المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١٢

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌النوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته

‌المجلد الثاني عشر

‌تابع المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته صلى الله عليه وسلم

‌النوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته

بسم الله الرحمن الرحيم

النَّوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته

اختلف هل الدعاء أفضل، أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟

فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه:"الدعاء مخّ العبادة" ، وقد تواترت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء والحثّ عليه. وأخرج الترمذي وصحَّحه ابن حبان والحاكم

"النوع السابع: من عباداته عليه الصلاة والسلام في نبذة"

بضم النون- شيء قليل "من أدعيته" جمع دعاء، "وذكره" ظاهره تغايرهما، وفي التحفة: الذكر لغةً كل مذكور، وشرعًا قول سيق لثناء أو دعاء، وقد يستعمل شرعًا أيضًا لكل قول يثاب قائله، "وقراءته" القرآن الكريم "اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل وهو من أعظم العبادة".

"ويؤيده ما أخرجه الترمذي" في الدعوات، وقال: غريب لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة "من حديث أنس، رفعه" أي: قال: قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخ العبادة" أي: خالصها؛ لأن الداعي يدعو الله عند انقطاع أمله عمَّا سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها، فكان مخها بهذا لاعتبار، وأيضًا لما فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية، واستشعار ذلة البشرية، ومتضمّن للثناء على الله، وإضافة الكرم والجود إليه.

"وقد تواترت الأخبار عنه صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء والحثّ عليه" كقوله -صلى الله عله وسلم: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .

رواه الأربعة وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحَّحه أيضًا ابن حبان والحاكم عن النعمان بن بشير، وقوله:"الدعاء مفتاح الرحمة، ويدر لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض"، ولأبي الشيخ والديلمي من حديث أبي موسى:"الدعاء جند من أجناد الله، يردّ القضاء بعد أن يبرم"، وللترمذي والحاكم من حديث ابن عمر:"الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء" وسنده ليّن، ومع ذلك صحّحه الحاكم، كما قاله الحافظ، والأحاديث كثيرة جدًّا.

"وأخرج الترمذي" وابن ماجه وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والبزار "وصحَّحه ابن حبان والحاكم" كلهم من رواية أبي صالح الخوزي -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو، ثم

ص: 3

عنه صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هَمّ الإجابة، ولكن هَمّ الدعاء، فإن أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفي هذا يقول القائل:

لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله

من جود كفك ما عوَّدتني الطلبا

فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل:

زاي- عن أبي هريرة، والخوزي مختلف فيه، ضعَّفه ابن معين، وقوَّاه أبو زرعة، وظنَّ ابن كثير أنه أبو صالح السمّان وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي بأنه الخوزي، قاله الحافظ "عنه صلى الله عليه وسلم:"من لم يسأل" لفظ الترمذي: "إنه من لم يسأل" والضمير للشأن، أي: إنَّ الحال من لم يطل "الله" من فضله "يغضب عليه"؛ لأنه إمَّا قانط أو مستكبر، وكلّ موجب للغضب، قال الطيبي: معناه إنَّ مَنْ لم يسأله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يُسْأَل. وقال ابن القيم: هذا يدل على أنَّ رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رضي تعالى فكل خير في رضاه، كما أنَّ كل بلاء ومصيبة في غضبه، والدعاء عبادة، وقد قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ، فهو تعالى يغضب على من لم يسأله، كما أن ابن آدم يغضب على من سأله:

الله يغضب إن تركت سؤاله

وبنى آدم حين يُسْأَل يغضب

فشتان ما بين هذين، وسحقًا لمن علق بالأثر وبعد عن العين، قال الحليمي: لا ينبغي أن يُخَلَّى يوم وليلة عن الدعاء؛ لأن الزمن يوم وليلة، وما وراءهما تكرار، فإذا كان ترك الدعاء أصلًا يوجب الغضب، فأدنى ما في تركه يومًا وليلة أن يكون مكروهًا.

"وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن هَمَّ الدعاء" لاحتياجه إلى الإخلاص والخضوع والذلة، وذلك لا يتيسر في كل وقت، "فإذا أتممت الدعاء" أتيت به على الوجه التام "علمت أن الإجابة معه" بوعد من لا يخلف الميعاد "وفي هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله" بمد الهمزة وضم اللام- أرجو، "من جود كفِّك ما عودتني الطلبا" يعني: إنه اعتاد منه العطاء والإحسان متى قصده، فعلم أنه لا يريد منعه متى أتاه؛ إذ لو أراده ما أعطاه كلما أتاه، "فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه" تعالى؛ إذ هو الفاعل لما أصابهم من المكروه "إليه" سبحانه لا إلى غيره، فكأنهم يقولون: يا ربنا، أنت أصبتنا بما تعلمه، فأزله عنا "وعياذتهم:" التجاءهم واعتصامهم "به" عز وجل "منه" تعالى، "وفرارهم منه إليه" ألفاظ متقاربة المعنى "كما قيل:

ص: 4

قالوا أتشكوا إليه

ما ليس يخفى عليه

فقلت ربي يرضى

ذل العبيد لديه

وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم} [فاطر: 60] بأنَّ آخرها دلَّ على أنَّ المراد بالدعاء هو العبادة.

قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأَوْلَى حمل الدعاء في الآية على ظاهره.

وأما قوله تعالى بعد ذلك {عَنْ عِبَادَتِي} فوجه الربط أنَّ الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.

قالوا: أتشكو إليه

ما ليس يخفى عليه

فقلت ربي يرضى

ذل العبيد لديه

ومعنى البيتين ظاهر "وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] "بأنَّ آخرها دلَّ على أن المراد" وفي نسخة: بدون على، أي: أفهم أن المراد "بالدعاء هو العبادة"، فكأنه قال: اعبدوني أثبكم، وأجاب الأولون بأن هذا ترك للظاهر.

"و" لذا قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأَوْلَى حمل الدعاء في الآية على ظاهره" من السؤال والطلب "وأما قوله بعد ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} فوجه الربط أنَّ الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه بقوله: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} "إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا من تركه لمقصد من المقاصد" كالتسليم للقضاء، "فلا يتوجّه إليه الوعيد المذكور وإن كنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه".

زاد الحافظ: ودلَّ قوله تعالى بعد {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} [غافر: 65] أنَّ الإجابة منوطة بالإخلاص، وقال الطيبي في حديث الدعاء: هو العبادة، ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي: أي: الدعاء ليس إلّا إظهار غاية

ص: 5

وقال القشيري في "الرسالة" اختلف أي الأمرين أَوْلَى، الدعاء أو السكوت والرضى؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أَوْلَى لما في التسليم من الفضل. انتهى.

وشبهتهم: إنَّ الداعي لا يعرف ما قُدِّرَ له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند.

وأجيب بأنَّه إذا اعتقد أنه لا يقع إلّا ما قدَّره الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به

التذلُّل والافتقار والاستكانة، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] ، الجملتان واردتان على الحصر، وما شرعت العبادة إلّا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60] حيث عَبَّر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي، وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان. انتهى، وفيه تجاسر على القرآن بقوله: عَبَّر، وبقوله: وضع، بمجرَّد احتمالٍ لاح له، فالأَوْلَى ما قبله عن السبكي.

وقال البيضاوي في شرح المصابيح: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمَّى عبادته م حيث دلالته على أنَّ فاعله مقبل على الله، معرض عمَّا سواه، لا يرجو غيره، ولا يخاف إلّا منه، استدلَّ عليه بالآية، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلّف قَبِلَ منه لا محالة وترتَّب عليه المقصود، وترتَّب الجزاء على الشرط، والمسبَّب على السبب، "وقال القشيري في الرسالة: اختلف، أي: الأمرين أَوْلَى الدعاء أو السكوت والرضا" وثالثها: إن وجد في نفسه باعثًا استحبَّ الدعاء وإلّا فلا، ورابعها: إن جمع غيره معه استحب، وإن خص نفسه فلا، "فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة" وسبق بعضها "ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار"؛ ولأنه سنته صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه تواترًا معنويًّا، وقيل: السكوت والرضا أَوْلَى لما في التسليم من الفضل. انتهى".

وشبهتهم" كما قال الحافظ: "إن الداعي لا يعرف ما قُدِّرَ له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة" التي قدَّرها الله "فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند" وكلاهما لا يجوز، "وأجيب بأنه إن اعتقد أنه لا يقع إلّا ما قدره الله تعالى كان" اعتقاده "إذعانًا لا معاندة فائدة الدعاء" حينئذ "تحصيل الثواب بامتثال الأمر" بالدعاء في الكتاب والسنة "ولاحتمال أن

ص: 6

موقوفًا على الدعاء؛ لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى.

وقد أرشد صلى الله عليه وسلم أمته لكيفية الدعاء فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء"، رواه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد.

وقال عليه السلام في رجل يدعو: "أوجب إن ختم بآمين" رواه أبو داود.

يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء؛ لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى".

ما جاء به من الفتح بلا عزوٍ فيه أيضًا عن القشيري، وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه راضيًا بقلبه، قال: والأَوْلَى أن يقال: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء، فالدعاء أفضل وبالعكس، قلت: القول الأَوَّل أعلى المقامات، وهو أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه، ولا يتأتَّى من كلّ أحد، بل ينبغي أن يخص به الكمَّل. قال القشيري: ويصح أن يقال: ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظّ فالسكوت أفضل. وعبَّر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، وعمدة من أَوَّلَ الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى:{فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء} [الأنعام: 41] وإن كثيرًا من الناس يدعو فلا يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف، والجواب: إن كل داعٍ يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعوضه.

وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم عن عبادة بن الصامت رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلّا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها"، ولأحمد من حديث أبي هريرة:"إما أن يعجّلها له وإمّا أن يدّخرها له"، وله عن أبي سعيد رفعه:"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته، وإمّا أن يدخرها له في الآخرة، وإمّا أن يصرف عنه من السوء مثلها" وصحَّحه الحاكم، وهذا شرط ثانٍ للإجابة، ولها شروط أخرى، منها: أن يكون طيب المطعم والملبس؛ لحديث: "فأنى يستجاب لذلك" انتهى.

"وقد أرشد صلى الله عليه وسلم لكيفية الدعاء، فقال: "إذا صلى" أي: دعا "أحدكم، فليبدأ بحمد الله" وفي رواية:"بتحميد ربه" والحمد: الثناء بالجميل على الجميل، والتحميد حمد الله مرة بعد أخرى والثناء عليه" بما يتضمَّن ذلك، فهو عطف عام على خاص، فالثناء فعل يشعر بالتعظيم، كذا قاله بعضهم: وقال شيخنا: عطف تفسير، "وليصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء" من الدين والدنيا بما يجوز طلبه "رواه الترمذي" وأبو داود وصحَّحه ابن حبان والحاكم "من حديث فضالة" بفتح الفاء وتضم "ابن عبيد" بضم العين- الأنصاري الأوسيّ، "وقال عليه السلام في

ص: 7

وقال: "لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله تعالى لا مكره له" رواه البخاري وغيره.

ومعنى الأمر بالعزم: الجدّ فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلّق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمور في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل: معنى العزم أن يحسن الظنَّ بالله في الإجابة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعنَّ أحدكم لدعاء ما يعلم من نفسه، يعني: من التقصير، فإنَّ الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال:{أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14] .

وقال عليه السلام: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم

رجل يدعو: "أوجب إن ختم بآمين" قال الحافظ في أماليه، أي: عمل عملًا وجبت له به الجنة.

وقال السيوطي: الظاهر أنَّ معناه فعل ما تجب له به الإجابة "رواه أبو داود" عن أبي زهير النمري، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألحَّ في المسألة، فوقف صلى الله عليه وسلم يستمع منه، فقال:"أوجب إن ختم"، فقال رجل: بأي شيء يختم؟ فقال: "بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب"، فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الرجل، فقال:"اختم يا فلان بآمين وأبشر""وقال" صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم إذا دعا" طلب من الله "اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت".

زاد في رواية البخاري: "اللهم ارزقني إن شئت"؛ لأنَّ التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا تأتَّى إكراه المطلوب منه، فيعلمه أنه إنما يطلبه برضاه، والله منَزَّه عن ذلك، وقيل: لأنَّ فيه صورة استغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأَوَّل أَوْلَى، "ولكن ليعزم المسألة، فإن الله تعالى لا مكره" بكسر الراء "له" رواه البخاري وغيره" كأبي داود عن أبي هريرة، وهو في الصحيحين من حديث أنس بنحوه، "ومعنى الأمر بالعزم الجدّ فيه" بفتح الجيم- أي: الاجتهاد، "وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى" أي: يكره كما قال النووي وهو أَوْلَى، وظاهر كلام ابن عبد البر أنه نهي تحريم وهو الظاهر، قاله الحافظ:"وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلّقه بمشيئة الله تعالى" لأن هذا مقام غير مقام الدعاء والطلب من الله.

"وقيل: معنى العزم: أن يحسن الظنَّ بالله في الإجابة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة" سفيان: لا يمنعنَّ أحدكم لدعاء" بنصب أحد مفعول فاعله "ما يعلم من نفسه -يعني: من التقصير- فإنَّ الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس، حين قال:{أَنْظِرْنِي} أخِّرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الأعراف: 15] وقال عليه السلام: يستجاب

ص: 8

يستجب لي" رواه الشيخان وغيرهما.

وكان عليه السلام يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك، رواه أبو داود من حديث عائشة.

والجوامع: التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل

لأحدكم ما لم يعجل" بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة- من الاستجابة بمعنى الإجابة، قال الشاعر:

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

أي: يجاب دعاء كل واحد منكم؛ لأن الاسم المضاف يفيد العموم على الأصحّ "يقول: دعوت فلم يستجب لي" بضم التحتية وفتح الجيم- بيان لقوله: "ما لم يعجل"، فمن مَلّ الدعاء لم يقبل دعاؤه؛ لأنه عبادة، أجيب أم لا، فمن أكثر منه أوشك أن يستجاب له.

"رواه الشيخان وغيرهما" كأبي داود والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة:"وكان عليه السلام يستحب"، وللحاكم: كان يعجبه "الجوامع من الدعاء، ويَدَع" يترك "ما سوى ذلك، رواه أبو داود" بإسناد جيد "من حديث عائشة" وصحَّحه الحاكم وأقَرَّه الذهبي، "والجوامع" الكلمات "التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة" عطف تفسير "أو" التي "تجمع الثناء على الله تعالى، وآداب المسألة" أي: السؤال، وقيل: هي ما جمع مع الوجازة خيري الدنيا والآخرة نحو: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة} [البقرة: 201] قيل: وهو أوجه، لكن عليه يحم قوله: ويَدَع ما سوى ذلك، على أغلب الأحوال لا كلها، فقد قال المنذري: كان يجمع في الدعاء تارة ويفصّل أخرى، "وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه" ليس في مسلم لفظ في دعائه:"اللهمَّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري" الحافظ لجميع أموري، فإنَّ من فسد دينه فسدت جميع أموره، وخاب وخسر في الدنيا والآخرة، "وأصلِح لي دنياي التي فيها معاشي" بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه، وكونه حلالًا معينًا على طاعة "وأصلح لي آخرتي التي إليها" كذا في النسخ، والذي رأيته في مسلم، وكذا نقله عنه السيوطي وغيره:"التي فيها معادي".

قال ابن الأثير وغيره، أي: ما أعود إليه يوم القيامة، وهو إمَّا مصدر ميمي أي: عودي أو

ص: 9

الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر" رواه مسلم من حديث أبي هريرة.

وكان يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.

ظرف مكان من عاد إذا رجع، وقال الطيبي: إصلاح المعاد: اللطف والتوفيق إلى طاعة الله وعبادته. وقال الحراني: جمع في هذه الثلاثة أصول مكارم الأخلاق التي بُعِثَ لإتمامها؛ فإصلاح الدين بالتوفيق لإظهار خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين الله من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها، وإصلاح الدنيا بتجنّب الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه واستعمال الحلال الذي يصلح النفس والبدن عليه؛ لموافقته لتقويمها، وإصلاح المعاد بخوف الزجر والنهي الذي لا تصلح الآخرة إلّا بالتطهر منه لبعده عن حسناها، وخوف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه لحسناها، والمقصود بالزجر والنهي: الردع عمَّا يضر في المعاد، إلّا أنَّ الردع على وجهين: خطاب لمعرض ويسمَّى زجرًا، وخطاب مقبل على التفهّم ويسمى: نهيًا، فكان الزجر يزيغ الطبع، والنهي يزيغ العقل، "واجعل الحياة زيادة لي في كل خير" أي: اجعل حياتي سبب زيادة طاعتي، "واجعل الموت راحة لي من كل شر" أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقة الدنيا والتخلص من غمومها وهمومها لحصول الراحة. قال الطيبي: وهذا الدعاء من جوامع الكلم.

"رواه مسلم" في الدعوات "من حديث أبي هريرة" ولم يخرجه البخاري "وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم انفعني بما علمتني" بالعمل بمقتضاه خالصًا لك، "وعلمني ما ينفعني" أرتقى منه إلى عمل زائد على ذلك، "وزدني علمًا" مضافًا إلى ما علمتنيه، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى محل الوصال، وبه ظهر أنَّ العلم وسيلة للعمل وهما متلازمان، ولذا قالوا: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلّا في العلم، "الحمد لله على كل حال" من أحوال السراء والضراء، وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} "وأعوذ بالله من حال أهل النار" في النار وغيرها، قال الطيبي: ما أحسن موقع الحمد في هذا المقام، ومعنى المزيد فيه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} وموقع الاستعاذة من الحال المضاف إلى أهل النار تلميحًا إلى القطيعة والبعد، وهذا الدعاء من جوامع الكلم التي لا مطمح وراءها "رواه الترمذي" وقال: غريب، وابن ماجه والحاكم "من حديث أبي هريرة" وفيه موسى بن عبيدة، ضعَّفه النسائي وغيره، ومحمد بن ثابت

ص: 10

وكان يقول: "اللهم متّعنى بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أيضًا.

وكان أكثر دعائه: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" رواه الشيخان من حديث أنس.

وكان يقول: "رب أعنِّي ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي

لم يرو عنه غير موسى، فهو مجهول العين "وكان يقول:"اللهم متّعني" أي: انفعني، زاد في رواية البيهقي: من الدنيا "بسمعي وبصري" الجارحتين المعروفتين، وقيل: أبي بكر وعمر؛ لحديث: "هذان السمع والبصر"، واستبعد بزيادة البيهقي عقب: وبصري وعقلي، "واجعلهما الوارث مني" استعارة من وارث الميت؛ لأنه يبقى بعده، "وانصرني على من ظلمني" تعدَّى وبغى عليّ، "وخذ منه بثأري" بالهمز، ويجوز إبداله تخفيفًا، أي: بحقي بأن تهلكه، وأشار به إلى قوة المخالفين حثًّا على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة.

"رواه الترمذي" والحاكم "من حديث أبي هريرة"، ورواه البيهقي:"وكان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: "ربنا" وفي رواية: اللهم ربنا "آتنا في الدنيا حسنة" كصحة وعفاف وكفاف وتوفيق للخير، "وفي الآخرة حسنة" ثوابًا ورحمةً، "وقنا" بالعفو والمغفرة "عذاب النار" الذي استحقيناه بسوء أعمالنا، وقول عليٍّ -كرَّم الله وجهه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحور، وعذاب النار امرأة السوء، وقول الحسن البصري: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، "وقنا عذاب النار" احفظنا من كل ذنب يجر إليها أمثلة المراد بها.

قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح، إلى غير ذلك، وأمَّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك، وأما النجاة من النار فهو متقضى تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات. انتهى.

ولا يرد عليه أن أعلاها: رؤية الله تعالى؛ لأنَّ كلامه فيما قبل دخوله الجنة، وسبب الاختلاف في التفسير، أن حسنة نكرة في الإثبات فلا تعمّ "رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك:"وكان" صلى الله عليه وسلم يقول: "رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني" ظفرني "ولا تنصر عليَّ" أعداء الدين، قال الراغب: النصر من الله معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى صلاحهم عاجلًا وآجلًا، وذلك تارةً يكون من خارج بمن يقيضه الله فيعينه، وتارةً من داخل بأن

ص: 11

ولا تمكر عليّ، واهدني وانصرني على من بغى عليّ، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، مطواعًا لك، مخبتًا إليك، أواهًا منيبًا، رب تَقَبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حُجَّتي، وسدِّد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري". رواه الترمذي.

وكان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك أمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني، أنت

يقوي قلب الأنبياء والأولياء، أو يلقي الرعب في قلوب الأعداء، وعليه قوله:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} "وامكر لي" جاز لأجلي، مَنْ فَعَل بي ما يستحق ما يجازى عليه بأن فعل بي سوءًا، "ولا تمكر عليَّ" أي: اعف عني، فلا تؤاخذني بما صدر مني، قال في النهاية: مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهّم أنها مقبولة وهي مردودة، والمعنى: ألحق مكرك بأعدائي لا بي، وأصل المكر الخداع. انتهى.

ولا يسند إلى الله على سبيل المقابلة والازدواج، والمقابلة هنا مقدَّرة؛ لأن قوله:"امكر لي" معناه: جَازِ من مكر عليّ، "واهدني" لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت كما في حديث آخر.

وفي رواية: فاهدني ويسر هداي إليّ، "وانصرني" ظفرني "على من بغى عليّ" جار واعتدى بأن تهلكه، "رب اجعلني لك شاكرًا" أي: وفِّقني له لأقوم بما وجب عليّ من شكر نعمائك التي لا تحصى، "لك ذاكرًا" بقلبي ولساني، "لك راهبًا" خائفًا منك، "مطواعا لك" في جميع أوامرك، "مخبتًا" خاشعًا متواضعًا "إليك أوَّاهًا" كثير التأوّه من الذنوب والتأسُّف على الناس، "منيبًا" راجعًا إليك، "رب تَقَبَّل توبتي واغسل حوبتي" بفتح المهملة- أي: خطيئتي، "وأجب دعوتي، وثبّت حجتي، وسدّد لساني، واهد قلبي" خصَّه مع دخوله في قوله أولًا: "واهدني" اهتمامًا به؛ لأنه الرئيس الذي إذا صلح صلح الجسد كله، "واسلل" بمهملة ولا مين- انزع وخَرِّج برفق "سخيمة" بفتح المهملة وكسر المعجمة- أي: حقد "صدري"، وفي رواية: قلبي.

"رواه الترمذي" وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه الحاكم، كلهم عن ابن عباس:"وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم لك أسلمت" أي: أنقذت، "وبك آمنت" أي: صدَّقت، قال النووي: فيه إشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان، "وعليك" لا على غيرك "توكلت" اعتمدت في تفويض جميع أموري، "وإليك أنبت" رجعت وأقبلت بهِمَّتِي، "وبك خاصمت" أعدائي، "اللهمَّ إني أعوذ" أعتصم "بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تضلني" بعدم التوفيق للرشد، والتوقيف على طريق الهداية والسداد، وهو متعلق بأعوذ، أي: من أن تضلني، وكلمة التهليل معترضة لتأكيد

ص: 12

الحي الذي لا تموت، والجنّ والإنس يموتون" رواه الشيخان عن ابن عباس.

وكان يقول: "اللهم إنِّي أسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغِنَى". رواه مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود.

وكان يقول: "اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي، اللهم اغفر لي جَدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي،

العزة، "أنت الحي لا تموت" بلفظ الخطاب، أي: الحياة الحقيقية التي لا يجامعها الموت بحال.

وفي رواية: "أنت الحي القيوم الذي لا يموت" بلفظ الغائب، "والجن والإنس يموتون" عند انقضاء آجالهم، والمراد: الخلق كلهم، لكنَّ التنصيص لإفادة الخطاب جرى مجرى الغالب من تقابلهما، يعني: وأنا أموت لأني من الإنس، ولم ينصّ على مَنْ عداهم لما ذُكِرَ، ولا حجة فيه لمن احتجَّ به على عدم موت الملائكة، مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمَّى الجن بجامع ما بينهم من الاجتنان عن عيون الإنس، كيف وقد قال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوِْ} [القصص: 88] .

"رواه الشيخان" البخاري في التوحيد، ومسلم في الدعوات، "عن ابن عباس"، وقصر من عزاه لمسلم وحده، "وكان صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم إني أسألك الهدى" أي: الهداية إلى الصراط المستقيم "والتّقى" الخوف من الله، والحذر من مخالفته، "والعفاف" الصيانة عن مطامع الدنيا، "والغنى" غنى النفس والاستغناء عن الناس.

قال الطيب: أطلق الهدى والتقى ليناول كل ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتَّقى منه من شركٍ ومعصية وخلق رديء.

"رواه مسلم والترمذي" وابن ماجه، كلهم في الدعوات "من حديث ابن مسعود" ولم يخرّجه البخاري:"وكان صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم" وفي رواية للبخاري: رب بدل اللهم "اغفر لي خطيئتي" ذنبي، "وجهلي" ضد العلم، وقال الكرماني: الجهل ما يجهل به، كما قالوه في الصائم لا يجهل أي: لا يرتكب ما يوقع في الجهل. انتهى.

أي: لا يفعل ما يوصف معه بالجهل وإن لم يذنب به، "وإسرافي" تجاوزي الحدّ، "في أمري" كله، "وما أنت أعلم به مني" مما علمته وما لم أعلمه، بأنّ صدر سهوًا، "اللهم اغفر لي جدي" بكسر الجيم ضد الهزل، "وهزلي" بفتح الهاء ضد الجد، "وخطئي" بالهمز ضد العمد، "وعمدي" ضد السهو.

ووقع في رواية للبخاري: "اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي" جمع خطيئة وعطف العمد

ص: 13

اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير" رواه الشيخان من حديث أبي موسى.

وكان أكثر دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" رواه الترمذي من حديث أم سلمة.

عليها، خاصّ على عام، باعتبار أن الخطايا أعمّ من المعتمد، أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر، يحمل الخطايا على ما وقع على سبيل الخطأ، "وكل ذلك" المذكور "عندي" موجود، كالتذييل للسابق، أي: أنا متَّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو عَدَّ فوات الكمال وترك الأَوْلَى ذنوبًا، "اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت" وهذان شاملان لجميع ما سبق؛ كقوله:"وما أسررت" أخفيت، "وما أعلنت" أظهرت، أي: ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني، قاله تواضعًا وإجلالًا لله، أو تعليمًا لأمته.

وتعقَّبه الحافظ بأنه لو كان للتعليم فقط كفَى أن يأمرهم بأن يقولوا، فالأَوْلَى أنه للكل، "وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم" لمن تشاء من خلقك بتوفيقه إلى رحمتك، "وأنت المؤخِّر" لمن تشاء عن ذلك، "وأنت على كلِّ شيء قدير" جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها، وعلى كل شيء متعلق بقدير فعيل بمعنى فاعل، مشتق من القدرة وهي القوة والاستطاعة، وهل يطلق الشيء على المستحيل والمعدوم خلاف.

"رواه الشيخان" في الدعوات "من حديث أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "وكان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم:"يا مقلب القلوب" بتقليب أعراضها وأحوالها لا ذواتها، "ثبِّت قلبي على دينك" بكسر الدال.

قال البيضاوي: إشارةً إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ودفع توهّم أنهم يستثنون. وقال الطيبي: أضاف القلب إلى نفسه تعريضًا بأصحابه؛ لأنه مأمون العاقبة، فلا يخاف على نفسه لاستقامته؛ لقوله تعالى:{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس: 2-3]، وفيه: أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها يقع بخلق الله، وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر، وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثابت، وبقية الحديث: فقيل له في ذلك، فقال:"إنه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاع أزاغ"، زاد في رواية أحمد:"فنسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأل الله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب".

"رواه الترمذي من حديث أم سلمة" هند أم المؤمنين، قال الغزالي: إنما كان هذا أكثر دعائه لاطِّلاعه على عظيم صنع الله في عجائب القلب وتقلبه، فإنه هدف يصاب على الدوام من

ص: 14

وكان يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" رواه الترمذي.

وكان يقول: "اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس" رواه النسائي.

وكان يقول: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب

كل جانب، فإذا أصابه شيء وتأثَّر أصابه من جانب آخر ما يضاده فتغيّر وصفه، وعجيب صنع الله في تقلبه لا يهتدي إليه إلا المراقبون بقلوبهم، والمراعون لأحوالهم مع الله، "وكان صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم عافني" سلِّمني من المكاره، "في جسدي"؛ لئلَّا يشغلني شاغل أو يعوقني عائق عن كمال القيام بعبادتك، "وعافني في سمعي وبصري" كذلك، "واجعلهما الوارث مني" بأن يلازماني عند الموت لزوم الوارث لمورثه، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، أو أراد بقاء قوتهما عند الكبر وانحلال القوى، أو أراد: اجعل تمتعي بهما في مرضاتك باقيًا، أذكر به بعد اموت، "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" أي: الوصف بجميع صفات الكمال وسائر نعوت الجلال وحده على كل حال "رواه الترمذي" والحاكم، والبيهقي كلهم في الدعوات من حديث عائشة:"وكان" صلى الله عليه وسلم يقول: "رب اغسل" أزل "خطاياي" جمع خطيئة، "بماء الثلج والبرد" بفتحتين- حب الغمام، أي: بالماء المنحل منهما، فالإضافة ليست بيانية، وخصَّهما لأنهما ماءان طاهران لم تمسَّهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد هنا، وإن كان الماء الجاري أبلغ عادة في إزالة الوسخ، أشار إليه الخطّابي، وقال الكرماني: جعل الخطايا بمنزلة النار؛ لأنها تؤدي إليها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد منه وهو البرد؛ لأنه يجمد ويصير جليدًا بخلاف الثلج فيذوب. انتهى.

ومَرَّ لذلك مزيد في الصلاة، "ونَقِّ" بفتح النون وشد القاف، "قلبي" الذي بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته، "من الخطايا" الذنوب، وهذا تأكيد للسابق، ومجاز عن إزالة الذنوب ومحو آثارها، "كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس" بفتح الدال والنون- أي: الوسخ، وخصَّ الأبيض لظهور النقاء فيه أقوى من غيره.

"رواه النسائي" والحاكم وغيرهما من حديث عائشة، وهو بعض حديث طويل في الصحيحين:"وكان صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم إني أسألك" أطلب منك "فعل الخيرات" المأمورات،

ص: 15

المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" رواه في الموطأ.

وكان يدعو: "اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانًا، اقض عني الدين وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي، وتوفَّني في سبيلك" رواه في الموطأ.

أي: الإقدار على فعلها والتوفيق له، "وترك المنكرات" أي: المنهيات، "وحب المساكين" يحتمل إضافته إلى الفاعل، وإلى المفعول وهو أنسب بما قبله، قال الباجي: وهو من فعل القلب، ومع ذلك فيختص بالتواضع، وفيه: إن فعل الثلاثة إنما هو بفضل الله وتوفيقه، "وإذا أردت" بتقديم الدال على الراء من الإدارة، أي: أوقعت.

وفي رواية: بتقديم الراء على الدال من الإرادة، "بقوم" لفظ الموطأ: في الناس، "فتنة" بلايا ومحننًا، "فاقبضني إليك غير مفتون" فيه إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة.

"رواه في الموطأ" بلاغًا، قال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت من حديث عبد الرحمن بن عابس وابن عباس، وثوبان، وأبي أمامة، "وكان" صلى الله عليه وسلم "يدعو:"اللهم فالق الإصباح" خالقه ومظهره، "وجاعل الليل سكنًا" يسكن فيه، "والشمس والقمر" منصوبان على محل الليل، ويجوز جرهما عطفًا على لفظه، "حسبانًا" قال ابن عبد البر: أي: حسبانًا، أي: بحساب معلوم، وقد يكون جمع حساب كشهاب وشهبان.

وقال الباجي: أي يحسب بهما الأيام والشهور والأعوام، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5]"اقض عني الدَّيْن" قال ابن عبد البر: الأظهر فيه دين الناس، ويدخل فيه دين الله بالأَوْلَى، وفي الحديث:"دين الله أحقّ أن يقضى" ، "واغتنى من الفقر" وهو ما لا يدرك معه القوت، وقد أغناه كما قال:{وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] ، ولم يكن غناه أكثر من اتخاذه قوت سنة لعياله، والغنى كله في قلبه ثقة بربه، "وأمتعني بسمعي" لما فيه من التنعم بسماع الذكر وما يسر، "وبصري" لما فيه من التدبر برؤية مخلوقات الله، "و" أمتعنى "قوتي" بفوقية قبل الياء واحدة القوى.

وروي: وقوني -بنون بدل الفوقية، قال ابن عبد البر: والأوَّل أكثر عند الرواة، "وتوفني في سبيلك" الجهاد أو جميع أعمال البر؛ من تبليغ الرسالة وغيرها، فذلك كله سبيل الله، قاله الباجي "رواه في الموطأ" عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه فذكره، "وكان صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ فيقول: "

ص: 16

وكان صلى الله عليه وسلم يتعوّذ فيقول: "اللهم إنِّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" رواه الشيخان من حديث أنس، وفي رواية أبي داود:"اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن وضلع الدَّيْن وغلبة الرجال".

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، وسيء

وفي لفظ للبخاري عن أنس: كنت أسمعه يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجر" بسكون الجيم- وأصله: التأخر عن الشيء، مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشيء، وللزوم الضعف والقصور عن الإتيان بالشيء، استعمل في مقابله القدرة واشتُهِرَ فيها، "والكسل" التثاقل عن الشيء مع القدرة عليه الداعية إليه، "والجبن" خلاف الشجاعة، "والهرم" وهو أقصى الكبر، "والبخل" ضد الكرم، "وأعوذ بك من عذاب القبر" ما فيه من الأهوال والشدائد، "وأعوذ بك من فتنة المحيا" ما يعرض للإنسان في مدة حياته من الافتنان بالدنيا وشهواتها وجهالاتها، وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت، "والممات" قيل: هي فتنة القبر بسؤال الملكين، والمراد من شر ذلك؛ إذ أصل السؤال واقع لا محالة، فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك، والسبب غير المسبب، وقيل: المراد الفتنة قبل الموت، وأضيفت إلى الموت لقربها منه، وحينئذ تكون فتنة المحيا قبل ذلك، وقيل: غير ذلك، والمحيا والممات مصدران مجروران بالإضافة بوزن مفعل، ويصلحان للزمان والمكان والمصدر.

"رواه الشيخان من حديث أنس، وفي رواية أبي داود: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" بفتح المهملة والزاي، جمع بينهما؛ لأنَّ الهمَّ إنما يكون في المتوقّع، والحزن فيما وقع، فالهمّ للمستقبل، والحزن على الماضي؛ ولأن أصل الهمّ الذوبان، يقال: أهمَّه المرض بمعنى أذابه، سُمِّيَ به ما يعتري الإنسان من شديد الغم؛ لأنه أبلغ وأشد من الحزن الذي أصله الخشونة، فليس العطف لاختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى كما ظنّ، "وضلع الدَّيْن" بفتح المعجمة واللام ومهملة- أي: ثقله وشدته، المانع لصاحبه عن الاستواء، فإن أصل الضلع الاعوجاج والميل، وذلك حيث لا يجد مَنْ عليه الدَّيْن وفاءً، ولا سيما مع المطالبة، قال بعض السلف: ما دخل هَمّ الدَّيْن قلبًا إلّا أَذْهَبَ منه مِنَ العقل ما لا يعود إليه، "وغلبة الرجال" شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلًا، فالإضافة للفاعل، أو هيجان النفس من شدة الشهوة، فالإضافة للمفعول، وصريح المصنّف انفراد أبي داود وليس كذلك، فقد روى البخاري عن أنس: كنت أسمعه صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال" وكان صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الجذام" كغراب، عِلَّة تحدث من انتشار السواد في البدن

ص: 17

الأسقام" رواه أبو داود والنسائي من حديث أنس.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم" رواه مسلم من حديث عائشة.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هذه الأربعة" رواه الترمذي.

فتفسد مزاج الأعضاء وجهاتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها، "والبرص" بفتحتين- بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج، "والجنون وسيء الأسقام" ، ونص على الثلاثة مع دخولها في هذه؛ لأنها أبغض شيء إلى العرب، ولهم عنها نفرة عظيمة، ولذا عدّوا من شروط الرسالة السلامة من المنفرات، فاستعاذته منها تعليمٌ للأمة أو إظهار للعبودية "رواه أبو داو والنسائي من حديث أنس" بإسناد صحيح، "وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن ما لم أعلم".

"روه مسلم" كذا في النسخ من العلم فيهما، والذي في مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم "من حديث عائشة" بلفظ:"من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل" بتقديم المي على اللام فيهما، من العمل، أي: من شر يحتاج فيه إلى العفو، "وما لم أعمل" بأن تحفظني منه في المستقبل، أو أراد شر عمل غيره، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ} خاصة، أو ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله.

وقد وقع في الإحياء بتقديم اللام ووروده عليه، لكنه لم يعزه لمسلم، فالردّ على المصنف أقوى لعزوه لمسلم ما ليس فيه، وإن كان جاء حديث آخر بتقديم اللام مرفوعًا:"اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم".

رواه أبو داود الطيالسي عن جابر بن سمرة، "وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع" لذكر الله ولا لاستماع كلامه تعالى، وهو القلب القاسي، أبعد القلوب من الله سبحانه، "ومن دعاء لا يسمع" أي: لا يستجاب ولا يعتدّ به، فكأنه غير مسموع، "ومن نفس لا تشبع" من جمع المال أشرًا وبطرًا، ومن كثرة الأكل الجالبة لكثرة الأبخرة الجالبة للنوم، وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة، "ومن علم لا ينفع" أي: لا يعمل به أو لا يهذب الأخلاق الباطنة، فيسري بها إلى الأفعال الظاهرة، "أعوذ بك من هذه الأربع" أتى به مع استفادته مما قبله تنبيهًا على توكيد هذا الحكم وتقويته، وفيه تسجيع الدعاء بلا قصد، ولذا جاء في غاية الانسجام، والمكروه إنما هو المتكلّف المقصود؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة.

قال الطيبي: في كل من هذه القرائن إشعار بأن وجوده مبني على غايته، والغرض الغاية،

ص: 18

والنسائي من حديث ابن عمرو بن العاص.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك" رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضًا.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن

فإن تعلّم العلم إنما هو للنفع به، فإذا لم ينفعه لم يخلص كفافًا، بل يكون وبالًا، وإن القلب إنما خُلِقَ ليخشع لربه، فإن لم يخشع فهو قاسٍ يستعاذ منه، {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} ، وإنما يعتد بالنفس إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، فإذا كانت نهمة لا تشبع، كانت أعدى عدو للمرء، فهي أهمّ ما يستعاذ منه، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه، ولم يخشع قلبه، ولم تشبع نفسه.

"رواه الترمذي والنسائي من حديث" عبد الله "بن عمرو بن العاص"، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، والنسائي أيضًا عن أنس، وقد رواه مسلم في آخر حديث، ولفظه عن زيد بن أرقم: كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" وكذا رواه أحمد والترمذي وغيرهما.

"وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك" أي: ذهابها مفردة في معنى الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعمّ النعم الظاهرة والباطنة، وهي كل ملائم تحمد عاقبته، والاستعاذة من زوالها تتضمَّن الحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل، "وتحوّل" أي: تبدل "عافيتك" ، ويفارق التحوّل الزوال، فيقال في كل ثابت لشيء ثم فارقه: زال، ولفظ أبي داود: تحويل، بزيادة تحتية، وهو تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فكأنَّه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام، "وفجأة" بضم الفاء والمد وفتحها والقصر- بغتة، "نقمتك" بكسر النون وقد تفتح، وسكون القاف- غضبك وعقوبتك.

قال المازري: استعاذ من أخذه الأسف، "وجميع سخطك" بفتحتين- أي: الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها.

"رواه مسلم وأبو داود" والترمذي "من حديث ابن عمرو بن العاص أيضًا" هذا وهم، فالذي فيهما وكذا الترمذي عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، أي: بن الخطاب، "وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الفقر" فقد المال أو فقر النفس، "والقلة" بكسر القاف- قلة

ص: 19

أظلم أو أظلم" رواه أبو داود من حديث أبي هريرة.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق" رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضًا.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة" رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا.

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن وغَلَبَة العدو، وشماتة

المال التي يخاف منها قلة الصبر وتسلط الشيطان أن يتذكَّر تنعُّم الأغنياء، أو المراد: القلة في أبواب البر ونقصان الخير، أو قلة العدد والمدد، أو الكل، "والذلة" بالكسر، "وأعوذ بك من أن أظلِم" بالبناء للفاعل، أي: أجور أو أعتدي، "أو أظلَم" بالبناء للمفعول، والظلم وضع الشيء في غير محله.

رواه أبو داود" وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة"، وسكت عليه أبو داود، "وكان صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الشقاق" بكسر المعجمة وقافين- النزاع والخلاف والتعادي؛ لأن كلًّا منها يكون في شق، أي: ناحية، أو هو العداوة، وفيها أيضًا المفاعلة، فتكون على بابها، "والنفاق" نفاق العمل، "وسوء الأخلاق"؛ لأن صاحبه لا يقر من ذنب إلّا وقع في آخر، والأخلاق السيئة من السموم القاتلة، والمهلكات والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن الله تعالى المقرّبة للشيطان، فحق أن يستعاذ منها.

"رواه أبو داود والنسائي" في الصلاة "من حديث أبي هريرة" أيضًا، ورواه النسائي في الاستعاذة:"وكان صلى الله عليه وسلم "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع" أي: من ألمه وشدة مصابرته؛ لأنه يمنع راحة البدن، ويحلل المواد المحمودة بلا بدل، ويشوش الدماغ، ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطنة، "فإنه بئس الضجيع" أي: النائم معي في فراش واحد، سمَّاه ضجيعًا لملازمته لصاحبه في المضجع، تنبيهًا على أنَّ المراد الملازم المضر لا مطلق الجوع، "وأعوذ بك من الخيانة" مخالفة الحق بنقض العهد في السر، "فإنها بئست البطانة" بالكسر- خلاف الظهارة، ثم استعيرت لمن يخصه الإنسان بالاطِّلاع على باطن أمره، ولما كانت الخيانة أمرًا يبطنه الإنسان ويستره، سمَّاها بطانة، والخيانة خزي وهوان، وتكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن وغير ذلك، "رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا"

بإسناد صحيح، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم في حديث، "وكان" صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن" ثقله وشِدَّته؛ حيث لا قدرة على وفائه، لا سيما مع الطلب، "وغلبة العدوّ" من يفرح بمصيبته ويحزن بمسرته، "وشماتة الأعداء" فرحهم ببلية تنزل

ص: 20

الأعداء" رواه النسائي:

وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهدم والهرم، وأعوذ بك من التردي ومن الغرق والحرق، وأعوذ بك من أن يتخبَّطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا" رواه أبو داود والنسائي

بعدوهم، ختم بهذه الكلمة البديعة لكونها جامعة متضمِّنة لسؤال الحفظ من جميع ما يشمت به، وإنما قال ذلك خوفًا على أتباعه من التفرقة، وقلة انتفاع المؤلَّفة، لا لأنه يتأثّر من الشماتة مراعاةً لحظِّ نفسه لعصمته من ذلك، كذا أفاده بعض الكمل.

"رواه النسائي" والحاكم وأحمد من حديث ابن عمر، "وكان" صلى الله عليه وسلم "يقول:"اللهم إني أعوذ بك من الهدم" بسكون الدال- سقوط البناء ووقوعه على الشيء، وروي بفتح الدال اسم ما انهدم منه، وفي النهاية: الهدم محركًا البناء المهدوم، وبالسكون الفعل.

قال ابن رسلان: يحتمل أن يراد بالهدم المستعاذ منه سقوط البناء المعقود أو المسقَّف لما يترتب عليه من فساد ما انهدم عليه من الحيوان وغيره، واحتياج مالكه إلى كلفة في تجديده، "والهرم" كِبَر السن المؤدي إلى تساقط القوى وذهاب العقل وتخبط الرأي، "وأعوذ بك من التردي" السقوط من عال كشاهق جبل أو في بئر، ونحو ذلك من الردي وهو الهلاك، "ومن الغرق" بفتح الراء على الصواب، وكسرها القياس، أي: الموت في الماء غريقًا، "والحرق" بفتحتين- الالتهاب بالنار.

قال البيضاوي: استعاذ من هذه الأمور مع أنَّها شهادة؛ لأنها مجهدة مقلقة لا يثبت المرء عندها، فربما استزلَّه الشيطان: أخلَّ بدينه؛ ولأنه يعد فجأة وأخذة أسف، وقال الطيبي: لأنها في الظاهر مصائب بلايا ومحن كالأمراض السابقة المستعاذ منها، وأما ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أنه تعالى يثيب عبده المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة؛ ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه، أنها متمنَّى كل مؤمن، وقد يجيب عليه توخي بهجة الشهادة والتحري فيها، بخلاق التردي وما معه، فيجب التحرز عنها، ولو سعى فيها عصى، "وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان" أي: يصرعني ويلعب بي ويفسد ديني أو عقلي، "عند الموت" بنزعاته التي تَزِلّ بها الأقدام وتصرع الأحلام، وقد يستولي على المرء عند ذلك فيُضِلّه أو يمنعه التوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة، أو يؤيسه من الرحمة، أو يكره له الموت ويؤسّفه على الحياة الدنيا، فلا يرضى مما قضي عليه من الفناء، فيختم له بسوءٍ والعياذ بالله تعالى، وهذا تعليم للأمة، فإن شيطانه أسلم، ولا تسلط لأحد عليه بحالٍ، وكذلك الأنبياء لا تسلط للشيطان عليهم، فتخبيط الشيطان مجاز عن إضلاله وتسويله، "وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا" عن الحق أو عن

ص: 21

من حديث أبي اليسر.

وكان يتعوّذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. رواه النسائي.

وكان إذا خاف قومًا قال: "اللهمَّ إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود.

وكان صلى الله عليه وسلم يعوّذ الحسَن والحسين، ويقول:"إن أباكما كان يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق - أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".

قتال الكفار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يحرم عليه الفرار مطلقًا، فمن قيده بما إذًا حرَّم الفرار، إنما هو بالنظر لغيره، وأنه تعليم للأمة، "وأعوذ بك أن أموت لديغًا" فعيل بمعنى ملدوغ -بدال مهملة وغين معجمة، يستعمل في ذات سم كحية وعقرب، أمَّا بذال معجمة وعين مهملة ففي الإحراق بنار، كالكي وإعجامهما أو إهمالهما فمما خلت عنه كتب اللغة المتداولة.

رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث أبي اليسر -بفتح التحتية والمهملة- كعب بن عمرو الأنصاري، "وكان" صلى الله عليه وسلم يتعوّذ بالله من عين الجن والإنس، وفي رواية: كان يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان، فلمَّا نزلت المعوذتان -بكسر الواو مشددة- أخذ بهما، أي: صار يتعوّذ بهما وترك ما سوى ذلك" مما كان يتعوّذ به غير القرآن، لما ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة، وكان يرقي بها تارة وبالمعوذتين أخرى، لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه.

"رواه النسائي" والترمذي وقال: حسن غريب، وابن ماجه، وصحَّحه الضياء في المختارة، كلهم عن أبي سعيد، "وكان" صلى الله عليه وسلم "إذا خاف قومًا" أي: شَرَّ قوم "قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم" أي: في مقابلة صدورهم؛ لتدفع عنا شرورهم، وتحول بيينا وبينهم، تقول: جعلت فلانًا في نحر العدو إذا جعلته قبالته يقاتل عنك ويحول بينك وبينه، "ونعوذ بك من شرورهم" المراد: نسألك أن تصد صدورهم عنَّا، وتدفع شرورهم وتكفينا أمورهم، وخصَّ النحر لأنَّه أسرع وأقوى في الدفع والتمكّن من المدفوع، والعدو إنما يستقبل بنحره عند مناهضة القتال، أو تفاؤلًا بنحرهم أو قتلهم.

"رواه أبو داود" وأحمد الحاكم والبيهقي بأسانيد صحيحة عن أبي موسى، قال الحاكم: على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي، "وكان صلى الله عليه وسلم" يعوّذ -بذال معجمة "الحسن والحسين، ويقول: لهما: "إن أباكما" جدّكما الأعلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، "كان يعوّذ بها" أي: بالكلمات الآتية، ولبعض رواه البخاري: بهما -بالتثنية، "إسماعيل وإسحاق" ابنيه، وهي: "أعوذ" هذا لفظ البخاري، ووقع في الأذكار: أعيذكما "بكلمات الله" كلامه على الإطلاق أو المعوذتين أو

ص: 22

رواه البخاري والترمذي.

وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] ووجوب عصمته.

وأجيب: بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] .

ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمنته وللتشريع،

القرآن، قاله المصنف، زاد الحافظ: وقيل: ما وعدته، كما قال تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، والمراد بها قوله:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} "التامّة" الكاملة أو النافعة أو الشافية أو المباركة أو القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب.

قال الخطَّابي: استدلَّ أحمد به على أنَّ كلام الله غير مخلوق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يحتج بمخلوق، "من كل شيطان" إنسي وجني، "وهامَّة" بشد الميم- واحدة الهوام، ذوات السموم، وقيل: كل ما له سم يقتل، فأمَّا ما لا يقتل بسمه فيقال له: السوام، وقيل: المراد: كل نسمة تهم بسوء، "ومن كل عين لامّة" بالتشديد أيضًا- التي تصيب ما نظرت إليه بسوء، وقال الخطابي: المراد بها كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل، وقال أبو عبيد: أصله من ألممت إلمامًا، وإنما قال: لامَّة؛ لأنه أراد أنها ذات لمم.

وقال ابن الأنباري: يعني أنها تأتي في وقت بعد وقت، وقال: لامَّة؛ ليوافق لفظ هامَّة؛ لأنه أخفّ على اللسان.

"رواه البخاري" في أحاديث الأنبياء، "والترمذي" وابن ماجه، كلاهما في الطب، وأبو داود في السنة والنسائي في التعوذ "وقد استشكل صدور هذه الأدعية" السابقة "ونحوها منه صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر} ووجوب عصمته، وتقدَّم الكلام على هذه الآية، وأنه لا ذنب البتة، والمراد بالغفر الستر والمنع، كأنه قيل: ليستر عنك الذنب ويمنعك منه، فلا يمنع منك ذنب أصلًا، وهذا أحسن الأجوبة.

"وأجيب بأنه امتثل ما أمره الله به م تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] إلى آخر السورة، "ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع" عطف تفسير "والشكر لربه لما علم" بكسر اللام "أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته، أو للتشريع، والله أعلم"، وقال الطيبي: استعاذ مما عصم

ص: 23

والله أعلم.

وكان عليه السلام عند الكرب -وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه ويغمه- يدعو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، رب العرش العظيم" رواه البخاري: وفي رواية: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم".

قال الطيبي: صدّر هذا الثناء بذكر الرب؛ ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى التربية، ومنه: التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة، والحلم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا يتصوّر منه.

منه ليلتزم خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، وليقتدي به، وليبين صفة الدعاء، "وكان عليه السلام عند الكرب -وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه" جملة معترضة لتفسير الكرب "يدعو" يقول:"لا إله إلا الله العظيم" المطلق البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوّره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، ولا يعظم عليه شيء، "الحليم" الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، فيؤخره مع القدرة عليه، "لا إله إلا الله رب السموات والأرضين، رب العرش العظيم" بجره نعت للعرش "رواه البخاري" ومسلم عن ابن عباس.

وفي نسخة: رواه الشيخان وهي أصوّب، "وفي رواية" لها أيضًا عن ابن عباس، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض".

وفي رواية: "ورب العرش الكريم" بجره كالعظيم قبله، صفة للعرش في رواية الأكثر، وروي برفعهما نعتان لرب، أو للعرش خبر مبتدأ محذوف قُطِعَ عمَّا قبله للمدح، وسبق شرحه مبسوطًا في الطب.

"قال الطيبي: صدَّر هذا الثناء" المسمَّى دعاء؛ لأن الثناء على الكريم دعاء، ولا أكرم منه سبحانه "بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى التربية"، والمراد بالتصدير ذكره مرارًا في أثنائه، إلا الابتداء به كما هو ظاهر، "ومنه التهليل المشتَمِل على التوحيد" بقوله: أوّل كل قرينة: لا إله إلا الله، "وهذا أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة" فلذا وصفّه بها، "والحلم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل" أي: الأحمق "لا يتصوّر منه حلم

ص: 24

حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى.

وكان عليه السلام إذا همَّه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: "سبحان الله العظيم"، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.

فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء.

فالجواب: إن التعرّض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارةً بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء عليه. وقد قال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني

حياؤك إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يومًا

كفاه من تعرضك الثناء

قال سفيان الثوري: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتُفِيَ بالثناء، فكيف بالخالق.

ولا كرم، وهُمَا" العظيم الحليم " أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى".

وتقدَّم عن ابن القيم أبسط من هذا في كلام المصنّف في الطب "وكان عليه السلام إذا همّه أمر" أقلقه وأزعجه "رفع رأسه" كذا في النسخ، والمتقدّم له في الطب عن الترمذي: إذا أهمَّه الأمر رفع طرفه، وهو الذي في الترمذي بلفظ: أهمَّه بالألف وتعريف الأمر، وطرفه، أي: بصره "إلى السماء، وقال" مستغيثًا متضرعًا: "سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال:"يا حي يا قيوم"، هذا باقي الحديث.

"رواه الترمذي" تامًّا من حديث أبي هريرة"، زاد في بعض النسخ هنا: "فإن قلت: هذا المذكور من الحديثين ذكر ليس فيه دعاء، فالجواب: إنّ التعرّض للطلب تارةً يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارةً يكون بذكر أوصاف السيد" المطلوب منه سبحانه وتعالى، "من وحدانيته والثناء عليه" كما هنا "وقال أمية بن أبي الصلت" الذي آمن شعره وكفر قلبه "في مدح عبد الله بن جدعان" بضم الجيم وإسكان الدال ثم عين مهملتين- التيمي: "أأذكر حاجتي أم" لا أذكرها، بل "قد كفاني حياؤك -بمهملة وتحتية- عن ذكر حاجته، "إن شيمتك" بمعجمة- طبيعتك "الحياء" المقتضي مزيد الكرم المغني عن ذكر الحاجة "إذا أثنى عليك" مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان، "كفاه من تعرضك" مصدر مضاف لمفعوله، أي: سؤاله لك "الثناء" أي: ثناؤه عليك.

"قال سفيان الثوري" المتقدّم للمصنف في الطلب ابن عيينة: "فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفي بالثناء" عن السؤال، "فكيف بالخالق" وهذا مر في الطلب بأبسط من هذا،

ص: 25

وكان صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" رواه أبو داود من حديث أنس.

وقال عليه السلام: "ما كربني أمر إلّا تمثَّل لي جبريل فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذل وكبّره تكبيرًا" رواه الطبراني عن أبي هريرة. وتقدَّم في المقصد الثامن مزيد لذلك.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول في الضالّة: "اللهم رادَّ الضالة وهادي الضالّة أنت تهدي من الضلالة، اردد عليَّ ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك". رواه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر.

وقد سقط في غالب النسخ: "وكان" صلى الله عليه وسلم" "إذا كربه أمر" أي: شقَّ عليه وأهمَّه شأنه "قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" مما نزل بي.

"رواه أبو داود من حديث أنس"، وكذا الترمذي، "وقال عليه السلام:"ما كربني أمر إلا تمثَّل لي" تصوّر "جبريل، فقال: يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا" فخيره كله لعباده، فلذا استحقّ الحمد على ذلك، "ولم يكن له شريك في الملك" الألوهية، "ولم يكن له ولي" ينصره "من" أجل "الذل" أي: لم يذل فيحتاج إلى ناصر، "وكبره تكبيرًا" عظِّمه عظمة تامَّة عن الولد والشريك، والذل وكل ما لا يليق به، أمره بأن يثق ب، ويسند أمره إليه في استكفاء ما ينوبه، مع التمسُّك بقاعدة التوكّل، وعرَّفه أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكّل عليه وحده، ولا يتوكّل على غيره من الأحياء الذين يموتون، "رواه الطبراني عن أبي هريرة.

ورواه عنه أيضًا ابن مصري في أماليه، ورواه البيهقي وابن أبي الدنيا عن إسماعيل بن أبي فديك مرسلًا "وتقدَّم في المقصد الثامن" بميم فنون- وهو مقصد الطبّ النبوي "مزيد لذلك، وكان صلى الله عليه وسلم "يقول في الضالّة" أي: في دعائه لطلب ردّها، وتكرَّر ذلك منه على ما يفيده، كان مع المضارع في أحد الأقوال: "اللهم رادَّ الضالة" الإبل التي تبقى بمضيعة بلا رب للذكر والأنثى، "وهادي الضالة أنت تهدي" بفتح التاء- من هدى، أي: تنقذ وتخلص، "من الضلالة، أردد عليَّ ضالتي بعزِّك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك".

"رواه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر: " ويجوز أنَّ هذا الدعاء ينفع لمن غاب عنه شيء حيوانًا كان أو غيره، وإن كان الأصل أنَّ الضالة الحيوان الضائع، ويقال لغيره ضائع

ص: 26

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا بباطن كفَّيه وظاهرهما. رواه أبو داود عن أنس.

وقال أبو موسى الأشعري -كما عند البخاري: دعا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.

وعنده أيضًا من حديث ابن عمر: رفع صلى الله عليه وسلم يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد".

لكن في حديث أنس "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء"، وهو حديث صحيح. ويجمع بينه وبين ما تقدّم "بأنَّ الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن يصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكّر على ذلك أنه ثبت في كلٍّ منهما حتى يُرَى بياض إبطيه، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإمَّا أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء.

ولفظه: "وكان" صلى الله عليه وسلم "يدعو هكذا بباطن كفيه" إلى السماء تارةً، إن دعا بنحو تحصيل شيء "وظاهرهما" إلى السماء تارةً، إن دعا بنحو دفع بلاء.

"رواه أبو داود عن أنس" بن مالك، قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لدفع بلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء. انتهى.

"وقال أبو موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري، كما عند البخاري" في المغازي، في قصة دعائه لأبي عامر عمّ أبي موسى بعد قتله شهيدًا في غزوة خيبر -بالراء:"دعا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" لعدم الشعر أصلًا، أو لدوام تعاهده، "وعنده" أي: البخاري "أيضًا من حديث ابن عمر" في آخر حديث مَرَّ في المغازي: "رفع صلى الله عليه وسلم يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد" مرتين، كما في البخاري، "لكن في حديث أنس" في الصحيحين: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء. وهو حديث صحيح، ويجمع بينه وبين ما تقدَّم بأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إمَّا بالمبالغة" في الرفع "إلى أن يصير اليدان حذو الوجه مثلًا في الداء" في غير الاستسقاء، يرفعهما "إلى حذو المنكبين"، ولا يعكر على ذلك أنه" ثبت في كلٍّ منهما" حديث أبي موسى بلفظ: حتى رأيت، وحديث أنس بلفظ: "حتى يرى بياض إبطيه، بل" إضراب عن العكر، "يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإمَّا أنَّ الكفَّين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء".

ص: 27

قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وبتعذير الجمع، فجانب الإثبات أرجح. انتهى.

وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود، أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا دعا حذو منكبيه. وفي رواية ابن ماجه: ويبسطهما.

وهذا يقتضي أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف.

قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء.

وروى ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضَمَّ كفَّيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف.

وهل يمسح بهما وجهه؟ أمَّا في القنوت في الصلاة فالأصح لا، لعدم وروده

ويؤيده رواية مسلم عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقى هكذا، ومد يديه وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.

"قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وبتعذير الجمع" أي: تعذره، "فجانب الإثبات أرجح. انتهى".

وعند أبي داود والترمذي، وحسَّنه عن سلمان رفعه:"إنَّ ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صفرًا" بكسر المهملة وسكون الفاء، أي: خاليتين، "وروى الإمام أحمد" والحاكم "وأبو داود، أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا دعا حَذْوَ منكبيه" أي: مقابلهما.

"وفي رواية ابن ماجه" ويبسطهما، وهذا يقتضي أن تكونا متفرقتين"؛ لأن كونهما حذو المنكبين يقتضي تفرقهما "مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف" الذي يجمعهما.

"قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء"، وكأنه عند الاستسقاء زاد مع ذلك، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذياه، وبه حينئذ يُرَى بياض إبطيه. هذا بقية كلام الحافظ جاعلًا ذلك تأييدًا للجمع السابق أن المنفي الرفع البالغ.

"وروى ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضمَّ كفَّيه" جمعهما، "وجعل بطونهما مما يلي وجهه" رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف"، وله شاهد عن أحمد عن السائب، "كان صلى الله عليه وسلم إذا سأل الله جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه، "وهل يمسح بهما وجهه" فيه

ص: 28

فيه، قال البيهقي: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئًا، وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم في الدعاء خارجها، فأمَّا فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأَوْلَى أن لا يفعله.

وقد دعا صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: "اللهمَّ أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته" رواه البخاري.

وفي "الأدب المفرد" له، عن أنس قال: قالت أم سليم -وهي أم أنس- خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له".

وفي الصحيح: إن أنسًا كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكان وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل - وقيل: ثلاث، وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو

تفصيل "أمَّا في القنوت في الصلاة فالأصح لا" يمسح "لعدم وروده فيه.

"قال البيهقي: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئًا، وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة أنه يمسح ندبًا، وهذا قسيم قوله: أمَّا في القنوت، "وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ضعيف" أخرجه أبو داود عن بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه، حسَّنه بعض الحفاظ، وهو "مستعمل عند بعضهم في الدعاء خارجها" فيستحبّ على المعتمد عند الشافعيه، وقال به بعض المالكية تفاؤلًا وتيمنًا بأن كفَّيه ملئتا خيرًا، فأفاض منه على وجهه "فأمَّا فيها، فعمل لم يثبت فيه خبر" عن المصطفى، "ولا أثر" عن صاحب، "ولا قياس، والأَوْلَى أن لا يفعله" تنزيهًا للصلاة عن فعلٍ لم يرد، "وقد دعا صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: "اللهم أكثر" بفتح الهمزة وكسر المثلثة، "اله وولده، وبارك له فيما أعطيته" رواه البخاري" في الدعوات، ومسلم في الفضائل، كلاهما عن أنس، قال: قالت أم سليم للنبي صلى الله عليه وسلم: أنس خادمك فادع له، فقال: فذكره، "وفي" كتاب الأدب المفرد له" للبخاري، "عن أنس قال: قالت أم سليم" بضم السين وفتح اللام، "وهي أم أنس: خويدمك" بالتصغير، تعنى: أنسًا "ألا تدعو له"، قالت ذلك استعطافًا، "فقال" صلى الله عليه وسلم: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له" فزاده دعوتين على الثلاثة في الحديث قبله، والحديث واحد، غير أنَّ بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر.

"وفي الصحيح: إن أنسًا كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل: وقيل: ثلاث" وتسعين، "وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة" ابن خياط -بخاء

ص: 29

المعتمد.

وأكثر ما قيل في سنِّه: إنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقلَّ ما قيل فيه: بلغ تسعًا وتسعين سنة.

وأمَّا كثرة ولده، فروى مسلم، قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادّون على نحو المائة اليوم. وورد في حديثٍ رواه الشيخان أنَّ أنسًا قال: أخبرتني ابنتي أمينة -بضم الهمزة وفتح الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون- أنه دفن من صلبي إلى مقدِم الحجاج البصرة مائة وعشرون.

وقال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة بن بدر، وأنس، وزاد غيره.

معجمة وتحتية ثقيلة- العصفري البصري، شيخ البخاريّ، صدوق، إخباري علَّامة، مات سنة أربعين ومائتين "وهو المعتمد" كما قال الحافظ:"وأكثر ما قيل في سنّه أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين" هذا يرد على قوله المصنف في شرح البخاري.

وقيل: عاش مائة سنة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وعشرين، "وأقل ما قيل فيه: بلغ تسعًا وتسعين سنة" مائة إلّا سنة، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة "وأما كثرة ولده، فروى مسلم" عن إسحاق، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدَّثني أنس قال: جاءت بي أمّي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أزرتني بنصف خمارها، ورَّدتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا ابني أنيس، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده" ، "قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادّون" أي: يبينون بالعدد، لكن لفظ مسلم: ليتعادّون على نحو المائة اليوم" بتاء ففوقية بعد التحتية، وبلفظ: اليوم.

وورد في حديث رواه الشيخان: إن أنسًا قال: أخبرتني ابنتي أمينة" أي: بضم الهمزة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية بعدها نون" فها تأنيث تابعية مقبولة، روى عنها أبوها، "أنه دُفِنَ من صلبي إلى مقدم الحجاج" بن يوسف الثقفي "البصرة" أميرًا عليها، مائةٌ وعشرون" ذكورً وأناثًا، ثم مات له بعد ذلك خمسة، فعند الطبراني قال أنس: فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين.

"وقال" محمد بن مسلم بن قتيبة" الدينوري "في" كتاب المعارف: كان بالبصرة ثلاثة من الرجال ما ماتوا حتى رأى كلّ واحد منهم من ولده مائة ذكره لصلبه: أبو بكرة، نفيع بن الحرث الثقفي الصحابي، مات بالبصرة سنة إحدى أو اثنتين وخمسين "وخليفة بن بدر

ص: 30

رابعًا: وهو المهلب بن أبي صفرة

وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له" ، فقد دفنت من صلبي مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة.

وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يؤتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك. ورجاله ثقات.

وأنس، وزاد غيره رابعًا: وهو المهلب بن أبي صفرة" بضم المهملة وإسكان الفاء- واسمه: ظالم بن سارق العتكي -بفتح المهمة والفوقية- الأزدي البصري، من ثقات الأمراء، وكان عارفًا بالحرب، فكان أعداؤه يرمونه بالكذب، وهو من كبار التابعين، وله رواية مرسلة، قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أميرًا أفضل منه، مات سنة اثنتين وثمانين على الصحيح.

"وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي صلى الله عليه وسلم" فقال: "اللهم أكثر ماله وولده" قال القاضي عياض: فيه جواز الدعاء بمثل هذا، وحجة لفضل الغنى، وذلك إذا لم يشغل عن القيام بحق الله تعالى، ولولا دعوته صلى الله عليه وسلم لخيف عليها الهلاك من كثرتهما؛ لأنه تعالى حذَّر من ذلك فقال:{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} يعني: في الغالب، وقال الأبي: ويحتمل أنه إنما دعا له بتكثير المال لما رأى عليه من حالة الفقر، وهو دليل ترديه بنصف الخمار، فلا دليل فيه على تفضيل الغنى، "وأطل عمره، واغفر له" ، فقد دفنت من صلبي مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل" بها الأشجار "في السنة" أي: كل سنة مرَّتين، لقد بقيت حتى سئمت كرهت الحياة، وأرجو الرابعة" وهي المغفرة.

وفي رواية لمسلم: فدعا لي بكل خير، وكان في آخر ما دعا به لي أن قال:"اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه"، قال القرطبي: قوله: دعا لي بكل خير، يحتمل أنه دعا له بهذا اللفظ، ويحتمل أن التعبير بذلك من أنس. انتهى.

والثاني هو المتبادر من قوله: وكان في آخر، فإنه يشعر أن قبله دعوات، إمَّا أنه لم يحفظها أو لم يرد التحديث بها تفصيلًا، فأجملها بقوله: بكل خير.

"وأخرج الترمذي عن أبي العالية" رفيع بن مهران "في ذكر أنس"، لفظ الترمذي من طريق أبي خلدة قلت لأبي العالية: أَسَمِعَ أنس من النبي صلى الله عليه وسلم قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له بستان يؤتي" بالواو، أي: يعطي "في كل سنة الفاكهة مرتين، وفي نسخة: يأتي بالفاكهة -بالألف- أي: يجيء، والذي في الإصابة عن الترمذي عن أبي العالية: يحمل الفاكهة في السنة مرّتين، وكان فيه ريحان يفوح منه ريح المسك، ورجاله ثقات، ثم لا تعارض بين هذا

ص: 31

ودعا عليه الصلاة والسلام لمالك بن ربيعة السلولي أن يبارك له في ولده، فولِدَ له ثمانون ذكرًا، رواه ابن عساكر.

وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى عليٍّ يوم خيبر، وكان أرمد فتفل في عينيه وقال:"اللهمَّ أذهب عنه الحر والبرد"، قال: فما وجدت حرًّا ولا بردًا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناي.

وبعث صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيًا فقال: يا رسول الله، لا علم لي بالقضاء، فقال:" ادن مني" فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت

وبين ما رواه ابن ماجه برجالٍ ثقات عن عمرو بن غيلان الثقفي، والطبراني عن معاذ، والطبراني أيضًا برجالٍ ثقات عن فضالة بن عبيد مرفوعًا:"اللهمَّ من آمن بي وصدَّقني وعلم أنَّ ما جئت به هو الحق من عندك، فأقلل ماله وولده وحبّب إليه لقاءك، ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأكثر ماله وولده وأطل عمره"؛ لأن فضل التقلل من الدنيا مختلف باختلاف الأشخاص، كما يشير إليه الحديث القدسي:"إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى.........." الحديث، فمن الناس من يخاف عليه الفتنة بالمال والولد، وعليه ورد هذا الحديث، وإن كانت من صيغة عموم؛ لأنه يصدق بمؤمن يخاف عليه الفتنة بالمال والولد، ومنهم من لا يخاف عليه كأنس، وحديث:"نعم المال الصالح للرجل الصالح"، فدعا لكلٍّ من أمته بما يصلح له، ولا تناقض بين أحاديثه، فقول الداودي أحمد بن نصران: حديث أنس يدل على بطلان هذا الحديث، وكيف يصح وهو صلى الله عليه وسلم يحض على النكاح والتماس الولد. ساقط، فقد أمكن الجمع، وقال الحافظ: لا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معًا، لكن يعكر عليه حديث أنس، فيقال: كيف دعا له وهو خادمه بما كرهه لغيره، فيحتمل أنه قرن دعاءه له بذلك بأن لا يناله من قبله ضرر؛ لأن المعنى في كراهة كثرة اجتماع المال والولد إنما هو لما يخشى من الفتنة بهما، والفتنة لا يؤمن معها الهلكة. انتهى.

"ودعا عليه الصلاة والسلام لمالك بن ربيعة" أبي مريم "السلولي" بمهملة ولامين- مشهور بكنيته، شهد بيعة الرضوان وحجة الوداع "أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ذكرًا، رواه ابن عساكر" وابن منده "وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى عليٍّ يوم خيبر وكان أرمد، فتفل" بفوقية ففاء- أقلّ من البزاق "في عينيه، وقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد"، فما وجد حرًّا ولا بردًا منذ ذلك اليوم ولا رمدت عيناه" بكسر الميم وتقدَّمت القصة مبسوطة في خيبر، "وبعث صلى الله عليه وسلم عليًّا" زوج الزهراء "إلى اليمن قاضيًا فقال" حين أراد بعثه:"يا رسول الله، لا علم لي بالقضاء: فقال: "ادن مني" فدنا" قرب "منه فضرب" أي: وضع "يده على صدره وقال:

ص: 32

لسانه" قال علي: فوالله ما شككت في قضاء بين اثنين. رواه أبو داود وغيره.

وعاد صلى الله عليه وسلم عليًّا من مرض فقال: "اللهم اشفه اللهمّ عافه"، ثم قال:"قم"، قال عليّ: فما عاد لي ذلك الوجع بعد. رواه الحاكم وصحَّحه البيهقي وأبو نعيم.

ومرض أبو طالب فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، ادع ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال:"اللهم اشف عمي"، "فقام أبو طالب كأنَّما تسقط من عقال"، فقال: يا ابن أخي، إن ربك الذي تعبد ليطيعك، فقال:"وأنت يا عمَّاه، لئن أطعت الله ليطيعنك" رواه ابن عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرَّد به الهيثمي، وهو ضعيف.

ودعا عليه السلام لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل". رواه البغوي وابن سعد.

وفي رواية البخاري: "اللهم علمه الكتاب" فكان عالمًا بالكتاب، حبر الأمة،

اللهم اهد قلبه" بهمزة وصل، "وثبت لسانه" بشد الموحدة، أي: اجعله مستقرًّا دائمًا على النطق بالحق، أضاف الهداية للقلب؛ لأن المراد خلق الاهتداء فيه، والثبات للسان لتحركه عند النطق، فناسب الثبات بمعنى القرار "قال عليّ: والله ما شككت في قضاء بين اثنين".

رواه أبو داود وغيره" كأحمد والترمذي من حديث عليّ، "وعاد صلى الله عليه وسلم عليًّا من مرض قال: "اللهم اشفه، اللهم عافه"، ثم قال:"قم" كأنه زال عنه المرض في الحال، فأمره بالقيام "قال عليّ: فما عاد لي لك الوجع بعد" بضم الدال، "رواه الحاكم وصحَّحه البيهقي وأبو نعيم" من حديث علي، "ومرض أبو طالب، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، ادع ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال:"اللهم اشف عمي"، فقال أبو طالب: كأنما نشط" بكسر الشين "من عقال" كان معقولًا به فحلّ منه فقام سريعًا، "قال: "يا ابن أخي، إن ربك الذي تعبد ليطيعك، فقال: وأنت يا عمَّاه لئن أطعت الله ليطيعنك".

"رواه ابن عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس، وتفرَّد به الهيثم وهو ضعيف، ودعا عليه السلام لابن عباس" عبد الله، فقال:"اللهم فقهه في الدين، اللهمَّ أعط ابن عباس الحكمة" تحقيق العلم وإتقان العمل، "وعلمه التأويل" للقرآن، وقد جاء في رواية:"وعلمه تأويل القرآن".

"رواه البغوي" الكبير في معجم الصحابة "وابن سعد" من حديث عمر بن الخطاب "وفي رواية البخاري" عن ابن عباس: ضمَّني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره، وقال:"اللهم علّمه الكتاب"

ص: 33

بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه في الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى.

وقال للنابغة الجعدي لما قال:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في علم إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما هو أعمّ من حفظه والتفهّم فيه.

وفي رواية للبخاري أيضًا: الحكمة بدل الكتاب، فقيل: المراد بها القرآن؛ لأن الحديث واحد، فرواه بعضهم بالمعنى، والأقرب أنَّ المراد بها الفهم في القرآن، وقيل: العمل به، وقيل السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، ذكره الحافظ "فكان عالمًا بالكتاب حبر" بكسر الحاء أصح من فتحها عند أكثر اللغويين، وعند ثعلب والمحدثين الفتح، أي: عالم "الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه في الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى" على أحد "وقال" صلى الله عليه وسلم "للنابغة" بنون وموحدة وغين معجمة- لقبه؛ لأنه ترك الشعر مدة في الجاهلية، ثم عاد إليه بعد أن أسلم، فقيل: نبغ، واسمه: قيس بن عبد الله بن عديس بن ربيعة بن جعدة، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: حبان بن قيس، وقيل: غير ذلك "الجعدي" نسبة إلى جدّه جعدة كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة "لما قال" أي: أنشده من قصيدته المطولة نحو مائتي بيت أولها:

خليلي غضا ساعة وتهجرا

ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا

وقال ابن عبد البر: أظنه أنشدها كلها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أتى على قوله فيها:

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى

ويتلو كتابًا كالمجرة نيرا

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

غضب وقال: "أين المظهر يا أبا ليلى؟ " قلت: الجنة، قال:"أجل إن شاء الله" ثم قال: أنشدني فأنشدته.

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في علم إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

بوادر: جمع بادرة، وصفوة -بفتح المهملة وسكون الفاء، وأصدر: منع نفسه من المهالك

ص: 34

"لا يف الله فاك" أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة، وكان من أحسن الناس ثغرًا، رواه البيهقي وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة، وما ذهب له سن، وفي رواية ابن أبي أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرًا، وإذا سقطت له سن نبتت له أخرى، وعند ابن السَّكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته صلى الله عليه وسلم.

"لا يف الله فاك" زاد في رواية: مرتين "أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف".

"قال" الراوي لهذا الحديث عن النابغة: "فأتي عليه أكثر من مائة سنة، وكان من أحسن الناس ثغرًا" بمثلثة ومعجمة، أي: أسنانًا، ففي القاموس في معاني الثغر والأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها. انتهى.

وحمل ما هنا على الجميع، متعين لقوله بعده: وما ذهب له سن "رواه البيهقي وقال فيه" الراوي: "فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة، وما ذهب له سن، وفي رواية" الحرث "بن أبي أسامة" من طريق الحسن بن عبيد الله العنبري، قال: حدَّثني من سمع النابغة الجعدي يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته، فذكر القصة وقال في آخرها:"وكان من أحسن الناس ثغرًا"، أي: أسنانًا، "وإذا سقطت له سن" لا يخالف قوله: وما ذهب له سن؛ لأنه لما "نبتت له أخرى" مكانها، كأنها لم تسقط.

وكذا رواه السلفي في الأربعين البلدانية من طريق نصر بن عاصم الليثي عن أبيه: سمعت النابغة يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر القصة وفيها فقال:"صدقت، لا يف الله فاك"، قال عاصم: فبقي عمره أحسن الناس ثغرًا، كلما سقطت سن عادت أخرى وكان معمرًا.

"وعند ابن السكن" في الصحابة والارقطني في المؤتلف والمختلف، عن كرز بن شامة: وكانت له وقادة عن النابغة، فذكر القصة بنحوها، وقال كرز:"فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد" حب الغمام "لدعوته صلى الله عليه وسلم".

وعند الخطابي في غريب الحديث، والمرهبي في كتاب العلم، وغيرهما عن عبد الله بن جراد: فرأيت أسنان النابغة كالبرد المنهل ما انقضمت له سن ولا انفلت.

وحكي في الإصابة الخلاف في سنّه، فروى الحاكم عن النضر بن شميل عن المنتجع الأعرابي، قال: أكبر من لقيت النابغة الجعدي، قلت له: كم عشت في الجاهلية؟ قال: دارين، قال النضر: يعني: مائتي سنة، وقال الأصمعي: عاش مائتين وثلاثين سنة، وقال ابن قتيبة: مات

ص: 35

وسقاه عليه الصلاة والسلام عمرو بن أخطب ماء في قدح قوارير، فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم جَمِّله" فبلغ ثلاثًا وتسعين سنة وما في لحيته ورأسه شعرة بيضاء، رواه الإمام أحمد من طريق أبي نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء. وصحَّحه ابن حبان والحاكم.

وأخرج البيهقي عن أنس أن يهوديًّا أخذ من لحية النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهمَّ جَمِّله". فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودي للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فقال:"اللهمَّ جَمِّله" فاسودَّ شعره حى صار أشد سوادًا من كذا وكذا. قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش

بأصبهان وله مائتان وعشرون سنة، وقال غيره: مائة وثمانون، وقيل: مائتان.

قال أبو عبيدة معمر: كان النابغة ممن فكَّر في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وهجر الأزلام واجتنب الأوثان، وذكر دين إبراهيم، "وسقاه عليه الصلاة والسلام عمرو" بفتح العين "ابن أخطب -بمعجمة فمهملة- ابن رفاعة الأنصاري، الخزرجي، أبو زيد، مشهور بكنيته "ماء في قدح قوارير" أي: زجاج، وأما قوله تعالى: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان: 16] ، فقال البيضاوي: أي تلونت جامعةً بين صفاء الزجاجة وشفيفها وبياض الفضة ولينها، أي: لين مَسِّها، بمعنى نعومتها، "فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم جَمِّله" فبلغ ثلاثًا وتسعين سنة وما في لحيته و" لا في "رأسه شعرة بيضاء".

رواه الإمام أحمد من طريق أبي نهيك" قال: حدثني أبو زيد، قال: استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء، فأتيته بقدح، فذكره. "قال أبو نهيك" بفتح النون- الأزدي البصري الثقة، اسمه: عثمان بن نهيك "فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء، وصحَّحه ابن حبان والحاكم"، وقد عاش بعد ذلك، ففي رواية لأحمد أيضًا عن علباء بن أحمر عن أبي زيد بن أخطب، قال: مسح النبي صلى الله عليه وسلم على وجهي ودعا لي، ووجدته زادنى جمالًا، قال -أي: علباء: فأخبرني غير واحد أنه بلغ بضعًا ومائة سنة أسود الرأس واللحية.

"وأخرج البيهقي عن أنس أن يهوديًّا أخذ من لحية النبي صلى الله عليه وسلم" شيئًا يحسن إزالته "فقال: "اللهمَّ جَمِّله" فاسودَّت لحيته بعد أن كانت بيضاء، وقال عبد الرزاق بن همام أحد الحفاظ: "أخبرنا معمر" بن راشد "عن قتادة" بن دعامة "قال: حلب يهودي للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فقال:"اللهمَّ جَمِّله" فاسودَّ شعره حتى صار أشد سوادًا من كذا وكذا".

"قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة" بفوقية قبل السين "لم

ص: 36

تسعين سنة فلم يشب، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل، والبيهقي وقال: مرسل شاهد لما قبله.

وقال صلى الله عليه وسلم لابن الحمق الخزاعي، وقد سقاه صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ متعه بشبابه"، فمرَّت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء. رواه أبو نعيم وغيره.

وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها صلى الله عليه وسلم، ووضع يده على صدرها ثم قال:"اللهمَّ مشبع الجاعة لا تجع فاطمة بنت محمد". قال عمران بن الحصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على الصفرة في وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره يعقوب بن سليمان الإسفرايني في دلائل الإعجاز.

ودعا صلى الله عليه وسلم لعروة بن الجعد البارقي فقال: "اللهمَّ بارك له في صفقة يمينه"، قال: فما اشتريت شيئًا قط إلا وربحت فيه.

يشب، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل والبيهقي، وقال: مرسل شاهد لما قبله" من مرسل قتادة، "وقال عليه الصلاة والسلام لابن الحمق" بفتح المهملة وكسر الميم وقاف- واسمه: عمرو -بفتح العين- ابن الحمق بن كاهل "الخزاعي" الكعبي: "وقد سقاه عليه الصلاة والسلام" لبنا "اللهمَّ متِّعه بشبابه"، فمرت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء" يعني: إنه استكمل الثمانين لا أنه عاش بعد ذلك ثمانين، قاله في الإصابة:"رواه أبو نعيم وغيره" من حديثه، وقد سكن الكوفة ثم مصر، ثم قتل زمن معاوية ووجه إليه برأسه، "وجاءته" صلى الله عليه وسلم "فاطمة ابنته، سيدة النساء "وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها صلى الله عليه وسلم ووضع يده" الميمونة على صدرها، ثم قال: "اللهمَّ مشبع الجاعة" جمع جائع "لا تجع فاطمة بنت محمد"، قال عمران بن الحصين: فنظرت إليها" عقب الدعاء "وقد علاها الدم على الصفرة في وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران بعد الدعاء.

"ذكره يعقوب بن سليمان الإسفرايني في دلائل الإعجاز، ودعا عليه الصلاة والسلام لعروة بن الجعد" ويقال: ابن أبي الجعد، وصوَّبه علي بن المديني، وقال ابن قانع: اسم أبي الجعد عياض، وزعم الرشاطي أنه عروة بن عياض بن أبي الجعد، وأنه نسب إلى جده كما في الإصابة "البارقي" بالموحدة والقاف- حضر فتوح الشام، ثم سيِّره عثمان إلى الكوفة، وهو أول قاض بها، وحديثه عند أهلها: لما أرسله يشتري بدينار فاشترى به شاتين، باع إحداهما بدينار وجاء به، وبالشاة الأخرى له صلى الله عليه وسلم فقال:"اللهم بارك له في صفقة يمينه"، قال عروة:"فما اشتريت شيئًا قط إلا ربحت فيه" والحديث مشهور في البخاري وغيره.

ص: 37

وقال لجرير البجلي، وكان لا يثبت على الخيل، وضرب في صدره:"اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا" قال: فما وقعت عن فرسي بعد.

وقال لسعد بن أبي وقاص: "اللهم أجب دعوته" فكان مجاب الدعوة. رواه البيهقي والطبراني في الأوسط.

ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس، زاد البيهقي من وجه آخر: قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب تحته ذهبًا أو فضة. الحديث.

قال القاضي عياض: وقد فتح الله عليه ومات، فحفر الذهب من تركته بالفئوس حتى مجلت فيه الأيدي، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفًا، وكن أربعًا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهنَّ؛ لأنه طلقها في مرض موته على

"وقال صلى الله عليه وسلم "لجرير" بن عبد الله "البجلي، وكان لا يثبت على الخيل" أي: يسقط لعدم اعتياده ركوبها، وكان يخاف السقوط عنها حال جريها، "وضرب في صدره:"اللهم ثَبِّته" فدعا له بأكثر مما طلب وهو الثبوت مطلقًا، "واجعله هاديًا" لغيره "مهديًّا" في نفسه، "قال" جرير: فما وقعت عن فرس بعد" والحديث في الصحيح، "وقال لسعد بن أبي وقاص" مالك الزهري: "اللهم أجب دعوته، فكان مجاب الدعوة" بعين ما يدعو به.

"رواه البيهقي والطبراني في الأوسط"، وهو في الترمذي من حديث ابن أبي حازم، عن سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم استجب لسعد إذا دعاك" فكان لا يدعو إلّا استُجيبَ له "ودعا" صلى الله عليه وسلم "لعبد الرحمن بن عوف" الزهري "بالبركة".

"رواه الشيخان عن أنس" قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال:"مهيم"، قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، فقال:"بارك الله لك، أَوْلِم ولو بشاة" زاد البيهقي من وجه آخر.

"قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب تحته ذهبًا أو فضة..... الحديث".

"قال القاضي عياض: وقد فتح الله عليه، ومات، فحفر الذهب من تركته بالفئوس حتى مجلت" بفتح الميم والجيم وتكسر الجيم- أي: تنقطت "فيه الأيدي" أي: صار فيها بين الجلد واللحم ماء.

قاله الجوهري: "وأخذت كل زوجة ثمانين ألفًا وكن أربعًا، وقيل:" أخذت كل واحدة من الأربع "مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهنَّ" وهي تماضر -بضم الفوقية وكسر الضاد المعجمة- الكلبية الصحابية "لأنه طلَّقها في مرض موته على ثمانين ألفًا، وأوصى بخمسين ألفًا

ص: 38

ثمانين ألفًا. وأوصى بخمسين ألفًا بعد صدقاته الفاشية في حياته، وعوارفه العظيمة، أعتق يومًا ثلاثين عبدًا، وتصدَّق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء، فتصدَّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها.

وذكر المحب الطبري مما عزاه للصفوة عن الزهري: إنه تصدق بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.

ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز -وهو الدم بالوبر- حتى استعطفته قريش.

ولما تلى عليه الصلاة والسلام: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} قال عتيبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال:"اللهمَّ سلط عليه كلبًا من كلابك". فخرج عتيبة مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: في أي شيء ترعد؟ فوالله ما نحن وأنت في هذا إلا سواء، فقال

بعد صدقاته الفاشية" أي: الكثيرة "في حياته، وعوارفه" أي: أفعاله المعروفة، جمع عارفة "العظيمة، أعتق يومًا ثلاثين عبدًا، وتصدَّق مرة بعير" بكسر العين "فيها سبعمائة بعير وردت عليه" من تجارته "تحمل من كل شيء، فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها".

"وذكر المحب الطبري مما عزاه للصفوة" لابن الجوزي "عن الزهري، أنه تصدق بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل" المغازين "على خمسمائة فرس في سبيل الله" الجهاد، "ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة" من الجمال "في سبيل الله وكان عامَّة ماله من التجارة، ودعا" صلى الله عليه وسلم "على مضر" بقوله: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" ، "فأقحطوا حتى أكلوا العلهز" بكسر المهملة والهاء بينما لام ساكنة وآخره زاي "وهو الدم بالوبر، حتى استعطفته قريش" فدعا لهم "ولما تلا عليه الصلاة والسلام: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} ، قال عتيبة" بالتصغير "ابن أبي لهب" وأما أخوه عتبة المكبر فأسلم في فتح مكة كما مَرَّ: "كفرت برب النجم، فقال: "اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك" فخرج عتيبة مع أصحابه في عير" إبل "إلى الشام" في تجارة "حتى إذا كانوا بالشام" بمحل يقال له الزرقاء، "زأر" بزاي فراء فهمزة- أي: صوت "أسد، فجعلت فرائصه ترعد" بضم العين وفتحها "فقيل له: في أي شيء ترعد، فوالله ما نحن وأنت في هذا إلّا سواء، فقال: إن محمدًا دعا علي

ص: 39

إن محمدًا دعا علي، ولا والله ما أظلت هذه السماء من ذي لهجة أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسَّطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رءوسهم رجلًا رجلًا حتى انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدًا أصدق الناس، ومات. ذكره يعقوب الإسفرايني. وتقدَّم في ذكر أولاده عليه الصلاة والسلام قصة بنحو هذا.

وعن مازن الطائي -وكان بأرض عمان- قلت: يا رسول الله، إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحياء

ولا والله ما أظلَّت هذه السماء من ذي لهجة" بفتح الهاء أفصح من سكونها، قاله الزمخشري: "أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه حتى جاء النوم" أي: وقته "فأحاطوا به" داروا حوله "وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسَّطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق:" يشمّ "رءوسهم رجلًا رجلًا حتى انتهى إليه، فمضغه مضغة وهو يقول: ألم أقل لكم أن محمدًا أصدق الناس ومات".

"ذكره يعقوب الإسفرايني، وتقدَّم في ذكر أولاده عليه الصلاة والسلام قصة بنحو هذه" ذكر فيها أن سبب الدعاء أن عتيبة لما فارق السيدة أم كلثوم قال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، فدعا عليه، فيحتمل تعدّد السبب، "وعن مازن" بزاي ونون- ابن العضوية -بفتح العين المهملة وضم الضاد المعجمة- ابن غراب "الطائي"، ذكره ابن السكن وغيره في الصحابة، "وكان بأرض عمان: "بضم المهملة وخفة الميم- موضع باليمن، وفي خبره هذا أنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم:

إليك رسول الله خبت مطيتي

تجوب الفيافي من عمان إلى العرج

لتشفع لي يا خير من وطيء الحصى

فيغفر لي ذنبي وارجع بالفلج

والفلج -بضم الفاء وسكون اللام وجيم: الفوز، وتجوب -بجيم وموحدة: تقطع، وخبت -بخاء معجمة وموحدة: سارت سيرًا شديدًا، ويروى: جئت -بمهملة مضمومة ومثلثة مبني للمفعول "قلت: يا رسول الله، إني امرؤ مولع" متعلّق "بالطرب" بفتحتين- الخفة واللعب والميل إلى اللهو، "وشرب الخمر والنساء، وألحت" دامت "علينا السنون" القحط والجدب "فأذهبنَّ الأموال وأهزلنَّ" من الهزال -بالزاي- ضد السمن، "الذراري والرجال" من الجوع، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحياء" بالقصر الغيث والمطر والخصب "ويهب لي

ص: 40

ويهب لي ولدًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وأته بالحياء، وهب له ولدًا" قال مازن: فأذهب الله عني كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن. رواه البيهقي.

ولما نزل صلى الله عليه وسلم بتبوك، صلى إلى نخلة، فمَرَّ رجل بينه وبينها، فقال صلى الله عليه وسلم:"قطع صلاتنا قطع الله أثره" فأقعد فلم يقم. رواه أبو داود والبيهقي، لكن بسند ضعيف.

وأكل عنده صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: "كل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال:"لا استطعت" فما رفعها إلى فِيهِ بعد. والرجل هو بسر -بضم الموحدة وسكون المهملة- ابن راعي العير -بفتح العين وسكون المثناة التحتية.

ولدًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وأته بالحياء وهب له ولدًا"، قال مازن: فأذهب الله عني كل ما كنت أجد وأخصبت عمان" أسقط من الحديث: وحججت حججًا، وحفظت شطر القرآن، "وتزوَّجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان" بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة تحت، كذا رأيته مضبوطًا، ولا أعرف له ترجمة، قاله في نور النبراس "ابن مازن".

رواه البيهقي" في الدلائل، والطبراني وابن السكن والفاكهي في كتاب مكة، وابن قانع كلهم من طريق هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: حدَّثني عبد الله العماني، قال: قال مازن بن العضوية: فذكر حديثًا طويلًا اقتصر المصنف منه على حاجته، "ولما نزل صلى الله عليه وسلم بتبوك، صلى إلى نخلة، فمَرَّ بينه وبينها، فقال صلى الله عليه وسلم:"قطع صلاتنا" أي: فعل: ما ينقص ثوابها "قطع الله أثره"، ولعله فهم منه انتهاك حرمة الله، فدعا عليه لأنه كان لا ينتقم لنفسه، "فأقعد فلم يقم" أي: فلم يستطع القيام بعد. "رواه أبو داود والبيهقي، لكن بسند ضعيف. وأكل عنده صلى الله عليه وسلم رجل بشماله، فقال: "كل بيمينك" قال: "لا أستطيع"، قال: "لا استطعت"، فما رفعها إلى فيه بعد" فما استطاع رفعها، ذلك لا أنه تركه مع القدرة عليه، والحديث رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، وزاد في رواية مسلم: لم يمنعه إلا الكبر، واستدلّ به عياض على أنه كان منافقًا، وزيفه النووي بأن ابن مندة وأبا نعيم وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصحابة، قال في الإصابة: وفيه نظر؛ لأن كل من ذكره إنما استند لهذا الحديث، فالاحتمال قائم، ويمكن الجمع بأنه لم يكن في تلك الحالة أسلم، ثم أسلم بعد، "والرجل" المبهم في رواية مسلم "هو بسر -بضم الموحدة وسكون المهملة- كما ضبطه الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما، وقيل: فيه بشر بالمعجمة، ذكره ابن منده ونسبه أبو نعيم إلى التصحيف، لكن في سنن البيهقي، أنه بمعجمة أصح "ابن راعي العير -بفتح

ص: 41

وطلب صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان، فقيل له: إنه يأكل، فقال في الثانية:"لا أشبع الله بطنه" فما شبع بطنه أبدًا، رواه البيهقي من حديث ابن عباس، وكان معاوية رديفه يومًا فقال: يا معاوية، ما يليني منك"؟ قال: بطني؟ قال: "اللهمّ املأه علمًا وحلمًا". رواه البخاري في تاريخه.

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ثروان: "اللهم أطل شقاءه وبقاءه" فأدرك شيخًا كبيرًا شقيًّا يتمنَّى الموت.

وكم له صلى الله عليه وسلم من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي عياض بابًا في

العين وسكون المثناة التحتية" الأشجعي، كما سُمِّيَ بذلك في رواية الدارمي وابن حبان والطبراني عن سلمة، ولا دلالة فيه على وجوب الأكل باليمين؛ لأن الدعاء ليس لترك المستحب، بل لقصده المخالفة كبرًا بلا عذر، ومَرَّ لذلك مزيد في المقصد الثالث،: "وطلب صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان، فقيل له: إنه يأكل، فقال في الثانية:"لا أشبع الله بطنه" دعاء عليه على المتبادر، ويدل عليه قول:"فما شبع بطنه أبدًا"، زعم أنه دعا له بأنَّ الله يرزقه القناعة ليس بشيء، ولا يؤيده دعاؤه له في الحديث الثاني؛ لأنهما قصتان.

"رواه البيهقي من حديث ابن عباس" وفي مسلم، عنه: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ادع لي معاوية"، وكان كاتبه "وكان معاوية رديفه يومًا، فقال له: يا معاوية، ما يليني منك، قال بطني، قال: "اللهم املأه" أي: البطن؛ لأنه مذكر "علمًا وحلمًا" رواه البخاري في تاريخه، وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ثروان" بمثلثة وراء- الراعي التميمي، ذكره الدولابي في الكنَى.

وأخرج عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن زكريا، عن عبد الملك بن هارون، من عنيزة، قال: حدثني أبي، سمعت أبا ثروان يقول: كنت أرعى لبني عمرو بن تميم في إبلهم، فهرب النبي صلى الله عليه وسلم من قريش، فجاء حتى دخل في إبلي، فنفرت الإبل؟ فإذا هو جالس، فقلت: من أنت؟ فقد نفرت إبلي، قال:"أردت أن أستأنس إليك وإلى إبلك"، فقلت: من أنت؟ قال: "ما يضرك أن لا تسألني؟ " قلت: إني أراك الذي خرجت نبيًّا، قال:"أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، قلت: اخرج من إبلي فلا يبارك الله في إبل أنت فيها، فقال:"اللهمَّ أطل شقاءه وبقاءه"، فأدرك شيخًا كبيرًا شقيًّا" من الشقاء وهو التعب، لفظ الرواية المذكورة: قال هارون: فأدركته شيخًا كبيرًا "يتمنَّى الموت" فقال له القوم: ما نراك يا أبا ثروان إلا هالكًا، دعا عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كلا، إني أتيته بعدما ظهر الإسلام، فأسلمت واستغفر لي، ولكن دعوته الأولى سبقت، وتابعه محمد بن سليمان الباغندي عن عبد الملك وعبد الملك متروك.

ذكره في الإصابة: وكم للتكثير، صلى الله عليه وسلم "له من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي

ص: 42

الشفاء ذكر فيه طرفًا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفرايني في كتابه "دلائل الإعجاز" فكم أجابه الله تعالى إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله.

وأما حديث أبي هريرة عند البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبيء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" ، فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم- من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أنَّ لكل نبي دعوة مجابة فقط.

وأجيب: بأنَّ المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهي على رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى" وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامّة مستجابة في أمته، إما

عياض بابًا في الشفاء، ذكر فيه طرفًا" أي: بعضًا "منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفرايني في كتابه دلائل الإعجاز: فكم" للتكثير، "أجابه الله تعالى إلى مسئوله وأجناه" بجيم ونون، أي: أعطاه من شجرة دعائه ثمرة سؤله"، شبَّه الدعاء ببستان ذي شجر، فهو استعارة بالكناية، وإثبات الشجر تخييل، والثمرة ترشيح، والمعنى: إنَّ الله أعطاه ما سأل على أكمل وجه، وتهيأ ما سأله في دعائه.

"وأمَّا حديث أبي هريرة عند البخاري" ومسلم وغيرهما "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة" وقوله: "مستجابة" إنما وقعت في رواية أبي ذر وحده للبخاري، ولم تقع لباقي رواته، ولا هي في الموطأ الذي أخرجه البخاري من طريقه ولا في مسلم "يدعو بها" بهذه الدعوة "وأريد أن أختبيء" بسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الموحدة فهمزة- أي: أدَّخِر "دعوتي" المقطوع بإجابتها "شفاعة لأمتي في الآخرة" في أهمّ أوقات حاجتهم.

"فقد استشكل ظاهره بما ذكرته" من الأحاديث، وفيها كلها أنه استجيب له ما دعا به، "وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء صلى الله عليه وسلم من الدعوات المجابة" التي لا تحصى "فإن ظاهره أنَّ لكل نبي دعوة مستجابة فقط" تعليل للإشكال.

وأجيب بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهي على رجاء الإجابة" على غير يقين ولا وعد.

"وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: هي "أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى" ليست أفضل وإن كانت مجابة.

"وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامَّة مستجابة في أمته، إما بإهلالكم وإما بنجاتهم،

ص: 43

بإهلاكم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب. وقيل: لكل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] وقول زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} [مريم: 6] وقول سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} .

وأما قول الكرماني في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لكلّ نبي دعوة مستجابة، وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، فقال العيني: هذا السؤال لا يعجبني؛ لأن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة. وقوله:"لكل نبي دعوة مستجابة" لا ينفي ذلك؛ لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم دعا بشيء فلم يستجب له.

وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء؛ حيث آثر أمته

وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب" بعين المطلوب لا مطلقًا، فلا يرد أن آحاد المؤمنين يستجاب لهم بإحدى ثلاث كما مَرَّ. "وقيل: لكلٍّ منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} فهذه دعوة لإصلاح دنياه، "وقول زكريا:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} فهذه لنفسه، "وقول سليمان:{وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي} لا يكون {لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فهذه لنفسه.

"وأما قول الكرماني" محمد بن يوسف "في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: لكل نبي دعوة مستجابة، وإجابة الباقي في مشيئة الله" تعالى، فيجوز أن لا يستجاب بعضها في الدنيا وأكثرها مجاب، "فقال العيني" بدر الدين محمود:"هذا السؤال لا يعجبني؛ لأن فيه بشاعة" كراهة "وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة".

"وقوله: "لكل نبي دعوة مستجابة" لا ينفي ذلك؛ لأنه ليس بمحصور. انتهى" أي لم يقل: لا يستجاب لكل نبي إلّا دعوة، وهذا قد سبقه إلى نحوه بعض شراح المصابيح، وقد تعقَّبه الطيبي بأن غفلة عن الحديث الصحيح.

"سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنين ومنعنى واحدة" انتهى. وبه يتعقّب أيضا قوله: "ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم دعا بشيء فلم يستجب له" بل نقل كما رأيت "وفي هذا الحديث بيان فضيلة

ص: 44

على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره -صلوات الله وسلامه عليهم.

وظاهر الحديث يقتضي أنه عليه السلام أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طليها فحصل من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا.

وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم الترقي في مراتب التوحيد بقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} [محمد: 19] فإنه ليس أمرًا بتحصيل ذلك العلم؛ لأنه عالم بذلك، ولا بالثبات؛ لأنه معصوم، فتعيِّن أنه يكون للترقي في مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أنَّ العلم به تعالى، والسير إليه لا نهاية له أبدًا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية في العالم منتظم في سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا

نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء؛ حيث آثر أمته على نفسه" فلم يدعها لنفسه "و" "أهل بيته يدعوته المجابة" فلم يدع بها لهم "ولم يجعلها دعاء عليهم" أي: أمته "بالهلاك كما وقع لغيره" نوح -صلوات الله وسلامه عليهم"، ووجه الفضيلة للمصطفى مع أن نوحًا إنما دعا بعد أن أوحي إليه:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} ، إنَّ نبينا -صلى الله عليه سلم- لما أتى له ملك الجبال وقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال:"لا إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله" صلى الله عليهم أجمعين، "وظاهر الحديث يقتضي أنه عليه السلام أخَّر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع" فيه، فهو خبر، فذلك اليوم، والعائد محذوف، ويحتمل نصب اليوم ظرفًا فلا حذف.

"ويحتمل أن يكون المؤخَّر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ونفعها، وأما طلبها، فحصل من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا" لكنَّه احتمال بعيد مخالف للظاهر، "وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالترقي في مراتب التوحيد، بقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} ، فإنه ليس أمرًا بتحصيل ذلك العلم؛ لأنه عالم بذلك" فيلزم الأمر بالموجود في المأمور "ولا بالثبات" الدوام عليه؛ "لأنه معصوم" فلا يمكن منه عدم الثبات حتى يؤمر به "فتعيِّن أن يكون للترقي في مراتبه ومقاماته، إشارةً إلى أن العلم به تعالى، والسير إليه لا نهاية له أبدًا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية في العالم منتظم" داخل "في سلك تحقيقها ومستثمر" أي: مثمر، فالسين زائدة، "من أفنان" جمع فنن، أي: أغصان، أي: خواص "طواياها" أي: المراتب العلية، جميع طويّة بمعنى مطوية، أي: ما خفي من تلك المراتب.

ص: 45

اكتفى بعلمها له صلى الله عليه وسلم في الآية، فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى له عليه الصلاة والسلام:{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك} [المزمل: 8] وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 205] ؛ لأنه لا بُدَّ في أول السلوك من الذكر باللسان مدةً، ثم يزول الاسم ويبقى المسمَّى، فالدرجة الأولى هي المرادة بقوله:{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك} [المزمل: 8] والمرتبة الثانية هي المرادة بقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّك} ، وفي استيفاء مباحث ذلك طول يخرج عن الغرض، وقد تقدَّم جملة من أذكاره مفرَّقة في الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة. كما رواه عنه أبو هريرة عند البخاري.

وظاهره أنَّه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه صلى الله عليه وسلم يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من

"ولذا اكتفى بعلمها له صلى الله عليه وسلم في الآية، فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده" عن شوائب الشرك وتكميله" بالترقي فيه.

"وقد قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك} ، وقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أي: سرًّا {تَضَرُّعًا} تذللًا {وَخِيفَةً} خوفًا منه؛ "لأنه لا بُدَّ في أول السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمَّى، فالدرجة الأولى هي المرادة بقوله:{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك} والرتبة الثانية هي المرادة بقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} وفي استيفاء مباحث ذلك طول يخرج عن الغرض"، وهذا شذا عبقة صوفية.

"وقد تقدَّم جملة من أذكارها مفرقة في الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك كالصيام، فلا حاجة إلى إعادتها "وقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة" إظهارًا للعبودية، وافتقارًا لكرم الربوبية، وتعليمًا لأمَّته، أو من ترك الأولى، أو تواضعًا، أو لأنه كان دائم الترقي في معارج القرب، فكلما ارتقى درجة ورأى ما قبلها دونها استغفر، لكن قال الفتح: إن هذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك.

"كما رواه عنه أبو هريرة" قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"، هذا لفظه "عند البخاري" في الدعوات، وليس فيه: والليلة، "وظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد أنه صلى الله عليه وسلم يقول

ص: 46

طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنَّا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" مائة مرة.

ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة "أكثر من سبعين مرة" المبالغة، ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ "أكثر" مبهم، فيمكن أن يفسَّر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة، من رواية معمر عن الزهري بلفظ:"إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك.

هذا اللفظ بعينه، ويرجّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد" أي: مقبول "من طريق مجاهد عن ابن عمر، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله" أي: النسائي "من رواية محمد بن سوقة -بضم المهملة- الغنوي -بفتح المعجمة والنون الخفيفة- أبي بكر الكوفي، العابد الثقة، المرضي من رجال الجميع "عن نافع عن ابن عمر، بلفظ: إن" مخففة من الثقيلة، أي: إنا "كنَّا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس: "رب اغفر لي وتب علي إنك التواب الغفور" مائة مرة".

"ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة: "أكثر من سبعين مرة" المبالغة" والتكثير، فإن العرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، وقد قال أعرابي لمن أعطاه شيئًا: سبع الله لك الأجر، أي: كثره لك، ويدل عليه حديث البخاري مرفوعًا:"إن عبدًا أذنب ذنبًا، فقال: رب إني أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فغفر له"، وفي آخره:"علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، اعمل ما شئت فقد غفرت لك".

"ويحتمل أن يريد به العدد بعينه" كما قال في النهاية والمطالع: كل ما جاء في الحديث من ذكر الأسباع، قيل: هو على ظاهره وحصر عدده، وقيل: هو بمعنى التكثير، "و" لكن لفظ:"أكثر" مبهم، فيمكن أن يفسّر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة"؛ لأن الحديث يفسر بالحديث.

"وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة من رواية معمر عن الزهري" عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة "بلفظ:"إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"، لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك" فإنهم إنما قالوا: أكثر من سبعين، فرواية معمر شاذة.

ص: 47

نعم أخرج النسائي أيضًا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة".

وأخرج النسائي أيضًا من طريق عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة".

واستغفاره عليه الصلاة والسلام تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك، وتقدَّم ما ينتظم في سلك ذلك.

فإن قلت: ما كيفية استغفاره صلى الله عليه وسلم؟

فالجواب: إنه ورد في حديث شداد بن أوس، عند البخاري رفعه: سيد الاستغفار أن يقول: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على

"نعم أخرج النسائي من رواية محمد بن عمرو" بفتح العين "عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة "بلفظ:"إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة".

وأخرج النسائي أيضًا من طريق عطاء بن أبي رباح "عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس، فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" فثبت بذلك أن حديث أبي هريرة جاء بلفظ:"مائة مرة" من غير طريق الزهري، ومن طريقه بلفظ:"أكثر من سبعين"، فقوي تفسير أكثر بالمائة، "واستغفاره عليه الصلاة والسلام تشريع لأمته، أو من ذنوبهم".

"وقيل: غير ذلك، وتقدَّم ما ينتظم في سلك ذلك، فإن قلت: ما يفية استغفاره عليه السلام؟ فالجواب: إنه" قد علم مما سبق أنه لم يتقيد بصفة مخصوصة، ولكن "ورد في حديث شداد بن أوس" بن ثابت الأنصاري ابن أخي حسان بن ثابت، يكنَّى أبا يعلى، مات بالشام قبل سنة ستين أو بعدها "عند البخاري" والنسائي "رفعه: سيد الاستغفار" أي: أفضله كما أشار إليه البخاري؛ حيث ترجم على هذا الحديث باب أفضل الاستغفار، ومعنى الأفضلية كما قال الحافظ: الأكثر نفعًا للمستعمل، وقال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور، "أن يقول" العبد، ففي رواية أحمد والنسائي: إن سيد الاستغفار أن يقول العبد: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني" كذا في معظم الروايات: أنت مرة واحدة، ولبعضهم: أنت أنت مرتين، "وأنا عبدك".

قال الطيبي: يجوز أن تكون حالًا مؤكدة وأن تكون مقدرة، أي: أنا عبد لك، كقوله:{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} وينصره عطف قوله: "وأنا على عهدك ووعدك" أي: ما

ص: 48

عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". قال:"من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقنًا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة"، فتعيّن أن هذه الكيفية هي

عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، "ما استطعت" من ذلك، وما مصدرية ظرفية، أي: مدة استطاعتي، وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، وقد يكون المراد كما قال ابن بطال: بالعهد، العهد الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم أمثال الذرو، {أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ، فأقروا بالربوية وأذعنوا بالوحدانية، وبالوعد ما قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"إن مات لا يشرك بالله شيئًا وأدَّى ما افترض الله عليه دخل الجنة" ، "أعوذ بك من شرِّ ما صنعت" أبوء -بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودة- أعترف "بنعمتك علي وأبوء".

زاد في رواية الكشميهني: لك "بذنبي" أعترف به أو أحمله برغمي، لا أستطيع صرفه عني، "فاغفر" في رواية بلا فاء "لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

قال الطيبي: اعترف أولًا بأنه أنعم عليه ولم يقيده؛ ليشمل جميع أنواع الإنعام، ثم اعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها وعدَّه ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس.

قال الحافظ: ويحتمل أن قوله: "أبوء لك بذنبي" اعتراف بوقوع الذنب مطلقًا؛ ليصح الاستغفار منه، لا أنه عد ما قصّر فيه من أداء النعم ذنبًا، "قال" صلى الله عليه وسلم:"من قالها" أي: الكلمات "من النهار موقنًا" مخلصًا بها ، "من قلبه" مصدقا بثوابها، "فمات من يومه" قبل أن يمسي، "فهو من أهل الجنة" الداخلين لها ابتداءً من غير دخول النار؛ لأن الغالب أن المؤمن بحقيقتها الموقن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو أن الله تعالى يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار. قاله الكرماني.

"ومن قالها من الليل وهو موقن" مخلص بها، "فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة" ويحتمل أن يكون هذا فيمن قالها ومات قبل أن يفعل ما تغفر له به ذنوبه، وقال ابن أبي جمرة: من شرط الاستغفار صحة النية والتوجّه والأدب، فلو أن أحدًا حصَّل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ، واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد، لكن أخلَّ بالشروط هل يتساويان؟ فالجواب: إن الذي يظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة، قال: وقد جمع هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمَّى سيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالألوهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء

ص: 49

الأفضل، وهو صلى الله عليه وسلم لا يترك الأفضل.

وأما قرءاته صلى الله عليه وسلم وصفتها، فكانت مدًّا، يمد ب "بسم الله" ويمد بـ "الرحمن" ويمد بـ "الرحيم" رواه البخاري عن أنس.

إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، وأن تكاليف الشريعة لا تحصل إلّا إذا كان في ذلك عون من الله، وهذا هو القدر الذي يُكَنَّى عنه بالحقيقة، فلو أن العبد خالف حتى يجري عليه ما قدر عليه، وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة، لم يبق إلّا أحد أمرين: إما العقوبة بمقتضى العدل، أو العفو بمقتضى الفضل أ. هـ.

وقال الكرماني: لا شك أنّ في الحديث ذكر الله بأكمل الأوصاف، وذكر العبد نفسه بأنقص الحالات، وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو، أمَّا الأول فلِمَا فيه من الاعتراف بوجود الصانع وتوحيده الذي هو أصل الصفات القدسية المسماة بصفات الجلال، والاعتراف بالصفات الصنعية الوجودية المسمَّاة بصفات الإكرام، وهي القدرة اللازمة عن الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة، والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر اللازمان من المغفرة؛ إذ المغفرة للسموع، والمبصر لا تتصور إلّا بعد السماع والإبصار.

وأما الثاني: فلما فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب، في مقابلة النعمة التي تقتضي نقيضها وهو الشكر أ. هـ "فتعيِّن أنَّ هذه الكيفية هي الأفضل، وهو صلى الله عليه وسلم لا يترك الأفضل" رأسًا، بل بقوله: ويقول غيره: لا أنه يقتصر عليه وإلا خالف الأحاديث.

قال الحافظ: ومن أوضح ما جاء في الاستغفار ما أخرجه الترمذي وغيره مرفوعًا: "من قال استغفر الله الذي لا إله إلا الله هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف".

قال أبو نعيم: هذا يدل على أن بعض الكبائر يغفر ببعض العمل الصالح، وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكمًا في نفس ولا مال، وفي قوله تعالى:{وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} إشارة إلى أنَّ من شرط قبول الاستغفار أن يقلع المستغفر عن الذنب، وإلا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب، ولأبي داود والترمذي مرفوعًا:"ما أصرَّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة".

وأما قراءته صلى الله عليه وسلم وصفتها فكانت مدًّا" بغير همز، أي: ذات مد، أي: يمد الحرف المستحق للمد، "يمد بسم الله" أي: اللام التي هي قبل هاء الجلالة" ويمد بالرحمن" الميم التي قبل النون ويمد بالرحيم" أي: الحاء المد الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلّا به من غير زيادة عليه، لا كما يظن بعضهم من الزيادة عليه.

"رواه البخاري" في التفسير "عن أنس، ونعتتها" وصفت قراءته "اسم سلمة" هند "قراءة

ص: 50

ونعتها أم سلمة: "قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. رواه أبو داود والنسائي والترمذي.

وقالت أيضًا: كان صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، يقول:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، ثم يقول:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف. رواه الترمذي.

وقالت حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. رواه مسلم.

وقال البراء: كان يقرأ في العشاء {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} فما سمعت أحدًا

مفسرة حرفًا حرفًا. رواه أبو داود والنسائي والترمذي" عنها، "وقالت" أم سلمة "أيضًا: كان صلى الله عليه وسلم يقطّع -بشد الطاء- من التقطيع قراءته، أسقط من الحديث آية آية، أي: يقف على فواصل الآي "يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، ثم يقول: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف" وهكذا، ولذا قال البيهقي وغيره: الأفضل الوقوف على رءوس الآي، وإن تعلقّت بما بعدها.

قال البيهقي: متابعة السنة أَوْلَى مما ذهب إليه بعض القراء من تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوف عند انتهائها، وقال الطيبي: قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} يشير إلى ملكه لذوي العلم من الملائكة والثقلين يدبر أمرهم في الدنيا، وقوله:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يشير إلى أنه يتصرّف فيهم في الآخرة بالثواب والعقاب.

وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} متوسط بينهما، ولذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فكما جاز ذلك الوقفو يجوز هذا، فقول بعضهم: هذه الرواية لا يرتضيها البلغاء وأهل اللسان؛ لأن الوقف الحسن ما هو عند الفصل التام من أول الفاتحة إلى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وكان صلى الله عليه وسلم أفضل الناس غير مرضي، والنقل أَوْلَى بالاتباع.

"رواه الترمذي" وقال: حسن غريب، والحاكم وقال: على شرطهما، وأقرَّه الذهبي، "وقالت حفصة" أم المؤمنين:"كان يرتل السورة" يقرأها بتمهّل وترسّل؛ ليقع مع ذلك التدبر، كما أمره تعالى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المرسل: 4] حتى تكون أطول من أطول منها" إذا قرئت بلا ترتيل، أي: حتى يكون الزمن الذي صرفه في قراءتها أطول من الزمن الذي صرفه في قراءة الطويلة.

"رواه مسلم" من طريق مالك وغيره، وهو في الموطأ، "وقال البراء" بن عازب -رضي الله تعالى عنهما":"كان" صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء والتين بالواو حكاية ولبعض الرواة بالتين والزيتون أي بهذه السورة في الركعة الأولى.

ففي رواية للشيخين أيضًا عن البراء أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى

ص: 51

أحسن صوتًا أو قراءة منه صلى الله عليه وسلم. رواه الشيخان.

فقد كانت قراءته صلى الله عليه وسلم ترتيلًا لا هذا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنَّى بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانًا، كما رجع يوم الفتح في قراءة {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} . وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه: آآآثلاث مرات، ذكره البخاري.

وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" وقوله: "ليس

الركعتين، والتين والزيتون وللنسائي: فقرأ في الركعة الأولى، وفي كتاب الصحابة لابن السكن عن ورقة بن خليفة، رجل من أهل اليمامة.

قال: سمعنا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأتيناه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، وأسهم لنا، وقرأ في الصلاة بـ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .

قال الحافظ: يمكن إن كانت، أي: القراءة في الصلاة التي عين البراء أنها العشاء، أن قرأ في الأولى بالتين، وفي الثانية بالقدر.

قال البراء: "فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا، أو قراءة" شكَّ الراوي منه صلى الله عليه وسلم" بل هو الأحسن على مدلول اللفظ عرفًا، وإن صدق لغة بالمساوي.

"رواه الشيخان" وأصحاب السنن، "فقد كانت قراءته عليه الصلاة والسلام ترتيلًا، لا هذا" بفتح الهاء، والذال المعجمة- أي: سرعة، ونصبه على المصدر، كما في النهاية وغيرها، فقوله:"ولا عجلة" تفسير "بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا" بل حديثه كذلك، كما قالت عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسرد سردكم هذا، بل كان يحدث حديثًا لو عدَّه العادّ لأحصاه، "وكان يقطع قراءته آية آية" أي: يقف على فواصل، إلّا الآي، كما مَرَّ "وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنَّى بقراءته، ويرجِّع صوته أحيانًا، كما رجَّع يوم الفتح" لمكة "في قراءة: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، وحكى عبد الله بن مغفل "بميم مضمومة فمعجمة ففاء ثقيلة مفتوحتين- المزني، من أصحاب الشجرة "ترجيعه آآآثلاث مرات" الغرض منه أنه كان يقطع قراءته آية آية، كتقطيع من نطق بهذه الألفات ثلاث مرات مبينة كذا، قاله شيخنا:"ذكره" أي: رواه البخاري" في مواضع، ومسلم، وغيرهما "وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله" صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم".

رواه أحمد، والبخاري، وفي كتاب خلق الأفعال، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه، وابن حبان، والحاكم، كلهم من حديث البراء، وعلقه البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد، وابن حبان أيضًا، وغيره، عن أبي هريرة، والطبراني، والدارقطني بسند حسن، عن ابن عباس، وأبو نعيم، عن عائشة بسند ضعيف، والبزار، عن عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف

ص: 52

منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن"، وقوله: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن" أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنَّى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن يأذن أذانًا بالتحريك، علمت أن هذا الترجيع منه عليه الصلاة والسلام كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارًا ليتأسَّى به، وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجّع في قراءته، فينسب "الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمَّى ترجيعًا.

وقد استمع عليه الصلاة والسلام ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره

"وقوله" صلى الله عليه وسلم: "ليس منَّا" أي: من العالمين بسنتنا، الجارين على طريقتنا "من لم يتغن بالقرآن" أي: يحسِّن صوته به؛ لأنه أوقع في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء، وهو كالحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى أمكنة الداء، وكالأفاوية التي يطيب بها الطعام؛ ليكون الطبع أدعى قبولًا له، لكن بشرط أن لا يغيّر اللفظ، ولا يخل بالنظم، ولا يخفي حرفًا، ولا يزيد حرفًا، والإ حرم إجماعًا قال ابن أبي مليكة: فإن لم يكن حسن الصوت حسّنه ما استطاع، وهذا الحديث رواه البخاري في التوحيد، عن أبي هريرة وأحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم عن سعد بن أبي وقاص، وأبو داود، عن أبي لبابة، والحاكم عن ابن عباس، وعن عائشة، "وقوله" صلى الله عليه وسلم في الصحيحين والسنن من حديث أبي هريرة:"ما أذن" بفتح الهمزة وكسر المعجمة- كما ضبطه النووي وغيره، أي: ما استمع الله لشيء، "كاستماعه لنبي يتغنَّى بالقرآن"، أي: يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن" بفتح أوله، وكسر ثانية "يأذن" بفتح الذال "أذانًا بالتحريك" أي: فتح الهمزة، والذال مصدر، هو مجاز عن تقريب القارئ، وإجزال ثوابه، وقبول قراءته، ولا يجوز حمله على الإصغاء؛ لأنه محال عليه تعالى؛ ولأن سماعه لا يختلف "علمت أن هذا الترجيع" الواقع منه عليه الصلاة والسلام" في الفتح "كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهز الناقة له" كما دعاه بعضهم، فإنَّ هذا لو كان لأجل هَزّ الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه"؛ حيث قال: أأأ ثلاث مرات. وعنه أيضًا لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت لكم، كما رجع صلى الله عليه وسلم، "ويفعله اختيارًا ليتأسَّى" يُقْتَدَى به، وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجّع في قراءته فينسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمَّى ترجيعًا" لعدم اختياره "وقد استمع عليه الصلاة والسلام ليلة

ص: 53

بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا. أي: حسنته وزينته بصوتي تزيينًا.

وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" من باب القلب، أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت"، والله أعلم.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا يطول ذكره، وفصل النزاع في ذلك أن يقال: إن التطريب والتغني على وجهين.

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلّف ولا تمرين وتعليم.

بل إذا خلا في ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين،

لقراءة أبي موسى الأشعري" عبد الله بن قيس، كان حسن الصوت جدًّا، وحسبك قوله صلى الله عليه وسلم له: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" ، "فلما أخبره بذلك" بقوله: "لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة" كما في رواية لمسلم. قال: لو علمت أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا، أي: حسنته وزينته بصوتي تزيينًا، وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" من باب القلب، أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له" بل له وجه؛ لأنه ورد كذلك أخرج الحاكم عن البراء مرفوعًا "زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن الصوات الحسن يزيد القرآن حسنًا".

"قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك" أي: حمله على أن الصوت يحسن القرآن، تأييد لا شبهة فيه حديث ابن عباس" إنما رواه البزار والبيهقي عن أنس، والطبراني عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت"؛ لأن الحلية حليتان: حلية تدرك بالعين، حلية تدرك بالسمع، ومرجع ذلك كله إلى جلاء القلب، وذلك على قدر نية القارئ" لكن هذا الحديث ضعَّفه ابن حبان، والذهبي، والحافظ النور الهيثمي من الوجهين، وبينوا وجه الضعف، فلا تأييد به "والله أعلم".

"وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا يطول ذكره، وفصل" أي: قطع النزاع في ذلك أن يقال التطريب، والتغني على وجهين، أحدهما ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين" اعتياد ومداومة، "ولا تعليم" من معلم، بل إذا خلى في ذلك وطبعه" مفعول معه "واسترسلت طبيعته" أي: استمرت في العمل على حالها "جاءت

ص: 54

فهذا جائز، وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيرًا. والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطيب في القراءة، ولكن النفوس تستجليه وتستملحه؛ لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغني المحمود، وهو الذي يتأثّر به التالي والسامع. والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس في الطباع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرّن، كما يتعلّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركّبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة لا تحصل إلّا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها

بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز، وإن أعانته طبيعته على فضل" أي: زيادة "تحسين وتزيين" مبالغة، فيما قبله "كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيرًا، والحزين ومن هاجه" حرَّكه "الطرب والحب" ميل القلب للمحبوب لمعنى يستحسنه فيه، "والشوق" نزاع النفس مصدر شاقه، "لا يملك من نفسه رفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستجلبه" بجيم، وموحدة، "وتستملحه" أي: تعده مليحًا "لموافقة الطبع، وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا متطبع" بضم الميم، وكسر الباء المشددة- أي: متشبّه، "وكلف" بكسر اللام، أي: محب لذلك مولع به "لا متكلف" بكسر اللام مشددة- أي: طالب أن تكون تلك الصفة قائمة به، "فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغني المحمود الذي يتأثر به التالي" القارئ والسامع" له.

"والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع ليس في الطباع" الجبلة الت خلق عليها "السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلّم والتكلف، فهذه" أي: القراءة على هذه الحالة "هي التي كرهها السلف، وأنكروا القراءة بها".

زاد في شرحه للبخاري عقب نحو هذا، وقد علم، مما ذكرنا أن ما أحدثه المكلفون بمعرفة الأوزان، والموسيقى في كلام الله من الألحان والتطريب، والتغني المستعمل في الغناء بالغزل على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة أن ذلك من أشنع البدع وأسوئها، وأنه يوجب

ص: 55

وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيّن الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المكلفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بسجاياهم تارةً، وتطريبًا أخرى، وهذا أمر في الطباع، ولم ينه عنه الشارع، مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه صلى الله عليه وسلم، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال:"ليس منَّا مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن" وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع، كما قال الشاعر:

تغن بالشعر أما كنت قائله

إن الغناء لهذا الشعر مضمار

على سامعهم النكير، وعلى التالي التعزير، "وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل مَنْ علم بأحوال السلف يعلم قطعًا بأنهم برآء" جمع براء "من القراءة بألحان الموسيقي" بكسر القاف "المكلفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها، ويسوغوها" أي يجوّزوها "ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بسجاياهم" بسين وجيم- جمع سجية، أي: بطبائعهم "تارةً"، وفي نسخة: بشجى، بمعجمة وجيم مقصور- أي: حزن، وتطريب أخرى" بأن يقصدوا تحسين قراءتهم مع مراعاة الأنغام المقتضية لذلك، "وهذا أمر في الطباع، ولم ينه عنه الشارع، مع شدة تقاضي" أي: طلب "الطباع له، بل أرشد إليه، وندب إليه صلى الله عليه وسلم"، وأخبر عن استماع الله تعالى لمن قرأ به" بقوله:"ما أذن الله لشيء" الحديث "وقال: "ليس منا" أي: على سنتنا وهدينا "من لم يتغنَّ بالقرآن"، وليس المراد الاستغناء به عن غيره، كما ظنَّه بعضهم" بل معناه: مَنْ لم يحسن صوته به "ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت، والجهر به" في حديث "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن"، أي: يجهر به، "معنًى، والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء" بكسر المعجمة، والمد "الذي هو حسن الصوت بالترجيع، قال الشاعر:

تغن بالشعر أما كنت قائله

إن الغناء لهذا الشعر مضمار

أي: كالميدان الذي تجري فيه الخيل، فيظهر فيها الحسن من غيره يغني، أنه إذا استعمل

ص: 56

وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "تعلموا القرآن وتغنّوا به واكتبوه" الحديث. والله أعلم.

وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم سمع أبا موسى الأشعري يقرأ فقال: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" يعني: من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعاني، وفي طريق آخر كما تقدَّم، أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا.

قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير

على هذا الوجه حصل به بسط نفس، كاللذة الحاصلة للمتسابقين في الميدان، لكن رجَّح النور بشتى القول، بأن المراد به الاستغناء، واعترض الأول، بأن المعنى: ليس من أهل سنتنا، أو ممن تبعنا في أمرنا، وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمة أن قارئ القرآن مثاب في غير تحسين صوته، فكيف يجعل مستحقًّا للوعيد.

قال الطيبي: ويمكن حمله على معنى التغنى، أي: ليس منا معاشر الأنبياء من لم يحسّن صوته بالقرآن، ويسمع الله منه، بل يكون من جملة من هو نازل عن مرتبتهم، فيثاب على قراءته كسائر المسلمين، لا على تحسين صوته كالأنبياء ومن تعبهم فيه.

"وروى ابن أبي شيبة" وأحمد برجال الصحيح "عن عقبة بن عامر" الجهني "مرفوعًا: "تعلموا القرآن" أي: احفظوه وتفهَّموه، "وتغنَّوْا به" أي: اقرءوه بتحزن وترقيق وحسن صوت، وليس المراد قراءته بالألحان والنغمات، "واكتبوه" الحديث بقيته: "فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل".

"والله أعلم" بمراد رسوله، "وقد صح" في الصحيحين وغيرهما أنه صلى الله عليه وسلم سمع أبا موسى الأشعري يقرأ، فقال:"لقد أوتي هذا".

وفي رواية للبخاري: "يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" في حسن الصوت بالقاءة، يعني: من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعاني" فآل مقحمة؛ لأنه لم يرو أن أحدًا من آل داود أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود، والمزامير جمع مزمار -بكسر الميم- الآلة المعروفة، أطلق اسمها على الصوت للمشابهة، فشبه حسن صوته وحلاوة نغمته بصوت المزمار، "وفي طريق آخر، كما تقدم أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبَّرته" حسَّنته "لك تحبيرًا: تحسينًا.

"قال ابن المنبر: "فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلوا أشجى" أي: أشد "من

ص: 57

عند المبالغة في التحبير؛ لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته.

وقد كان داود إذا أراد أن يتكلّم على بني إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتي النساء، ثم يأمر سليمان فينادي في الضواحي والنواحي والآكام والأودية والجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرًا إلى الصحراء، فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ في النياحة على المذنبين فتموت طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبي الله، قد استجر الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيًّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادي منادي سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو

المزامير" في إدخال الحالة الحاصلة للسامع عند سماع المزامير "عند المبالغة في التحبير؛ لأنه قد تلا مثلها" بنصّ المصطفى، "وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته" وقد روى ابن أبي داود بسند صحيح، عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته الصنج -بفتح الصاد المهملة، فنون ساكنة، فجيم- آلة من نحاس، كالطبقتين يضرب بأحدهما على الآخر، ويربط بموحدتين بينهما، آخره طاء مهملة- توزن جعفر، فارسي معرب، آلة كالعود والناي -بنون بغير همز- المزمار، "وقد كان داود إذا أراد أن يتكلّم على بني إسرائيل" أي: يعظهم ويذكرهم بأحوال الآخرة، "يجوع سبعة أيام، لا يأكل ولا يشرب، ولا يأتي النساء، ثم يأمر سليمان ابنه فينادي في الضواحي" بضاد معجمة، "والنواحي" عطف تفسير "والآكام، والأودية، والجبال" مَرَّ بيانها في الاستسقاء "أن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرًا" أي: شيئًا مرتفعًا "إلى الصحراء، فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى جمع عذراء، أي: الأبكار، "والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين" شوقًا إليه تعالى، "ثم يأخذ في النياحة على المذنبين، فتموت طائفة" من المذنبين خوفًا منه سبحانه "فإذا استجر الموت بالخلق" أي: انتشر فيهم وكثر "قال له سليمان: يا نبي الله، قد استجر" بفوقية فجيم "الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق" أي: فرقتهم تفريقًا تامًّا، فممزق مصدر ميمي، "فيخر داود مغشيًّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادي سليمان: من كان له مع داود قريب، أو

ص: 58

حميم فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتي بالسرير فتقف على زوجها أو أبيها أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال: يا سليمان، ما فعل عُبّاد بني إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلمَّ جرا. فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا رب داود، أغضبان أنت على داود، حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفًا منك أو شوقًا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، وأقام داود على ذلك ما شاء الله تعالى.

ولا يظنّ مما ذكرته من حال بني إسرائيل أنهم في ذلك أعلى من هذه الأمة، فأمَّا المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأمَّا الموت من الموعظة شوقًا أو خوفًا فلنا فيه طريقان:

أحدهما: أن نقول: إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية، بل القوة الروحانية والتأييدات الإلهية، فلفرط قوة هذه الأمة إن شاء الله تعالى تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها؛ لتوالي أحوال الذكر وأطوار اليقين.

حميم" أي: شقيق "فليخرج لافتقاده، فكانت المرأة تأتي بالسرير، فتقف على زوجها أو أبيها أو أخيها فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال: يا سليمان، ما فعل عبَّاد" جمع عابد "بني إسرائيل، فيقول له: قد مات فلان وفلان" يسميهم بأسمائهم، "وهلمَّ جرا، فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا رب داود، أغضبان أنت على داود، حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفًا منك، وشوقًا إليك، فلا يزال ذلك دأبه" عادته "إلى المجلس الآخر، وأقام داود على ذلك ما شاء الله تعالى" أي: مدة مشيئته تعالى ذلك "ولا يظن مما ذكرته من حال بني إسرائيل" في هذه القصة "أنهم في ذلك أعلى من هذه الأمة، فأمَّا المزامير فحسبك" كافيك "ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري رضي الله عنه"، وهو واحد، "وأمَّا الموت من الموعظة شوقًا أو خوفًا، فلنا فيه طريقان: أحدهما أن نقول: إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة" المحمدية "تقاوم الأحوال الواردة عليها، فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية" بكسر الجيم "بل القوة الروحانية" بضم الراء، "والتأييدات الإلهية" باقية مانعة لها من الفناء، فحذف الخبر للعلم به مما قبله، "فلفرط قوة هذه الأمة -إن شاء الله تعالى" للتبرك متعلق بقوله:"تقارب"، ولو قال: يتقارب كان أَوْلَى" عند سلفها الصالح، ما بين حال سماع الموعظة، وحال عدم سماعها؛ لتوالي الذكر وأطوار اليقين، وقد قال بعضهم"

ص: 59

وقد قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذي فرَّق بينهم وبين مَنْ قبلهم. ألا ترى أن داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام، وهما أصحاب المزامير، لم يتَّفق لهما الموت كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية التي أمدَّهما بها. ولا خلاف أن داود -عليه الصلاة السلام- وإن لم يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته، وأمَّا نوحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذي يزيده شوقًا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد رأي إنسانًا يبكي من الموعظة فقال: هكذا كنّا حتى قست القلوب. عَبَّر عن القوة بالقسوة تواضعًا، ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة.

علي بن أبي طالب على ما في المسايرة لابن الهمام وغيرها، أو عامر بن قيس التابعي على ما في الرسالة القشيرية، وقد يكون على أوَّل من قالها، وعامر تمثَّل بها، "لو كشف الغطاء" عن أحوال الآخرة، والحشر والنشر، والوقوف بين يدي الله تعالى، وغيرها "ما ازددت" فيها "يقينًا" ليقيني بها، فعبَّر عن حالته التي هو عليها من غلبة أحوال الآخرة على قلبه باليقين، فأخبر أنه لو عاين ذلك ما ازداد يقينًا لتحققه له، قاله الأنصاري شيخ الإسلام، وقال غيره: لأنه حصل عنده من البراهين القطعية على حقيقة التوحيد ومتعلقاته، والإيمان وصدق الرسل، فيما جاءوا به ما لا يزيد اليقين فيه عند رؤيته ذلك عيانًا،"فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذي فرّق بينهم وبين من قبلهم، ألا ترى أن داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام، وهما أصحاب المزامير" إنما صاحبها داود، كما مَرَّ، فلعلَّ نسبتها لسليمان أيضًا؛ لأنه كان يسمعها من أبيه ولم يتغير حاله "لم يتَّفق لهما الموت كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية التي أمدهما" الله تعالى "بها، ولا خلاف أن داود عليه الصلاة والسلام، وإن لم يمت من الذكر أفضل، ممن مات من أمته"؛ إذ محال أن يبلغ ولي رتبة نبي، وأما نوحه على كونه لم يمت، فذلك من التواضع الذي يزيده شوقًا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، قربى "وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد رأى إنسانًا يبكى من الموعظة، فقال: هكذا كنَّا حتى قست القلوب، عَبَّر عن القوة بالقسوة تواضعًا، ومرتبته بحمد الله محفوظة، ومنزلته مرفوعة" فليست عنده قسوة "والطريق الثاني أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه

ص: 60

والطريق الثاني أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة، مثل ما اتفق في مجلس داود عليه الصلاة والسلام من موت المستمعين للذكر في مجلس السماع قديمًا وحديثًا، ولأبي إسحاق الثعلبي جزء في قتلى القرآن رويناه، وعندي من ذلك جملة أريد تدوينها، بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرَّد النظر إلى المشايخ، كما حكي أن مريدًا لأبي تراب التخشبي كان يتجلى له الحق تعالى في كل يوم مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد البسطامي لرأيت أمرًا عظيمًا، فلمَّا ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد، ووقع بصر المريد عليه وقع ميتًا، فقال له أبو تراب: يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد كان يدعى رؤية الحق تعالى، فقال له أبو يزيد: قد كان صاحبك صادقًا، وكان

الأمة" من الأخبار والقصص "مثل ما اتفق في مجلس داود عليه الصلاة والسلام من موت المستمعين للذكر في مجلس السماع قديمًا وحديثا، ولأبي إسحاق" أحمد بن محمد بن إبراهيم "الثعلبي" ويقال له: الثعالبي النيسابوري، صاحب التفسير والعرائس.

قال الذهبي: كان حافظًا، رأسًا في التفسير والعربية، متين الزهادة والديانة، مات سنة سبع وعشرين أو سبع وثلاثين وأربعمائة، "جزء قتلى القرآن" أي: مؤلف في بيان من قُتِلَ عند سماع القرآن، "وعندي من ذلك جملة أريد تدوينها" بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكي أن مريدًا لأبي تراب النخشبي -بفتح النون وسكون الخاء وفتح الشين المعجمة- نسبة إلى نخشب، بلدة بما رواء النهر، واسمه: عسكر بن حصين، واشتهِرَ بكنتيه، فلم يعرف إلّا بها، جمع بين العلم والدين والزهد والتصوف والتقشّف والتوكل والتبل، ووقف بعرفة خمسًا وخمسين وقفة، وصحب حاتمًا الأصم والخواص والطبقة، وعند أحمد بن حنبل وغيره، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، كان يتجلَّى له لذلك المريد "الحق تعالى في كل يوم مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد" اسمه: طيفور بن عيسى البسطامي، نادرة زمانه حالًا وأنفاسًا وورعًا وعلمًا وزهدًا وتُقَى، وأفردت ترجمته بتصانيف حافلة، ومات سنة إحدى وستين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، "لرأيت أمرًا عظيمًا"، فلم يزل يشوقه إليه، "فلمَّا ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد" فقيل: إنه في الغيضة مع السباع، وكان يأوي إليها، فقعدا على طريقه، فلمَّا مرَّ "ووقع بصر المريد عليه، وقع ميتًا، فقال له أبو تراب: يا أبا يزيد، نظرة" حصلت له "منك"، أو نظرة منك إليه قتلته، وقد كان يدَّعي رؤية الحق تعالى، فقال له أيو يزيد قد كان صاحبك صادقًا، وكان الحق يتجلّى له

ص: 61

الحقّ يتجلّى له على قدر مقامه، فلمَّا رآني تجلَّى له على قدر ما رأى، فلم يطق فمات.

واصطلاح أهل الطريق في التجلي معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية علية، ولم يكونوا يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى عليه الصلاة والسلام، على خصوصيته {لَنْ تَرَانِي} والتي قيل فيها على العموم لا تدركه الأبصار، وإذا فهمت أنَّ مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس على اليأس في الدنيا، ووعد به الخواص في الآخرة، فلا ضير بعد ذلك عليك، ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولي السرائر. انتهى.

وإذا علمت هذا، فاعلم أن السماع في طريق القوم معروف، وفي الجواذب إلى المحبة معدود موصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب في "القوت" عن جماعة من الصحابة؛ كعبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا عن

على قدر مقامه، فلما رآني تجلّى له على قدر ما رأى" لم يقل: على قدري تأدبًا، وخوفًا من رؤية نفسه فوق غيره، "فلم يطق فمات" فلا عجب "واصطلاح أهل الطريق" كما قال العلامة ابن المنير "في التجلي معروف، وحاصله رتبة من المعرفة جلية ظاهرة عليّة عالية القدر، وحالة بين النوم واليقظة سوية، والإيمان يزيد وينقص، كذا في كلام ابن المنبر، "ولم يكونوا" لفظ ابن المنبر، ولا تظنهم "يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى عليه الصلاة والسلام على خصوصيته: {لَنْ تَرَانِي} ، والتي قيل فيها على العموم:{لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} ، وإذا فهمت أن مرادم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس على اليأس في الدنيا" إلّا نبينا صلى الله عليه وسلم على الأصح، كما مَرَّ في المعراج، "ووعد به الخواص في الآخرة" أي: المؤمنون "فلا ضير بعد ذلك عليك، ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولي السرائر أ. هـ".

قال السبكي: وكلام ابن المنبر هذا يقرب من قول شيخه العز بن عبد السلام في قواعده التجلي، والمشاهدة عبارة عن العلم والعرفان، والقوم لا يقتصرون في تفسير التجلي على العلم، ولا يعنون به الرؤية، ثم لا يفصحون بما يعنون، بل يلوحون تلويحًا، ولم يفصح القشيري بتفسيره، ولعله خاف على فهم من ليس من أهل الطريق "وإذا علمت هذا، فاعلم أن السماع في طريق القوم معروف، وفي الجواذب إلى المحبة معدود موصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب" المكي "في القوت"، أي: كتابه المسمَّى قوت القلوب "عن جماعة من الصحابة كعبد الله بن جعفر" الهاشمي "وابن الزبير" الأسدي "والمغيرة بن شعبة" الثقفي "ومعاوية"

ص: 62

الجنيد، والسري وذو النون، واحتجَّ له الغزالي في "الإحياء" بما يطول ذكره، خصوصًا في أوقات السرور المباحة، تأكيدًا له وتهييجًا، كعرس وقدوم غائب، ووليمة وعقيقة وحفظ القرآن، وختم درس وكتاب وتأليف.

وفي الصحيحين من حديث عائشة: إن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنَى تدففان وتضربان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم متغشٍّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال:"دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد"، وفي رواية: دخل

الأموي، "وكذا""عن الجنيد" شيخ الطائفة، "والسري" السقطي، "وذو النون" المصري، واحتج له الغزالي في الإحياء بما يطول ذكره، خصوصًا في أوقات السرور المباحة تأكيدًا له، وتهييجًا لعرس" زواج "وقدوم غائب ووليمة، وعقيقة" لمولود "وحفظ قرآن، وختم درس، وكتاب" وختم "تأليف" في علم شرعي، أو آلته.

"وفي الصحيحين من حديث عائشة، أنَّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان" زاد في رواية: من جواري الأنصار، وللطبراني عن أم سلمة: إحداهما لحسَّان، وفي الأربعين للسلمي: إنهما لعبد الله بن سلام ولابن أبي الدنيا وحمامة، وصاحبتها تغنيان، وإسناده صحيح.

قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يحتمل أنَّ اسمها زينب، ولم يذكر حمامة المصنّفون في الصحابة، وهي على شرطهم، وفي الإصابة: زينب الأنصارية، غير منسوبة، جاء أنها كانت تغني بالمدينة.

رواه ابن طاهر في الصفوة عن جابر، "في أيام مِنَى تدففا" بفاءين "وتضربان" بالدف عطف تفسير، ولمسلم: تغنيان بدف، وللنسائي: بدفين، والدف -بضم الدال على الأشهر وتفتح، ويقال له أيضًا: الكربال -بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر "ورسول الله صلى الله عليه وسلم متغش" بغين وشين معجمتين- أي: مستتر، ولمسلم: تسجَّى، أي: التفَّ "بثوبه" إعراضًا عن ذلك؛ لأن مقامه يقتضي الارتفاع عن الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دالّ على جوازه على الوجه الذي أقره؛ إذ لا يقر على باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفيةً تقليلًا لمخالفة الأصل "فانتهرهما" أي: الجاريتين، أي: زجرهما "أبو بكر".

وفي الرواية الثانية: فانتهرني، أي: عائشة، ويجمع بأنه شرك بينهن في الانتهار والزجر، أمَّا عائشة فلتقريرها، وأمَّا الجاريتان فلفعلهما، "فكشف صلى الله عليه وسلم عن وجهه" الثوب "وقال:"دعهما يا أبا بكر فإنها" أي: هذه الأيام "أيام عيد" ، وتلك الأيام أيام مِنَى، هذا باقي الحديث، أضافها إلى العيد، ثم إلى مِنَى إشارة إلى الزمان ثم المكان، ففيه تعليل الأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما ظنه

ص: 63

على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث -بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلثة- اسم حصن الأوس، وبالمعجمة تصحيف، أي: تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحوّل

الصديق أنهما فعلتا ذلك بغير علمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ظنه نائمًا، فأنكر على بنته لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر بالإنكار نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأوضح له الحال وعرَّفه الحكم مقرونًا ببيان الحكمة بأنه يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه هذا كما لا ينكر في الأعراس، وبهذا زال إشكال كيف أنكر الصديق ما أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم.

"وفي رواية" في الصحيحين أيضًا عن عائشة، قالت:"دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم" أيام مِنَى "وعندي جاريتان" من جواري الأنصار "تغنيان"، ترفعان أصواتهما "بغناء" بكسر المعجمة والمد "يوم بعاث -بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلثة- اسم حصن للأوس" كما قال أبو موسى المديني في ذيل الغريب، وصاحب النهاية، وفي كتاب أبي الفرج الأصبهاني، أنه موضع في ديار بني قريظة فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا منافاة بين القولين، وقال البكري: هو موضع من المدينة على ليلتين، قال في المطالع: الأشهر فيه ترك الصرف "وبالمعجمة تصحيف".

قال عياض ومن تبعه: أعجمه أبو عبيد وحده، وفي الكامل لابن الأثير: أعجمها صاحب العين -يعني: الخليل وحده، وكذا حكاه البكري عن الخيل، وجزم أبو موسى في ذيل الغريب بأنه تصحيف "أي: تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث".

وفي رواية في الصحيح: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وللبخاريّ في الهجرة بما تعاذفت -بمهملة وزاي وفاء- من العزف، وهو الصوت الذي له دوي، وفي رواية: تفازقت -بقاف بدل العين وذال معجمة بدل الزاي- من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، ولأحمد: تذاكر أن يوم بعاث يوم قتل فيه صناديد الأوس والخزرج، "وهو حرب كان بين الأنصار" الأوس والخزرج قبل الإسلام، سببه أن الأوس والخزرج لما نزلوا المدينة وجدوا اليهود متوطنين بها، فخالفوهم، وكانوا تحت قهرهم، ثم غلبوا على اليهود بمساعدة ملك غسّان، فلم يزالوا متفقين إلى أن قتل أوسي حليفًا للخزرج، فوقعت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة، آخرها يوم بعاث قبل الهجرة بثلاث سنين على المعتمد، وقيل: بخمس، وكان رئيس الأوس حضير والد أسيد، ويقال له: حضير الكتائب، وجُرِحَ يومئذ ثم مات بعد مدة، ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان، جاءه سهم فصرعه، فهزموا بعد أن كانوا ظهروا، فكانت الغلبة للأوس "فاضطجع" صلى الله عليه وسلم "على الفراش وحوَّل وجهه" إعراضًا عن ذلك، "فدخل أبو بكر" زائرًا لابنته

ص: 64

وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وانتهر الجاريتين وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه صلى الله عليه وسلم وقال:"دعهما".

واستدلَّ جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة.

وتعقب: بما في الحديث الآخر عند البخاري عن عائشة: "وليستا بمغنيتين" فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنّم وعلى الحداء، ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح.

قال القرطبي: قولها -يعني عائشة: "ليستا بمغنيتين" أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء

فانتهرني" زجرني لإقراري لذلك، "وانتهر الجاريتين" أيضًا لتعاطيهما "وقال: مزمارة" بكسر الميم، وضبطه عياض بضمها، وحكي فتحها، يعني: الغناء أو الدف؛ لأن المزمارة والمزمار مشتق من الزمير، وهو صوت له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، سُمِّيَت به الآلة التي يزمر بها، وأضافها إلى "الشيطان"؛ لأنها تلهي فتشغل القلب عن الذكر، وعند أحمد، فقال: يا عباد الله، أبمزمور الشيطان "عند رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال القرطبي: المزمور الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذمّ على ما ظهر لأبي بكر، "فأقبل عليه صلى الله عليه وسلم" بعد أن كشف الثوب عن وجهه "وقال: "دعهما" أتركهما، زاد في رواية في الصحيح:"إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا"، واستدلَّ جماعة من الصوية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة، وتعقَّب بما في الحديث الآخر" أي: الرواية الآخرى، وإلا فهو حديث واحد "عند البخاري عن عائشة:"دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، "وليستا بمغنيتين، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأنَّ الغناء" بزنة كتاب "يطلق على رفع الصوت وعلى الترنّم" ترجيع الصوت.

زاد الحاظ: الذي تسميه العرب النصب -بفتح النون وسكون المهملة- وعلى الحداء -بضم الحاء وكسرها والدال المهملة والمد- الغناء للإبل "ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج" تحريك، "وتشويق لما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح".

"قال القرطبي في المفهم "قولها، يعني: عائشة: ليستا بمغنيتين، أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز" أي: تحفظ "عن

ص: 65

المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرّك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرَّمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأمَّا ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلان المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح يقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأنَّ ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة. انتهى.

والحق: إن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمِّن للصفات العلية أو

الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن" المخفي، "وهذا" النوع "إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرَّمة لا يختلف في تحريمه".

"قال" القرطبي: "وأمَّا ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمة، لكن النفوس الشهوانية" نسبة إلى الشهوة وهي اشتياق النفس إلى الشيء، "غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير" الصلاح والعبادة، "حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين" جمع مجنون، وفي نسخة: المجان جمع ماجن، أي: هازل، والأُولَى هي التي في الفتح عن القرطبي وهي أبلغ وأنسب بقوله:"والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة" متوافقة غير متخالفة "وتقطيعات متلاحقة" متتابعة تتبع بعضها في الانسجام.

"وانتهى التواقح" بفوقية وقاف- قلة الحياء، من الوقاحة بفتح الواو، "بقوم منهم، إلى أن جعلوها من باب القرب" جمع قربة، "وصالح الأعمال" أي: الأعمال الصالحة، "وأن ذلك يثمر سني" بسين ونون، أي: مرتفع، "الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة" بزاي ونون وقاف، اسم من تزندق.

في نسخة: الزبرقة -بالزاي وسكون الموحدة وفتح الراء وقاف- أي: التشبه بمن يحسن نفسه بأمور باطلة، والذي في الفتح الزندقة، وزاد: وقوله أهل المخزقة. "انتهى" كلام القرطبي، وسلمه الحافظ وقال: ينبغي أن عكس مرادهم ويقرأ: سني -عوض النون المكسورة- بغير همز سيء -بمثناة تحتية ثقيلة مهموزًا. انتهى.

"والحق أن السماع إذا وقع بصوت حسن بشعر متضمّن للصفات العلية" لله سبحانه

ص: 66

النعوت النبوية المحمدية، عريًا عن الآلات المحرمة، والحظوظ الخبيثة الغبية، والشبه الدنية، وأثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه؛ بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه، مع العلم بما يجب لله ورسوله، ويستحيل لئلّا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن في غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف إلّا نادرًا.

وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعلَّ مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني، وإذا كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقًا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب، وهو لمن يرتقي بربه ترقية مثير للكامن في النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُم} فما كان في القلب من رقة ووجد وحقيقة

"أو النعوت النبوية المحمدية عريًا" خاليًا "عن الآلات المحرمة والحظوظ الخبيثة الغبية" بغين معجمة- قليلة الفطنة، "والشبه الدنية" الخسيسة، "وأَثَار" حرَّك، "كامن" مخفي، "المحبة الشريفة العلية" المرتفعة القدر "وضبط" حفظ "السامع نفسه ما أمكنه؛ بحيث لا يرفع صوته بالبكاء ولا يظهر التواجد" الأخلاق الباطنة "وهو يقدر على ضبط" أي: حفظ "نفسه ما أمكنه مع العلم بما يجب لله ورسوله ويستحيل" في حق كل منهما، "لئلَّا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن في غاية، ولتمام تزكية النفس" تطهيرها "نهاية، نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوفه الشبهة وللخروج من الخلاف إلّا نادرًا مستثنى من تركه.

"وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعلّ مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني" لا ملطقًا، "وإذا كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقًا بإباحة ولا تحريم" لأنه كلام، "بل يختلف ذلك بالأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب، وهو لمن يرتقي بربه ترقية".

وفي نسخة: وهي لمن بقي بربه، أي: متعلقًا بمرضاة ربه، فكان بقاؤه بالتعلق بمرضاته في جميع أحواله "مثير للكامن في النفوس من الأزل حين خاطبنا الحق تعالى بقوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُم} ، فما كان في القلب من رِقَّة ووجد" شوق، "وحقيقة فهو من حلاوة ذلك الخطاب

ص: 67

فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنًا لذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار، سيما في أرباب البدايات.

وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم، فقد شوهد تدلي الطيور من الأغصان على أولي النغمات الفائقة والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرًا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادي، وأعياه الإعياء تحت الحِمل، إذا سمع منادي الحداء يمد عنقه، ويصغى سمعه إلى الحادي، ويسرع في سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه.

وقد حكي مما ذكره في "الإحياء" عن أبي بكر الدينوري: أن عبدًا أسود قتل جمالًا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محملة أحمالًا ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل

والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنًا لذكر المحبوب الحق، برز الكامن، وذاعت" بذال معجمة وعين مهملة فشت أو انتشرت "الأسرار، سيما في أرباب البدايات، وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم، فقد شوهد تدلي الطيور من الأغصان" للأشجار "على أولي النغمات الفائقة والألحان الرائقة، وهذا الجمل" بالجيم "مع بلادة طبعه يتأثَّر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر" بسين التأكيد؛ "لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط" الخفة والإسراع "ما يسكره ويولهه" يحيره، "فتراه إذا طالت عليه البوادي" جمع بادية، "وأعياه الإعياء" التعب "تحت الحمل" بكسر الحاء المهملة وسكون الميم- المحمول عليه، "إذا سمع منادي الحداء يمد عنقه ويصغي" يميل "سمعه إلى الحادي، ويسرع في سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل وهو لا يشعر بذلك لنشاطه".

وقد حكي مما ذكره في الإحياء" للغزالي، عن أبي بكر الدينوري، أن عبدًا أسود قتل جمالًا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محمَّلة أحمالًا ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة" من سرعة السير، "وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل وقطع

ص: 68

وقطع حباله، وحصل له ما غيبه عن حَسِّه، حتى خَرَّ لوجهه.

فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذه البهائم تتأثَّر بالنغمات، فتأثير النفوس النفسانية أَوْلى. وقد قال:

نعم لولاك ما ذكر العقيق

ولا جابت له الفلوات نوق

نعم أسعى إليك على جفوني

تداني الحي أو بعد الطريق

إذا كانت تحنّ لك المطايا

فماذا يفعل النصب المشوق

فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثَمَّ وضع العارف الكبير سيدي علي الوفوي حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطًا لقلوب المريدين وترويحًا لأسرار السالكين، فإن النفوس -كما قدمناه- لها حظ من الألحان، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمَّدية بهذه الأنغام الفائقة والأوزان الرائقة، بشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوي المحمدي، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف

حباله" المربوط بها، "وحصل له ما" أي: شيء "غيِّبَه عن حسِّه حتى خرَّ" أي: سقط "لوجهه" أي: عليه، "فتأثير السماع محسوس" مشاهد بحاسة البصر، "ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج" بكسر الميم- الطبع، "بعيد العلاج" معنى أنه لا ينفع فيه بسهولة، "زائد في غلظ الطبع وكثافته" بمثلثة- عطف مساوٍ حسَّنه اختلاف اللفظ، "على الجمال" الموصوفة بالبلادة، "وإذا كانت هذه البهائم تتأثّر بالنغمات، فتأثير النفوس النفسانية أَوْلَى"، وأنشد المصنّف لغيره.

نعم لولاك ما ذكر العقيق

ولا جابت له الفلوات نوق

نعم أسعى إليك على جفوني

تدانى الحي أو بعد الطريق

إذا كانت تحن لك المطايا

فماذا يفعل الصب المشوق

"فزبدة السماع تلطيف السر" أي: ترقيقه، "ومن ثَمَّ وضع العارف الكبير سيدي علي" بن العارف الكبير سيدي محمد "الوفوي، حِزْبَه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة تنشيطًا لقلوب المريدين وترويحًا" بالحاء المهملة "لأسرار السالكين، فإن النفوس -كما قدمناه- لها حظ" نصيب "من الألحان، فإذا قيلت" أي: ذكرت "هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمدية" صفات للحزب الشريف "بهذه الأنغام الفائقة والأوزان الرائقة بشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوي المحمدي فأثمرت شجرة"

ص: 69