْعُهَا.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ يُسَاوي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوي عَشَرَةً، فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِئِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسِبِ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، تَجِدْهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِئِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ.
ــ
فائدة: قولُه: وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ يُسَاوي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوي عَشَرَةً، فَأَسْقِطْ قِيمَةَ الرَّدِئِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ انْسِبِ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِي، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ، تَجِدْهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِئِ، وَيَبْطُلُ فِيمَا بَقِيَ. وهذا بلا نِزاعٍ. وإنْ شِئْت في عَمَلِها أيضًا، فانْسُبْ ثُلُثَ أكْثَرِ مِنَ المُحاباةِ، فيصِحَّ البَيعُ فيهما بالنِّسْبَةِ، وهو هنا نِصْفُ الجَيِّدِ لنصْفِ الرَّدِئِ. وإنْ شِئْتَ فاضْرِبْ ما حاباه في ثَلَاثةٍ، لِيبْلُغ سِتِّين، ثُمَّ انْسُبْ قِيمَةَ الجَيِّدِ إليها، فهو نِصْفُها، فيصِحَّ بَيعُ نِصْفِ الجَيِّدِ بنِصْفِ الرَّدِئِ. وإنْ شِئْتَ فقُلْ: قَدْرُ المُحاباةِ الثلُثان، ومَخْرَجُهما ثلَاثة، فَخُذْ للمُشْتَرِي سَهْمَين منه، وللوَرَثَةِ أرْبعَةً، ثم انْسُب المُخْرَجَ إلى الكُلِّ بالنِّصْفِ، فيصِحَّ بَيعُ أحَدِهما بنِصْفِ الآخَرِ. وبالجَبْرِ، يصِحُّ بَيعُ شيءٍ مِنَ الأعْلَى بشيءٍ مِنَ الأدْنى، قِيمَتُه ثُلُثُ شيءٍ من الأعْلَى، فتكونُ المُحاباةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بثُلُثَيْ شيءٍ منه، فألْقِها منه، فيَبْقَى قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شيءٍ يَعْدِلُ مِثْلَي المُحاباةِ منه؛ وهو شيءٌ وثلثُ شيءٍ، فإذا جَبَرتَ وقابَلْتَ عِدْلَ شَيئين، فالشَّيْءُ نِصْفُ قَفِيزٍ. وإنَّما فُعِلَ هذا؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى رِبا الفَضْلِ. فلو كانَ لا يحْصُلُ في ذلك رِبًا؛ مثلَ ما لو باعَه عَبْدًا يُساوي ثَلاثين، لا يمْلِكُ غيرَه، بعَشَرَةٍ، ولم تُجِزِ الوَرَثَةُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهب صِحَّةُ بَيعِ ثُلُثِه بالعَشَرَةِ، والثُّلُثان كالهِبَةِ، فيَرُدُّ الأجْنَبِيُّ نِصْفَهما؛ وهو عَشَرَةٌ، ويأْخُذُ عَشَرَةً بالمُحابَاةِ؛ لنِسْبَتِها (1) مِن قِيمَتِه. قدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروع». قال الحارِثِيُّ: اخْتارَه القاضي، ومَن وافقَه. وعنه، يصِحُّ في نِصْفِه بنِصْفِ ثَمَنِه، كالأُولَى (2)؛ لنِسْبَةِ الثُّلُثِ مِنَ المُحاباةِ، فصَحَّ بقَدْرِ النَّسْبَةِ، ولا شيءَ للمُشْتَرِي سِوَى الخِيارِ. اخْتارَه في «المُغْنِي» ، و «المُحَرَّرِ». ولك عمَلُها بالجَبْرِ؛ فتقولُ: يصِحُّ البَيعُ في شيءٍ بثُلُثِ شيءٍ، فيَبْقَى العَبْدُ إلَّا ثُلُثَيْ شيءٍ، يعْدِلُ شيئًا وثُلُثًا فاجْبُرْ وقابِلْ، يَبْقَى عَبْدٌ يعْدِلُ شَيئَين، فالشَّيءُ نِصْفُه، فيَصِحَّ بَيعُ نِصْفِ العَبْدِ لنصْفِ الثَّمَنِ؛ لأنَّ المَسْألةَ تدورُ بأنَّ ما نفذَ البَيعُ فيه خارِجٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وما قابلَه مِنَ الثَّمَنِ داخِلٌ فيها، ومعْلومٌ أنَّ ما ينْفُذُ فيه البَيعُ، يزيدُ بقَدْرِ زِيادَةِ
(1) في الأصل، ط:«لنسبتهما» .
(2)
في الأصل: «كأول» .
وَإنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَال لَهُ غَيرُهَا، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ، فَمَاتَتْ قَبْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ،
ــ
التَّرِكَةِ، وينْقُصُ بقَدْرِ نُقْصانِها، وتزيدُ التَّرِكَةُ بقَدْرِ زِيادَةِ المُقابِلِ الدَّاخِلِ، ويزيدُ المُقابِلُ بقَدْرِ زِيادَةِ المَبِيعِ. وذلك دَوْرٌ. وعنه، يصِحُّ البَيعُ، ويدْفَعُ بقِيَّةَ قِيمَتِه عشَرَةً (1)، أو يفْسَخُ. قال الحارِثِيُّ: وهو ضعيف. وأطْلَقَهُنَّ. فعلى المذهبِ، لو كانتِ المُحاباةُ مع وارِثٍ، صحَّ البَيعُ، على الأصحِّ، في ثُلُثِه ولا مُحاباةَ. وعلى الرِّوايَةِ الثَّالثَةِ، يدْفَعُ بقِيَّةَ قِيمَتِه عِشْرِين، أو يفْسَخ. وإذا أفْضَى إلى إقالةٍ بزِيادَةٍ، أو رِبا فَضْلٍ، تَعَيَّنَتِ الرِّوايَةُ الوُسْطَى، كالمَسْأَلَةِ التي ذُكِرَتْ أوَّلًا، ونحوها.
قوله: وإنْ أصْدَق امْرَأَةً عَشَرَةً لا مال له غيرُها، وصَداقُ مِثلِها خَمْسَةٌ، فماتَتْ
(1) في ط: «عشرين» .
رَجَعَ إِلَيهِ نِصْفُ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا، صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلا نِصْف شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيئَينِ، اجْبُرْهَا بِنصْفِ شَيْءٍ وَقَابِلْ، يَخرُجِ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ.
ــ
قبلَه، ثم ماتَ، فلها بالصَّداقِ خَمْسَةٌ وشيءٌ بالمُحاباةِ، رجَع إليه نِصْفُ ذلك بمَوْتِها، صارَ له سَبْعَةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصفَ شيءٍ يَعْدِلُ شَيئَين، اجْبُرْها بنصْفِ شيءٍ، وقابِلْ، يَخْرُج الشَّيءُ ثَلَاثَةً، فلوَرَثَتِه سِتَّةٌ، ولوَرَثَتِها أرْبَعَةُ. وهذا بلا نِزاعٍ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، وَرِثَتْهُ، وَسَقَطَتِ الْمُحَابَاةُ. نَصَّ عَلَيهِ. وَعَنْهُ، تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ.
ــ
وقوله: وإنْ ماتَ قبلَها، وَرِثَتْه وسَقَطَتِ المُحاباةُ. نصَّ عليه. وهذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. وقدَّمه في «المُغنِي» ، و «الشَّرْحِ» ، و «الفائقِ» ، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» . وصححه النَّاظِمُ. وعنه، تُعْتَبَرُ الْمُحاباةُ مِنَ الثُّلُثِ. قال أبو بَكْرٍ: هذا قَوْلٌ قدَيِمٌ رجَع عنه. قال الحارِثِيُّ: قوْلُ أبِي بَكْرٍ: إنَّه مَرْجُوعٌ عنه. لا دَلِيلَ عليه مِن تارِيخٍ ولا غيرِه. وفيه وَجْهٌ، إنْ وَرِثَتْه، فوَصِيَّةٌ لوارِثٍ. قال في «الفُروعِ»: وزِيادَة مَريضٍ على
فَصْلٌ: وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ، فَأَقَرَّ في مَرَضِهٍ أَنَّهُ أعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْهُ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ كَان
ــ
مَهْرِ المِثْلِ مِن ثُلُثِه. نصَّ عليه. وعنه، لا يَسْتَحِقُّها. صحَّحها ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه. قال أحمدُ: هي كوَصِيَّةٍ لوارِثٍ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو وهَبَها كلَّ مالِه، فماتَتْ قبلَه، فلوَرَثَتِه أربَعةُ أخْماسِه، ولورَثَتِها خُمْسُه. ويأْتِي في بابِ الخُلْعِ إذا خالعَها، وحاباها، أو خالعَتْه في مَرضِ مَوْتِها. الثانيةُ، قال في «الانْتِصارِ»: له لُبْس النَّاعِمِ وأكْلُ الطَّيِّبِ لحاجَتِه، وإنْ فعَلَه لتَفْويتِ الوَرَثَةِ، مُنِعَ مِن ذلك. وقاله المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الحارِثِيُّ. وفي «الانْتِصارِ» أيضًا، يُمْنَعُ إلَّا بقَدْرِ حاجَتِه وعادَتِه، وسلَمِه أيضًا؛ لأنَّه لا يُسْتَدْرَكُ كإتْلافِه. وجزَم به الحَلْوانِيُّ في الحَجْرِ. وجزَم به غيرُ الحَلْوانِيِّ أيضًا، وابنُ شِهابٍ. وقال: لأنَّ حقَّ الورَثَةِ لم يتعَلَّقْ بعَينِ مالِه.
قوله: ولو ملَك ابنَ عَمِّه، فأقَرَّ في مَرَضِه أنَّه أعْتَقه في صِحَّتِه، عتَقَ ولم يَرِثْه، ذكَرَه أبو الخَطَّابِ -والسَّامَرِّيُّ، وغيرُهما- لأنَّه لو وَرِثَه كان إقْرارُه لوارِثٍ. قال في «الرِّعايةِ الكُبْرَى»: هذا أقْيَسُ. وقدَّمه في «الشَّرْحِ» . والمَنْصوصُ عن أحمدَ، أنَّه يعْتِقُ ويَرِثُ. وهو المذهبُ. قدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «النَّظْمِ» ، و «الحاوي الصَغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ،
إِقْرَارُهُ لِوَارِثٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى قِياسِهِ، لَو اشْتَرَى ذَا رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ وَارِثُهُ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ، أَوْ وَهَبَ لَهُ فَقَبِلَهُ فِي مَرَضِهِ. وَقَال الْقَاضِي: يَعْتِقُ وَيَرِثُ.
ــ
وغيرِهم. [وهو احْتِمالٌ في «الشَّرْحِ»](1). قال الحارِثِيُّ: هذا المذهبُ. فعلى المذهبِ، يعْتِقُ مِن رَأْسِ مالِه، على الصَّحيحِ. نصَّ عليه. وقيل: مِنَ الثُّلُثِ. فعلى الصَّحيحِ المَنْصُوصِ، لو اشْتَرَى ابْنَه بخَئسِمِائَةٍ، وهو يُساوي ألْفًا، فقَدْرُ المُحابَاةِ مِن رَأْسَ مالِه.
(1) زيادة من: ا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوائد؛ الأُولَى، لو اشْتَرَى مَن يعْتِقُ على وارِثِه، صحَّ، وعتَقَ على وارِثِه، وإِنْ دبَّرَ ابنَ عَمِّه، عتَقَ، والمَنْصُوصُ، لا يَرِثُ وقيل: يَرِثُ. الثَّانية، لو قال: أنتَ حُرٌّ في آخِرِ حَياتِي. عتَقَ. قال في «الفُروعِ» : والأشهَرُ أنَّه يَرِثُ، وليس عِتْقُه وَصِيَّةً له، فهو وَصِيَّةٌ لوارِثٍ. الثَّالثةُ، لو علَّق عِتْقَ عَبْدِه بمَوْتِ قَرِيبِه، لم يَرِثْه. ذكَرَه جماعةٌ. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال القاضي: لأنَّه لا حقَّ له فيه. قال في «الفُروعِ» : ويتَوَجَّهُ الخِلافُ. الرَّابعَةُ، لو علَّق عِتْقَ عَبْدِه على شيءٍ، فوُجِدَ وهو مَريضٌ، عتَق مِن كلِّ مالِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: مِن ثُلُثِه. ويأْتِي في آخِرِ كِتابِ العِتْقِ، لو أعْتَق بعضَ عَبْدٍ، أو دبَّرَه في مَرضِ مَوْتِه. وأحْكامٌ أُخَرُ.
قوله: وكذلك على قياسِه؛ لو اشتَرَى ذا رَحِمِه المَحْرَم في مَرَضِه، وهو وارِثُه، أو وُصِّيَ له به، أو وُهِبَ له، فقَبِلَه في مَرَضِه -يعْنِي، أَنه يعْتِقُ ولا يَرِثُ، على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلِ أبِي الخَطَّاب، ومَن تَبِعَه (1). قال في «الرِّعَايَةِ» فيما إذا قَبِلَ الهِبَةَ أو الوَصِيَّةَ: هذا أقْيَسُ -وقال القاضي: يَرِثُه. وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وصحَّحه الشَّارِحُ. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «النَّظْمِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، وغيرِهم. وعنه، لا يصِحُّ الشِّراءُ إذا كان عليه دَينٌ. وقيل: يصِحُّ الشِّراءُ، ويُبَاعُ. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ» . فعلى المذهبِ، إذا ملَك مَن يَعْتِقُ عليه بهِبَةٍ أو وَصِيَّة، فإنَّهم يعْتِقُون مِن رَأْسِ المالِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه. قال في «الفُروعِ»: فمِن رأسِ مالِه في المَنْصوصِ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وجزَمْ به في «المُحَرَّرِ» وغيرِه. واخْتارَه المُصَنِّفُ وغيرُه. وقيل: مِنَ الثُّلُثِ. ذكَرَه في «الفُروعِ» ، و «الرِّعايَةِ» ،
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِهما. قلتُ: اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. قاله الحارِثِيُّ. وعلى المذهبِ أيضًا، لو اشْتَرَى مَن يعْتِقُ عليه بالرَّحِمِ، فإنَّه يعْتِقُ مِنَ الثُّلُثِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، و «النَّظْمِ» . واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وعنه، يعْتِقُ مِن رَأْسِ مالِه. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهما. ويَرِثُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيضًا. اخْتارَه جماعةٌ؛ منهم القاضي، وابنُه أبو الحُسَينِ، وابنُ بكْروسٍ، والمَجْدُ، والحارِثيُّ، وغيرُهم. قال في «المُحَرَّرِ» وغيرِه: فإذا أعْتَقْناه مِنَ الثُّلُثُ، ووَرَّثْناه، فاشْتَرَى مرِيضٌ أباه بثَمَنٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وترَك ابْنًا، عتَق ثُلُثُ الأبِ على المَيِّتِ، وله وَلاه، ووَرِثَ بثُلُثِه الحُرِّ مِن نفْسِه ثُلُثَ سُدْسِ باقِيها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَوْقُوفِ، ولم يَكُنْ لأحَدٍ وَلاءٌ على هذا الجُزْءِ، وبَقِيَّةُ الثُّلُثَين إرْثٌ للابْنِ يعْتِقُ عليه، وله وَلاؤُه. وإذا لم نُوَرِّثْه، فوَلاؤُه بينَ ابْنِه وابنِ ابْنِه أثلاثًا. قال في «القاعِدَةِ السَّابعَةِ والخَمْسِين»: لو اشْتَرَى مرِيضٌ أبَاه بثَمَنٍ لا يمْلِكُ غيرَه، وهو تِسْعَةُ دَنانِيرَ، وقِيمَةُ الأبِ سِتَّةٌ، فقد حصَل منه عَطِيَّتَان مِن عَطايَا المريضِ؛ مُحابَاةُ البائعِ بثُلُثِ المالِ، وعِتْقُ الأبِ، إذا قُلْنا: إنَّ عِتْقَه مِن الثُّلُثِ. وفيه وَجهان؛ أحدُهما، وهو قولُ القاضي في «المُجَرَّدِ» ، وابنِ عَقِيلٍ في «الفُصولِ» ، يتَحاصَّان. والثَّاني، تنْفُذُ المُحاباةُ، ولا يعْتِقُ الأبُ. وهو اخْتِيارُ صاحِبِ «المُحَرَّرِ» .
وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ، لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الأَوَّلِ، وَقَال الْقَاضِي: تَرِثُهُ.
ــ
قوله: ولو أعْتَق أمَتَه وتَزَوَّجَها في مَرَضِه، لم تَرِثْه، على قِياسِ الأولِ. وهو أحدُ الوَجْهَين. واخْتارَه ابنُ شاقْلَا في «تَعاليقِه» ، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ». قلتُ: فيُعايَى بها، وبأشْباهِها ممَّا تقدَّم؛ لكَوْنِهم ليس فيهم مِن مَوانِعِ الإِرْثِ شيء، ولا يَرِثُون. وقال القاضي: تَرِثُه. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الشَّرْحِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ» ، و «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ» ، و «الفُروعِ» ، و «النَّظْمِ» ، وغيرِهم. قال الحارِثِيُّ: وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ.
فائدة: عِتْقُها يكونُ مِنَ الثُّلُثُ؛ إنْ خرَجَتْ مِنَ الثُّلُثُ، عتَقَتْ، وصحَّ النِّكاحُ، وإنْ لم تخْرُجْ، عتَق قَدْرُه، وبطَل النِّكاحُ؛ لانْتِفاءِ شَرْطِه.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا وَأصْدَقَهَا مِائَتَينِ لَا مَال لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْر مِثْلِهَا، ثمَّ مَاتَ، صَحَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطلَ صَدَاقهَا. وَقَال الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَينِ.
ــ
قوله: ولو أعْتَقها وقيمَتُها مِائَةٌ، ثم تَزَوَّجَها وأصْدَقَها مِائتَين لا مال له سِواهما، وهي مَهْرُ مِثلِها، ثم ماتَ، صحَّ العِتْقُ، ولم تَسْتَحِقَّ الصَّداقَ؛ لئَّلا يُفْضِيَ إلى بُطْلانِ عِتْقِها، ثم يَبْطُلَ صَداقُها. قال المُصَنِّفُ: هذا أوْلَى. وقال القاضي: تَسْتَحِقُّ المِائَتَين، وتَعْتِقُ.
وَإنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ اشْتَرَى أبَاهُ مِنَ الثُّلُثَينِ، فَقَال الْقَاضِي:
ــ
فائدتان؛ إحْداهما، لو تزَوَّج في مرَضِ المَوْتِ بمَهْر يزيدُ على مَهْرِ المِثْلِ، ففي المُحاباةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، هي مَوْقُوفَةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّها عَطَّيَّةٌ لوارِثٍ. والثَّانيةُ، تنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ. نَقلَها المَرُّوذِيُّ، والأثرَمُ، وصالِحٌ، وابنُ مَنْصُورٍ، والفَضْلُ بنُ زِياد. قاله في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والخَمْسِين» . الثَّانية، لو أصْدَق المِائتَين أجنَبِيَّةً، والحالةُ ما ذكرَ، صحَّ، وبطَل العِتْقُ في ثُلُثَيِ الأمَةِ؛ لأنَّ الخروجَ مِنَ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بحالةِ المَوْتِ. وهكذا لو تَلِفَتِ المِائَتان قبلَ مَوْتِه.
قوله: وإنْ تبَرَّع بثُلُثِ مالِه، ثم اشْتَرَى أباه مِنَ الثُّلُثَين، فقال القاضي: يصِحُّ الشراءُ. ولا يعْتِقُ. لأنه جعَل الشراءَ وَصِحةً؛ لأنَّ تَبَرُّعَ المَريضِ إنَّما ينفُذُ في الثُّلُثِ، ويُقدَّمُ الأوَّلُ فالأوَّلُ. وجزَم بهذا ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه» . وهو المذهبُ.
يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَا يَعْتِقُ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَليهِمْ، وَلا يَرِث؛ لأنهُ لمْ يَعْتِقْ في حَيَاتِهِ.
ــ
قدَّمه في «الرِّعايتَين» ، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وعلى قَوْلِ مَن قال: ليس الشراءُ بوَصِيَّةٍ. يعْتِقُ الأبُ، وينْفُذُ مِنَ التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ حال المَوْتِ، وما بَقِيَ، فللأبِ سُدْسُه، وباقِيه للابْنِ. وأطْلَقهما في «الشرْحِ» . قال الحارِثِي، في هذه المَسْألةِ: قال الأصحابُ: يصِحُّ الشراءُ. وهل يَعْتِقُ ويَرِثُ؟ إنْ قيلَ بعِتْقِ ذِي الرَّحِمِ مِنَ الثُّلُثِ، فلا عِتْقَ، ولا إرْثَ، وإنْ قيلَ بعِتْقِه مِن رأسِ المالِ، عتَقَ، ونفَذ التبرعُ مِن ثُلُثِ المالِ (1). وكذا فيما زادَ.
(1) في ط: «الألف» وغير واضحة في الأصل.