الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد. قضيت بأن مجال هذا الباب في حقه عليه الصلاة والسلام ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، وأن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء.
وهذا المقصد -أعزك الله- يشتمل على ثلاثة فصول:
النحو فقط، "وقوانين الأحكام الشرعية" أي قواعدها التي يستخرج منها أحكام جزئيات موضوعاتها "والسياسات العقلية" أي الآداب والتدبيرات المستفادة من العقل، "ومعارف عوارف الحقائق القلبية" هي عشر مقامات، ينزلها السائرون إلى الله تعالى، سميت حقائق لأن المنازل منازل تحقيق، من جهة أن السائرين فيها، إلى الله عند نزولهم فيها وتحققهم بها يظهر لهم حقيقة كل شيء وسره عند إتمامها، فتظهر لهم الحقائق كما هي علية في حضرة العلم، بلا تغيير ولا تبديل، وأول هذه المقامات العشرة المكاشفة، ثم المشاهدة، ثم المعاينة، ثم الحياة، ثم القبض، ثم البسط، ثم السكر، ثم الصحو، ثم الاتصال، ثم الانفصال قاله في لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام، "إلى غير ذلك من ضروب العلوم" أي أصنافها، "وفنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة""بكسر العين مصدر عبر الرؤيا مخففًا فسرها""والحساب، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد" لعدم إمكان واحد منهما، "قضيت" جواب قوله أولًا، وأنت إذا تأملت، أي حكمت، "بأن مجال""بجيم" أي ميدان "هذا الباب" أي امتداد الفكر "في حقه عليه الصلاة والسلام" ممتد متسع جدًّا، "تنقطع دون نفاده""بدال مهملة"، أي فراغه "الأدلاء" نجمع دليل، وهو ما يفيد المعنى ويحصله، "وأن بحر علمه ومعارفه زاخر" بزأي وخاء معجمتين" أي ممتلئ طافح "لا تكدره الدلاء" جمع دلو، "وهذا المقصد أعزك الله يشتمل على ثلاثة فصول" الطب والتعبير والإنباء بالمغيبات.
الفصل الأول: في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات
اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلامًا
"الفصل الأول:"
"في طبه صلى الله عليه وسلم لذوي الأمراض والعاهات: اعلم" قبل الشروع في المقصود، "أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود من مرض من أصحابه" العظيم منهم وغيره، والمراد بالأصحاب هنا مطلق الاجتماع ولو كفارًا، لئلا يخرج من عادهم وهم كفار، كأبي طالب وابن أبي المنافق والغلام، فإنه كان حين
كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًّا، كما روى البخاري وأبو داود من حديث أنس: أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فقعد عند رأسه، فقال:"أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار".
عيادته يهوديًّا، كما أفاده بقوله:"حتى لقد عاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه" أبا طالب، "وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًّا" ولم يسلم الثاني، والله يهدي من يشاء، "كما روى البخاري" في الجنائز والجهاد والطب، "وأبو داود" وكذا النسائي "من حديث أنس" بن مالك "أن غلامًا من اليهود".
قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق الموصولة على تسميته إلا أن ابن بشكوال ذكر أن صاحب العتبية حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام عبد القدوس، وهو غريب ما وجدته عند غيره، ووقع للمصنف في الطب أن اسمه عبدوس، وهو تصحيف، "كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد عند رأسه، فقال: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو نده" لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود: عند رأسه أخرجه عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه، وكذا للإسماعيلي عن أبي خليفة عن سليمان "فقال أطع أبا القاسم" لتحققه صدقه وإن كان يهوديًّا، "فأسلم" في رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان المذكور، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار" في رواية أبي داود وأبي خليفة: "أنقذه بي من النار"، وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا مرض، وفيه حسن العهد، وفيه استخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي، ولولا صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله:"أنقذه بي من النار" دلالة على صحة إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه؛ أنه يعذب. انتهى.
ووجه صحة إسلام الصبي ظاهر من عرضه عليه، كما قال، ولأن الغلام الابن الصغير وإطلاقه على الرجل مجاز، كما في المصباح وغيره، ولا يرده قول القاموس الغلام الطار الشارب، والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب لما علم من استعماله المجازات كثيرًا، وتجويز أن المراد بالغلام الصغير لا يقيد كونه صبيًّا، وقد يشعر به قوله: أنقذه من النار ممنوع، فالأصل الحقيقة، وقد فهمها منه البخاري، فترجم عليه في الجنائز باب: إذا أسلم الصبي، فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟، وترجم في الجهاد باب، كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ نعم دلالته على أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب، لعله كان قبل أن
وكان صلى الله عليه وسلم يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول:"كيف تجدك"؟.
وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فواجداني أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت. وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا".
وفي حديث أبي موسى عند البخاري مرفوعًا: "أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا العاني".
يعلم صلى الله عليه وسلم بأنه لا يعذب، وأنه في الجنة، كما في الأصح من عشرة أقوال:"وكان صلى الله عليه وسلم يدنو" يقرب "من المريض ويجلس عند رأسه" تواضعًا وشفقه على خلق الله، "ويسأله عن حاله، ويقول: "كيف تجدك" أي كيف تجد نفسك على أي حالة.
"وفي حديث جابر" بن عبد الله الأنصاري "عند البخاري" في التفسير والطب والفرائض، "ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر" الصديق عام حجة الوداع، "وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي" وفي رواية: لا أعقل شيئًا، "فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم" الوضوء الشرعي، "ثم صب وضوءه" أي الماء الذي توضأ به "علي، فأفقت" من ذلك الإغماء، "فإذا النبي صلى الله عليه وسلم" موجود عندي، وبقية الحديث، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟، فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث.
"وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا" وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه مات بالمدينة بعد سنة سبعين من الهجرة، عن أربع وتسعين سنة، وفيه أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير يتبرك به، وإن صبه ماء وضوئه يرجى نفعه، وقيل: كان مرض جابر الحمى المأمور بإبرادها بالماء، وصفه ذلك أن يتوضأ الرجل المرجو خيره وبركته ويصب فضل وضوئه عليه، ولا تتوقف مشروعية العيادة على علم المريض بالعائد؛ لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض، والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ.
"وفي حديث أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "عند البخاري" في الطب، "مرفوعًا" اختصار لقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا العاني""بعين مهملة ونون مكسوة خفيفة، أي خلصوا الأسير بالفداء" وجمع المرضى لكثرة
وعنده من رواية البراء: أمرنا صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها عيادة المريض.
وعند مسلم: "خمس تجب للمسلم على المسلم"، فذكرها منها.
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعني الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون على الندب على التواصل والألفة.
وعند الطبري: يتأكد في حق من ترجى بركته، ويسن في من يراعي حاله، ويباح فيما عدا ذلك.
أنواع المرضى واختلافها وأفراد الجائع والعاني؛ لأن كلا منهما صفة واحدة وإن كثرت أفرادهما، "وعنده" أي البخاري، وكذا عند مسلم "من رواية البراء" بن عازب:"أمرنا" رسول الله "صلى الله عليه وسلم بسبع، وذكر منها عيادة المريض"، أي زيارته، ولفظه، أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض وإتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام وإجابة الداعي وإبرار القسم ونصر المظلوم، ونهانا عن خواتم الذهب وعن الحرير والاستبرق والديباج والميثرة الحمراء والقسي وآنية الفضة والميثرة "بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز" وقال النووي: بالهمز، وهي وطاء كانت النساء تصنعه لأزواجهن في السروج، يكون من الحرير والديباج وغيرهما، والنهي واقع على ما هو من الحرير والقسي "بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة" ثياب تنسب إلى القس بساحل بحر مصر، وفي أبي داود؛ أنها ثياب من الشام، أو من مصر مصبغة فيها أمثال الأترج.
"وعند مسلم" في كتاب الأدب من صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خمس تجب للمسلم على المسلم" أي تطلب طلبًا مؤكدًا يقرب من الواجب، "فذكرها منها" ولفظه خمس تب للمسلم على أخيه المسلم: زاد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة وعيادة المريض واتباع الجنائز، وله وجه آخر "حق المسلم على المسلم ست"، فذكر الخمسة، وزاد:"وإذا استنصحك فانصح له"، وليس المراد الحصر، ففي حديث آخر:"للمسلم على المسلم ثلاثون حقًّا".
"قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر" في قوله: وعودوا المرضى محمولًا "على الوجوب، يعني" وجوب "الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير" المذكورين معه، "ويحتمل أن يكون" محمولًا "على "الندب" حثًّا "على التواصل والألفة" "بضم الهمزة" الأنس والمحبة والاجتماع، "وعن الطبري: يتأكد" فعل العيادة، أو هو بفوقيتين، فلا يقدر فعل "في حق من ترجى بركته" لينال منها المريض، "ويسن في" حق "من يراعي حاله" أي المريض؛ بتعهده فيما يحتاج إليه، كشراء دواء وتهنئة حاجته منه، "ويباح فيما عدا ذلك" المذكور من الحالين،
وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث في "مقدمته".
واستدل بعموم قوله: "عودوا المرضى" على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم: الأرمد، ورد: بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم، قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني، رواه أبو داود وصححه الحاكم.
وأما ما أخرجه البهيقي والطبراني مرفوعًا: ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد والدمل والضرس، فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير.
ويؤخذ من إطلاقه أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه. وهو قول
وقد تجب، كأن علم به ضررًا يزول بعيادته، وتحرم إن أدت إلى ضر يلحقه، كتضرره بدخوله عليه، أو رؤية محارمه، وتكره إن ترتب على دخوله أمر يكرهه المريض، "وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث" أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي، الفقيه، الواعظ، مات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة "في مقدمته" المشهورة، "واستدل بعموم قوله:"عودوا المرضى" على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم الأرمد" أي وجع العين، "وورد بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم" بن زيد الأصناري، الخزرجي، مات سنة ست أو ثمان وستين، "قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني" "بشد الياء على التثنية" قاله ابن رسلان، "رواه أبو داود" سليمان بن الأشعث، "وصححه الحاكم" محمد بن عبد الله النيسابوري.
"وأما ما أخرجه البهيقي" في الشعب، "والطبراني" في الأوسط، وابن عدي من حديث مسلمة بن علي الخشني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، ع أبي هريرة، "مرفوعًا:"ثلاثة ليس لهم عيادة" أي لا تندب عيادتهم، لا إنها لا تجوز في رواية "ثلاث لا يعاد صاحبهن""الرمد" أي وجع العين، "والدمل""بضم الدال وفتح الميم مثقلة ومخففة" الخراج الصغير، وإن تعدد، "والضرس" أي الذي به وجع الضرس وغيره من الأسنان، وفي رواية: وصاحب الضرس وصاحب الدمل، "فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير" لأنه أخرجه من طريق هقل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وجعله من قوله لم يجاوزوه، قال: أعني البيهقي، وهو الصحيح، فقد قال زيد بن أرقم: رمدت، فعادني النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ثبت النهي أمكن أن يقال: إنها لكونها من الآلام التي لا ينقطع صاحبها غالبًا بسببها، وقال الحافظ: تصحيحه وقفه لا يوجب الحكم بوضعه، إذ مسلمة، وإن كان ضعيفًا لم يخرج بكذب، فجزم ابن الجوزي بوضعه، وهم، "ويؤخذ من إطلاقه" أي قوله: عودوا المرضى
الجمهور، وجزم الغزالي في "الأحياء" بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك، قال أبو حاتم هو حديث باطل.
"أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور" من العلماء، زاد الحافظ: وإنها لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها طرفي النهار، "وجزم الغزالي في الإحياء، بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه" في الجنائز من سننه، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات، والبيهقي في الشعب، كلهم من حديث مسلمة بن علي، قال: حدثنا ابن جريج عن حميد الطويل، "عن أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث" من الأيام تمضي من ابتداء مرضه، قيل: ومثل العيادة تعهده وتفقد أحواله، قال الزركشي: وهذا يعارضه أنه عاد زيد بن أرقم في رمده قبلها. انتهى.
ويمكن أن ذلك أغلب أحواله، فلا معارضة إن صح الخبر، "و" لكن "هذا حديث ضعيف" جدًَّا "تفرد به مسلمة" بفتح الميمين "ابن علي" بضم العين مصغرًا، وكان يكره تصغير اسمه، وإنما صغر في أيام بني أمية مراغمة من الجهلة، كما في التبصير، وهو الخشني "بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين" الدمشقي، مات قبل سنة تسعين ومائة، "وهو متروك" أي تركوا الرواية عنه لضعفه، وما روى له إلا ابن ماجه.
"قال أبو حاتم: هو حديث باطل" موضوع، ونقله الذهبي في الميزان وأقه، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبوا بأنه ضعيف فقط لا موضوع؛ فإن مسلمة لم يجرح بكذب، كما قاله الحافظ، فلا التفات لمن غر بزخرف القول، فقال: هو موضوع، كما قال الذهبي وغيره، لكنه إذا راج على البيهقي وابن ماجه، فلا ملام على من راج عليه بعدهما، فهذا كلام فارغ لا يتمشى على القواعد، فإن المدار على الإسناد، فإن تفرد به كذاب أو وضاع، فحديثه موضوع، وإن كان ضعيفًا فالحديث ضعيف فقط، ودعوى رواجه غير مسموعة؛ لأن دأب المحدثين إذا أبرزوا الحديث بسنده، فقد برءوا من عهدته، على أن مسلمة لم يتفرد به، كما زعم المصنف، فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده من حديث عباد بن كثير، عن ثابت عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا عاله، وإن كان شاهدًا أزاره، وإن كان مريضًا عاده، وعباد ضعيف.
وأخرج الديلمي من حديث أبي عصمة عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، عن أنس، رفعه:"المريض لا يعاد حتى يمرض ثلاثة أيام"، وأبو عصمة ضعيف، فقد تابع عباد مسلمة في شيخ شيخه حميد، في روايته عن أنس، وتابعه أيضًا الحارث في روايته عن أنس، فأين التفرد وله
ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي هريرة، مما حسنه الترمذي مرفوعًا:"من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا"، وهذا لفظ ابن ماجه.
وفي سنن أبي داد عن أنس مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبًا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا".
وفي حديث أبي سعيد عن ابن حبان في صحيحه مرفوعًا: "خمس من
شاهد من طريق آخر، رواه الطبراني في الأوسط من طريق نصر بن حماد، وأبو الحارث الوراق عن روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث، ونصر ضعيف.
قال ابن عدي: ومع ذلك، فيكتب حديثه، قال السخاوي: وهذه الطرق يتقوى بعضها ببعض، ولذا أخذ بمضمونها جماعة، فقال النعمان بن أبي عياش الرزقي، أحد التابعين الفضلاء، من أبناء الصحابة، فيما أخرجه في الشعب، وابن أبي الدنيا: عيادة المريض بعد ثلاث.
وقال الأعمش عند البيهقي: كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه، فإن كان مريضًا عدناه، وهذا يشعر باتفاقهم على هذا، وليس في صريح الأحاديث ما يخالفه، وما رواه الطبراني، عن ابن عباس: عيادة المريض أول يوم سنة، فما كان بعد ذلك فتطوع، ورواه البزار بلفظ، ما زاد بعد ذلك فنافلة، فيحتمل أن مراده أول مرة، وقوله سنة يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، "ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي هريرة" عند الترمذي واب ماجه، "مما حسنه الترمذي مرفوعًا" أي قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضًا" زاد في رواية الترمذي: "أو زار أخا له في الله"، "ناداه مناد من السماء، طبت وطاب ممشاك وتبوأت" أي سكنت "من الجنة منزلًا" نسب السكنى إليه مبالغة؛ لأنه جزاء لفعله، "وهذا لفظ ابن ماجه" وكذا هو لفظ الترمذي، لكن بالزيادة المذكورة، ورواه ابن حبان بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عاد الرجل أخاه، أو زاره، قال الله: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلًا في الجنة".
"وفي سنن أبي داود عن أنس، مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء" بفعل سننه وفضائله وتجنب مكروهاته، "وعاد أخاه المسلم محتسبًا" أجره على الله، "بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا" أي عامًا، ويحتمل أن المراد التكثير.
"وفي حديث أبي سعيد" سعد بن مالك الخدري، "عن ابن حبان في صحيحه" برجال
علمهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة وصام يومًا وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة".
وعند أحمد عن كعب مرفوعًا: "من عاد مريضًا، خاض في الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها". زاد الطبراني: "وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج".
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة، ابتدعه يهودي طبيب لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: له إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه
ثقات، "مرفوعًا:"خمس" من الخصال "من علمهن في يوم" أي يوم جمعة "كتبه الله" أي قدر أوامر الملائكة أن تكتب له أنه "من أهل الجنة" وهذا علامة على حسن الخاتمة، وبشرى له بذلك:"من عاد مريضًا" أي زاره في مرضه، ولو أجنبيًّا، "وشهد جنازة" أي حضرها وصلى عليها، "وصام يومًا" وفي رواية أبي يعلى: وصام يوم الجمعة، أي تطوعًا، "وراح إلى الجمعة" إلى محل صلاتها، "وأعتق رقبة" أي خلصها من الرق لوجه الله، وظاهره أنه لا يكتب له ذلك إلا بفعل الخمس في يوم واحد يكون يوم جمعة، أي جمعة كانت، وعند أحمد عن معاذ مرفوعًا:"خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنًا على الله؛ من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا، أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته وسلم الناس منه وسلم من الناس".
"وعند أحمد عن كعب" بن مالك، "مرفوعًا" عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من عاد مريضًا خاض في الرحمة" حال ذهابه لعيادته، "فإذا جلس عنده استنقع فيها" أي شملته وعمت جميع أجزائه "زاد الطبراني" في روايته لهذا الحديث:"وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج" أي حتى يعود إلى مكانه الذي جاء منه للعيادة، فأفاد الحديث خوضه فيها ذاهبًا وراجعًا، والاستنقاع مدة جلوسه عنده، "ولم يكن صلى الله عليه وسلم يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات" ولكن جرت العادة بها طرفي النهار، كما مر عن الحافظ، ومن آدابها عدم تطويل الجلوس عنده، فربما شق على المريض أو على أهله، "وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة ابتدعه يهودي طبيب لملك" سلطان "قد مرض، وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته، فمنعه، فخاف على استحلال سبته" إن جاء، "ومن سفك دمه"
الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده.
ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعبادة استرواح.
وينبغي اجتناب التطبب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه، خصوصًا إن كان هذا العدو يهوديًّا؛ لأن قاعدة دينهم: أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء.
وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
إن لم يجئ، "فقال له: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده" ويعتقد أنه يضر المريض.
"ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي" بضم الفاء نسبة إلى فراوة بلدة قرب خوارزم "أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك" إن صح "أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعيادة استرواح" أي راحة في نفسه بالزيادة "وينبغي اجتناب التطيب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه" نصراني، "فإنه مقطوع بغشه" للمسلمين، "سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه" فإنهم يتقربون بالسعي في فقد المسلمين له، "خصوصًا إن كان هذا العدو يهوديًّا؛ لأن قاعدة دينهم" الباطل؛ "أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه" وقد حكي أن الإمام المازري مرض، فكان يطلبه يهودي، فقال له يومًا: يا سيدي مثلي يطب مثلكم، وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين، فشفي وقرأ الطب، فكان يفزع إليه فيه، كما يفزع إليه في الفقه رحمه الله، "وإن من استحل السبت، فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه" والمسلمون يستحلونه، فيعملون فيه ما يرى اليهودي تحريمه، "ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء، وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:"
لعن النصارى واليهود فإنهم
…
بلغوا بمكرهم بنا الآمالا
خرجوا أطباء وحسابًا لكي
…
يتقسموا الأرواح والأموالا
ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري، قال صلى الله عليه وسلم: إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك يطيب نفسه، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك.
وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف زلل ونحوه.
وقال بعضهم: في هذا الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش
"لعن النصارى واليهود فإنهم
…
بلغوا بمكرهم بنا الآمالا"
"خرجوا أطباء وحسابًا لكي
…
يتقسموا الأرواح والأموالا"
"ومما كان يفعله عليه الصلاة والسلام ويأمر به تطييب نفوس المرضى، وتقوية قلوبهم" كما في البخاري عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل على مريض يعوده، قال:"لا بأس طهور إن شاء الله".
"ففي حديث أبي سعيد اخدري" عند الترمذي وابن ماجه، بإسناد ضعيف، "قال صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم على مريض" تعودونه، "فنفسوا له في أجله" أي وسعوا له وأطمعوه في طول الحياة، أو اذهبوا حزنه فيما يتعلق بأجله، قال الطيبي: في أجله متعلق بنفسوا مضمنًا معنى التطميع، أي طمعوه في طول أجله، واللام للتأكيد والتنفيس التفريج، "فإن ذلك يطيب نفسه" فيرتاح، وقد قيل للرشيد وهو عليل: هون عليك وطيب نفسك، فإن الصحة لا تمنع من الفناء، والعلة لا تمنع من البقاء، فارتاح لذلك، ولفظ الحديث عند الترمذي وابن ماجه: فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب بنفس المريض "مثل أن يقول له: لا بأس عليك طهور إن شاء الله""بفتح الطاء، أي مطهر من الذنوب"، "ووجهك الآن حسن، وما أشبه ذلك" مما يدخل السرور عليه، "وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة" للذنوب، "فربما أصلح ذلك قلبه وأمن من خوف زلل ونحوه".
"وقال بعضهم" هو ابن القيم "في هذا الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش
به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطب. وفي تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم.
قال في الهدي: وكان صلى الله عليه وسلم يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما كان يقول
به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة، أو تخفيفها، الذي هو غاية تأثير الطب" بالأدوية، "وفي تفريج نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال السرور عليه": بالكلام "تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها" "الواو بمعنى"، أو "فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم" ولا يعارض ذلك ندب التنبيه على الوصية؛ لأنه يقول مع ذلك: الوصية لا تنقص الأجل، بل العامل بالنسبة ترجى له البركة في عمره، وربما تكون الوصية بقصد امتثال الشرع سببًا لزيادة العمر، ونحو ذلك "قال في الهدي" النبوي لابن القيم:"وكان صلى الله عليه وسلم يسأل المريض عن شكواه وكيف يجد" نفسه.
روى أحمد والترمذي عن أنس، قال: دخل صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده وهو في الموت، فسلم عليه، فقال:"كيف تجدك"؟، قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال صلى الله عليه وسلم:"لم يجتمعا في قلب رجل عند هذا الموطن إلا أعطاه الله رجاءه وآمنه مما يخاف"، "وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، و" كان "يضع يده على جبهته" ففي حديث سعد بن أبي وقاص: ثم وضع يده على جبهته بعد مسح يده على وجهي وبطني، ثم قال:"اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته"، فما زلت أجد برده على كبدي، "وربما وضعها بين ثدييه ويدعو له".
ففي الصحيحين عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضًا، أو أتي به إليه، قال:"أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك"، "ويصف له ما ينفعه في علته" مرضه، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما في حديث جابر المتقدم قريبًا، "وربما كان يقول للمريض:"لا بأس عليك" هو "طهور""بفتح الطاء، أي مطهر لك من ذنوبك" "إن
للمريض: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله تعالى"، وربما كان يقول:"كفارة وطهور".
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: "بسم الله". رواه أبو يعلى بسند صحيح.
وأخرج الترمذي بسند لين من حديث أبي أمامة رفعه من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو، وعند ابن السني بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟
وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان.
فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ربه
شاء الله تعالى" دعاء لا خبر، "وربما كان يقول: "كفارة وطهور" وفيه استحباب مخاطبة العائد للعليل بما يسليه من ألمه، وتذكيره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه.
"وقالت عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم""بفتح اللام"، أي يتوجع منه، "ثم يقول:"بسم الله" أداويك، "رواه أبو يعلى بسند صحيح" وفي نسخ بسند حسن، "وأخرج الترمذي بسند لين" أي ضعيف، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك، وقال في موضع آخر فيه علي بن زيد ضعيف، "من حديث أبي أمامة" صدى بن عجلان، "رفعه من تمام عيادة المريض" أي مكملاتها ومتمماتها "أن يضع أحدكم" يعني العائد "يده على جبهته" حيث لا عذر، "ويسأله كيف هو" أي كيف حاله، وبقية رواية الترمذي، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة.
"وعند ابن السني، بلفظ" ويقول له: "كيف أصبحت" إذا عاده في الصباح، "أو كيف أمسيت" إذا عاده في المساء، فإن ذلك ينفس عن المريض، هذا بقية رواية ابن السني.
قال ابن بطال: في وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا، وقد يعف العلاج، فيعرف العلة، فيصف له ما يناسبه.
"وإذا علمت هذا فأعلم أن المرض نوعان، مرض القلوب" أي فسادها بنحو الحسد وسوء العقيدة، وهو مجاز، "ومرض الأبدان" خروجها عن الاعتدال، وهو حقيقي، ولكل منهما طب ودواء يعالج به؛ "فأما طب القلوب" هكذا في أكثر النسخ، وهي المناسبة لقوله الآتي، وأما طب الأجساد، ولأن القصد ذكر الطب لا المرض، "ومعالجتها" عطف تفسير.
تعالى، لا سبيل لحصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم، ومنه ما جاء به غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث هاديًا وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله، ومبينًا لأمته
وفي نسخة: فأما مرض القلوب، وهي أنسب بما قبلها، لكن القصد ذكر الطب لا المرض إلا أن يقدر مضاف أي فأما طب مرض القلوب أو أن نفس معرفة مرضها لا يكون إلا من جهته كالرياء والشرك الخفي ونحو ذلك، وعلى هذا، فمعالجتها عطف مغاير، "فخاص بما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى" أي مقصور عليه، لا يعلم إلا من جهته، إما نصًّا كالأحاديث الواردة فيما يصلح القلوب ويمنعها من الاعتقادات الباطلة والجهالات، وإما استنباطًا، كالأحكام التي استنبطها الأئمة من الأحاديث قياسًا عليها، أو استخراجًا من القواعد التي دلت عليها الأحاديث، "لا سبيل لحصوله إلا من جهته" كالصفة اللازمة لما قبله، وعلله بقوله:"فإن صلاح القلوب أن تكون" أي كونها "عارفة بربها وفاطرها" فاتصافها بذلك عين صلاحها، وخص الرب والفاطر إشارة إلى نعمتي الإيجاد والتدبير، فإنه أنعم عليهم بالإيجاد، ثم بتدبير مصالحهم والقيام بها أبدًا ما بقوا، "وبأسمائه وصفاته وأفعاله" أي أنه متى تعلقت إرادته بشيء كان، "وأحكامه" التي شرعها من إيجاب وندب وغيرها "و" صلاح القلوب أيضًا، "أن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه" أي أنها تحرص على ذلك وتقدمه على غيره، وإن كان فيه غاية المشقة عليها، "متجنبة لمناهيه ومساخطه" جمع مسخط، كمقعد ضد الرضا، وهو الغضب، وهو ارتكاب ما نهى عنه، فالمراد منهما واحد، أو أنه من عطف المسبب على السبب، "ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك" المذكور من كونها عارفة
…
إلخ.
"ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم" هذا غير قوله أولًا: لا سبيل إلى حصوله؛ لأنه وجوده نفسه، والثاني قبوله وأخذه عنه، فاختلف السبيلان.
"وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم" فيجب اعتقاد حقيقته، وأنه إن تخلف حصول الشفاء عنه، فذلك لمانع قام بالمريض أو الدواء، "ومنه ما جاء عن غيره" ولم يكن كل طب الأجساد منه، "لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث" هاديًا، فالتعليل لمقدر فهم من السياق، "وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله" ما يجب له وما يستحيل عليه وغير ذلك من العقائد، "ومبينًا لأمته مواقع رضاه" النافعة لهم، "وآمرًا لهم بها، و" مبينًا لهم، "مواقع سخطه" الضارة
مواقع رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك.
وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودًا لغيره، بحيث إنه إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًّا، وهي مضرة زائلة، تعقبها المنفعة الدائمة التامة.
وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا
لهم "وناهيا لهم عنها" بوحي الله وأمره له بذلك، "ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل، وأحوالهم مع أممهم" أي مخبرهم بأحوال الأنبياء مع أممهم، أو بأخبار الأنبياء الذين صدرت منهم الأخبار إلى أممهم، كقول صالح:{هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73] ، "وأخبار تخليق" أي خلق "العالم" كأخباره عن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والأرض بعد ذلك دحاها، والجبال أرساها "وأمر المبدأ والمعاد" الرجوع يوم القيامة، "وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها، وأسباب ذلك" المذكور من شقاوة وسعادة، ولما نشأ من الحصر؛ بأنه إنما بعث هاديًا
…
إلخ سئل هو: فلما تكلم على كثير من أمور الطب، أجاب عنه بقوله:"أما طب الأجساد، فجاء من تكميل شريعته، و" وجاء "مقصودًا لغيره" لا لذاته، "بحيث إنه إنما يستعمل للحاجة إليه" أي عند الحاجة إليه "فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها ودفع أسقامها وحميتها""بكسر الحاء" منعها "مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد" ويجوز كما يفهم من هذا الكلام، أنه قسيم لمقدر، أي: فأما طب القلوب وإصلاحها فهو المقصود من شرعه، وأما طب الأجساد
…
إلخ.
وبهذا جزم في الشرح، وجوز الأول في تقريره، "وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع" بل قد يضر، "وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًّا" لأنه إنما يترتب عليها وفات غرض دنيوي لا يؤثر خللًا في الدين، "وهي مضرة زائلة""مصدر ميمي بمعنى الضرر"، "تعقبها المنفعة الدائمة التامة" بالخلود في جنات النعيم؛ "وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب، كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها" أي أنواعها
وسببه الذنوب والمعاصي، فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلا الله.
فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
…
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور
…
ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومنها: حرمان الرزق، ففي المسند:"وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
"في الضرر، وهل في الدنيا والآخر شر وداء""بالفتح والمد" مرض، "إلا وسببه الذنوب والمعاصي" بمعنى الذنوب، فحسن العطف اختلاف اللفظ، "فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة" الضرر "بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله".
"فمنها حرمان العلم" أي أن المعاصي سبب في حصول ذلك وقيامه بالعبد، "فإن العلم نور يقذفه الله في القلب" وفائدته امتثال الأوامر واجتناب النواهي، "والمعصية تطفئ ذلك النور" فيكون إما سببًا لحرمانه، بحيث لا يدرك شيئًا منه، وإما سببًا لعدم ترتب فائدته عليه، بل قد يكون علمه الذي حصله ضررًا عليه في الدارين، "وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:
"شكوت إلى وكيع سوء حفظي
…
فأرشدني إلى ترك المعاصي"
وقال اعلم بأن العلم نور
…
ونور الله لا يؤتاه عاصي"
وذكر ابن القيم: لما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وقور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تظلمه بالمعصية، "ومنها: حرمان الرزق" الحلال، أو البركة فيه، "ففي المسند" لأحمد، والظاهر أن المراد الحديث المسند، أي المرفوع لقول مغلطاي: إذا كان الحديث في أحد الستة لا يجوز لحديثي نقله من غيرها. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد وأبو يعلى وابن منيع والطبراني والضياء في المختارة والعسكري عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدعاء يرد القضاء، وأن البر يزيد في العمر""وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 17، 18] .
ويروى عن ابن مسعود رفعه: "إن الرجل ليذنب الذنب، فيحرم به الشيء من الرزق، وقد كان هبيئ، وأنه لينذب فينسى به الباب من العلم قد كان علمه، وأنه ليذنب، فيمنع به قيام الليل" وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ويعارضها ما أخرجه الطبراني عن أبي سعيد، رفعه: "إن
ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين الله تعالى، لا يوازيها ولا يقارنها لذة أصلًا.
ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا عليه.
ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه، يراه كل أحد.
الرزق لا تنقصه المعصية، ولا تزيده الحسنة، وترك الدعاء معصية".
وعند العسكري بسند ضعيف، عن ابن مسعود، رفعه:"ليس أحد بأكسب من أحد قد كتب الله النصيب والأجل، وقد قسم المعيشة والعمل، والرزق مقسوم وهو آت على ابن آدم على أي سيرة سارها، ليس تقوى تقي بزائدة، ولا فجور فاجر يناقصه، وبينه وبينه ستر وهو في طلبه".
وعند ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعًا: "إن الرزق ليطلب العبد، كما يطلبه أجله"، وفي ذا المعنى أحاديث، ويمكن الجمع بينها كما أشرت إليه؛ بأن الذي يحرمه الرزق الحلال أو البركة فيه أو صرفه في وجوه الخير ونحو ذلك، فلا معارضة.
وأسلفت في مراتب الوحي شيئًا من ذلك، "ومنها: وحشه يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله تعالى لا يوازيها" أي يقابلها، يقال: وازاه موازاة، أي حاذاه، "ولا يقارنها" "بالنون"، أي لا يجتمع معها "لذة أصلًا" بالعبادات وإن فعلها.
قال وهيب ابن الورد لمن سأله: أيجد طعم العبادة من عصى الله سبحانه؟، قال لا، ولا من هم بالمعصية.
"ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه" بحيث لا يصل إليه بوجه، "أو متعسرًا عليه" بحيث يناله تعب في الوصول إليه.
"ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم" الأسود "إذا أدلهم" أي اشتد سواده وكثفت ظلمته، "وكلما قويت الظلمة ازدادت حيوته حتى يقع في البدع" الأمور القبيحة المخالفة للشرع، وإن أطلقت البدع على غير القبيح، فليس المراد هنا كما هو بين، "والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد" بحاسة البصر.
ومنها: أن يوهن القلب والبدن.
ومنها: حرمات الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة. ومنها: أن المعصية تورث الذل. ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل.
ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ
"ومنها: أنه يوهن القلب والبدن" يضعفهما.
"ومنها حرمات الطاعة وتقصير العمر ومحق البركة" وأجاب عن سؤال: هو أن الأجل مكتوب، فكيف يتأتى نقصه أو زيادته، بقوله:"ولا يمتنع زيادة، العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب" باعتبار ما في صحف الملائكة، أما باعتبار علم الله، فلا يزيد ولا ينقص.
"وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر، إنما هو بأن" أي بسبب أن "حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره" النافعة له، "فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها؛ وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة" التي تحصل له نفع الدارين.
"ومنها: أن المعصية تورث الذل" أي كونه يصير ذليلًا محتقرًا بين الناس، وإن لم يطلعوا على ما فعله "ومنها: أنها تفسد العقل" فيرى الصواب خطأ، والخطأ صوابًا، "فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل" فيصير كالمجنون.
"ومنها: أنها تزيل النعم" كما اشتهر، ومعناها صحيح، ولم أقف عليه.
قال السخاوي: "وتحل النقم""بضم التاء وكسر الحاء من أحله" كذا أنزله به، "فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب" كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، بسبب المعاصي، والفاء؛ لأن ما شرطية أو مضمنة معناه، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية، {وَيَعْفُو عَنْ
كَثِيرٍ} [الشورى: 30] وللقد أحسن القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها
…
فإن الذنوب تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد
…
فرب العباد سريع النقم
كَثِيرٍ} من الذنوب، فلا يعاقب عليها، والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن أصاب غيرهم، فلأسباب آخر، منها: تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه، قال البيضاوي:"ولقد أحسن القائل" هو أبو الحسن الكندي القاضي فيما أسنده عنه البيهقي:
"إذا كنت في نعمة فارعها
…
فإن الذنوب تزيل النعم"
وفي رواية فإن المعاصي بدل الذنوب.
"وحطها بطاعة رب العباد
…
فرب العباد سريع النقم"
حطها بحاء وطاء مهملتين، أي أحفظها، وبقية القصيدة:
وإياك والظلم مهما استطعت
…
فظلم العباد شديد الوخم
وسافر بقلبك بين الورى
…
لتبصر آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم
…
شهود عليهم ولا تتهم
وما كان شيء عليهم أضر
…
من الظلم وهو الذي قد قصم
فكم تركوا من جنان ومن
…
قصور وأخرى عليهم أطم
صلوا بالجحيم وفات النعيم
…
وكان الذي نابهم كالحلم
وقد يشهد لصدر الأبيات قوله صلى الله عليه وسلم: "ما عظمت نعمة الله على عبد إلا عظمت مؤنة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤنة فقد عرض تلك النعمة للزوال"، رواه البيهقي وأبو يعلى والعسكري عن معاذ، وللطبراني والبيهقي عن ابن عمر، رفعه:"إن لله أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم"، وللبيهقي عن أبي هريرة، رفعه:"ما من عبد لله عليها نعمة أسبغها عليه إلا جعل إليه شيئًا من حوائج الناس، فإن تبرم بهم فقد عرض تلك النعمة للزوال"، قال السخاوي: وبعضها يؤكد بعضًا.
وعن الفضيل بن عياض: "أما علمتم أن حاجة الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فاحذروا أن تملوا النعم فتصير نقمًا" أخرجه البهيقي.
"ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد في دنياه وآخرته" أي أسباب هلاكه، ومادة الشيء ما يكون الشيء حاصلًا مع بالقوة فيتسبب حصوله عنها كالآلة التي تركب منها السرير مثلًا "فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت، ولا بد كما أن البدن لا يكون
هي أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد، كما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما مات منها فات من التقوى بقدره.
وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل:
صحيحًا إلا بغذاء" "بمعجمتين ممدود" "يحفظ قوته، واستفراغ" أي علاج "يستفرغ" يخرج "المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته" فتؤدي إلى الأمراض أو الهلاك عادة، "وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه، ويخشى ضرره" من مرض أو هلاك، "فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان" من بيانية أو تبعيضية، أي: أشياء هي الإيمان "والأعمال الصالحة" أو بأمور هي بعض مكملات الإيمان، والأعمال الصالحة "تحفظ قوته" وإطلاق الغذاء على ذلك مجاز؛ لأنه لغة ما يتغذى به من الطعام والشراب، "واستفراغ بالتوبة النصوح" لغة من النصح، وهو صفة التائب، فإنه ينصح نفسه بالتوبة، وصفت به على الإسناد المجازي مبالغة في النصح، أو من النصاحة، وهي الخياطة، كأنها تنصح ما خرق الذنب.
قال البيضاوي: "يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة، وحمية" عن المعاصي "توجب له حفظ الصحة وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى، اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة" الغذاء والاستفراغ والحمية، "فما فات منها فات من التقوى بقدره" فتكون ناقصة؛ "وإذا تبين هذا، فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية وتوجب التخليط المضاد" المخالف "للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح، فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الإخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها" مراده تقريب المعقول بالمحسوس، أي تأمل بدن عليل موصوف بما ذكر، "كيف تكون صحته وبقاؤه" استفهام توبيخي بمعنى النفي، أي لا تكون له صحة ولا بقاء،
جسمك بالحمية حصنته
…
مخافة من ألم طاري
وكان أولى بك أن تحتمي
…
عن المعاصي خشية النار
فمن حفظ القول بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطالبًا، ولا للشر مهربًا، وفي حديث أنس:"ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن دائكم الذنوب، ودواؤكم الاستغفار".
فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي.
والقلب العليل شبيه بالبدن العليل، فإذا تراكمت عليه الخطايا، بحيث اشتدت غفلته وإعراضه عن الله، وما تدارك ما يوقظه من تلك الغفلة، بل تمادى على ضلاله، كيف يرجى قربه من الله واندراجه في الصالحين، لا يكون ذلك إلا أن يحفه الله بالرحمة، فيوفقه إلى عمل صالح يكون سببًا لنجاته، "ولقد أحسن القائل":
"جسمك بالحمية حصنته
…
مخافة من ألم طاري
وكان أولى بك أن تحتمي
…
عن المعاصي خشية النار"
"فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفراغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلبًا" أي لم يترك شيئًا من الأسباب التي تسوق إلى الرحمة والقرب من الله، "ولا للشر مهربًا" بزنة جعفر: موضع يذهب إيه الفأر خوفًا، أي لم يترك سببًا من الأسباب التي تدفع الشر عنه، وتبعده عن النار وعذابها؛ بل إذا اتقى هرب الشر عنه كما يفر الخائف من عدو يريد البطش به.
"وفي حديث أنس" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أدلكم على دائكم""بفتح الدال ممدود" أي مرضكم "ودوائكم" شفائكم من المرض "بفتح الدال والمد"، وحكى الجوهري وغيره "كسر الدال لغة" وهي شاذة، قاله عياض:"ألا إن داءكم الذنوب" لأنها سبب إلى دخول النار، وذلك أعظم من كل المراض، وفي التنزيل: ولعذاب الآخرة أشق، "ودواؤكم الاستغفار" أي التوبة والإقلاع عن الذنوب، والندم والعزم على أن لا يعود: وهذا الحديث رواه البيهقي عن أنس مرفوعًا.
قال المنذري: وقد روي عن قتادة من قوله، وهو أشبه بالصواب، "فقد ظهر لك" مما ذكر "أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل" طريق "إلى معرفته إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، بواسطة الوحي" بملك أو غيره.
وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:
نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجته طبيب.
ونوع يحتاج إلى النظر والفكر، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة وإما برودة، وكل منهما، إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع من داخله وهو أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة.
فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحبة
والاحتماء عن المؤذي.
"وأما طب الأجساد، فغالبه يرجع إلى التجربة، ثم هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات" عاقلة وغيرها، "مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب" لمعرفة الحيوانات كلها له، "ونوع يحتاج إلى النظر والفكر، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة وإما برودة، وكل منهما إما" مائل "إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم" يقابل ويعالج "الواحد منها بضده" وقد يعالج بموافقة لخاصية فيه على زعم الحكماء، "والدفع قد يقع من خارج البدن" كالأدهان والاستحمام بالأدوية، "وقد يقع من داخله، وهو أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق" أي معرفة "السبب" الذي حدث منه المرض، "والعلامة" التي يستدل بها على معرفته، وفي نظم ابن سينا:
فإن أصل الطب أن تدري المرض
…
والسبب الحادث منه والعرض
"فالطبيب الحاذق" الماهر في علم الطب، "هو الذي يسعى في تفريق ما يضر" "بضم الياء من أضر رباعيًّا" ولذا عداه بالباء في قوله:"بالبدن" ويتعدى بنفسه ثلاثيًَّا، نحو: لن يضروكم إلا أذى "جمعه" فاعل يضر "بفتح فسكون""أو عكسه" أي جمع ما يضر بالبدن تفريقه، "وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه" أي زيادة ما يضر بالبدن نقصه، "ومدار ذلك على ثلاثة أشياء حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة"
واستفراغ المادة الفاسدة
وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن:
فالأول: قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك القول في المرض.
والثاني: وهو الحمية، من قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} [النساء: 29] فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وقال تعالى في آية الوضوء {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج.
والثالث: من قوله تعالى: {أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] فإنه
بإخراج الدم والإسهال والقيء، "وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن، فالأول قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184] ، أي مسافر "فعدة" أي فعليه عدد "من أيام آخر" يصومها بدله، "وذلك أن السفر مظنة النصب" بفتحتين التعب، "وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد، فأبيح الفطر، وكذلك القول في المرض" ففي هذا الإشارة إلى حفظ الصحة، "والثاني، وهو الحمية من قوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم} " [النساء: 29] ، فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد" واحتج بذلك عمرو بن العاصي، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه أبو داود وغيره.
"وقال تعالى في آية الوضوء: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [المائدة: 6] ، مرضًا يضره الماء "{أَوْ عَلَى سَفَرٍ} " أي مسافرين وأنتم جنب، أو محدثون، "{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} " المكان المعد لقضاء الحاجة، أي أحدث، {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وفي قراءة بلا ألف، وكلاهما بمعنى من اللمس، وهو الجس باليد، قاله ابن عمر، وقال ابن عباس: هو الجماع، {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} تطهرون به بعد الطلب والتفتيش، وهو عائد لما عدا المرضى {فَتَيَمَّمُوا} اقصدوا {صَعِيدًا طَيِّبًا} طاهرًا، "فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج" فهو أصل الحمية؛ "والثالث" مأخوذ "من قوله تعالى" {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى
أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس تحت الشعر؛ لأنه إذا حق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه.
فقد أرشد الله تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده.
وفي الصحيحين من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} كقمل وصداع، فحلق في الإحرام، {فَفِدْيَة} عليه من صيام لثلاثة أيام أو صدقة أو نسك، "فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منه منه المحرم" بقوله: ولا تحلقوا رؤوسكم، "لاستفراغ" أي لأجل إخراج "الأذى الحاصل من البخار المحتقن" المحتبس المجتمع "في الرأس تحت الشعر؛ لأنه إذا حلق رأسه تفتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها" فترتاح، "فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه" من باب قياس لا فارق، "فقد أرشد الله تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده" وقد قال تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] .
"وفي الصحيحين من حديث عطاء" بن أبي رباح: "بفتح الراء والموحدة""عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله داء" أي مرضًا، وللإسماعيلي: من داء بزيادة من "إلا أنزل له شفاء" أي دواء، وجمعه أشفية، وجمع الجمع آشاف، وشفاء يشفيه أبرأه، وطل له الشفاء، كأشفاه، قاله المصنف، فإذا استعمله المريض، وصادف المرض حصل له الشفاء، سواء كان الداء قلبيًّا أو بدنيًّا. انتهى.
قال الكرماني: أي ما أصاب الله أحدًا بداء إلا قدر له دواء، أو المراد بإنزالهما إنزال الملائكة الموكلين بمباشرة مخلوقات الأرض من الدواء والداء. انتهى.
قال المصنف: فعلى الأول المراد بإنزال التقدير، وعلى الثاني إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي مثلًا، أو إلهام لغيره. انتهى.
وقيل: معنى الإنزال إعلامه عباده، ومنع بأن الحديث أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك، كما يصرح به خبر علمه، من علمه وجهله من جهله.
وقيل: عامة الأدواء، والأدوية بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد به الأغذية والأدوية وغيرهما،
وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا".
وعند أحمد من حديث أنس: "إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا".
وعند البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: "تداووا عباد الله، فإن الله
وهذا من تمام لطف الرب بخلقه، كما ابتلاهم بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية.
"وأخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، عن ابن مسعود رضي الله عنه" عن النبي صلى الله عليه وسلم، "بلفظ:"أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء".
قال بعضهم: الداء علة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشفاء رجوعها إلى الاعتدال، وذلك بالتداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب.
وقال ابن سينا: الداء هيئة ناسخة للصحة، تخرج البدن عن المجرى الطبيعي، وعرفه غيره بأنه المخرج للبدن عن المجرى الطبيعي، بتناول أو غالب من الأخلاط.
قال الرازي: وهذا أوجه لعمومه، "فتداووا" وجوبًا في الأمراض القلبية، وندبًا أو إباحة في الأمراض البدنية، إن لم يترتب على ترك التداوي هلاك أو ترك واجب، وإلا وجب التداوي، وقد يحرم، كقدح عين أدى للصلاة مستلقيًا عند جمع من المالكية، وصحح بعضهم: وهو مذهب الشافعية جوازه.
"وعند أحمد من حديث أنس" مرفوعًا: "إن الله حيث خلق الداء" ظرف مكان بالاعتبار أي قدره وأوجده في بدن أو عضو، "خلق الدواء فتداووا" فإن أصيب الدواء واستعمل على وجه برئ.
"وعند البخاري في" كتاب "الأدب المفرد، وأحمد وأصحاب السنن" الأربعة، "وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، عن أسامة بن شريك" الثعلبي "بمثلثة ومهملة"، صحابي تفرد بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح، "رفعه" فقال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده، كأن على رءوسهم الطير، فسئل عن التداوي، فقال:"تداووا عباد الله" كذا في كثير من النسخ بدون يا، ومثله في الجامع.
وفي بعض النسخ: يا عباد الله، ومثله في شرح المصنف للبخاري: فلعلهما روايتان، وصفهم بالعبودية إيذانًا بأن التداوي، لا يخرجهم عن التوكل الذي هو من شرطها، أي تداووا ولا تعتمدوا في الشفاء على التداوي بل كونوا عباد الله متوكلين عليه، "فإن الله لم يضع داء إلا
لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدًا وهو الهرم" وفي لفظ "إلا السام" -وهو بمهملة مخففًا- الموت، يعني إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه. واستثناء الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإقضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: لكن الهرم لا دواء له.
ولأبي داود، عن أبي الدرداء، رفعه:"إن الله عز وجل جعل كل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام".
وضع له شفاء" وهو سبحانه لو شاء لم يخلق داء، وإذا خلقه لو شاء لم يخلق له دواء، وإذا خلقه لو شاء لم يأذن في استعماله، لكن أذن، فمن تداوى، فعليه أن يعتقد حقًّا ويوقن يقينًا بأن الدواء لا يحدث سقما ولا يولده، كما أن الداء لا يحدث سقمًا ولا يولده، لكن الباري سبحانه يخلق الموجودات واحدًا عقب آخر على ترتيب هو أعلم بحكمته "إلا داء واحدًا" وفي رواية: غير داء واحد، قال أبو البقاء: لا يجوز في غير هنا إلا النصب على الاستثناء من داء، "وهو الهرم" "بفتحتين" أي الكبر، وليس في الرواية لفظ، وهو كما في شرحه كالفتح والجامع.
قال أبو البقاء: الهرم يجوز رفعه بتقدير هو، وجره على البدل من داء المجرور بغير، ونصبه على إضمار، أعني، "وفي لفظ "إلا السام"، وهو بمهملة مخففًا الموت، يعني: إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه، واستثناء الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت" أي بدائه وداء الموت لا دواء له، فكذا الهرم لمشابهته له في نقص الصحة كما قال، "والجامع بينهما نقص الصحة" في الجملة، وإن كان في المشبه به انتهاؤها دون المشبه، أي الهرم، فلا يقال: الموت مزيل للصحة من أصلها، لا منقص لها، "أو لقربة من الموت وإقضائه إليه" لأن الموت يعقبه، كما يعقب الداء، قاله ابن العربي، وجعله أولى من انقطاع الاستثناء، وهو عطف على قوله لأنه جعله.
"ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى، لكن الهرم لا دواء له" فلا ينجح فيه التداوي، "ولأبي داود عن أبي الدرداء" عويمر العجلاني، "رفعه" فقال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل جعل لكل داء دواء" لطفًا منه بخلقه، "فتداووا" متوكلين على الله، "ولا تداووا بحرام" بحذف إحدى التاءين في تداووا.
وفي البخاري: "إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، فلا يجوز التداوي بالحرام.
وروى مسلم عن جابر، مرفوعًا:"لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى".
فالشفاء متوقف على إصابة الداء الدواء بإذن الله تعالى. وذلك أن الدواء قد
"وفي البخاري" تعليقًا عن ابن مسعود، وبين الحافظ؛ أنه جاء من طرق صحيحة إليه "إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم" من الأمراض القلبية والنفسية، أو الشفاء الكامل المأمون الغائلة "فيما حرم" بالبناء للفاعل، ويجوز للمفعول "عليكم" لأنه سبحانه وتعالى لم يحرمه إلا لخبثه عناية بعباده وحمية لهم وصيانة عن التلطخ بدنسه، وما حرم عليهم شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه، فعدولهم عما عوضه لهم إلى ما منعهم منه يوجب حرمان نفعه؛ ومن تأمل ذلك هان عليه ترك المحرم المردي، واعتاض عنه النافع المجدي والمحرم، وأن أثر في إزاله المرض، لكنه يعقب بخبثه سقمًا قلبيًّا أعظم منه، فالمتداوي به ساع في إزالة سقم البدن بسقم القلب، وبه علم أنه لا تدافع بين الحديث.
وآية: أن في الخمر منافع، وحمل المنافع في الآية على منفعة الأتعاظ، أي أن من رأى حالته اتعظ به، فإن السكران هو والكلب واحد، يلحس في ذا مرة، وذا مرة تكلف بارد، "فلا يجوز التداوي بالحرام" وقد روى الطبراني في الكبير، وأبو يعلى عن أم سلمة، قالت: نبذت نبيذًا في كوز، فدخل رسول الله صلى اله عليه وسلم وهو يغلي، فقال:"ما هذا"؟ قلت: اشتكت ابنة لي، فنقعت لها هذه، فقال صلى الله عليه وسلم:"لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
"وروى مسلم" في الطب، والإمام أحمد "عن جابر مرفوعًا:"لكل داء""بفتح الدال ممدود"، وقد يقصر "دواء" أي شيء مخلوق مقدر له، "فإذا أصيب دواء الداء" بالبناء للمفعول، والأصل، فإذا أصاب المريض دواء الداء المناسب له، سواء أصابه بتجربة أو أخبار عارف، واستعمله على القدر الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي "برأ بإذن الله تعالى" لأن الشيء يداوى بضده غالبًا، لكن قد يدق حقيقة المرض وحقيقة طبع الدواء، فيقل الفقه بالمتضادين، ومن ثم أخطأ الأطباء، فمتى كان مانعًا بخطأ أو غيره، تخلف البرء، فإن تمت المضادة حصل البرء لا محالة، فصحت الكلية واندفع التدافع، هذا أحد محملي الحديث.
وقيل: هو عام مخصوص، والمراد، لكل داء يقبل الدواء، "فالشفاء متوقف على إصابة" أي ملاقاة "الداء الدواء بإذن الله تعالى" بحيث لا يكون بينهما حائل، ولا ثم مانع كما يأتي "وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية" أي الصفة، كاستعماله على
يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر.
وفي رواية علي عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله عز وجل ملكًا ومعه ستر فيجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد الله برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه الله تعالى به.
وفي حديث ابن مسعود رفعه: "إن الله لم ينزل داء إلا نزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" رواه أبو نعيم وغيره.
جوع أو شبع مفرطين، أو أخطأ في تركيبه، كاختلال بعض أجزائه، أو أوقد عليه إلى حد يفسده، أو لم يوقد عليه إلى حد استوائه المطلوب له، "أو الكمية" أي المقدار، ككون المناسب للمرض درهمين، فاستعمل أكثر أو أقل، "فلا ينجح""بنون فجيم فمهملة" أي لا يظهر أثره، "بل ربما أحدث داء آخر" ثار من ذلك الدواء.
"وفي رواية علي" أمير المؤمنين، "عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك" أي لكل داء دواء وأطلع الله المريض على دواء مرضه، واستعمله على الوجه المطلوب في استعماله، ولكن يرد الله شفاءه حالًا بذلك الدواء، "بعث الله عز وجل ملكًا" فهو مرتب على مقدر دل عليه ما بعده، وأحاديث آخر، وإلا فقوله: بعث لا يترتب بظاهره، على أن لكل داء دواء، "ومعه ستر" بكسر السين له وسكون الفوقية" شيء يستر به، "فيجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء" لوجود الستر، "فإذا أراد الله برأه أمر الملك، فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء، فينفعه الله تعالى به" أي يبرأ بإذن الله.
"وفي حديث ابن مسعود، رفعه: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه" بإلهام الله تعالى له واطلاعه عليه، "وجهله من جهله" بإخفاء الله تعالى عنه إياه، فإذا شاء الله الشفاء يسر ذلك الدواء، ونبه مستعمله بواسطة أو دونها، فيستعمله على وجهه، وفي وقته فيبرأ، وإذا أراد هلاكه أذهله عن دوائه، وحجبه بمانع فهلك، وكل ذلك بمشيئته وحكمه، كما سبق في علمه؛ ولقد أحسن القائل:
والناس يلحون الطبيب وإنما
…
غلط الطبيب إصابة المقدور
"رواه أبو نعيم وغيره" كالنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه، ورواه
وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد.
وأما قوله "لكل داء دواء" فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون قد جعل الله لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلًا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله تعالى. ولهذا علق صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء
الحاكم أيضًا من حديث أبي سعيد، بزيادة، إلا السأم وهو الموت، "وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد" لقوله: جهله من جهله.
"وأما قوله" صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء"، فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القائلة" كالسم، "والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها" لخروجها عن قواعد علمه، "ويكون قد جعل الله لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلًا" طريقًا يهديهم إليها، "لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله تعالى" كما قالت الملائكة: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} جزم القرطبي، فقال: هذه كلية صادقة العموم؛ لأنها خبر عن الصادق، عن الخالق جل وعلا ألا يعلم من خلق، فالداء والدواء، والشفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حكمته وحكمه، وكل ذلك بقدر لا معدل نه. انتهى.
"ولهذا علق صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء" بقوله: "إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله"، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده.
قال المازري رحمه الله: فيه بيان واضح؛ لأنه قد علم أن الأطباء يقولون: المرض خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، والمداواة رده، وحفظ الصحة بقاؤه عليه، فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها، ورده يكون بالموافق من الأدوية المضادة للمرض، وبقراط يقول: الأشياء تداوى بضدها، ولكن قد يدق ويغمض حقيقة المرض، وحقيقة طبع الدواء فيقل الفقه بالمضادة، ومن هنا يقع الخطأ من الطبيب، فقد يظن الطبيب العلة عن مادة حارة، فتكون عن غير مادة أو عن مادة، باردة، أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها، فلا يحصل الشفاء؛ فكأنه صلى لله عليه وسلم نبه بآخر كلامه على ما قدر يعارض به أوله، فيقال: قلت: لكل داء دواء، وكثير من المرضى يداوون، فلا يبرءون، فقال: إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة، لا لفقد الدواء، وهذا واضح.
"وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء والدواء" يستعمل ولا يقدر، يعتريه كما هو ظاهر "بعينه" تأكيد للدواء، ويقدر مثله في الداء، أي
بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابهًا، ويكو أحدهما مركبًا، لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدًا لكن يريد الله أن لا ينجع، وهنا تخضع رقاب الأطباء.
وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك.
وقد سئل الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب "القصد" من تأليفه: هل
والدواء الذي يستعمله هو الدواء الأول بعينه، "فلا ينجع" أي: يظهر أثره، "والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبًا" من حرارة وبرودة، مثلًا، "لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا" بل من حرارة فقط أو برودة فقط، "فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدًا، لكن يريد الله أن لا ينجع، وهنا تخضع رقاب الأطباء" ولذا قيل:
إن الطبيب بطبه ودوائه
…
لا يستطيع دفع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي
…
قد كان يبرئ غيره فيما مضى
وقال آخر:
إن الطبيب لذو عقل ومعرفة
…
ما دام في أجل الإنسان تأخير
حتى إذا ما انقضت أيام مدته
…
حار الطبيب وخانته العقاقير
"وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى أن إثبات الأسباب" وترتيب مسبباتها عليها، لأمره بالتداوي "وإن ذلك لا ينافي التوكل" على الله؛ لأن التداوي من قدر الله، ففيه حجة على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية، وقال: كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة للتداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث ونحوها، ويعتقد أن الله هو الفاعل، وأن التداوي أيضًا من قدر الله، فلا ينافي التوكل، "كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك" كالأمر بقتال الكفار وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أواقتها، ولا بد من وقوع المقدورات.
"وقد سئل الحارث بن أسد المحاسبي""بضم الميم وكسر المهملة"، سمي بذلك
يتداوى المتوكل؟ قال: نعم، قيل له: من أين لك ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لاحق، ولا سبقه في التوكل سابق، محمد خير البرية صلى الله عليه وسلم. قيل له: ما تقول في خبر النبي صلى الله عليه وسلم: "من استرقى واكتوى برئ من التوكل" قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر فقال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب"، وأما من سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء والاستقراء.
فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض.
وقال في "التمهيد": إنما أراد بقوله: "برئ من التوكل" إذا استرقى الرقى المكروهة في الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي، وكذلك
لكثرة محاسبته لنفسه، مرت ترجمته مرارًا "في كتاب القصد، من تأليفه: هل يتداوى المتواكل، قال: نعم، قيل له: من أين لك ذلك؟، قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين الذي يلحقه لاحق" أي لم يبلغ أحد ممن بعده مقامه في التوكل، "ولا سبقه في التوكل سابق، محمد خير البرية صلى الله عليه وسلم" فإنه تداوى كثيرًا، وأمر به، "قيل له: ما تقول في خبر النبي صلى الله عليه وسلم" الذي أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي؟، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم عن المغيرة بن شعبة، مرفوعًا: "من استرقى واكتوى برئ من التوكل" لفظه عند المذكورين: "من اكتوى واسترقى، فقد برئ من التوكل"، "قال:" معناه "برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر، فقال:"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب""هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".
أخرجه الشيخان وغيرهما، يعني: بئ من توكل الخواص المعرضين عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفون إلى شيء من علائقها؛ "وأما من سواهم من المتوكلين، فمباح لهم الدواء والاسترقاء، فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض" ولا يشكل عليه استدلاله على تداوي المتوكلين بوجوده من سيدهم؛ لأنه فعله لئلا يشق على من لم يبلغ درجة الخواص، ولأنه مشرع.
"وقال" أبو عمر يوسف بن عبد البر "في التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، "إنما أراد" صلى الله عليه وسلم بقوله "بقوله: برئ من التوكل إذا استرقى الرقى المكروهة في الشريعة" وهي ما كان بغير اللسان العربي، وما لا يعرف معناه، لجواز كونه شركًا، وبغير أسماء الله وصفاته وكلامه في الكتب المنزلة؛ أما الرقي بالقرآن وأسماء الله تعالى وصفاته، والرقى المروية، فلا
قوله: "لا يسترقون" معناه الرقى المخالفة للشريعة، و "لا يكتوون" وقلوبهم معلقة بنفع الكي ومعرضه عن الله تعالى وعن أن الشفاء من عنده. وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، يتوقع الشفاء منه، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئًا، استدلالًا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك في نفسه وفي غيره، انتهى.
تخرج عن التوكل، بل هو باق على حاله لا ينقص منه شيء، وقد قال صلى الله عليه وسلم للذي رقى بالفاتحة، وأخذ أجرًا من أخذ برقية باطل، فقد أخذت برقية حق، وقال: اعرضوا علي رقاكم فعرضوها، فقال: لا بأس بها إنما هي مواثيق، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدون من الشرك في الجاهلية، "أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي" باعتماده عليه ذاهلًا عن التوكل على الله الذي يخلق عنده الشفاء، "وكذلك قوله:"لا يسترقون" معناه الرقى المخالفة للشريعة، "ولا يكتوون" وقلوبهم معلقة بنفع الكي، ومعرضة عن الله تعالى، وعن أن الشفاء من عنده" فهذا هو البريء من التوكل؛ "وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، ويتوقع الشفاء منه" وإن استعماله إنما هو امتثالًا لربط الأسباب بمسبباتها، "وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح" من دائه "لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه، فتوكله باق على حاله، لا ينقص منه الدواء شيئًا" منه "ستدلالًا بفعل سيد المتوكلين، إذ" تعليلية "عمل بذلك في نفسه و" في "غيره. انتهى" كلام التمهيد، وهو نفيس؛ ونحوه قول البيهقي في الشعب: برئ من التوكل؛ لأنه ركب ما يستحب التنزه عنه من الاكتواء، لما فيه من الخطر ومن الاسترقاء، بما لا يعرف من كتاب الله تعالى، وذكره لجواز أن يكون شركًا، فقد روينا الرخصة فيه بما يعلم من كتاب الله تعالى، أو ذكره من غير كراهة، وإنما الكراهة فيما لا يعلم من لسان اليهود وغيرهم، أو استعملها معتمدًا عليها، لا على الله تعالى فيما وضع فيها من الشفاء، فصار بهذا أو بارتكابه المكروه، بريئًا من التوكل، فإن لم يوجد واحد من هذين وغيرهما من الأسباب المباحة، لم يكن صاحبها بريئًا من التوكل، انتهى.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي برئ من التوكل؛ لأنه يريد دفع القدر، وهو لا يدفع، والثاني: كي الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي فيه؛ فإن كان لأمر محتمل، فخلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار، لأمر غير محقق.
وقد تبين أن التداوي لا ينافي التوكل، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.
وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيل، أن الخليل عليه الصلاة والسلام قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: ممن الدواء؟ قال: مني قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه.
قال: وفي قوله صلى الله علي وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على ذلك الدواء، والتنفيس عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية
"وقد تبين، أن التداوي لا ينافي التوكل، بل" هو من جملته، إذ "لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة" أي تعاطي "الأسباب التي نصبها الله تعالى، مقتضيات""بكسر الضاد""لمسبباتها قدرًا وشرعًا" وذلك أنه إذا باشرها وترتبت عليها مسبباتها، علم أن ذلك لحكمة منه تعالى، حيث خلق الشفاء عند مباشرتها، فكمل بذلك اعتقاده أن الله هو المنفرد بالإيحاد، وأن لا فعل لغيره، "وأن تعطيلها" أي الأسباب بعدم العمل بها واعتقاد أن لا يحصل أثر عند مباشرتها، "يقدح في نفس التوكل" إذ لو صدق في التوكل لعمل ما أمر به من السبب معتمدًا على الله، "كما يقدح في الأمر" بها، "والحكمة" في خلق الشفاء عندها.
"وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيلي أن الخليل" إبراهيم "عليه الصلاة والسلام قال: يا رب ممن الداء" المرض "قال: مني، قال ممن الدواء، قال: مني، قال" فإذا كان منك، "فما بال الطبيب" أي حاله وما يحصل منه حتى يعالج المريض ليصح، أو يحفظ صحته، أو نحو ذلك مما يحصل بفعله وحاصله: فأي حاجة للطبيب؛ "قال: رجل أرسل الدواء على يديه" ليس هو الفاعل بنفسه، وإنما فعله بإجرائي ما هو سبب لإزالة المرض ونحوه.
"قال" ابن القيم: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب" المعالج، "وحث على ذلك الدواء والتنفيس عليه" أي كشف الكربة عنه، "فإن المريض إذا استشعرت نفسه؛ أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء" أي بالأثر المصلح لبدنه الذي يترتب على الدواء الذي يستعمله لما رجاه من حصول النفع به، سمي ذلك الأثر روحًا، تشبيهًا بروح الحياة، "وبرد" "بضم الراء وفتحها" "من حرارة اليأس" أي سكنت حرارته "وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية
والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته. انتهى.
فإن قلت: ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة "إلا أنزل الله له دواء" وفي الرواية الأخرى "شفاء" فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير، ويحتمل أن يكون المراد أنزل علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذًا من قياس أو مقامات وحدس وتجربة، من الوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما ينفعه ويضربه، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إل ما جاء يه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ههنا من الأدوية التي تشفي الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله تعالى
والنفسانية والطبيعة، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته" بإذن الله. "انتهى" وهذا مشاهد.
"فإن قلت ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة: "إلا أنزل الله له دواء"، وفي الرواية الأخرى شفاء" وهما بمعنى، على ما ذكر المصنف كما مر؛ "فالجواب أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير" أي قدر الله تعالى له دواء، "ويحتمل أن يكون المراد أنزل علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم" وغيره من الأنبياء، وبالإلهام لغيرهم، أو المعنى: أنزل الغيث الذي تتولد منه الأغذية والأدوية وغيرهما، أو معنى الإنزال إعلام عباده، ورد بأنه أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك، ومر هذه كله "وأين يقع" استفهام إنكاري، أي لا يقع "طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذًا من قياس أو مقامات" كذا في نسخ، ولعله معاناة، وفي نسخ: أو مناطات، أي متعلقات، "وحداس وتجربة" مولعا "من الوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي، كنسبة ما عندهم من العلوم، إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم" وهي لا تعد شيئًا بالنسبة إلى الوحي، "بل ههنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض" من في من الأدوية بيانية لما في قوله: "ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه، والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء، والتوبة.
والتوكل عليه والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب.
فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك -والله- مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية.
ولا ريب أن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء، لصدوره عن الوحي ومشكاة النبوة، وطب غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن العظيم، الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره في اعتقاده والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسًا إلى رجسه، ومرضًا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة.
والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك، والله مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية" ذكر ذلك، وأقسم عليه محدثًا بنعمة الله تعالى، وحثًّا على تلقي ما جاء في ذلك من الأحاديث بالقبول، فمن فعله ولم ينجح معه، فلمانع قام به، كما قال: "ولا ريب أن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء" باستعماله، "لصدوره عن الوحي ومشكاة البوة" أي من جهة النبوة، "وطب غيره أكثره حدس أو تجربة" يخطئ ويصيب، "وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك مانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به، و" ضعف "تلقيه بالقبول" لا لأنه قد يتخلف في نفسه؛ لأنه محال، "وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن العظيم، الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به، لقصوره في اعتقاده، و" قصور "التلقي بالقبول؛ بل لا يزيد المنافق إلا رجسًا إلى رجسه" كفرًا إلى كفره، لكفره به، "ومرضًا إلى مرضه" ضعف اعتقاده، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَة} [التوبة: 127] ، إلى أن قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] ، "فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة" الطاهرة من ضعف الاعتقاد ونحوه، "كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية" بكمال القبول والاعتقاد، "فإعراض عن طب
والقلوب الحية. فإعراض عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع.
وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض على ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الإلهية والروحانية.
والثاني: بالأدوية الطبيعية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
النبوة" إلى التلقي عن الأطباء وعملهم بما يصفون، "كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن، الذي هو الشفاء النافع" وهم ملومون على ذلك غير معذورين؛ وإذا أعرضوا عن القرآن القطعي، لم يستبعد إعراضهم عن الطب النبوي الظني، وإن كانوا ملومين فيهما، ونازع شيخنا؛ بأنه لا يلزم من إعراضهم عن القرآن، وإن كانوا غير معذورين، إعراضهم عن الطب النبوي، لجواز أن إعراضهم عن القرآن؛ لأنه في أعلى طبقات البلاغة، تقصر عقولهم عن إدراكه، ومن ثم قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النمل: 44] بخلاف ما جاء به صلى الله عليه وسلم، فهو قريب من أفهامهم؛ لأنه من جنس كلام البشر، فحقهم التمسك به وعدم الإعراض عنه، لعلمهم أنه حق، ولفهمهم معناه. انتهى.
وفيه: أن الاستشفاء بالقرآن لا يتوقف على إدراك معناه، فلا دخل لكونه في أعلى طبقات البلاغة هنا؛ إذ مجرد تلاوته أو كتابته كافية في الاستشفاء.
"وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض على ثلاثة أنواع: أحدها بالأدوية الإلهية والروحانية، والثاني بالأدوية الطبيعية" أي التي توافق طبيعة المريض، وهي مزاجه المركب من الأخلاط الأربعة، "والثالث بالمركب من الأمرين" بأن يدعو بدعاء ومعه دواء يوافق الطبيعة
"النوع الأول:""في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الإلهية"
اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] .
ولفظه "من" -كما قال الإمام فخر الدين- ليست للتبعيض بل للجنس، والمعنى، وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضًا من الأمراض الجسمانية.
أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر وذلك المرض الروحاني نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، وأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في
"النوع الأول:""في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الإلهية"
"اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم" أي أشمل، "ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أنجع" أي أشد تأثيرًا "في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ".
"بالهمز والقصر" وسخ "القلوب" أي ما يعلوها من ظلمة الذنوب، فإطلاق الصدأ عليه مجاز، "جلاء""بكسر الجيم والمد" كشف لها، وعبر في الأول بشفاء، وفي الثاني بجلاء، تنبيهًا على أن الثاني ليس داء قائمًا بالعضو، لكنه لتغطيته للقلب، بحيث يمنع من وصول ما ينفع من حلول الحق فيه، طلب جلاؤه منه لينتفع بما يصل إليه من المواعظ والأحكام، واقتصر في قوله الآتي: الذي هو القرآن شفاء من الأمراض على الشفاء، إشارة إلى أن الصدأ كالداء الذي يقوم بالعضو، فزواله شفاء، "كما قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] ، استدلال على قوله، فهو للداء شفاء؛ وأما دلالته على كونه أعظم، فلعله من قرينة خارجية، أو من التنوين في شفاء المفيد للتعظيم، مع دعوى أنه لا أعظم منه، واستفادة الأمرين، أعني شفاء، وجلاء من قوله شفاء وقوله: ورحمة للمؤمنين زيادة على مدعاه، "ولفظة من، كما قال الإمام فخر الدين" الرازي: "ليست للتبعيض" لئلا يكون بعضه ليس شفاء، مع أنه كله شفاء؛ "بل للجنس، والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن" كأنه لوحظ أن المراد بالقرآن معناه اللغوي، الشامل لكل منزل، كالتوراة والإنجيل والزبور، وللذكر، وأن القرآن بالمعنى الشرعي نوع من هذا الجنس ضرورة؛ أن المنزلة على المصطفى نوع من الجنس.
وقال البيضاوي: من للبيان، فإنه كله كذلك، وقيل: للتبعيض، والمعنى.
أن منه ما يشفي المرض، كالفاتحة وآيات الشفاء. انتهى.
ولا يخفى أن البيان يستدعي مبينًا اسم مفعول، وهو قوله: ما هو شفاء، وقدم عليه البيان اهتمامًا بشأنه وتعظيمًا له، "شفاء من الأمراض الروحانية" وهي ما لا تؤثر ظاهرًا في الجسم، سمي روحانيًّا لتعلقه بالروح الذي هو قوام البدن، فإطلاق المرض عليه مجاز، نحو: في قلوبهم مرض، "وشفاء أيضًا من المراض الجسمانية""بكسر الجيم" التي تظهر في الجسم.
"أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية، فظاهر، وذلك المرض الروحاني نوعان" النوع الأول: "الاعتقادات الباطلة، و" النوع الثاني: "الأخلاق المذمومة" كما يأتي، "وأشدها
الإلهية والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة. ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخط في هذه المطالب، والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريفها وما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض: فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية.
وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرًا من الأمراض. وإذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى
فسادًا الاعتقادات الفاسدة في الإلهية" كاعتقاد بعض الفلاسفة، أنه تعالى لا يعلم الجزئيات، وكنفي المعتزلة الصفات الذاتية عنه، ونحو ذلك، "والنبوات والمعاد" كنفيه أصلًا، أو نفي المعاد الجسماني، "والقضاء والقدر والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخط في هذه المطالب، والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب، لا جرم" بمعنى حقًّا، والعامل فيه "كان" والمعنى: كان حقًّا "القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني" ويحتمل أنه معمول للكاشفة.
قال شيخنا: ولعله الأقرب لقربه منه، ولأن الأصل عدم تقديره مؤخرًا، قال الفراء: لا جرم في الأصل، بمعنى: لا بد ولا محالة، ثم كثرت، فحولت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقًّا، ولذا يجاب باللام نحو لا جرم، لأفعلن.
"وأما الأخلاق المذمومة" قسيم لمقدر، فهم من الكلام السابق، "فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريفها وما فيها من المفاسد" ومشتمل على "الإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض، فثبت أالقرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية" تفريع على ما قدمه، أنه شفاء للاعتقادات الفاسدة والأخلاق المذمومة.
"وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرًا، من الأمراض" كما شوهد كثيرًا "وإذا اعتبر" كذا في نسخ: بمعنى اعتد، وفي أخرى: اعترف،
المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد أفلا تكون قراءة القرآن العظيم المشتمل على ذكر جلال الله وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة والشياطين سببًا لحصول النفع في الدين والدنيا.
ويتأيد ما ذكرنا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله".
ونقل عن الشيخ أبي القاسم القشيري رحمه الله. أن ولده مرض مرضًا شديدًا حتى أشرف على الموت، واشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه ما بولدي فقال: أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع من كتاب الله، وهي قوله تعالى:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] .
وهي أنسب "الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات؛ بأن لقراءة الرقى المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، أفلا تكون قراءة القرآن العظيم" ينبغي أن تجعل الفاء في أفلا مؤخرة، والأصل فألا، لتكون الفاء داخلة على جواب الشرط، أما جعلها في محلها عاطفة على مقدر بعد الهمزة، كما هو أحد المذهبين، فيرد عليه؛ أن جواب الشرط إذا كان طلبيًّا يجب اقترانه بالفاء، وهو هنا كذلك؛ لأن الاستفهام طلب "المشتمل على ذكر جلال الله وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة الشياطين سببًا لحصول النفع في الدين والدنيا، ويتأيد ما ذكرنا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من لم يستشف بالقرآن" أي من لا يعتد بطلب كونه شافيًا، لاعتقاده عدم الشفاء به، وبهذا حسن تفريع الجواب، بقوله: "فلا شفاه الله" وسقطت معارضته لأحاديث الأمر بالدواء.
"ونقل عن الشيخ أبي القاسم" عبد الكريم بن هوازن "القشيري" العلم الشهير، صاحب الرسالة "رحمه الله: أن ولده مرض مرضًا شديدًا حتى أشرف منه على الموت، واشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فشكوت إليه ما بولدي، فقال: أين أنت من آيات الشفاء" أي التي ذكر فيها الشفاء، والاستفهام تعجبي من شكوى مرض ولده، ولم يستعمل آيات الشفاء المزيلة للمرض، والغرض منه إرشاده إلى استعمالها، لا إنه تعجب حقيقي، ولا توبيخه؛ لأنه قبل ذلك لم يكن عالمًا بأنها سبب للشفاء، "فانتبهت فأفكرت فيها، فإذا هي في ستة مواضع من كتاب الله، وهي قوله:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} " مما بهم "{وَشِفَاء} "
{وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 557] .
{يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل: 69] .
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] .
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] .
{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [فصلت: 44] .
قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من عقال، أو كما قال.
وانظر رقية اللديغ بـ"الفاتحة" وما فيها من السر البديع والبرهان الرفيع.
دواء " {لِمَا فِي الصُّدُور} "[يونس: 57] ، من العقائد الفاسدة والشكوك، " {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا} " أي النحل " {شَرَابٌ} " هو العسل، " {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُه} " بالبياض والحمرة، وغيرهما، " {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} " من الأوجاع، قيل لبعضها، كما دل عليه تنكير شفاء، أو لكلها بضميمته إلى غيره.
قال السيوطي: وبدونها بنيته وقد أمر به النبي صلى الهل عليه وسلم من استطلق بطنه " {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} " من الضلالة " {وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} " به، " {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} " من الأمراض " {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى} " من الضلالة " {وَشِفَاءٌ} " من الجهل، "قال: فكتبتها" على هذا الترتيب الموافق لترتيب القرآن، كما هو ظاهره، قال شيخنا: ولعله ليس بشرط من حصول المقصود بها، فلو قرأها أو كتبها على غير هذا الترتيب، لم يمنع من حصول الشفاء بها، انتهى.
والأظهر خلافه، فإن للترتيب تأثيرًا عندهم، "ثم حللتها بالماء وسقيته إياها، فكأنما نشط من عقال" ما يعقل به البعير، "أو كما قال" شك، ولعله اختار ذلك على مجرد تلاوتها، ليصل أثر الحروف لبدن المريض، فيكون أبلغ.
وفي الكواكب الدرية في ترجمة القشيري المذكور: مرض له ولد، بحيث أيس منه، فرأى الحق تعالى في النوم، فقال: أجمع آيات الشفاء واقرأها عليه، أو اكتبها في إناء واسقه إياه، ففعل فعوفي، انتهى.
فلعل الواقعة تعددت في الولد نفسه، أو في غيره، فإنه كان له عدة أولاد، ولعله نسي الرؤيا الأولى حتى رأى الثانية منهما، فأخبر بهما جميعًا تحدثًا بنعمة رؤية الله ورسوله، "وانظر" نظر تأمل وتدبر "رقية اللديغ""بدال مهملة وغين معجمة""بالفاتحة، وما فيها من السر البديع والبرهان الرفيع" تجد تحقيق كون القرآن شفاء من جميع الأدواء والعلل، "وتأمل قوله عليه
وتأمل قوله عليه السلام في بعض أدعيته: "وأن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وشفاء صدري" أي فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله.
وفي حديث علي عند ابن ماجه مرفوعًا: "خير الدواء القرآن".
وههنا أمر ينبغي أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم، وهو أن الآيات والأذكار والأدعية التي يستشفى بها، ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا
السلام في بعض أدعيته، وأن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري" يأتي الحديث تامًّا في طبه من داء الهم والكرب، عن مسند أحمد، لكن بلفظ: أن تجعل بلا واو، "أي فيكون" القرآن "بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء ويعيد البدن إلى صحته واعتداله".
"وفي حديث علي" أمير المؤمنين، "عند ابن ماجه مرفوعًا، "خير الدواء القرآن" أي خير الرقية ما كان بشيء من القرآن لأنه دواء القلوب والأرواح والأبدان، وكلام الرحمن الذي فضله كفضل الله تعالى على خلقه، وفيه آيات مخصوصة، تعرفها الخواص لإزالة الأمراض والأعراض، وممن اعتنى بذلك الغزالي وغيره، "وههنا أمر ينبغي أن يتفطن، له نبه عليه ابن القيم، وهو أن الآيات والأذكار والأدعية التي يستشفى" يطلب الشفاء "بها" من الله "ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي" تتطلب "قبول المحل" يعني المرقي بها "وقوة همة الفاعل وتأثيره" بمزيد صلاحه وتقواه "فمتى تخلف الشفاء، كان لضعف تأثير الفاعل" كسيف قاطع في يد ضعيف أو جبان، "أو لعدم قبول المحل المنفعل" أي الذي من شأنه أن يتأثر بقبول الدواء أو الذي يظهر فيه أثر الدعاء عادة، فلا ينافي قوله لعدم قبول المحل، فالمريض الذي أيس منه، إذا رقي أو دعي له، فتخلفه لعدم قبول المريض، فالفاعل ذلك معتد إذ اللائق بمن رأى علامات الموت ترغيبه في الآخرة والتوبة والرجاء وتحسين الظن بالله ونحو ذلك، "أو لمانع قوي فيه، يمنع أن ينجع فيه الدواء" بالأدوية الإلهية، كتراكم الذنوب، "كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء" وإن كان في نفسه نافعًا.
أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء في نفس فعالة، وهمة مؤثرة أثر في إزالة الداء.
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، وأما الحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد روى الحاكم حديث:
"وقد يكون نافع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام، كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول" بخلاف ما إذا لم تقبله، فلا يظهر أثره، بل قد يضرها، "وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء في نفس فعالة وهمة مؤثرة أثر في إزالة الداء، وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه وحصول المطلوب، ولكنه قد يتخلف أثره عنه إما لضعفه" أي الدعاء "في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان" كما قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] أي بالتشدق ورفع الصوت، وقد فسره زيد بن أسلم بالجهر، وأبو مجاز بسؤال منازل الأنبياء، وسعيد بن جبير بالدعاء على المؤمن بالشر.
أخرج ذلك ابن أبي حاتم، وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما، عن سعيد بن أبي وقاص، أنه سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها، وأعوذ بك من النار وسلاسلها، وأغلالها، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء"، وقرأ هذه الآية، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، "وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء" بأن يرى أن جميع الأفعال منه، وأنه لا شريك له في شيء منها، حتى لو جرى على يده شفاء أو نحوه، كان ذلك إنما هو بخلق الله لما حصل على يده من الشفاء أو غيره.
"وأما الحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم" كما في حديث: فأنى يستجاب له، "ورين الذنوب على القلوب" أي: الصدأ الحاصل عليها من ارتكاب الذنوب، وأشير إلى ذلك في خبر؛ أن العبد إذا أذنب ذنبًا حصل في قلبه، نكتة سوداء حتى يسود قلبه فذلك السواد الذي يشبه الصدأ هو المعبر عنه بالرين، "واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد
واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه.
ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنه نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب، والجمعية بالكلية على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير، مع الخضوع والانكسار، والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة ورفع اليدين، والبداءة بالحمد والثناء على الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد، بعد التوبة والاستغفار والصدقة، وألح في المسألة، وأكثر التعلق والدعاء، والتوسل إليه
روى الحاكم" في الدعاء والذكر من مستدركه، ومن قبله الترمذي في الدعوات، وقال: غريب وضعفه النووي والعراقي والحافظ: "حديث" أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، "واعلموا أن الله لا يقبل" وفي رواية، لا يستجيب "دعاء" "بالمد" "من قلب غافل" "بالإضافة ويجوز عدمها وتنوينهما" "لاه" أي: لا يعبأ بسؤال سائل غافل عن الحضور مع مولاه، مشغول بما أهمله من أمر دنياه.
قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل النفع، عديم الأثر، قال: وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة، ولا بحالة مخصوصة، "ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل".
وقد روى أبو الشيخ، عن أبي هريرة مرفوعًا:"الدعاء يرد البلاء" ورواه الديلمي، بلفظ:"يرد القضاء".
وروى الترمذي، عن ابن عمر رفعه:"أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل"، وللطبراني عن عائشة، مرفوعًا:"الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وأن الدعاء والبلاء ليعتلجان إلى يوم القيامة"، وللترمذي، وقال حسن غريب، عن سلمان مرفوعًا:"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر"، ولأحمد والطبراني، وصححه ابن حبان والحاكم، عن ثوبان، رفعه:"لا يرد القدر إلا الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء عباد الله"، "وهو سلاح المؤمن" كما رواه أبو يعلى والحاكم عن علي، مرفوعًا:"الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض"، "وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب" مع الله، "والجمعية بالكلية على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، كثلث الليل الخير" وساعة يوم الجمعة، وسماع الأذان "مع الخضوع والانكسار والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة، ورفع اليدين والبداءة بالحمد والثناء على الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد بعد التوبة" الندم والعزم على
بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إن دعا بالأدعية التي أخبر صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم.
ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما ينوب الإنسان.
وأما الرقى فاعلم أن الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى، هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله
عدم العود، "والاستغفار والصدقة وألح في المسألة" لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب الملحين في الدعاء" رواه الطبراني وغيره.
"وأكثر التملق والدعاء والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا" لجمع شروط الدعاء وآدابه، "لا سيما إن دعا بالأدعية التي أخبر صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم" كدعوة ذي النون، والله لا إله إلا هو الحي القيوم، "ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما ينوب الإنسان" بشرط غلبة ظن الإجابة، بحيث تكون أغلب على القلب من الرد؛ لأن الداعي إذا لم يكن جازمًا، لم يكن رجاؤه صادقًا، وإذا لم يصدق الرجاء لم يخلص الدعاء؛ إذ الرجاء هو الباعث على الطلب، ولا يتحقق الفزع بدون تحقق الأصل، ولأن الداعي إذا لم يدع الله على يقين أنه يجيبه، فعدم إجابته إما لعجز المدعو، أو نحله، أو عدم علمه بالابتهال، وذلك كله على الحق تقد محال، ولذا قال: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة.
قال الكمال بن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح، والاشتغال بتحرير النغم إظهارًا للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم أن قصده إعجاب الناس به، فكأنه يقول: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري، ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء، كما يفعله قراء هذا الزمان يصدر ممن فهم معنى الدعاء، والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب، فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله مطلبه، بتحرير النغم من رفع وخفض وتطريب وترجيح، كالتغني نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب؛ إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني، فاستبان أن ذلك من مقتضيات الخيبة والحرمان. انتهى.
"وأما الرقى""بضم الراء وفتح القاف جمع رقية اسم للمرة من التعويذ"، "فاعلم أن الرقي""بفتح الراء وسكون القاف مصدر رقي، أي التعويذ، ويصح ضم الراء وفتح القاف"، بتقدير أن الرقي الحاصلة "بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا
تعالى، لكن لما عز هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني.
وفي البخاري، من حديث عائشة، أنه صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات وهي الفلق والناس والإخلاص فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس.
وكذلك كل ما ورد التعويذ في القرآن، كقوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين} [المؤمنون: 97] .
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود: أن رسول
كان على لسان الأبرار" جمع بر، وهو الصادق، أو المتقي "من الخلق" بأن يصدر منهم قراءة أو كتابة، "حصل الشفاء بإذن الله تعالى، لكن لما هذا النوع" أي: قل لقلة أهله "فزع""بفتح الزاي وكسرها، أي لجأ""الناس إلى الطب الجسماني" بالأدوية.
"وفي البخاري" ومسلم، كلاهما في الطب "من حديث عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم كان ينفث" "بضم الفاء وكسرها بعدها مثلثة، أي ينفخ نفخًا لطيفًا أقل من النقل" "على نفسه في المرض الذي مات فيه" كالمرض الذي قبله، فاستمر ذلك ولم ينسخ "بالمعوذات" "بكسر الواو".
قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة، أو الهواء الذي ماسه الذكر، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله، كانفصال ذلك النفث.
وبقية الحديث: فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، أمسح بيد نفسه لبركتها، فسألت الزهري كيف ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه، وقائل: سألت معمرًا، راوية عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال بعضهم: لعله صلى الله عليه وسلم لما علم أنه آخر مرضه، وارتحاله عن قرب ترك ذلك، "وهي" أي المعوذات "الفلق والناس والإخلاص، فيكون من باب التغليب" أي أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين، "أو المراد القلق والناس" فقط، إما مجازًا من باب تسمية الجزء باسم الكل، أو بناء على أن أقل الجمع اثنان، وفي أنه حقيقي أو مجازي، كالتغليب قولان: وقد روى ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر، عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى قرأ على نفسه بقل هو الله أحد والمعوذتين، وهذا يرجح أو يقنن التغليب، ولذا قال الحافظ المعتمد؛ أنه تغليب، لا لأن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد الكلمات التي يتعوذ بها من السورتين، "وكذلك كل ما ورد من التعويذ في القرآن" فإنه من الطب الروحاني، "كقوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين} [المؤمنون: 97] ، نزغاتهم مما يوسوسون به.
"وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث" عبد الرحمن بن حرملة، عن
الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه. على تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة.
وأما حديث أبي سعيد عند النسائي: كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما، وحسنه الترمذي، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، ولا سيما مع
"ابن مسعود؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة" بن عمرو الأسلمي، المدني، مات سنة خمس وأربعين ومائة.
"قال البخاري: لا يصح حديثه" فلا يرد على قولنا: وكذلك كل ما ورد من التعويذ في القرآن، "وعلى تقدير صحته" لأن مسلمًا روى له، كأصحاب السنن الأربعة.
وفي التقريب: أنه صدوق، ربما أخطأ، "فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة" أي إقرار الذي رقي بها على ذلك، وقوله:"وما يدريك أنها رقية، خذوها"، أي الشياه "واضربوا لي معكم بسهم"، كما في الصحيحين.
هذا ولفظ الحديث عند من عزاه لهم لتكميل الفائدة، عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال: الصفرة، وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير محله، وفساد الصبي غير محرمه، والصفرة الخلوق بالزعفران، والتبرج، أي تبرج النساء في غير محلها "بفتح الحاء وتكسر" وهو تزين المرأة لزوجها، والكعاب: جمع كعب، وهو فصوص النرد، وعزل الماء، قال الخطابي: هو أن يعزل الرجل ماءه عن فرج المرأة، وهو محل الماء.
قال في النهاية: وفيه التعريض بإتيان الدبر، وفساد الصبي، أي فطمه قبل أوانه، أو وطء المرضع، فيعرضها للحمل، فيفسد الصبي، وربما قطع اللبن بحملها، وغير محرمه معناه لم يبلغ بالكراهة. التحريم عائد إلى فساد الصبي فقط.
"وأما حديث أبي سعيد عند النسائي" والترمذي وابن ماجه: "كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان" أي يقول أعوذ بالله من الجان، كما جزم به بعض الشراح، "وعين الإنسان" من ناس ينوس إذا تحرك، وذلك يشترك فيه الإنس والجن، وعين كل ناظر، "حتى نزلت المعوذتان" الفلق والناس، "فأخذ بهما وترك ما سواهما".
"وحسنه الترمذي" فقال: حسن غريب، وصححه الضياء في المختارة، "فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية" أي أن التعوذ بهما أولى من التعوذ
ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلًا.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
بغيرهما، "ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما" هكذا قاله الحافظ: يعني من القرآن وغيره، وقال غيره: وترك ما سواهما مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن، لما ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة تارة، وبالمعوذتين أخرى، وكلام الحافظ أحسن، "وإنما اجتزأ بهما""بجيم، ثم زاي فألف"، أي اكتفى بهما، لكونهما كافيتين عما سواهما، كما أرشد إلى ذلك، بقوله:"لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة" فهذه النسخة مساوية لنسخة اختارهما، أي قدمهما ورجحهما على غيرهما، وليس المراد على الأولى؛ أنه اكتفى بهما وإن لم يكونا كافيتين، بدليل السياق والتعليل، "من كل مكروه جملة وتفصيلًا" إذ الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه في الأشباح والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب، وهو الليل إذا أظلم، أو القمر إذا غاب تتضمن الاستعاذة من شر ما انتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شر النفاثات تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن، ومن شر حاسد تتضمن الاستعاذة من شر النفوس الخبيثة المؤذية.
والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر الإنس والجن، المشار له بقوله الوسواس، أي الذي يوسوس للآدمي عند غفلته عن ذكر الله، الخناس: الذي يخنس عند ذكر الله، من الجنة والناس، بيان للشيطان الموسوس أنه جني وإنسي، لقوله تعالى:{شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن} [الأنعام: 122] ، أو من الجنة، بيان له، والناس عطف على الوسواس، واعترض الأول؛ بأن الناس، لا يوسوسون في صدور الناس إنما يوسوس في صدورهم الجن.
وأجيب بأن الناس يوسوسون أيضًا بمعنى يليق بهم في الظاهر، ثم تصل وسوستهم إلى القلب، وتثبت فيه بالطريق المؤدي إلى ذلك.
"وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط" الأول: "أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، و" الثاني: أن تكون "باللسان العربي" ولم يقيده بما يفهم معناه؛ لأن الغالب على لسان العرب فهمه لمستعمله، "أو بما يعرف معناه من غيره" لا من لا يعرف، لجواز كونه شركًا، "و" الثالث: "أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله
واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لا بد من اعتبارها.
وفي صحيح مسلم من وحديث عوف بن مالك: قال كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ترى في ذلك؟ فقال:"عرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقي إذا لم يكن فيه شرك".
وله من حديث جابر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي، فجاء آل عمرو بن
تعالى"، وهذا الشرط لا بد منه للجواز، فإن انتفى لم يجز، بل ربما جر إلى الكفر، "واختلفوا في كونها" أي اجتماع الثلاثة "شرطًا" ليحصل المقصود بها أولًا "والراجح أنه لا بد من اعتبارها" ليحصل المقصود؛ لأنه عند انتفائها قد يحصل، وقد لا يحصل، وهو الغالب، هكذا قال في الحاشية، وقال في تقريره قوله: وأجمعوا يخالف قوله، واختلفوا إلا أن يؤول؛ بأن معناه شرطًا في الجواز، كما دل عليه قوله بعد، والشرط الثالث لا بد منه، أي للجواز، فالثلاثة لحصول القصد، ولكن الثالث للجواز أيضًا، فإذا انتفى انتفى الجواز، بل ربما جر إلى الكفر. انتهى، وفيه شيء مع قوله: أجمعوا على جواز.
"وفي صحيح مسلم" وأبي داود "من حديث عوف بن مالك" الأشجعي، صحابي مشهور من مسلمة الفتح وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، "قال: كنا نرقي" "بفتح النون وسكون الراء" "في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى" لنا "في ذلك" أنفعله أم نتركه؟ وفيه استفهام العالم عما جهل حكمه، "فقال: اعرضوا" "بكسر الهمزة والراء بينهما عين مهملة ساكنة" وهي همزة وصل تسقط في الدرج وتثبت في الابتداء مكسورة، أي أبرزوا "على رقاكم" لأني العالم الأكبر، المتلقي عن معلم العلماء ومفهم الحكماء ومفهم الحكماء، فلما عرضوها عليه، قال: "لا بأس بالرقي"، أي جائزة "إذا لم يكن فيه" أي فيما رقي به "شرك" أي شيء يوجب اعتقاده الكفر، أو شيء من كلام أهل الشرك، الذي لا يوافق أصول الإسلام، ولذا منع الرقي بالسرياني والعبراني، ونحوهما مما جهل معناه خوف الوقوع في ذلك، وفيه أن على المفتي أن يسأل المستفتي عما أبهمه في السؤال قبل الجواب، وجواز الرقي بما لا ضرر فيه، وإن كان بغير أسماء الله وكلامه، لكن إذا فهم معناه، والحث على السعي في إزالة المرض والضرر عن المسلمين بكل ممكن جائز.
"وله" أي لمسلم بمعنى روى أيضًا "من حديث جابر" بن عبد الله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي" خوف الوقوع في محذور، فجاء آل عمرو بن حزم بن يزيد الأنصاري، الصحابي المشهور، قال في مقدمة الفتح، وفي موطأ ابن وهب التصريح بعبارة بن حزم من آل عمرو،
حزم بن يزيد الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال:"اعرضوها علي"، قال: فعرضوا عليه، فقال:"ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه".
وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا. والشرط الأخير لا بد منه.
"فقالوا: يا رسول الله إنه" أي الشأن والحال، "كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب" وإنك نهيت عن الرقي.
هذا سقط من قلم المصنف، وهو في مسلم وغيره، قال النووي: أجاب العلماء عنه بأجوبة، أحدها كان نهي أول، ثم نسخ ذلك وأذن فيها، وفعلها واستقر الشرع على الإذن، والثاني: أن النهي عن الرقي المجهولة، والثالث: أن النهي كان لقوم يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة، "قال:"اعرضوها علي" قال: فعرضوا عليه" الرقية التي كانوا يرقون بها، "فقال: "ما أرى بأسًا من استطاع" منكم "أن ينفع أخاه" من الدين، "فلينفعه" ندبًا مؤكدًا، وقد يجب في بعض الصور، وحذف المنتفع به لإرادة التعميم فيشمل كل ما ينتفع به من رقية، أو علم، أو جاه، أو مال، أو نحو ذلك.
فقول الفردوس: يعني بالرقية فيه نظر، وفيه قوله منكم الساقطة من قلم المصنف، إشارة إلى أن نفع الكافر أخاه بنحو صدقة عليه لا يثاب عليه في الآخرة، وهو ما عليه جمع، والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: لدغت رجلًا منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله أرقى، فقال:"من استطاع"، فذكره.
قال التوربشتي: كأن السائل عرف أن من حق الإيمان اعتقاد أن المقدور كائن لا محالة، ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء ويأمر بالتداوي وبالاتقاء عن مواطن المهلكات، فأشكل عليه الأمر، كما أشكل على الصحب حين أخبروا أن الكتاب يسبق على الرجل، فقالوا: ففيم العمل، "وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها" لأن نفعها يبعدها عن التأدية إلى الشرك، "لكن دل حديث عوف" المذكور؛ على "أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا" ولو جربت منفعتها، "والشرط الأخير" هو أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها "لا بد منه".
وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين: لا رقية إلا من عين أو حمة.
وأجيب: بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس أو نحو ذلك؛ لاشتراكهما في كونهما ينشأان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، يلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية. وقد وقع عند أبي داود من حديث أنس مثل حديث عمران وزاد: أو دم، وفي مسلم من حديث أنس أيضًا رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في
فإن اعتقد أن تأثيرها بذاتها لم يجز الرقي بها، بل ربما أدت إلى الكفر.
"وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين" عند البخاري موقوفًا: "لا رقية إلا من عين" يصيب العائن بها غيره إذا استحسنه عند رؤيته، "أو حمة""بضم الحاء المهملة وخفة الميم".
قال في النهاية: وقد تشد، وأنكره الأزهري، وهي السم، وتطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم يخرج منها، وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة أو الياء.
وقال الخطابي: الحمة اسم ذوات السموم، وقد تسمى إبرة العقرب، والزنبور حمة؛ لأنها مجرى الشم، وكذا رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب موقوفًا عليه، لكن رواه أبو داود، وصححه الحاكم من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
"وأجيب؛ بأن معنى الحصر فيه؛ أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية" من الأمراض والأوجاع، لورود الرقية في ذلك، "فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل""بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة" جنون، وشبهه كالهوج والبله والخبل "بفتح الباء أيضًا" الجنون، كما في المصباح، "أو مس" من جن غير عقله، وصيره كالمجنون، "أو نحو ذلك؛ لاشتراكهما في كونهما ينشأان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، ويلتحق بالسم" الحاصل من لدغة العقرب "كل ما عرض للبدن من قرح""بفتح القاف وضمها"، "ونحوه من المواد السمية" فتطلب الرقية من ذلك كله.
"وقد وقع عند أبي داود" وصححه الحاكم "من حديث أنس" عن النبي صلى الله عليه وسلم "مثل حديث عمران" الموقوف عله، "وزاد" من حديث أنس:"أو دم" لا يرقأ، هذا بقيته عند أبي داود، فبان بهذه الزيادة أن الحصر ليس بمراد.
"وفي مسلم من حديث أنس أيضًا: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين
الرقية من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والأذن، ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألا تعلمين هذه -يعني حفصة- رقية النملة"؟.
والنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد.
وقيل: المراد بالحصر يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف أقطع إلا ذو الفقار.
والحمة والنملة" فزيادة النملة تعطي أن الحصر ليس بحقيقي.
"وفي حديث آخر: والأذن" أي وجع الأذن، فهذه ثلاث، ورد النص عليها الدم والنملة والأذن، فليس الحصر بمراد، "ولأبي داود من حديث الشفاء" بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والمد"، كما قاله ابن الأثير وغيره، وضبطها ابن نقطة وغيره بالقصر، وهو المعتمد "بنت عبد الله" بن عبد شمس القرشية العدوية، لها أحاديث، وهي غير الشفاء بنت عوف التي حضرت ولادته صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" لها: "ألا تعلمين هذه -يعني حفصة-" بنت عمر أم المؤمنين، "رقية النملة" فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف الباس رب الناس، ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانًا نظيفًا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق، وتطليه على النملة، ذكر المصنف فيما يأتي.
وفي النهاية قيل: إن هذا الكلام لعب وممازحة، كقوله للعجوز:"لن يدخل الجنة عجوز"، وذلك أن رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، فأراد صلى الله عليه وسلم بهذا المقال: تأبين حفصة؛ لأنه ألقى إليها سرًّا، فأفشته. انتهى.
"والنملة""بفتح النون" وإسكان الميم "قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد" كالساق، سمي بذلك لأن صاحبه يحس ف مكانه، كأن نملة تدب عليه وتعضه، وقال الخطابي: هي قروح تخرج في الجنبين، ويقال: إنها قد تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.
"وقيل: المراد بالحصر" في حديث، لا رقية إلا من عين أو حمة، "يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع" ولا أولى من رقية هذين، لما فيهما من زيادة الضرر، "كما قيل" في شرح خبر: لا سيف إلا ذو الفقار، الذي أخرجه الحسن بن عرفة عن أبي جعفر الباقر، قال: نادى ملك من السماء يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي؛ أن معناه: "لا سيف أقطع إلا ذو
وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما.
وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود:"رفعه إن الرقى والتمائم والتولة شرك".
والتمائم: جمع تميمية وهي خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات.
والتولة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر.
وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند
الفقار" اسم لأحد أسيافه صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي أن السيوف كثيرة، وفي نسخة: بحذف أقطع، ولعلها لا تصح لقوله: كما قيل: نعم. لو قال كما في خبر لتعين حذفها.
"وقال قوم، المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء" لئلا يقع به فيسيء اعتقاده، ولأنها طب روحاني، وأطباء الأدوية الجسمانية ينهون عن استعمال الدواء بلا مرض، "والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما" وله وجه.
"وروى أبو داود وابن ماجه" والإمام أحمد، "وصححه الحاكم" وأقره الذهبي "عن ابن مسعود، رفعه: "إن الرقى والتمائم" "بفوقية فميمين بينهما همزة"، "والتولة" "بكسر التاء وضمها" "شرك" أي: من الشرك سماها شركًا؛ لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية، وكان مشتملًا على ما يتضمن الشرك، ولأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك، قاله البيضاوي، وقال الطيبي: المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير، وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
"والتمائم: جمع تميه، وهي" في الأصل "خرزوة أو قلادة تعلق في الرأس" للأولاد لدفع العين، ثم توسعوا فيها، فسموا بها كل عوذة، "كانوا في الجاهلية يعتقون أن ذلك يدفع الآفات" بذاته، فلذا أطلق عليه اسم الشرك.
"والتولة بكسر المثناة" الفوقية وضمها كما في ابن رسلان "وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها" إليها، "وهو ضرب من السحر".
وفي القاموس: التولة: كهمزة السحر، أو شبهة وخرزة تحبب معها المرأة إلى زوجها، كالتولة، كعنبة فيهما، "وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع
غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا إليه سبحانه وتعالى، في كل ما وقع وما يتوقع.
وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني آدم تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك.
وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة.
من عند غير الله" وهكذا كان اعتقادهم، "ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه" ولا من عقلها تبركًا بذكر الله، عالمًا لا أنه لا كاشف إلا الله، "فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى" ففيه رد على القوم الذين حملوا النهي على ما قبل الوقوع، "ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا" عطف تفسير إليه سبحانه وتعالى في كل ما وقع وما يتوقع" فهذا الاتفاق يرد أيضًا على أولئك القوم.
"وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقي هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه" يخلطه المعزم وغيره "من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم" عتاتهم الخارجين عن الطاعة، "ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني آدم تصادق الشياطين، لكونهم أعداء بني آدم فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين، أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء" أي أسماء الشياطين "سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأمائه، خاصة" وكتابه من ذكر "وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة" يريد وبغير أسمائه وذكره.
وقال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية؛ مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك.
والثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب.
والثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وبما يعرف من ذكر الله، فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما تعرف من كتاب الله وذكر الله.
وفي الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التي كان ترقي عائشة: أرقيها
"وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية؛ مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك، والثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز" اتفاقًا، "فإن كان مأثورًا" عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه، "فيستحب" فعله، "والثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات. كالعرش".
"قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به" كأن وصفه بأوصافه تقتضي تعظيمه حتى استحق أن يتبرك به، ويجعل ذكره سببًا لشفاء المريض، "فينبغي أن يجتنب، كالحلف بغير الله تعالى" المختلف في كراهته وحرمته.
"وقال الربيع" بين سليمان: "سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وبما يعرف من ذكر الله، فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين، قال: نعم إذا رقوا بما تعرف""بفتح التاء وكسر الراء" يا ربيع "وبضم التاء فتح الراء" صفة لما، أي برقية تعرف "وبتحتية مبني للمفعول""من كتاب الله" لعل المراد به ما يعظمونه، كغير المبدل من التوراة والإنجيل، ويحتمل العموم، ويقيد واز تمكينهم من القرآن بمن رجي إسلامه منهم.
قال شيخنا: "وذكر الله" تعالى، "وفي الموطأ" في كتاب الجامع، عن يحيى بن سعيد
بكتاب الله. قال النووي وقال القاضي عياض: واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم، بالجواز قال الشافعي والله أعلم.
وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، رقية الذي يصاف بالعين.
روى مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".
أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه.
قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من المبتدعة
الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن؛ "أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة" لفظه: أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر:"أرقيها بكتاب الله" القرآن والتوراة إن كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها.
"قال النووي: وقال القاضي عياض، واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم" بالجواز وعدمه، "وبالجواز قال الشافعي، والله أعلم" بالصواب من القولين، "وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم" تعليل للكراهة "رقية الذي يصاب بالعين" أي هذا بيان ما يرقى به المصاب بالعين، وأنها حق "روى مسلم" في الطب من صحيحه، والإمام أحمد، "عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر" "بفتحتين" أي: لو فرض أن لشيء قوة بحيث يسبق القدر "لسبقته العين" لكنها لا تسبق القدر، فكيف غيرها، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
قال القرطبي: فلو مبالغة في تحقيق إصابة العين جرى مجرى التمثيل؛ إذ لا يرد القدر شيء، فإنه عبارة عن سابق علم الله ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه فهو كقولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى ولو صعدت السماء وقال البيضاوي معناه أن إصابة العين لها تأثير ولو أمكن أن يعاجل القدر شيء فيؤثر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر لسبقته العين "أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود" تفسير لقوله: حق، "وهو من جملة ما تحقق كونه" أي وجوده بالفعل، لا أنه بطريق الإمكان.
"قال المازري" بفتح الزاي وكسرها نسبة إلى جزيرة بصقلية" كما في الديباج وغيره، وتقدم مرارًا "أخذ الجمهور بظاهر الحديث" من تأثيرها بإرادة الله وخلقه، "وأنكره طوائف من
لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة.
وقد اشتكى بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟
وأجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نقل عن بعض من كان معيانًا أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد.
المبتدعة لغير معنى" كقول بعض الطبائعيين: لا شيء إلا ما يدركه الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، وهذا لا معنى له، "لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول" أي من الأمور التي تقول العقول بإمكانها، وكل ما جوزته وجاء في السنة وجب قبوله والأخذ بظاهره، كما أشار له بقوله: "فإذا أخبر الشارع بوقوعه، لم يكن لإنكاره معنى" سوى العناد والمكابرة، "وهل من فرق بين إنكارهم هذا" أي إصابة العين استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا فرق بين إنكارهم هذا "و" بين "إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة" ومعلوم أنه لا يعبأ به، بل قد يكون كفرًا.
"وقد اشتكى بعض الناس هذه الإصابة، فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ " اسم مفعول من عانه، إذا أصابه بالعين تقول، كما في الفتح: عنت الرجل أصبته بعينك، فهو معين ومعيون؛ "وأجيب بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعون" فيحصل له الضرر بتقدير الله.
"وقد نقل عن بعض من كان معيانًا""بكسر الميم شديد الإصابة بالعين كعيون""أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني" أي فإذا خرجت قد تصل إلى بدن المعيون، "ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد" وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها، كما في الفتح، "ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء""بالمد مؤنس أرمد، كحمراء مؤنس أحمر""فيرمد" ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو.
وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه. وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقية أو لا؟ وهو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه
"وقال المازري: زعم بعض الطبائعين أن العائن ينبعث" يخرج "من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك" يموت "أو يفسد" جسمه أو عقله، "وهو كإصابة السم من نظر الأفعى" حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، لا تزال مستديرة على نفسها، لا ينفع منها ترياق ولا رقية، فالمراد أن جنسًا من الأفاعي إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وعبارة المازري عقب قوله: فيهلك أو يفسد، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب، تتصل باللديغ فيهلك، وإن كان غير محسوس لنا، فكذا العين، وهذا غير مسلم لأنا بينا في علم الكلام أن لا فاعل إلا الله، وبينا فساد القول بالطبائع، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئًا، فبطل ما قالوه، ثم المنبعث من العين إن كان عرضًا فباطل لأنه لا يقبل الانتقال وإن كان جوهرًا فباطل أيضًا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسد لبعضها بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه.
"وأشر" المازري "إلى منع الحصر في ذلك" أي خروج سمية من عين العائن "مع تجويزه" خروجها، لا على سبيل القطع، "وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة: أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى، أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة" تخرج من العين، ولفظ المازري خفية، أي غير ظاهرة، "أو لا هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه" إذا لا مستند لذلك، وإنما هو من مجوزات العقل، وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله.
"ومن قال ممن ينتمي" ينتسب "إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم" هناك "جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري" سبحانه "الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السم" وعند قطع الرأس، "فقد أخطأ بدعوى القطع" إذ لا دليل عليه، "ولكنه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة"
جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة. انتهى.
وهو كلام سديد. وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه:"أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس". قال الراوي: يعني العين.
وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، كذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه. وكثير من
ألجأ العقل إليها. "انتهى" كلام المازري، "وهو كلام سديد" أي صواب، لموافقته مذهب أهل السنة.
وقال ابن العربي: الحق أن الله تعالى يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يرفعه قبل وقوعه بالرقية، "وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة" أن إصابة العين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في غيرها، وقيل: إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به، كما في الفتح؛ "بل" المراد "ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون" بخلق الله تعالى.
"وقد أخرج البزار" والبخاري في التاريخ، والطيالسي والحكيم الترمذي "بسنده" قال الحافظ، وتبعه السخاوي بسند حسن وصححه الضياء "عن جابر، رفعه: "أكثر من يموت" من أمتي، كما في البزار وغيره، فكأنه سقط من قلم المؤلف ""بعد قضاء الله وقدره" أي بعد تحتمها فيما سبق، فهو حال من الخبر، أو المبتدأ عند سيبويه ""بالنفس".
"قال الراوي: يعني العين" لأنه جاء صريحًا عند من عزيناه لهم بلفظ بالعين، قال الحكيم الترمذي: وذلك لأن هذه لأمة فضلت باليقين على سائر الأمم، فحجبوا أنفسهم بالشهوات، فعوقبوا بآفة العين، فإذا نظر أحدهم بعين الغفلة، كانت عينه أعظم، والذم له ألزم، {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} ، فلما فضلهم الله باليقين لم يرض منهم أن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة، وتتعطل منة الله عليهم وتفضيله لهم؛ "وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه" أي يستحيي منه "من الخجل" هو كالاستحياء، "فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك" النظر، "وكذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم" "بفتح الياء
الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفيتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل: أن التأثير بإرادة الله وخلقه ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن -لا وقاية له- أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره.
قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة، فمن التعوذات والرقى:
والقاف"، يمرض "بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين" لفظ الفتح، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، أي نسبة مجازية، "وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها" صفتها "الخبيثة، والحاصل أن التأثير بإرادة الله وخلقه" وعبارة الفتح، والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله تعالى السابق لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور، "ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح" وهذا الحادث بلا مماسة العين بشيء من أجزاء المعيون، "كالذي يحدث" في البدن "من" لشفاء من المرض ونحوه بسبب "الأدعية والرقي والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن" حال كونه، "لا وقاية له" أي غير متحصن بشيء يمنع من تأثير العين، كالأدعية وخشب شجر المخيط.
قال السخاوي: بلغني أن الولي العراقي لم يكن يفارق رأسه، فتبعته "أثر فيه" الضرر بخلق الله، "وإلا لم ينفذ فيه السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء. انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره".
"قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي" الوارد في الأحاديث من الرقي بالأدعية ونحوها
الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.
"لهذه العلة" أي إصابة العين، "فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين" لحديث عائشة السابق: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، ولحديثها أيضًا: كان صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري.
"والفاتحة" لحديث الصحيحين في الذي رقى اللديغ بالفاتحة، فقال صلى الله عليه وسلم:"وما أدراك أنها رقية"؟. وروى البيهقي في الشعب، عن جابر، رفعه:"ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن"؟ قلت: بلى، قال:"فاتحة الكتاب"، قال راويه: وأحسبه قال: "فيها شفاء من كل داء". وله ولسعيد بن منصور، عن أبي سعيد مرفوعًا:"فاتحة الكتاب شفاء من السم"، وللديلمي عن عمران بن حصين، مرفوعًا:"في كتاب الله عز وجل ثمان آيات للعين، لا يقرؤها عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس أو جن فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي"، هكذا في نسخة صحيحة بخط الحافظ ابن حجر من الفردوس للديلمي، فأوهم السخاوي في قوله، فذكر منها الفاتحة وآية الكرسي، والصواب أن يسقط قوله، فذكر منها لإبهامه أنه بقي ست آيات، مع أنه بين أن السبع الفاتحة وآية الكرسي الثامنة، بقوله صلى الله عليه وسلم:"فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي"، يعني الثامنة، "وآية الكرسي" سميت بذلك لذكره فيها.
روى الديلمي، عن أبي إمامة: سمعت عليًّا يقول: ما أرى رجلًا أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} إلى قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم} ، فلو تعلمون ما هي، أو ما فيها لما تركتموها، على حال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي"؛ قال علي: فما بت ليلة منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من علي، ثم سلسلة الباقون إلى الديلمي، وفي خبر سيدة البقرة آية الكرسي، أما إن فيها خمس كلمات، في كل كلمة خمسون بركة.
"ومنها: التعوذات النبوية، نحو: أعوذ بكلمات الله" صفاته القائمة بذاته، وقيل: العلم؛ لأنه أعم الصفات، وقيل: القرآن، وقيل: جميع ما أنزله على أنبيائه؛ لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم "التامة" أي الفاضلة التي لا يدخلها نقص "من كل شيطان وهامة""بشد الميم" ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وجمعها هوام مثل دابة ودواب، وقد يطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، كقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة:"أيؤذيك هوام رأسك"؟، يعني القمل على
ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.
وإذا كان يخشى ضرر عينه وغصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه. كما قال صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: "ألا برَّكت عليه".
الاستعارة بجامع الأذى، "ومن كل عين لامة" أي مصيبة بسوء، وهي كل ما يخاف من فزع وشر، قاله المجد.
وفي النهاية: أي ذات لمم، ولذا لم يقل ملمة، واللمم طرف من الجنون يلم بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه؛ "ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات" بالجمع، وفي السابقة بالإفراد.
قال الحكيم الترمذي: وهما بمعنى، فالمراد بالجمع الجملة، وبالواحدة ما تفرق في الأمور والأوقات، ووصفها بالتمام إشارة إلى أنها خالصة من الريب والشبه، وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا، "التي لا يجاوزهن" لا يتعداهن "بر""بفتح الياء" تقي محسن، "ولا فاجر" مائل عن الحق، أي لا ينتهي علم أحد إلى ما يزيد عليها "من شر ما خلق وبرأ وذرأ" قيل: هما بمعنى خلق.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وقال:{وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْض} [الملك: 24] .
وقال: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم} [البقرة: 54] ، فذكر الثلاثة لإفادة اتحاد معناها، وقيل: البرء والذرء يكون طبقة بعد طبقة وجيلًا بعد جيل، والخلق لا يلزم فيه ذلك، "ومن شر ما ينزل من السماء" من العقوبات، كالصواعق، "ومن شر ما يعرج فيها" مما يوجب العقوبة، وهو الأعمال السيئة، "ومن شر ما ذرأ" خلق "في الأرض" على ظهرها، "ومن شر ما يخرج منها" مما خلقه في بطنها، "ومن شر فتن الليل والنهار" الواقعة فيهما وهو من الإضافة إلى الظرف "ومن شر طوارق الليل والنهار" جمع طارق، وهو الحادث الآتي بالليل، وإطلاقه على الآتي نهارًا على سبيل الاتساع "إلا طارقًا" نصب؛ لأنه استثناء متصل من كلام موجب، فهو منصوب.
وفي نسخة: بالجر بدلًا من طوارق؛ لأنه نفي معنى، أي فلا يصيبني شيء من طوارق الليل إلا طارق "يطرق""بضم الراء" أي ياتي "بخير يا رحمن" وفي ختمه بذلك مزيد الاستعطاف.
"وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه" لأنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، "كما قال صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة" بن كعب بن
ومما يدفع إصابة العين: قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
ومنها رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد. الله يشفيك: بسم الله أرقيك.
وعنده أيضًا من حديث عائشة: كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل
مالك العنزي "بنون ساكنة وزاي منقوطة" حليف الخطاب، أسلم قديمًا، وهاجر وشهد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمان، "لما عان سهل""بسكون الهاء""ابن حنيف""بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء" ابن واهب الأنصاري، الأوسي، البدري، مات في خلافة علي. "الأ""بالفتح والتشديد"، بمعنى هلا، وبها جاء في بعض طرقه:"بركت عليه" أي قلت بارك الله فيك، فإن ذلك يبطل ما يخاف من العين ويذهب تأثيره، قاله الباجي.
"ومما يدفع إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله" كما قال تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم:"من رأى شيئًا فأعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره"، رواه البزار وابن السني عن أنس، ففيهما استحباب هذا الذكر عند رؤية ما يعجب. واستدل مالك بالآية على استحبابه لكل من دخل منزله، كما قاله ابن العربي، وأخرج ابن أبي حاتم، عن مظرف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، قلت له: لم تقول هذا؟، قال: ألا تسمع الله تعالى يقول: وتلا الآية.
وأخرج عن الزهري مثله، "ومنها: رقية جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم" في الطب عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد اشتكيت، قال: "نعم"، قال: "بسم الله أرقيك" "بفتح الهمزة" من رقى يرقي، كرمى يرمي "من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد".
قال عياض: يحتمل أن يريد بالنفس نفس الحيوان، ويحتمل أن يريد بها العين؛ لأن النفس تطلق على العين، يقال: أصابته نفس، أي عين، والنافس العائن، وتطلق النفس والعين على أشياء أخر ليست مراده هنا "الله يشفيك""بفتح أوله" يعافيك، "بسم الله أرقيك" ختمه بما بدأه به، ليكون أنجع، فإن في تكرار الرقية نفعًا مشاهدًا، "وعنده" أي مسلم "أيضًا" في الطب "من حديث عائشة:"كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى" أي مرض، والشكاية المرض، وليس المراد أنه أخبر بما يجد من الألم والاستقراء، يدل أن تداويه أو أكثره، إنما هو بالرقي لا بأدوية؛ لأن الأدوية إنما تستعمل في الأمراض التي من قبل فساد المزاج، ومزاجه صلى الله عليه وسلم خير الأمزجة، قاله أبو عبد الله الأبي:"بسم الله" لفظ مسلم، قال: بسم الله "يبريك".
ذي عين.
وأخرى مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".
وظاهر الأمر الوجوب، وحكى المازري فيه خلافًا وصحح الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى.
قال القرطبي: الاسم هنا المسمى، فكأنه قال: الله يبريك، كما قال: سبح اسم ربك الأعلى، أي سبح ربك، والاسم في الأصل عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها إلا أنه يتوسع، فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة، فتدبر هذا، فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال، "ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد" خصه بعد التعميم لخفاء شره، "ومن شر كل ذي عين" عطف خاص على عام؛ لأن كل عائن حاسد، ولا عكس، فلما كان الحاسد أعم، كان تقديم الاستعاذة منه أهم، قال عياض: فيه دليل على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا ما في جسمه، بمرض أو في ماله، وذلك بإذن الله سبحانه.
وقال ابن القيم: أعاذه من الحاسد؛ لأن روحه مؤذية للمحسود، مؤثرة فيه أثرًا بينًا، لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين.
"وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين" أعاده لأنه ترك سابقًا بقينه، وهي: "وإذا استغسلتم" أي إذا طلب منكم أيها المتهمون بأنكم عنتم غسل الأعضاء الآتي بيانها، "فاغسلوا" ندبًا أو وجوبًا، وهو الأصح كما يأتي، ولأحمد والطبراني، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: العين حق تستنزل الحالق "بحاء مهملة" الجبل العالي.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: "العين حق"، وزاد أحمد برجال الصحيح من حديثه، ويحضرها الشيطان وحسد اب آدم، وحديث:"العين حق تدخل الرجل القبر والجمل القدر"، رواه أبو نعيم وابن عدي من حديث أبي ذر، وفي إسنادهما مقال، "وظاهر الأمر" في قوله: فاغسلوا "الوجوب" لأنه الأصل فيه.
"وحكى المازري: فيه خلافًا" بالوجوب والندب "وصحح الوجوب" وتبعه القرطبي، فقال: هو خطاب للعائن إذا فهم أنه أصاب بالعين، فيجب عليه الغسل، ويبعد "وقال" المازري: ويبعد الخلاف فيه "متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى" قال: وبهذا التقرير يرتفع
ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي: أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة قال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل -أي صرع- وسقط إلى الأرض. فأتى
الخلاف.
وقال ابن عبد البر: الأمر للوجوب؛ لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينفعه ولا يضره، لا سيما إذا كان بسببه، وكان هو الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل، "ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال".
"قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع" وفي نسخة: وقعت: أي صفة الاغتسال "في حديث سهل بن حنيف""بضم ففتح""عند أحمد والنسائي" سقط من قلم المصنف قول الحافظ، وصححه ابن حبان من طريق الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وبه يصح قوله "إن أباه" أي أبا أبي أمامة وهو سهل بن حنيف، أما على السقط ففاسد، إذ تصير الصحبة لحنيف، ولا صحبة له، إنما هي لابنه سهل، "حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار" "بفتح الخاء المعجمة والراء الأولى الشديدة" موضع قرب الجحفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقال ابن عبد البر: موضع بالمدينة، وقيل: من أوديتها. انتهى.
لكن يؤيد الأول قوله "من الجحفة: اغتسل سهل بن حنيف" وفي رواية مالك عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه، فنزع، أي سهل جبة كانت عليه، "وكان أبيض حسن" أي مليح "الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم" أي ما رأيت في يوم جلدًا في البياض والحسن كهذا الجلد، "ولا جلد مخبأة""بضم الميم وخاء معجمة وموحدة وهمز" وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون ولا تبرز للشمس فتغيرها، يعني: أن جلد سهل كجلد المخبأة إعجابًا بحسنه.
وفي رواية الك المذكورة: ولا جلد عذارء بدل مخبأة، فكأنه جمع بينهما، فاقتصر كل راو على ما سمعه، أو أحدهما بالمعنى، لكن لا شك أن مخبأة أخص، "فلبط سهل""بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة"، "أي صرع وسقط إلى الأرض" وزنًا ومعنى.
وقال ابن وهب: لبط: وعك، وكأنه فسره برواية مالك بلفظ: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، جمعًا بين الروايتين لاتحاد القصة والمخرج، ولا يتعين لجواز أن سقوطه من شدة وعكه، وهذا أولى إبقاء للفظين على حقيقتهما.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل تتهمون من أحد"؟ قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال:"علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت". ثم قال: "اغتسل له"، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
زاد في رواية: حتى ما يعقل لشدة الوجع، "فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد مالك عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه "فقال: "هل تتهمون من أحد"؟ عانه، "قالوا:" نتهم "عامر بن ربيعة" وكأنهم لما قالوا ذلك ذهب صلى الله عليه وسلم إلى سهل لتثبت الخبر منه.
ففي رواية مالك، عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر أن سهلًا وعك، وأنه غير رائح معك، فأتاه صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من أن عامر بن ربيعة، "فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال: "علام" أي لم، وفيه معنى الإنكار "يقتل أحدكم أخاه" في الإسلام، أي يكون سببًا في قتله بالعين، زاد في رواية: وهو غني عن قتله، "هلا إذا رأيت ما يعجبك برت" به، كما هو الرواية، قال أبو عمر: أي قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فيجب على كل من أعجبه شيء أن يبارك فإذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة.
وقال الباجي: أي قلت: بارك الله فيك، وللنسائي وابن ماجه عن أبي إمامة، وابن السني عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعًا:"إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة".
وروى ابن السني، عن سعيد بن حكيم قال: كان صلى الله عليه وسلم إذا خاف أن يصيب شيئًا بعينه، قال:"اللهم بارك فيه ولا تضره"، "ثم قال:"اغتسل له" ولمالك عن محمد: توضأ له، وظاهر أنه ليس المراد الوضوء ولا الغسل الشرعيين، بل الصفة التي بينها، بقوله:"فغسل" عامر "وجهه ويديه" وفي رواية بدل هذا، وظاهر كفيه "ومرفقيه" زاد في رواية: وغسل صدره "وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح" زاد في رواية، قال: وحسبته قال: وأمر فحسًا منه حسوات، "ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره" وظاهره، أو صريحه أن الصاب غير العائن.
ووقع عند ابن ماجه عن أبي أمامة: ثم دعا صلى الله عليه وسلم بماء، فأمر عامرًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه "ثم كفأ""بالهمز"، أي قلب "القدح، ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس" لزوال علته.
قال المازري: المراد بداخلة إزاره الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن: "بفتح الحاء
قال المازري: وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل: أراد وركه لأنه معقد الإزار.
ورأيت مما عزي لخط شيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي: قال ابن بكير راويه عن مالك، إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد.
وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده
المهملة وسكون القاف موضع الإزار، وقيل: الحاضرة فقط، وهذا التفسير نقله ابن عبد البر عن ابن حبيب، وقال نحوه ابن وهب عن مالك.
"قال المازري": "وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج" والجمهور على الأول. "انتهى" كلام المازري.
"وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار" بيان لما، فداخلة الإزار على قوله هي القطعة من الإزار التي تلاقي البدن، "وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد" أي أنه يغسل من بدنه ما ستره الإزار، فما قبله فسرها بما يلاقي البدن من الثوب، وهذا بما يلاقيه الثوب من البدن.
"وقيل: أراد وركه" بفتح الواو وكسرها وسكون الراء، وبفتحها وكسر الراء ما فوق الفخذ مؤنثة، كما في القاموس، فقوله:"لأنه معقد الإزار" وجهه أنه لما كان قريبًا من محل عقده سماه معقدًا، "ورأيت ما عزى لخط شيخنا الحافظ أبي الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي".
"قال ابن بكير" هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي، مولاهم المصري، وقد ينسب إلى جده ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين وله سبع وسبعون سنة "راويه" أي الحديث "عن مالك" وهو من جملة رواة الموطأ؛ "إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد".
"وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض" بغرفة منه "ثم يمجه في القدح، ثم" يأخذ منه ماء "يغسل وجهه فيه" أي القدح مرة واحدة، "ثم يدخل يده اليسرى" في
اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.
قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه.
القدح، "فيصب على يده اليمنى" صبة واحدة، "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على يده اليسرى" واحدة "ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن" واحدة، "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر" صبة واحدة، "ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه اليمنى" واحدة "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى" صبة واحدة "ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى" صبة واحدة فيهما، "ثم يغسل داخل إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض" حتى يفرغ، "ثم يصب ذلك الماء المستعمل" فاعل يصب "على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة، فيبرأ بإذن الله تعالى. انتهى" كلام النهاية.
وأصله من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، وقال: إنه من العلم. رواه ابن أبي شيبة.
قال ابن عبد البر: وهو أحسن ما فسر به؛ لأن الزهري راوي الحديث، زاد عياض: أن الزهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه، واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، قال: وجاء من رواية عقيل عن الزهري مثله، إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، وفيه في غسل القدمين، أنه لا يغسل جميعهما، وإنما قال: ثم يفعل مثل ذلك من طرف قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه، واليسرى كذلك. انتهى.
وهو أقرب لقول الحديث: وأطراف رجليه، وهذه الصفة تنفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام، فقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى ما يدفعه، بقوله: ألا بركت عليه، وفي رواية فليدع بالبركة كما مر.
"قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه" قال: وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات.
وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله: الخواص.
قال ابن القيم: ومن علاج ذلك والاحتراز عنه، ستر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوي في كتاب شرح السنة: أن عثمان بن عفان رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره، ومعنى دسموا نونته: أي سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصغير.
"وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا: الله ورسوله أعلم" يعني أنه من التعبد كغيره من الأحكام التعبدية، "وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة" فوجب قبوله وإن لم يعقل معناه، "أو متفلسف، فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل" عنده "بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص" أي أنه تفعل بخاصية فيها، فليكن ذلك على قوله مثله، وهذا مجاراة للخصم وإن لم يقل به.
وقال ابن القيم: هذه الصفة لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر بها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجربًا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصة، فما الذي ينكر جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكان أثر تلك العين كشعلة من نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرق من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصًا، وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذًا، فتطفأ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء. انتهى.
"قال ابن القيم: ومن علاج ذلك" أي دفع العين قبل حصولها "والاحتراز عنه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكره البغوي" المتأخر، محيي السنة، صاحب التفسير "في كتاب شرح السنة أن عثمان بن عفان رأى صبيًّا مليحًا" أي حسنًا، "فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال" البغوي "في تفسيره" أي تفسير هذا اللفظ في كتاب شرح السنة:"ومعنى دسموا نونته، أي سودوا نونته، والنونة النقرة التي تكون في ذقن الصغير""بفتح الذال والقاف" مجتمع اللحيين من أسفلهما.
وذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان في الرفقة رجل عائن فلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى. فقال: دلوني عليه، فوقف عليه فقال: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير. فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها. انتهى.
"وذكر" وأخرجه ابن عساكر وغيره "عن أبي عبد الله" واسمه سعيد بن يزيد "الساجي""بسين مهملة وجيم" نسبة إلى الساج الخشب، كان له آيات باهرة وكرامات ظاهرة، "أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة" نشطة خفيفة، "فكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين""بالنون" أي ترصد "غيبة" أي وقت غيبة، "أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه" فدلوه على مكانه، "فوقف عليه، فقال بسم الله حبس""بفتح فسكون"، كما سمعته من الوالد مرارًا ناقلًا له عن شيخه الأجهوري، فهو مبتدأ خبره بسم الله، أي منع "حابس" أي مانع تأثير ضرر عين العائن، "وحجر يابس" يصيب العائن، "وشهاب قابس" كوكب يحرق العائن، "رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه" ممن هو لى شكله، أو المراد أحب الأشياء إليه، فيصدق ببعض أجزائه كعينيه، "فارجع البصر هل ترى من فطور" صدوع وشقوق، "ثم ارجع البصر كرتين" كرة بعد كرة "ينقلب" يرجع "إليك البصر خاسئًا" ذليلًا لعدم إدراك خلل، "وهو حسير" منقطع عن رؤية خلل، "فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها" لفك العين عنها. "انتهى" وهذا من المجربات في إزالة أثر العين.
ومما يدفع العين أيضًا ما ذكره القاضي حسين، أحد أئمة الشافعية، قال: نظر بعض الأنبياء إلى قومه يومًا فاستكثرهم وأعجبوه، فمات منهم في ساعة سبعون ألفًا، فأوحى الله إليه أنك عنتهم، ولو أنك إذ عنتهم حصنتهم لم يهلكوا، قال: وبأي شيء أحصنهم، فأوحى الله إليه، تقول: حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوة
وفي حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضي عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين قد تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الإصابة بالعين قد تقتل.
وقد اختلف في جريان القصاص بذلك:
فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا. انتهى.
ولم تتعرض الشافعية للقصاص، بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعد
إلا بالله العلي العظيم.
قال المعلق عن القاضي: وكانت عادة القاضي حسين إذا نظر إلى أصحابه فأعجبه سمتهم وحسن حالهم حصنهم بهذا.
"وفي حديث هذا الباب: من الفوائد أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال" على الوجه المتقدم، "وإن الاغتسال من النشرة""بضم النون" رقية يعالج بها المجنون والمريض، كما في القاموس:"النافعة" وتأتي للمصنف صفتها في الكلام على السحر، "وإن العين قد تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح" إذ لا شك أن عامر بن ربيعة من الصالحين؛ إذ هو من أهل بدر، وأسلم قديمًا، "وإن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه" من قوله: ألا بركت، "وأن الإصابة بالعين قد تقتل" لقوله: علام يقتل أحدكم أخاه.
"وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، فقال القرطبي: ولو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل، فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا" وأما عندنا، فيقتل قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق "انتهى" كلام القرطبي بما زدته.
"ولم تتعرض الشافعية للقصاص" أي لم يقولوا به، فلا ينافي قوله:"بل منعوه" وإلا فمنعهم القصاص تعرض، "وقالوا: إنه" أي النظر الذي يصيب به "لا يقتل غالبًا، ولا يعد
مهلكا. وقال النووي في "الروضة": ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة، وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما عسر.
ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره
مهلكًا".
"وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف" يقتص من العائن "ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة""عطف تفسير، لحسد"، "وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. انتهى".
لكن يقال عليه لما حصل زوال الحياة بالإصابة بالعين وإن لم يتعين في الأصل طلب بما يطلب به من أزال الحياة بالضرب مثلًا.
"قال الحافظ ابن حجر: ولا يعجر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه" أي العائن، فإن السحر ليس بمنضبط ولا عام، والذي ينشأ عن حصول مكروه لا يتعين في زوال الحياة، "والفرق بينهما عسر".
قال شيخنا: ويمكن الفرق بأن الساحر يحصل منه أفعال يضاف إليها القتل عادة، كالعزائم التي يقصد بها القتل، ولذا قالوا: يثبت السحر، بقوله: قتلته بسحري، وسحري يقتل غالبًا، أو بالقسم الفلاني، وشهد عدلان كانا يعرفان السحر وتابا أن هذا القسم يقتل غالبًا انتهى وتعسفه لا يخفى.
"ونقل ابن بطال" العلامة أبو الحسن علي، "عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس" مخالطتهم، "وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه" أعطاه "ما يقوم به" وجوبًا من بيت المال وكف أذاه عن الناس، "فإن ضرره أشد من ضرر
أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس وأشد من ضرر الثوم الذي منع أكله من حضور الجماعة. قال النووي: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه ذكر رقيته صلى الله عليه وسلم.
زاد المصنف هنا وفي شرحه في التي كان يرقى بها عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: قل اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا. رواه البخاري.
وقوله: "اذهب الباس": بغير همزة للمواخاة، وأصله الهمز.
المجذوم الذي منعه عمر" بن الخطاب والعلماء بعده "من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم" بضم المثلثة "الذي منع آكله" أي منعه النبي صلى الله عليه وسلم "من حضور الجماعة" بالمسجد لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بإبعادها إلى حيث لا يتأذى بها، هذا بقية نقل ابن بطال.
"قال النووي" تبعًا لعياض، "وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه" فيعمل به، "ذكر رقيته صلى الله عليه وسلم" هذه الترجمة للبخاري بلفظ: باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم.
"زاد المصنف هنا، وفي شرحه في التي كان يرقى بها" غالبًا من الرقى العامة، لا في داء بعينه، فلا يرد أن ما كان يرقى به لا يختص بهذه "عن عبد العزيز" بن صهيب البناني بموحدة ونونين، البصري، مات سنة ثلاثين ومائة، "قال: دخلت أنا وثابت" بن أسلم البناني أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة وله ست وثمانون سنة "على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة" بمهملة وزاي كنية أنس، "اشتكيت" بضم التاء، أي مرضت.
وفي رواية: إني اشتكيت، "فقال أنس: ألا" "بتخفيف اللام للعرض والتنبيه "أرقيك" بفتح الهمزة "برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم" من إضافة المصدر إلى فاعله، أي بالرقية التي كان يرقى بها، وحديث مسلم السابق في المصنف يدل على أن الإضافة في مثل هذه للمفعول، كما في الفتح، "قال" ثابت:"بلى" ارقني، "قال: قل اللهم رب الناس مذهب" بضم الميم وكسر الهاء "الباس" الشدة "اشف" بكسر الهمزة "أنت الشافي" فيه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن ما لم يوهم نقصًا، وكان له أصل في القرآن كهذا، ففيه: وإذا مرضت فهو يشفين، "لا شافي إلا أنت" إذ لا ينفع الدواء إلا بتقديرك، "شفاء" بالنصب على أنه مصدر اشف، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي هو "لا يغادر سقمًا" بفتحتين وبضم ثم سكون "رواه البخاري" في الطب.
"وقوله: أذهب" كذا في النسخ تبعًا للفتح، مع أن المصنف قدمه بلفظ: مذهب، وضبطه
وفي قوله: "لا شافي إلا أنت" إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله وإلا فلا ينجع.
وقوله: "لا يغادر" -بالعين المعجمة- أي لا يترك.
وفي البخاري أيضًا عن مسروق عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس اذهب البأس، واشفه وأنت الشافعي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا". وقوله "يمسح بيده" أي على الوجع.
في شرحه "بضم الميم""البأس بغير همز للمواخاة" لقوله الناس، "وأصله الهمز".
زاد المصنف في شرحه، وفي الفرع "بالهمز على الأصل".
"وفي قوله: لا شافي إلا أنت إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله، وإلا فلا ينجع" جواب الشرط الأول، وجواب الثاني، وهو: وإلا محذوف، أي نجع، أي إن لم يصادف لم ينجع، وإن صادف نجع.
"وقوله: لا يغادر -بالغين المعجمة- أي لا يترك سقمًا إلا أذهبه.
"وفي البخاري أيضًا" تلو هذا الحديث، وبعده بباب "عن مسروق" بن الأجدع بن مالك الهمداني، الوادعي، الكوفي، الفقيه، العابد، المخضرم، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين "عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ""بضم الياء وكسر الواو الثقيلة وذال معجمة"، أي يطلب من الله عصمة "بعض أهله".
قال الحافظ: لم أقف على تعيينه، "يمسح بيده اليمنى" على الوجع، على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع قاله الطبري، وظاهر الحديث: كان المسح بحائل أم لا، لكن الأولى بلا حائل إلا لمانع، ككون المرض بالعورة، "ويقول:"اللهم رب الناس أذهب""بهمزة مفتوحة قبل الذال""البأس".
قال المصنف: "بالهمز في فرع اليونينية، والمشهور حذفه ليناسب سابقه""واشفه""بكسر الهاء" أي العليل، أو هي هاء السكت، "وأنت الشافي بإثبات الواو في الكلمتين للحموي والمستملي، وحذفها فيهما للكشميهني، "لا شفاء" "بالمد مبنى على الفتح والخبر محذوف، أي حاصل لنا أو له "إلا شفاؤك شفاء" أي اشف "شفاء لا يغادر سقمًا""التنوين للتقليل".
"وقوله: يمسح بيده، أي على الوجع" تفاؤلًا لزوال ذلك الوجع، "وقوله: إلا شفاؤك،
وقوله "إلا شفاؤك" بالرفع بدل من موضع: لا شفاء.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي يقول: "امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت". رواه البخاري أيضًا.
وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
بالرفع بدل من موضع لا شفاء".
وقال في المصابيح: الكلام في عرابه، كالكلام في لا إله إلا الله، ولا يخفى أنه بحسب صدر الكلام نفي لكل إله سواه تعالى، وبحسب الاستثناء إثبات له وللألوهية؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، لا سيما إذا كان بدلًا، وأنه يكون هو المقصود بالنسبة، ولهذا كان البدل الذي هو المختار في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة الشريفة، حتى لا يكاد يستعمل لا إله إلا الله بالنصب، ولا إله إلا إياه، فإن قيل: كيف يصح، مع أن البدل هو المقصود، والنسبة إلى المبدل منه سلبية فالجواب إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا، فالبدل هو المقصود المعتبر في المبدل، منه لكن بعد نقضه ونفي النفي إثبات.
"وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي""بفتح أوله وكسر القاف" وهو بمعنى قوله في الرواية قبله: كان يعوذ، حال كونه "يقول: امسح" أي أزل، وهو بمعنى الرواية قبله: أذهب "البأس" الضرر "رب الناس، بيدك الشفاء" لا بيد غيرك، "لا كاشف له" أي المرض "إلا أنت" وهو بمعنى قوله: اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، "رواه البخاري أيضًا" تلو الحديث قبله من الباب المذكور، وهذا من إفراده عن مسلم.
"وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي، الطائفي، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف، ومات بالبصرة في خلافة معاوية، "أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم".
وفي الموطأ قال عثمان: وبي وجع قد كاد يهلكني، "فقال" له "النبي صلى الله عليه وسلم:"ضع يدك" اليمنى "على الذي تألم""بفتح اللام""من جسدك".
وفي رواية الطبراني والحاكم: ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات، وفي الموطأ، فقال: امسحه بيمينك سبع مرات، "وقل: بسم الله" أي هذا اللفظ "ثلاثًا" من المرات، "وقل سبع مرات: أعوذ" أعتصم "بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" من
وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة.
وجعي هذا، كما زاده في حديث أنس عند الترمذي، وحسنه، والحاكم، وصححه عن محمد بن سالم، قال: قال لي ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت، فضع يدك حيث تشتكي، ثم قال: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترًا، قال: فإن أنس بن مالك حدثني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني بذلك.
وفي رواية الطبراني والحاكم عن عثمان أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع. ومعنى أحاذر: أخاف، زاد في رواية الموطأ: قال عثمان: فقلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم، وهذا من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته.
قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل، أن يقول من يعوذه من شر ما يجد ويحاذر، وأن يقول: أعيذك، قال شيخنا: ويحتمل أن يقول هذا اللفظ مطلقًا، تبركًا بالمروي، ويلاحظ أن المعنى ما أجده بهذا المريض وأخافه عليه، لكن يؤيد الأول حديث البخاري عن ابن عباس: كان صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، ويقول:"إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"، "وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء" الطبيعي "لإخراج المادة" أي لاستقصاء إخراجها، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وقد حض صلى الله عليه وسلم على السبع في غير ما موضع، بشرط قوة اليقين وصدق النية.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الفزع والأرق المانع من النوم:]
عن بريدة قال: شكا خالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما أنام الليل.
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الفزع والأرق المانع من النوم:
الفزع: الخوف والأرق، "بفتحتين" السهر بالليل، ولم يذكر تحت الترجمة شيئًا للفزع، فلعله أراد الأرق ونحوه من كل ما يحذر، ومنه الفزع، وربما يشعر به قول الحديث: من شر خلقك كلهم، ويحتمل؛ أنه بيض لذكر حديث للفزع فنسي، وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أروع في منامي، فقال له صلى الله عليه وسلم:"قل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون"، "عن بريدة" ابن الحصيب "بالتصغير فيهما وحاء وصاد مهملتين" الأسملي، الصحابي المشهور، "قال: شكا خالد" بن الوليد المخزومي سيف الله "إلى
من الأرق، فقال صلى الله عليه وسلم:"إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك". رواه الترمذي.
النبي صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق" السهر، ثم يحتمل أنه أراد الليل كله أو معظمه، كخبر: لا يضع العصا عن عاتقه، "فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أويت""بقصر الهمزة" على الأفصح، قال شيخ الإسلام وغيره: إن كان أوى لازمًا كما هنا، فالقصر أفصح وإن كان متعديًا، كالحمد لله الذي آوانا، فالمد أفصح، عكس ما وقع لبعضهم "إلى فراشك" أي انضممت إليه ودخلت فيه لتنام، "فقل" استحبابًا:"اللهم رب السماوات السبع وما أظلت" أي سترت، "ورب الأرضين السبع"، كما في الترمذي، فسقط من المصنف:"وما أقلت" أي حملت، "ورب الشياطين وما أضلت" أغوت، وعبر بما إرادة للعموم، نحو: لله ما في السماوات وما في الأرض، "كن لي جارا" أي مجيرًا، مؤمنًا لي مما أخاف "من شر خلقك كلهم جميعًا" جمع بين التأكيدين زيادة في التأكيد، "أن يفرط""بضم الراء، أي يتعدى""علي أحد منهم" بكلام أو غيره، يؤذيني "أو يبغي علي" أي يظلمني ويعتدي "عز" غلب "جارك" من أجرته، "وجل" عظم "ثناؤك""بالمد" مدحك، فلا يمكن إحصاره، "ولا إله غيرك" يرجى لكشف الضر وإجابة الدعاء، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، "رواه الترمذي" في سننه.
[ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى] :
في المسند مرفوعًا: "ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: "إنا لله وإنا إليه
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:
"في المسند" يطلق، كما في الألفية على المرفوع وعلى المتصل، وهو المراد بقوله:"مرفوعًا" ولا ينبغي أن يريد مسند أحمد لئلا يعاب بقصر العزو له، مع أن هذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم ومالك وأصحاب السنن، عن أم سلمة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:"ما من أحد" وفي رواية: ما من مسلم، وأخرى: ما من عبد.
قال الطيبي: نكرة وقعت في سياق النفي، وضم إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول "تصيبه مصيبة" أي مصيبة كانت، لقوله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة"، رواه ابن السني.
راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها".
قال في الهدى النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عالجته وأجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
قال الباجي: لفظ مصيبة موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله خير أو شر، لكن خص في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره، "فيقول" زاد في رواية، كما أمره الله، أي بالثناء والتبشير لقائله المقتضى ندبه، والمندوب مأمور به على المختار في الأصول، "إنا لله" ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء "وإنا إليه راجعون" في الآخرة فيجازينا، "اللهم أجرني""بقصر الهمزة وضم الجيم وسكون الراء".
قال عياض: يقال أجر "بالقصر والمد"، والأكثر أنه مقصور لا يمد، أي أعطني أجري وجزاء صبري وهمي "في مصيبتي، واخلف""بقطع الهمزة وكسر اللام""لي خيرًا منها إلا أجره الله" أثابه وأعطاه الأجر "في مصيبته، واخلف له خيرًا منها" فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله.
قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على الله ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، صلوات الله ورحمته والهدى، قاله أبو عمر بن عبد البر.
وبقية الحديث قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها: فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"قال" ابن القيم "في الهدي النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته" الدنيا، "وآجلته" الآخرة، "فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق" أي اتصف "العبد بمعرفتهما، تسلي عن مصيبته" وصبر "أحدهما" أي الأصلين؛ "إن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير" وقد ضربت المثل بالعارية أم سليم لزوجها أبي طلحة لما مات ابنه منها أبو عمير وتحته في جانب البيت، وكان أبو طلحة خارجًا عنه، فلما جاء قال: كيف الغلام؟، قالت: هدأت نفسه، وأرجو أنه استراح، وقربت له العشاء، فتعشى، ثم تطيبت وتعرضت له حتى واقعها، فلما أراد أن يخرج، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا قد أعاروا أهل البيت عارية، فطلبوا
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات وبالسيئات، فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير في إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور، إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا.
عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، واسترجع، ثم صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخبره بما كان منهما، فقال:"لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما".
وفي رواية اللهم بارك لهما، فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة، قال بعض الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد، كلهم قد قرءوا القرآن، كما مر ذلك مبسوطًا في الصحيحين وغيرهما.
"والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا" كما قال تعالى: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم: 80] ، "كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن" يأتي "بالحسنات" إن كان محسنًا، "وبالسيئات" إن كان مسيئًا، "فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى" أي يحزن "على مفقود، ففكره في مبدئه، ومعاده" عوده يوم القيامة، "من أعظم علاج هذا الداء، قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي" الاقتداء "بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم" تشبيه بليغ بحذف الأداة، "أو ظل زائل" عن قريب، "إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا" زمنًا طويلًا، "وإن متعت قليلًا" بشيء من زهرتها "منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة""بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة" أي نعمة وسعة "إلا ملأتها عبرة""بفتح المهملة" الدمع قبل أن يفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء: جمعها عبرات، كما في القاموس، "ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور".
"قال ابن مسعود" عبد الله الصحابي: "لكل فرحة ترحة""بفتح الفوقية وسكون الراء"، هم:"وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا""بفتحتين"، أي هما.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب} :
والكرب عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرضين ورب العرش الكريم"، رواه الشيخان.
وقوله: "عند الكرب" أي عند حلول الكرب.
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الهم والكرب بدواء التوجه:
إضافة بيانية، أي بدواء هو التوجه "إلى الرب" الهم الفكر فيما يتوقع حصوله من أذى حزن، كما في السبل، وفي القاموس: الهم: الحزن، جمعه هموم، "والكرب" الحزن بالنفس، كالكربة بالضم، والإضافة بيانية فيهما، أي من داء هو الهم والكرب، أو المراد بالداء الأثر الحاصل من الهم، من نحو سهر ومرض وصفرة ونحول، فالإضافة حقيقية.
"عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب""بفتح الكاف وسكون الراء فموحدة" وهو ما يدهم الإنسان، فيأخذ بنفسه، فيغمه ويحزنه:"لا إله إلا الله العظيم" المطلق، البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، ولا شيء يعظم عليه، "الحليم" الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، فيؤخره مع القدرة عليه، "لا إله إلا الله رب العرش العظيم""بالجر""لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرضين، ورب العرش الكريم""بجره"، كالعظيم قبله نعت للعرش في رواية الجمهور.
ونقل ابن التين عن الداودي؛ أنه رواه برفع العظيم والكريم نعتان للرب، أو نعتان للعرش، على أنه خبر مبتدأ محذوف، قطع عما قبله للمدح، ورجح بحصول توافق القرائن، ورجح بعضهم الأول، بأن وصف الرب بالعظيم والكريم أولى من وصف العرش بهما، وتعقب بأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى من تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس؛ بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سلميان، ووصف العرش بالكرم؛ لأنه الرحمة تنزل منه، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه يقتضي التربية، "رواه الشيخان" في الدعوات بهذا اللفظ من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، "وقوله عند الكرب، أي عند حلول الكرب" أي نزوله وقيامه به، "وعند مسلم" من
وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب.
وعنده أيضًا: كان إذا حزبه أمر -وهو بفتح المهملة والزاي- أي هجم عليه أو غلبه.
قال الطبري: معنى قول ابن عباس "يدعو"، وإنما هو تهليل وتعظيم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد "كان إذا حزبه أمر قال
…
" فذكر الذكر المأثور، وزاد، ثم دعا. قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة وقد سئل عن الحديث الذي فيه "أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث. فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه
طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يدعو بهن" أي بالكلمات المذكورة بعطف التفسير، بقوله:"ويقولهن عند الكرب" فذكره بمثل حديث هشام، غير أنه قال رب السماوات والأرض، قاله مسلم، أي أنه أسقط رب قبل الأرض، وهذا على عادة مسلم في تحري الألفاظ، "وعنده أيضًا" من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا حزبه أمر" فذكر مثله، "وهو بفتح المهملة والزاي" المنقوطة وموحدة، "أي هجم عليه أو غلبه" وهما متقاربان.
"قال الطبري: معنى قول ابن عباس: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين".
"أحدهما أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء" ولا يبعده قوله يدعو بهن؛ لأن المراد يدعو ملتبسًا أو متوسلًا بهن، "كما عند""بالنون""عبد" بلا إضافة "ابن حميد" أحد الحفاظ، أي كما رواه في مسنده، بلفظ:"كان إذا حزبه أمر ال فذكر الذكر المأثور" أي: لا إله إلا الله إلى آخره، "وزاد: ثم دعا" وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه، بلفظ: ثم يدعو، ورواه الطبراني في الكبير، وزاد في آخره: اصرف عني شر فلان، أي يعينه باسمه، فإن له أثرًا بينًا في دفع شره.
"قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش" سليمان بن مهران، "عن إبراهيم" النخعي، "قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء" أي قدمه عليه، فالظرف بيان للمقدم عليه، "استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء" في الاستجابة وعدمها.
"ثانيهما: ما أجاب به" سفيان "ابن عيينة، وقد سئل عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث" وقد رواه
دعاء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل:"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني
…
حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا
…
كفاه من تعرضك الثناء
ابن أبي شيبة عن علي، مرفوعًا:"أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، "فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم" فيما يرويه "عن ربه عز وجل" بواسطة الملك أو بدون واسطة، وجهان في جميع الأحاديث الإلهية: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" تصريح الدعاء.
"وقال أمية بن أبي الصلت" عبد الله بن ربيعة الثقفي: كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث، وينشد في ثنائه الشعر المليح، ويطمع في النبوة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حصار الطائف سنة ثمان كافرًا.
وفي مسلم عن الشريد بن سويد: أنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية مئة بيت، وفي ابن عساكر وغيره مرفوعًا:"آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه""في مدح عبد الله بن جدعان""بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين، فألف، فنون" ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، يكنى أبا زهير، وهو أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وابن عم عائشة، ولذا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف، فهل ينفعه ذلك؟، فقال:"لا. إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
رواه مسلم: "أأذكر حاجتي أم قد كفاني" يحتمل أن الاستفهام تقريري والظاهر أنه استفهام إنكاري أي لا أذكرها بل قد كفاني "حياؤك" بفتح المهملة والتحتية والمد، عن ذكر حاجتي، "إن شيمتك""بمعجمة" طبيعتك التي خلقت عليها "الحياء" المقتضى مزيد الكرم، المغني عن ذكر الحاجة، ويحتمل أنه "بكسر الحاء وموحدة فيهما" أي عطاؤك بلا عوض "إذا أثنى عليك" أي مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان لا حقيقة اليوم، "كفاه من تعرضك""مصدر مضاف لمفعوله"، أي كفاه من سؤاله لك، أو من طلب معروفك "الثناء" أي ثناؤه عليك، وأنشده غير المصنف من تعرضه الثناء، وهو ظاهر، والمعنى على الضبط الأول: إن الثناء عليك يحملك على البحث عن حاجة المثنى والتقيد بأمره، فيكفيه ذلك عن ذكرها. وعلى الثاني: إن عطاءك بمعنى إعطائك، يغني ذا الحاجة عن السؤال، ويجعل مجرد الثناء كافيًا، بل لا يحتاج إليه، فإن مجرد علمك بالحاجة كاف في بذل معروفك، فليس القصد بالثناء إلا مجرد
فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق.
ثم إن حديث ابن عباس هذا -كما قال ابن القيم- قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء، ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل
الحضور عندك، وبعد البيتين:
كريم لا بغيره صباح
…
عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بناها
…
بنو تيم وأنت لها سماء
"فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق" وأيد الاحتمال الثاني بحديث سعد بن أبي وقاص، رفعه: دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له.
أخرجه الترمذي والنسائي، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: كانت ليونس، خاصة أم للمؤمنين عامة، فقال صلى الله عليه وسلم:"ألم تسمع إلى قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين} "[الأنبياء: 88] ، "ثم إن حديث ابن عباس هذا كما قاله ابن القيم" ف زاد المعاد في هدى خير العباد، "قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية" بكلمة الإخلاص، وكونه رب كل شيء، وذلك أصل التنزيهات الجلالية، "ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم" بقوله: العظيم الحليم، "وهاتان الصفتان" أي التوحيد والوصف "مستلزمتان لكمال القدرة" من لفظ العظيم؛ لأن العظمة دالة على كمال القدرة "والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء" بقوله: الحليم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية، "ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي".
كذا في بعض النسخ، وفي أكثرها سقوطه والكرسي، وهو الذي في الهدي "الذي هو" أي العرش "سقف المخلوقات" لارتفاعه عن جميعها، فهو مظل على جميل العالم، كالسقف، "وأعظمها" جرمًا، "والربوبية التامة تستلزم توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له،
كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجه محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور وما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى أو أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي قد سعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح لا يفتر، فقال لي
وسلب كل نقص وتمثيل عنه" وذلك أصل التنزيهات الجلالية، كما قاله الطيبي؛ "وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه" إذ الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، كما مر، "فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب" إذا ورد عليه ما سبق عند علمه بكمال العظمة
…
إلخ "أولى أو أحرى" عطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ، "ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة" أي إلى السعة الحاصلة للداعي بسبب ما قام به من البهجة "والسرور، إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه" أي في ذاته "أنوارها وباشر قلبه حقائقها" لا من لم يصل إلى ذلك.
"قال ابن بطال" العلامة المحدث أبو الحسن علي شارح البخاري: "حدثني أبو بكر الرازي""قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم" الحافظ أحمد بن عبد الله الأصبهاني، صاحب الحلية وغيرها، "فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي" لفظ ابن بطال، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا، "قد سعى به عند السلطان، فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح" أي تنزيه الله تعالى "لا يفتر" عنه فهو منه كغيره من الملائكة، كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، كما قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَار
النبي صلى الله عليه وسلم قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلًا حتى أخرج.
وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات وأمرني إن نزل بي كرب أن شدة أن أقولها: "لا إله إلا الله الكريم العظيم، سبحان الله تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين"، وفي لفظ:"الحليم الكريم" في الأول، وفي لفظ:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم العلي العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وفي لفظ "لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه، تبارك وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". أخرجها كلها النسائي.
لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]، "فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه" بخلاصه من السجن، "قال: فأصبحت، فأخبرته" بهذا المنام "فدعا به، فلم يمكث إلا قليلًا حتى أخرج" من السجن.
"وفي حديث علي عند النسائي: وصححه الحاكم" وابن حبان: "لقنني" خاطبني شفاهًا، وفهمني "رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة، وأمرني إن نزل بي كرب" حزن يأخذ بنفسي، "أو شدة" من نحو مرض، "أن أقولها" وهي:"لا إله إلا الله الكريم" المعطي فضلًا، "العظيم" الذي لا شيء يعظم عليه، "سبحان الله" تنزيهًا له عما لا يليق بعلي قدره، "تبارك الله" تعالى وتكاثر خيره، "رب العرش العظيم""بالجر فقط" هنا صفة للعرش لا بالرفع لتقدم وصف الله تعالى به، "والحمد لله رب العالمين" أي ملك جميع الخلائق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك، وغلب في جمعه "بالياء والنون" أولو العلم على غيرهم، وهو من العلامة؛ لأنه علامة على موجده.
"وفي لفظ: "الحليم الكريم" في الأول" أي أنه أبدل العظيم بالحليم.
"وفي لفظ" أي رواية "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم" لكل معلوم، أو البالغ في العلم، فعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات، محيط بها، سابق على وجودها، "العلي" فعيل من العلو، وهو البالغ في علو مرتبته إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، "العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أعاده ليكون أنجع وأغلب.
"وفي لفظ: "لا إله إلا الله، الحليم الكريم، سبحانه تبارك وتعالى رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين"، أخرجها كلها النسائي" أحمد بن شعيب المصري، أبو عبد الرحمن،
وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: "سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال:"يا حي يا قيوم".
وعنده أيضًا من حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قال: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث".
قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" في رفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة "الحياة" متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، صفة "القيومية" متضمنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم، والحياة
أحد الحفاظ، فينبغي للمكروب، أن يأتي بجميع هذه الروايات؛ لأنها كلها فيها حث أكيد، واختلاف ألفاظها إن كان من الرواة، فيتأكد ذكر جميعها حتى يصادف لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان نطق بجميعها في أوقات، فيتعين التأسي به في ذكر جميعها.
"وروى الترمذي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر" أقلقه وأزعجه، "رفع طرفه" بصره "إلى السماء" متسغيثًا متضرعًا، "فقال:"سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال:"يا حي يا قيوم" من أبنية المبالغة، والقيم معناه: القائم بأمور الخلق ومدبر العالم في جميع أحواله، والقيوم: القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به، "وعنده أيضًا من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه""بحاء مهملة وزاي وموحدة مفتوحات""أمر" أي هجم عليه، أو غلبه، أو نزل به هم، أو غم، وفي رواية: حزنه "بنون"، أي أوقعه في الحزن، يقال: أحزنني الأمر وحزنني، فأنا محزون، ولا يقال: محزن.
ذكره ابن الأثير، "قال:"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" مما نزل بي؛ "قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث في رفع هذا الداء" الكرب الذي نزل به "مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال" لأن معنى القيوم: الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه على أحسن الأحوال وأجمعها، "ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به" الله سبحانه "أجاب: وإذا سئل به أعطى، هو اسم الحي القيوم" في أحد الأقوال، والإضافة بيانية، أي الاسم الذي هو الحي القيوم، "والحياة التامة" صفة "تضاد جميع الآلام والأسقام، ولهذا لما
التامة تضاد جميع الآلم والأسقام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. فالتوسل بصفة "الحياة والقيومية" له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. فلهذا الاسم "الحي القيوم" تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء قال:"يا حي يا قيوم".
وروى أبو داود عن أبي بكر الصديق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".
وفي هذا الدعاء -كما قاله في زاد المعاد- من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده، مما له تأثير في دفع
كملت حياة أهل الجنة، لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة" أي يخالفها "ويضر بالأفعال" "بضم أوله من أضر لتعديه بالباء" فإن تعدي بنفسه، فمن ضر نحو: لن يضروكم، "فلهذا الاسم الحي القيوم تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء، قال:"يا حي يا قيوم" كما في الحديث قبله.
"وروى أبو داود" في الأدب، وأحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، وصححه "عن أبي بكر الصديق" كذا في النسخ والذي في أبي داود: ومن ذكرت معه إنما هو عن أبي بكرة، واسمه نفيع ن الحارث:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دعوات المكروب" المغموم المحزون، أي الدعوات النافعة له، المزيلة لكربه، وكأنه جمعها لاشتمالها على أفراد، كأنها محيطة بجميع دعوات المكروب، لاشتمالها على ما هو جامع لكشف كل كرب، أو المراد: أن هذا من جملتها "اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت" ختمه بهذه الكلمة الحضورية الشهودية إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب ويزيل كربه إذا كان مع حضور وشهود، ومن شهد فيه بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة وحضور البال، فهو حري بزوال الكرب في الدنيا، والرحمة ورفع الدرجات في العقبى.
"وفي هذا الدعاء، كما قاله في زاد المعاد" في هدي خير العباد؛ "من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله، ولا يكله إلى نفسه" ولا أقل قليل، لقوله: طرفة عين، "والتوسل إليه
هذا الداء.
وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود مرفوعًا: "كلمات الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئًا".
وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي
بتوحيده" شيء عظيم "مما له" "بميمين"، متعلق بما قدرنا "تأثير" نفع زائد على غيره "في دفع هذا الداء".
وفي نسخة: ما له "بميم واحدة، وهو المبين المقدم عليه بيانه" أي في هذا الدعاء شيء عظيم له تأثير من تحقيق الرجاء إلى آخره؛ "وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس" بمهملتين مصغر الخثعمية، صحابية لها أحاديث، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، "عند أبي داود، مرفوعًا: "كلمات الكرب" الدعوات النافعة له بشرط صدق النية وخلوص الطوية: "الله" "بالرفع مبتدأ والخبر" "ربي لا أشرك به" أي بعبادته "شيئًا" من الخلق برياء أو طلب أجر، كمن يسره أن يطلع على عمله، أو المراد: لا أشرك بسؤاله أحدًا غيره، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20] .
وقد رواه بأتم منه ابن أبي الدنيا، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أصابه غم أو سقم أو شدة أو لأواء أو أزل، فقال: الله الله ربي، لا أشرك به، كشف ذلك عنه"، ورواه الخطيب عنها مرفوعًا:"إذا أنزل بأحدكم غم، أو هم، أو سقم، أو لأواء وأزل، فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا ثلاث مرات".
وللطبراني في الأوسط، عن عائشة مرفوعًا:"إذا أصاب أحدكم هم أو لأواء، فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا".
وللنسائي عن عمر بن عبد العزيز، مرسلًا، مرفوعًا:"إذا أصاب أحدكم هم، أو حزن، فليقل سبع مرات: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا"، وذكر الجلالة مرتين استلذاذًا بذكره واستحضارًا لعظمته وتأكيدًا للتوحيد، فإنه الاسم الجامع للصفات الجلالية والجمالية والكمالية.
"وفي مسند الإمام أحمد" وابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم، "من حديث ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أصاب عبدًا" أي مسلمًا، ففي رواية الثلاثة. المذكورين: ما أصاب مسلمًا قط "هم" فكر فيما يتوقع حصوله من أذى "ولا حزن" "بضم فسكون"، "فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك" "برفع ابن صفة ثانية لعبدك، فهو من تعدد الصفات، بحذف العاطف، فتكتب الألف والمراد بالعبد والأمة الجنس الصادق بجميع أصوله، وبهذا يظهر قوله
بيدك، ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزن وهمه، وأبدله مكانه فرحًا".
وإنما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، وإثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، والله سبحانه وتعالى عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، ثم توسله
الآتي: وعبودية آبائه وأمهاته، "ناصيتي بيدك" الناصية قصاص الشعر، جمعها النواصي، كما في المصباح.
وفي القاموس: وقصاص الشعر مثلثة، حيث ينتهي منبته من مقدمه ومؤخره، ولم يرد الناصية خاصة، فهو كخبر الخيل في نواصيها الخير "ماض" أي: نافذ "في حكمك" لا انفكاك لي عنه، ولا حيلة في دفعه، "عدل في قضاؤك" حكمك، لا جور فيه ولا ظلم، "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك" أي جنسه، فيصدق بجميع كتبه المنزلة، "أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت" اختصصت "به في علم الغيب عندك" فلم يطلع عليه أحدًا، "أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي" لأرتع في زهور معارفه "ونور صدري".
وفي رواية ابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم: ونور بصري بدل صدري، فينبغي للداعي أن يجمع بينهما، "وجلاء""بكسر الجيم والمد"، أي كاشف "حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحًا" أي سرورًا.
وفي رواية الثلاثة الذين ذكرتهم: "إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحًا"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلم هذه الكلمات، قال:"بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن"، "وإنما كان هذا الدعاء" المذكور "بهذه المنزلة" الرتبة العلية، "لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته" وذلك صفة الإنسان الحقيقية، "وإن ناصيته" أي: جملته "بيده" قدرته، "يصرفها" أي يقلبها "كيف يشاء" وعبر عن ذلك بالناصية، إشارة إلى أنه بمنزلة الأسير الذي يجره آسره بشعر رأسه، ليفعل به ما يريده، "وإثبات""بالجر عطف على عبودية الداعي""القدر""بفتحتين""وإن أحكام الرب تعالى نافذة""بالمعجمة""في عبده، ماضية فيه" هو بمعنى ما قبله، حسنه اختلاف اللفظ، "لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها" عنه بوجه، "والله
بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها، وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلًا للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تامًّا.
وفي سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أمامة
سبحانه وتعالى عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده" لأنه المالك الحقيقي، "ثم توسله" "بالجر عطفًا على اشتماله المجرور باللام، أو على الاعتراف" "بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثربه في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل" وهي ما يتقرب به إلى الشيء، "وأحبها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلًا للمطلوب، ثم سؤاله" "بالجر عطف على توسله"، وهي أولى من نسخة: ثم سأله "أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان" أي يسعى وينشط، فهو تشبيه بليغ، أو استعارة، "وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء" يزيله بحيث لا يبقى له أثر، "ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع" جمع طبع، وهو الصدأ والدنس، كما في القاموس، "والأصدية" جمع صدأ، وهو الوسخ الذي يعلو الحديد، فهما متقاربان، ولذا أفرد الضمير في قوله: "وغيرها" لأن المراد منها شيء واحد، وهو الآثار التي تكون في الثياب ونحوها من الدنس، "فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء، أعقبه شفاء تامًّا" وصدقه باليقين التام، وصدق النية وخلوص الطوية، وأن لا يقصد به التجربة؛ لأن قاصد ذلك عنده شك.
"وفي سنن أبي داود" في الصلاة، "عن أبي سعيد الخدري" سعد بن مالك بن سفيان الصحابي بن الصحابي، "قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد" النبوي، "فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة" غير منسوب ولا مسمى، ويجوز أنه أبو أمامة بن ثعلبة الحارثي، لكن أفرده ابن منده، وتبعه أبو نعيم بالترجمة، عنه وعن الباهلي، فهو غيرهما، كما أشار إليه في
ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة"، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، فقال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى عنك دينك"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال". قال: ففعلت ذلك
الإصابة، "فقال:"يا أبا أمامة ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة"، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، فقال:"أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك"، قلت: بلى يا رسول الله" علمني، "قال: "قل إذا أصبحت" دخلت في الصباح، "وإذا أمسيت" دخلت في المساء، فصريحه المبادرة لقول ذلك أول الليل وأول النهار:"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن""بفتح الحاء المهملة والزاي" كما ضبطه المصنف كغيره، وهو الرواية: مصدر حزن كتعب، وهو المناسب، لكونه مستعاذًا منه من الاسم الذي هو الحزن "بضم فسكون".
وفي البخاري: البخل، والبخل واحد مثل الحزن، والحزن، أي "بضم فسكون فيهما، وبفتحتين فيهما، وليس العطف لاختلاف اللفظين مع اتحاد المعنى" كما ظن، بل الهم في أمر يتوقع، والحزن فيما وقع قبل، والهم من الحزن الذي يذيب لإنسان، فهو أشد من الحزن، وهو خشونة في النفس، فالفرق بينهما بالشدة والضعف، "وأعوذ بك من العجز" القصور عن فعل الشيء ضد القدرة، فهو ما لا يستطيعه الإنسان، "والكسل" ترك الشيء والتراخي عنه مع كونه يستطيعه، "وأعوذ بك من الجبن""بضم الجيم وسكون الموحدة" الخوف والخور من تعاطي الحرب ونحوها، خوفًا على المهجة، "والبخل" ضد الكرم، "وأعوذ بك من غلبة الدين" أي استيلائه وكثرته، "وقهر الرجال" غلبتهم.
وقال التوربتشي: غلبة الدين: أن يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وقهر الرجال: الغلبة؛ لأن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، كما هنا لما في رواية، وغلبة الرجال، كأنه أراد هيجان النفس من شدة الشبق وإضافته إلى المفعول، أي يغلبهم ذلك إلى هذا المعنى سبق فهمي، ولم أجد في تفسيره نقلًا.
وقال بعضهم: قهر الرجال جور السلطان، وقال الطيبي: من مستهل الدعاء إلى قوله، والجبن يتعلق بإزالة الهم، والآخر بقضاء الدين، فعليه قوله: وقهر الرجال إما أن يكون إضافته إلى الفاعل، أي قهر الدائن إياه وغلبته عليه بالتقاضي، وليس معه ما يقضي دينه، أو إلى المفعول؛ أن لا يكون له أحد يعاونه على قضاء دينه من رجاله وأصحابه.
فأذهب الله همي، وقضي ديني عني.
وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وقهر الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.
"قال" أبو أمامة: "ففعلت ذلك" أي لازمت هذا الدعاء صباحًا ومساء، "فأذهب الله همي وقضى ديني عني".
قال في الإصابة: ظاهر سياق أول الحديث أنه من حديث أبي سعيد، وآخره أنه من رواية أبي أمامة، هذا وقد أخل المزي بترجمته في التهذيب والأطراف، وأغفله أبو أحمد الحاكم في الكنى. انتهى.
ولا مخالفة، والحديث إنما هو من رواية أبي سعيد، وقول الأنصاري: قلت: بلى يا رسول الله، ما نقل أبي سعيد عنه بتقدير قال: قلت كما صرح بلفظ قال: ففعلت، ولذا أغفله المزي في كتابيه؛ لأنه لم يرو الحديث، إنما الراوي أبو سعيد، "وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزودوجان" أي متشاكلان، "فالهم والحزن أخوان" إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم، أو من ماض أحدث الحزن، "والعجز والكسل أخوان" لأن التخلف عن أسباب الخير، إن كان لعدم قدرة فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، "والجبن والبخل أخوان" لأن عدم النفع، إن كان بالبدن فالجبن، أو بالمال فالبخل، "وضلع الدين""بفتح المعجمة واللام" أي ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، حيث لا يجد وفاء، لا سيماء مع المطالبة، "وقهر الرجال أخوان" فإن استيلاء الغير إن كان بحق فضلع الدين، أو بباطل فقهر الرجال، "فحصلت الاستعاذة من كل شر" وهذا قالوه في حديث البخاري وغيره، عن أنس رضي الله عنه: كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال"، فأتى به المصنف وإن كان لفظ حديثه وغلبة الدين؛ لأنه بمعنى ضلع لدين.
قال بعض العارفين: يجب التدقيق في فهم كلام النبوة ومعرفة ما انطوى تحته من الأسرار، ولا يقف مع الظاهر، فالمحقق ينظر ما سبب حصول القهر من الرجال، فيجده الحجاب عن شهود كونه سبحانه هو المحرك لهم حتى قهروه، فيرجع إلى ربه، فيكفيه قهرهم، والواقف مع الظاهر لا يشهده من الحق، بل من الخلق، فلا يزال في قهر، ولو أن شهد الفعل من الله، لزال القهر ورضي بحكم الله، فما وقعت الاستعاذة إلا من سبب القهر الذي هو الحجاب.
وفي سنن أبي داود -أيضًا- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول
"وفي سنن أبي داود أيضًا" والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، "عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار" أي داوم عليه، وفي رواية أحمد والحاكم: من أكثر من الاستغفار "جعل الله له من كل هم فرجًا""بفتح الفاء والراء والجيم"، أي كشفًا وخلوصًا منه، "ومن كل ضيق مخرجًا" من ذلك الضيق، "ورزقه من حيث لا يحتسب" يخطر بباله، مقتبس من قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3] ، لأن من داوم الاستغفار وقام بحقه، كان متيقنًا وناظرًا إلى قوله تقدس:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10، 11] .
قال الحكيم الترمذي: أشار بالإكثار إلى أن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة، والعذاب عذابان: أدنى وأكبر، فالأدنى عذاب الذنوب، فإذا كان الإنسان متيقظًا على نفسه، فكلما أذنب أو عاب تبعهما استغفارًا، لم يبق في وبالهما وعذابهما، وإذا لها عن الاستغفار تراكمت ذنوبه، فجاءت الهموم والضيق والعسر والعناء والتعب، فهذا عذابه الأدنى، وفي الآخرة عذاب النار؛ وإذا استغفر تنصل من الهم، فصار له من الهموم فرج، ومن الضيق مخرج، ورزقه من حيث لا يحتسب، "وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق؛ لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة" على "أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب" نحو: الغل والحسد والكبر واحتقار الناس، "وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار" لا ينجع فيها غيرهما.
"وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله" ولا حد للإكثار، وحد بعضهم أقله بثلاثمائة.
"وثبت في الصحيحين: أنها كنز من كنوز الجنة" ففيهما كالسنن الأربع عن
ولا قوة إلا بالله. وثبت في الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة، وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة، وفي بضع الآثار: أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله.
وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا".
أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة".
قال الكرماني: أي كالكنز في كونه نفيسًا مدخرًا، مكنونًا عن أعين الناس، وقال الطيبي: هذا التركيب ليس باستعارة لذكر المشبه، وهو الحوقلة، والمشبه به وهو الكنز، ولا التشبيه العرفي، لبيان الكنز بقوله: من كنوز الجنة، بل هو من إدخال الشيء في جنس، وجعله أحد أنواع على التغليب، فالكنز إذًا نوعان: المتعارف وهو المال الكثير، يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، والثاني غير المتعارف، وهو هذه الكلمة الجامعة، المكتنزة بالمعاني الإلهية، لما أنها محتوية على التوحيد الخفي؛ لأنه إذا نفيت الحيلة والاستطاعة عما من شأنه ذلك، وأثبت لله على سبيل الحصر بإيجاده واستعانته وتوفيقه، لم يخرج شيء من ملكه وملكوته.
"وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة" أي أن المكثر لها له باب، أحد أبوابها الثمانية يدعى للدخول منه.
"وفي بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء، ولا يصعد إلا بـ"لا حول ولا قوة إلا بالله" أي بقولها.
"ورو الطبراني" وابن صصرى في أماليه "من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما كربني أمر" "بفتح الكاف والراء" أي شق علي "إلا تمثل لي جبريل" أي جاءني بصورته المثالية، "فقال: يا محمد قل: توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك" أي الألوهية، "ولم يكن له ولي من" أجل "الذل" أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر، "وكبره تكبيرًا" عظمه عظمة تامة من اتخاذ الولد والشريك والذل، وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك، للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته.
روى أحمد عن معاذ الجهني: مرفوعًا: "آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا
…
" إلخ السورة، أمره جبريل أن يثق بالله ويسند أمره إليه في استكفاء ما ينوبه مع التمسك بقاعدة التوكل،
وفي كتاب ابن السني من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله عز وجل".
وعنده -أيضًا- من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} "[الأنبياء: 87] .
وعرفه؛ أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل عليه وحده، ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين يموتون.
وعن بعض السلف: أنه قال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، ذكره الزمخشري.
"وفي كتاب ابن السني""بضم السين وشد النون" الحافظ أبي بكر، أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري، صاحب التصانيف "من حديث أبي قتادة" الحارث، ويقال: عمرو أو النعمان بن ربعي "بكسر الراء وسكون الموحدة فمهملة" الأنصاري، السلمي، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يح شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر.
"عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة" لله ما في السماوات إلى آخرها "عند الكرب أغاثه الله عز وجل" أي فرج كربه وأزاله، "وعنده" أي ابن السني "أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه" كربه، قدم على الإخبار بها حثًّا عليها وتنويها بنفعها، ليلقى البال لها "كلمة أخي يونس" بن متى، {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، {أَنْ} أي بأن {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} أي أنت القادر على حفظ الإنسان حيًّا في بطن الحوت، ولا قدرة لغيرك على ذلك، ثم أردفه بقوله:{سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} في ذهابي من بين قومي بلا إذن، تصريحًا بالعجز والإنكسار وإظهارًا للذلة والافتقار.
قال الحسن: ما نجا إلا بإقراره على نفسه بالظلم، وإنما قبل منه ولم يتقبل من فرعون حين قال: لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل؛ لأن يونس ذكرها في الحضور والشهود، وفرعون ذكرها في الغيبة تقليدًا لبني إسرائيل، ذكره الإمام الرازي، ثم المنادى به، لا إله إلا أنت
…
إلخ، وما قبله إخبار عن صفة ما كان يقوله يونس وقتًا وصفة، فنبه صلى الله عليه وسلم بذكر الآية بتمامها على بيان صفته التي كان عليها وقت الدعاء من التضرع والتذلل، وإن وقته كان شديد العظم كربه، وهذا قد رواه الترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا، عن سعد بن أبي وقاص، رفعه:"ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا، دعا به ربه ففرج عنه"، قالوا: بلى قال: "دعاء ذي
وعند الترمذي: لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له.
وروى الديملي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد -يعني الصادق- قال: حدثني أبي عن جدي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء: "اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا، ويا ذات النعمة التي لا تحصى
النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
"وعند الترمذي" أيضًا والنسائي والحاكم، عن سعد مرفوعًا:"دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، "لم يدع بها رجل مسلم" بنية صادقة صالحة "في شيء قط إلا استجيب له" وفي رواية: إلا استجاب الله له، أي لأنها لما كانت مسبوقة بالعجز والانكسار ملحوقة بهما، صارت مقبولة: أم من يجيب المضطر إذا دعاه، فإن قيل: هذ ذكر لا دعاء، أجيب؛ بأنه ذكر يفتتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء، أو هو كما ورد: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، كما مر.
"وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد، يعني الصادق" لصدقه في مقاله من سادات آل البيت، "قال: حدثني أبي" محمد الباقر، "عن جدي" علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلًا؛ لأن جده تابعي؛ "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه" "بفتح الحاء المهملة والزاي والموحدة" أي هجم عليه، أو غلبه "أمر" هم، أو غم، "دعا بهذا الدعاء: "اللهم احرسني""بضم الراء" احفظني "بعينك التي لا تنام واكنفني" أي استرني "بركنك الذي لا يرام" لا يقدر على طلبه، "وارحمني بقدرتك علي" لأن ذلك شأن الكرم الرحمة مع القدرة، "فـ" بسبب ذلك "لا أهلك، وأنت رجائي" أي مرجوي في جميع أموري، "فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري" أي قيامي بواجبها من الطاعات، "وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري، فلم يحرمني""بفتح أوله وضمه وكسر الراء" أي يمنعني من نعمه من حرم، كضرب وأحرم، "ويا من قل عند بليته صبري، فلم يخذلني""بضم الذال" يترك نصرتي، "ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني""بفتح الياء والضاد"، يكشف مساوئ، فأفتضح، وهذا من مزيد تواضعه صلى الله عليه وسلم واستغراقه في شهود الجلال، وإلا فمن يشكر ومن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو، وأي
عددًا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وبك أدرأ في نحور الأعداء والجبارين، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته علي، يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية -وفي رواية وأسألك تمام العافية وأسألك دوام العافية: وأسألك الشكر على العافية - وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
خطيئة له فضلًا عن خطايا، وهو أيضًا من باب التعليم لأمته "يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا" بل هو دائم، "ويا ذا النعمة التي لا تحصى عددًا".
وفي نسخة: النعماء، والأولى أنسب؛ لأنها التي يتعلق بها العد، وأما النعماء، فصفة له تعالى بمعنى الأنعام، لا يتعلق بها العد؛ لأن الصفة لا تعدد فيها ولا تكثر، "أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وبك أدرأ""بفتح الهمزة وسكون الدال وبالراء" أدفع "في نحور الأعداء والجبارين" العتاة المتكبرين، "اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه" من الأفعال لتي لا استحضرها، أو من الأهل والمال.
وفي نسخة: فيما غبت عني، بالتثقيل وفتح تاء الخطاب، والمعنى واحد، "ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته""بحاء مهملة وظاء معجمة، أي منعته""علي" بل إلى توفيقك لئلا أوقع فيما حظرته، " يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك" وصوله إلي، وهو عفوك.
وفي نسخة: ما لا ينفعك، والمعنى عليهما: هب لي ما لا ينقص شيئًا من قدرك، ولا ينفعك شيء منه، لو لم توصله لي، "واغفر لي ما لا يضرك" وهو الذنوب، "إنك أنت الوهاب" كثير النعم، دائم العطاء: صيغة مبالغة من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق، ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء، "أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلًا" لا جزع فيه، "ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية""مصدر جاء على فاعله، كناشئة الليل بمعنى نشوء الليل".
"وفي رواية: "وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية" أي السلامة من الأسقام، "وأسألك الشكر على العافية" أعادها مظهرة؛ لأن مقام الدعاء يطلب فيه البسط؛ لأنه مقام خطاب وخضوع، "وأسألك الغنى" "بكسر الغين والقصر" "عن الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفي كما مر.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الفقر} :
عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن الدنيا أدبرت عني وتولت قال له: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبه يزرقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة تأتيك الدنيا
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الفقر:
أي مداواته قولًا أو فعلًا، بأن يفعل ما هو سبب للشفاء أو يأمر به، ومثله يقال في نظائره، والإضافة في داء الفقر بيانية، "عن ابن عمر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن الدنيا أدبرت عني" بعد الغنى، ويحتمل أنه فقير من أول أمره، والأول أولى لاحتياج الثاني لتأويل أدبرت، بمعنى: لم تأتني، وبعده لا يخفى، لا سيما مع قوله: "وتولت" إذ حقيقة الإدبار والتولي إنما يكون بعد المجيء.
وفي رواية المستغفري: قلت ذات يدي، "قال له:"فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبه" أي التسبيح "يرزقون""استفهام" أي كيف يغيب عنك علم ذلك، والقصد من الاستفهام حثه على قول ذلك ليأتيه الغنى، وعبر من الملائكة بالصلاة التي أريد بها مطلق الثناء، لجزمهم باتصافه تعالى بجميع صفات الكمال، وليس أحد منهم يصفه بخلاف ذلك، مع اعترافهم بأنهم ما عبدوه حق عبادته، وفي الخلائق بالتسبيح؛ لأنهم من حيث هم بقطع النظر عن المؤمنين ينسبون إليه ما لا يليق به، كالشريك، فناسب التعبير بالتسبيح الذي هو التنزيه عما لا يليق، "قل عند طلوع الفجر" وفي رواية المستغفري ما بين الفجر إلى أن تصلي الصبح، وهي مفسرة للعندية، فالحديث واحد:"سبحان الله" أي تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، "وبحمده""الواو للحال" أي أسبحه ملتبسًا بحمدي له، أو عاطفة، أي أسبحه وأثني عليه بحمده، أو الحمد مضاف للفاعل، والمراد لازمه، أي ما يوجبه من التوفيق، وعلى العطف، فهي جملة أخرى، والتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وقدم التسبيح؛ لأنه من التخلي بمعجمة على التوحيد؛ لأنه من التحلي "بمهملة""سبحان الله العظيم" كرر هذه تأكيدًا، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة نحو: سبحان وسبح بلفظ الأمر، وسبح بلفظ الماضي، ويسبح بلفظ المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقول بخلاف الكمالات، فإنها تقصر عن إدراك حقائقها.
قال بعض المحققين: حقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السنة، كما في العالم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، فأما علمه، فلا سبيل إليه، قاله الحافظ "استغفر الله".
صاغرة"، فولى الرجل فمكث ثم عاد فقال: يا رسول الله لقد أقبلت علي الدنيا فما أدري أين أضعها. رواه الخطيب في رواية مالك.
قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] أي بطيب عيش وسعة رزق إلى أجل مسمى هو الموت، ويؤت كل ذي فضل، أي عمل فضله، أي جزاءه في الآخرة "مائة مرة تأتيك" كذا في جميع النسخ "بالياء" على أنه جواب إذا مقدره، وهي غير جازمة، أي فإنك إذا فعلت ذلك تأتيك، وإلا فالواجب حذفها؛ لأنها في جواب الأمر، أو يقال هو لم يقصد به الجزاء "الدنيا صاغرة" ليلة حقيرة، والمراد بسهولة بلا تعب ولا مشقة.
زاد في رواية المستغفري: راغمة، "فولى الرجل، فمكث" مدة "ثم عاد، فقال: يا رسول الله لقد أقبلت علي الدنيا" بكثرة، "فما أدري أين أضعها" من كثرتها، "رواه الخطيب" أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، الحافظ "في رواة مالك" أي في كتابه المؤلف فيمن روي عن مالك الإمام، فبلغ بهم ألفًا إلا سبعة رووا عن مالك وزاد عليه غيره كثيرًا، وكذا رواه المستغفري.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الحريق] :
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الحريق:
روى ابن السني وابن عدي وابن عساكر من طريق ابن لهيعة، والطبراني في الدعاء من طريق عبد الرحمن بن الحارث، كلاهما "عن عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، السهمي، صدوق، مات سنة ثمان عشرة ومائة، "عن أبيه" شعيب، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله، فالضمير في "عن جده" لشعيب، وإن عاد على عمرو ابنه حمل على جده الأعلى الصحابي، فالحديث متصل، وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقًا إذا صح السند إليه.
قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث حملًا للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد، والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: ما تركه أحد منهم وثبتوه، فمن الناس بعدهم، وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله مردود، فقد صح سماع شعيب بعدهم، وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله مردود، فقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد، وكما رواه الدارقطني
الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه".
فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير، أجاب صاحب زاد المعاد: بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان إعانة عليه
والبيهقي في السنن بإسناد صحيح.
وذكر بعضهم: أن محمدًا مات في حياة أبيه، وإن أباه كفل شعيبًا ورباه، وقيل: لا يحتج به مطلقًا، وقيل: إن أفصح بأن جده عبد الله قبل وإلا فلا، وقيل: إن استوعب ذكر آبائه بالرواية عنهم صريحًا قبل، وإلا فلا. انتهى ملخصًا من شرح زين الحفاظ على ألفيته التي اقتصر فيها على الأصح بقوله:
والأكثر احتجوا بعمرو حملًا
…
له على الجد الكبير الأعلى
"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الحريق فكبروا" أي قولوا: الله أكبر، وكرروا كثيرًا، وينبغي الجهر به مخلصًا لله، ممتثلًا لأمر رسوله، متسحضرًا ما لله من عظيم القدرة، "فإن التكبير يطفئه" "بضم الياء"، إذا صدر عن كمال إخلاص وقوة يقين، وتخصيصه للإيذان بأن من هو أكبر من كل شيء حري بأن يقهر النار ويطفئها.
قال النووي: ويسن أن يدعو معه بدعاء الكرب، وفي تفسير لطبري: إذا كتب أسماء أهل الكهف في شيء وألقي في النار أطفئت، وينبغي أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه يصرف عنه البلاء، وأن يقول ما قال إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وهذا الحديث رواه البيهقي من الوجه المذكور، بلفظ: استعينوا على إطفاء الحريق بالتكبير، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطبراني، بلفظ: اطفؤا الحريق بالتكبير، ومن حديث ابن عباس عند ابن عدي، بلفظ: إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإنه يطفئ النار، ومن حديث ابن عباس وجابر، بلفظ: إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح عظيمة، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلي العجاج الأسود، فانجبر بذلك ما فيه من ضعف ابن لهيعة، مع أنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن الحارث، كما علم.
"فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير" قلت: "أجاب صاحب زاد المعاد" في هدي خير العباد؛ "بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها" أي إنها أعظم الأجزاء التي خلق منها، إلا أنها متمحضة من النار، بل العناصر الأربعة مجتمعة فيه، لكن لما غلبت النار على بقية العناصر جعل مخلوقًا منها.
وفي البيضاوي: من نار السموم، ومن نار باعتبار الغالب، كذا قال شيخنا:"وكان فيه" أي الحريق، أي لهب النار "من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان
وتنفيذ له، وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدي الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يهلك بني دم، فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء الله تعالى تقمع الشيطان وفعله، فلهذا كان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار التي هي مادة الشيطان. وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى.
ولقد جربت ذلك بطيبة في سنة خمس وتسعين وثمانمائة فوجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور بحريق طيبة الواقع في ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة بالتكبير.
إعانة عليه" أي على وجود الحريق؛ بأن يتسبب في إيصال النار إلى نحو الحطب، فيحصل الحريق، "وتنفيذ له" أي جعله مؤثرًا فيما يصل إليه فيفسده، "وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدي الشيطان" أي صفته التي هو عليها، "وإليهما يدعو" الناس، "وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء الله تعالى تقمع" أي تذل "الشيطان وفعله" فتمنعه الفساد، "فلهذا" جواب: لما كان الحريق دخلته الفاء على القليل، ولو حذف، فلهذا، واقتصر على قوله: "كان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق" لكان أولى لاحتياجها لمقدر تدخل عليه تكون علة للجواب، مقدمة على معلولها، والأصل: فكان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق، لهذا "فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار" سكون لهبها، المؤدي إلى طفئها، "التي هي مادة الشيطان، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى" كلام ابن القيم.
"ولقد جربت ذلك بطيبة" لما احترقت "في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، فجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور" بيض "بحريق طيبة" أي وقت حريقها، أي حريق مسجدها فقط، ولم يصل إلى جوف الحجرة شيء من هدم هذا الحريق، "الواقع في" الثلث الأخير من ليلة "ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة" تلك الطيور "بالتكبير" كالذي يكفها عن بيوت الجيران، وذلك عبرة وموعظة أبرزها الله تعالى للإنذار، فخص بها حضرة النذير صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت؛ أن أعمال أمته تعرض عليه، فلما ساءت ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها، قاله الشريف السمهودي، وبسط القصة في تاريخه.
[ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به من داء الصرع] :
في الصحيحين أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال:"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك". فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف
ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يطب به:
بكسر الطاء وضمها، كما في القاموس، أي يداوي به "من داء الصرع" مرض يشبه الجنون، "في الصحيحين: إن امرأة" روى البخاري في الطب ومسلم في الأدب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟، قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء "أتت النبي صلى الله عليه وسلم" اسمها سعيرة "بمهملات مصغر" الأسدية، كما في تفسير ابن مردويه، وهو عند المستغفري في الصحابة، وأخرجه أبو موسى في الذيل.
قال المستغفري في كتابه: شعيرة "بالشين المعجمة والصحيح بالمهملة" قال في الإصابة: وذكرها ابن منده، وتبعه أبو نعيم "بالمعجمة والقاف" ويقال: بكاف بدل القاف، والصواب: أنها "بمهملتين".
وفي البخاري عن عطاء: أنه رأى أم زفر، تلك امرأة طويلة على ستر الكعبة "بكسر السين"، أي جالسة عليها معتمدة، ففي حديث ابن عباس عند البزار؛ أنها قالت إني أخاف الحب أن يجردني، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها.
وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات، عن الزبير بن بكار، عن سليمان بن عبد الله، عن شيخ من أهل مكة، قال: هي أم زفر ماشطة خديجة، العجوز التي قال صلى الله علي وسلم:"إنها كانت تغشانا زمن خديجة"، وكلام أبي عمر يقتضي أنهما واحدة، وقال أبو موسى: إنه محتمل، قال في الإصابة، وهو بعيد، والعلم عند الله، "فقالت: إني أصرع".
وفي رواية للطبراني والخطيب: إني امرأة أغلب على عقلي، "وإني أتكشف" "بفتح الفوقية والشين المعجمة المشددة" ولأبي ذر: أنكشف "بنون ساكنة بدل الفوقية، وكسر المعجمة مخففة، "فادع الله لي" أن يشفيني من ذلك الصرع، "قال: "إن شئت صبرت" على ذلك، "ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك" من ذلك الصرع.
وفي رواية المستغفري من وجه آخر، عن عطاء: إن ابن عباس قال له: ألا أريك أمرأة من أهل الجنة، فأراني حبشية عظيمة، فقال: هذه سعيرة الأسدية، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن بي هذه، تعني الريح، فادع الله أن يشفيني مما بي، فقال:"إن شئت دعوت الله يعافيك مما بك ويثبت لك حسناتك وسيئاتك، وإن شئت فاصبري ولك الجنة"، "فقالت: اصبر".
فدعا لها.
قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان، من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الردية، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء.
فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإنه
والجنة، كما زاده في رواية المستغفري، "قالت: فإني أتكشف" روي بالوجهين السابقين أيضًا، "فادع الله" زاد أبو ذر لي: "أن لا أنكشف" بالوجهين أيضًا، "فدعا لها" صلى الله عليه وسلم بعدم الكشف، وتجويز أنه دعا بزوال الصرع خلاف الواقع، ولعبد الرزاق عن الحسن؛ أنها كانت تخنق في المسجد، فجاء إخوتها النبي صلى الله عليه وسلم، فشكوا ذلك إليه، فقال: "إن شئتم دعوت الله فبرئت، وإن شئتم كانت كما هي، ولا حساب عليها في الآخرة"، فخيرها إخوتها، فقالت: دعوني كما أنا فتركوها؛ فإن صح هذا، فكأنهم لما أخبروها عنه، جاءت لتسأله بنفسها، وتسمعه وتسأله أن لا تنكشف، وإلا فما في الصحيحين أصح.
ووقع في رواية عن ابن عباس: وفي سعيرة نزلت، ولا تكونوا كالتي نفضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، كانت تجمع الصوف والشعر والليف، فتغزل كبة عظيمة، فإذا ثقلت عليها نقضتها، فقال الله: يا معشر قريش، لا تكونوا مثل سعيرة فتنقضوا أيمانكم بعد توكيدها، أخرجها ابن خزيمة قائلًا: أنا أبرأ إلى الله من عهدة هذا الإسناد.
"قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان من الأرواح الخبيثة الأرضية" يعني الشياطين، لاستحسان تلك الصورة الإنسية، أو المجرد إيقاع الأذية، "وصرع من اأخلاط الردية" بسبب انحباسها من شدة تعرض في بطون الدماغ ومجاري الأعصاب المحركة، فيمنع الأعضاء الرئيسة عن انفصالها منعًا غير تام، أو بخار رديء يسرع إليه منبعض الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبًا، بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة.
"والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء، فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة، فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه" بأن يكون صرعه خفيفًا له معه شعورًا، ويكون في ابتدائه قبل غيبوبته، أو بعد الإفاقة، لئلا يعود عليه، فلا يرد أنه لا يتأتى له ذلك مع قيام العارض به، "وصدق توجهه إلى فاطر" خالق "هذه الأرواح وبارئها""عطف مساوٍ" حسنه اختلاف اللفظ، "والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ" توافق "عليه القلب واللسان" بأن ينطق مع حضور القلب واعتقاد حقية ما يقوله بلسانه؛
هذا نوع المحاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بالأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم الله أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اخرج عدو الله أنا رسول الله". وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي ويأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين.
قال: ومن حدث له الصرع وله خمسة وعشرون سنة وخوصًا بسبب دماغي أنس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذه السن. قال:
"فإنه هذا" العلاج لدفع الصارع عنه "نوع المحاربة والمحارب، لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح، إلا بالأمرين؛ أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا" فإن فقدا أو أحدهما لم ينتصف "والثاني من جهة المعالج فيه بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا" أي صدق التوجه والتعوذ الصحيح، وحال المعالجين أنهم يجتهدون في علاجهم ويتفاوتون فيه، فيكون في بعضهم قوة وشدة، "حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه" فالغاية لمقدر دل عليه السياق، "أو يقول: بسم الله، أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله" هكذا في نسخ، بلفظ: يقول مضارعًا فيهما، أي إن بعض المعالجين يكتفي بقوله: اخرج لشدة قوته وتمكنه، وبعضهم يضم إليه ما يؤثر في الإزالة؛ بأن يقول: بسم الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: ونحوهما مما عهد استعماله لعلاج المصروع.
وفي نسخة: بموحدة، أي أن بعضهم يكتفي بقوله: اخرج، أو يكتفي بقول: بسم الله ونحوه، ولا يستعمل العزائم القوية التأثير لشدتها عليهم، "قال: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اخرج عدو الله""بالنصب نداء بحذف الأداة"، "أنا رسول الله"، وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي، ويأمر بكثرة قراءة المصروع" آية الكرسي، إذا كان أهلًا للقراءة، ليدفع عن نفسه، "و" يأمر "من يعالجه بها" أي بكثرة قراءتها، "وبقراءة المعوذتين" "بكسر الواو"، قل أعوذ برب الفلق وتاليها.
"قال" ابن القيم: "ومن حدث له الصرع وله خمس وعشرون سنة" أي بلغ ذلك السن، "وخصوصًا بسبب دماغي ليس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذا السن" أي بلوغ خمس وعشرين، "قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع
فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها صلى الله عليه وسلم بصبرها على هذا المرض بالجنة.
ولقد جربت الإقسام بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى مع قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى آخر سورة الفتح في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا.
ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف واستغثت به صلى الله عليه وسلم في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فوبخته وأقسم أن لا يعود إليها، فاستيقظت وما بها قلبه ومن ثم لم يعد إليها فلله الحمد.
وتنكشف، بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها صلى الله عليه وسلم بصبرها على هذا المرض بالجنة".
روى عبد الرزاق عن طاوس: كان صلى الله عليه وسلم يؤتى بالمجانين، فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة يقال لها أم ظفر، فضرب صدرها، لم تبرأ، ولم يخرج شيطانها، فقال صلى الله عليه وسلم:"هو بغيتها في الدنيا، ولها في الآخرة خير"، "ولقد جربت الإقسام بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى" في إزالة الصرع "مع" قراءة "قوله تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} [الفتح: 29] ، إلى آخر سورة الفتح، في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا" زال عنهما الصرع، "ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف" بطريق مكة بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر في سنة خمس وثمانين وثمانمائة، واستمر بها الصرع أيامًا، "واستغثت به صلى الله عليه وسلم في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فوبخته، وأقسم أن لا يعود إليها".
وفي المقصد الأخير: فأتاني آت في منامي ومعه الجني الصارع لها، فقال لقد أرسله لك النبي صلى الله عليه وسلم، فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، "فاستيقظت وما بها قلبه""بفتح القاف واللام والموحدة، أي وجع"، "ومن ثم" أي من هذا الوقت، "لم يعد إليها، فلله الحمد".
وفي المقصد الأخير: ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة في سنة أربع وتسعين.
[ذكر دوائه صلى الله عليه وسلم من داء السحر] :
قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعليمه وتعلمه فحرام، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر فاعله واستيب منه، ولا يقتل عندنا، وإن تاب قبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله.
والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرنا، وعندنا: ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق.
قال القاضي عياض: ويقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة
ذكر دوائه صلى الله عليه وسلم من داء السحر:
الدواء: "بالفتح والمد" ما يداوى به "ويكسر الدال اسم مصدر" والمراد هنا ما يشمل الأشياء التي يداوى بها والمداوة، فإنه صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يداوى به، وتداوى هو أيضًا لإزالة السحر، عنه "قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع".
وفي الصحيح مرفوعًا: "اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر"، "وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة" فليس السحر عندهم على المعتمد كفرًا بذاته، بل بما ضم إليه، "فإن كان فيه قول" مما يكفر به قائله، "أو فعل" كعبادة شمس ونحوها، "يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا" يكون كفرًا بمجرده، "وأما تعليمه وتعلمه فحرام" ولو قصد به دفع ضرورة السحر عن نفسه، أو عن غيره، أو معرفة حقائق الأشياء عند الأكثر لخوف الافتتان والإضرار، "وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر فاعله" فقط لفعله الحرام، ولا استتابة؛ لأنه لم يكفر، "واستتيب منه" إن كفر به، "ولا يقتل عندنا" أي الشافعية، "وإن تاب قبلت توبته" كالمرتد.
"وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب" أي لا تطلب منه التوبة، "و" إن تاب "لا تقبل توبته، بل يتحتم قتله" لأنه لا تعرف توبته حتى تقبل منه، "والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق""بزنة قنديل"، قيل: هو المنافق، والأكثر أنه الذي لا يتمسك بدين، وفي القاموس الزنديق "بالكسر" من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة ولا بالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، "لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا، وعندنا ليس بكافر".
قال الماوردي: مذهب الشافعي أنه لا يكفر بالسحر، ولا يجب به قتله، ويسأل عنه، فإن اعترف معه بما يوجب كفره كفر بمعتقده لا بسحره، وكذا لو اعتقد إباحته كفر باعتقاده لا بسرحه، فيقتل حينئذ بما أنضم إلى السحر لا بالسحر، "وعندنا تقبل توبة المنافئق والزنديق" وعند مالك لا.
"قال القاضي عياض: ويقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من
من الصحابة والتابعين.
قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبًا فعليه القصاص. وإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني.
قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى.
واختلف في السحر:
فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهو اختيار أبي جعفر الإستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية وطائفة.
الصحابة والتابعين، قال أصحابنا" الشافعية:"فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا" ذكر أو أنثى، "واعترف" حقيقة "أنه مات بسحره، وأنه يقتل غالبًا" وحكمًا، كقتله بنوع كذا، وشهد عدلان تابا؛ أنه يقتل غالبًا، فهذا عمد، "فعليه القصاص" حيث وجدت المكافأة، "وإن قال مات به، ولكنه قد يقتل، وقد لا يقتل، فلا قصاص، وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني، قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى".
قال شيخنا: قد يتصور بأن يتوب اثنان من السحرة، ويشهدا على الساحر؛ بأنهما شاهداه، يستعمل القسم الفلاني لقتل فلان، وهو يقتل غالبًا، أو بأن يقر بأنه قتل بالقسم الفلاني، فيشهدان عليه؛ بأن ذلك القسم يقتل غالبًا.
"واختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط" أي يخيل إلى المسحور أنه يفعل الشيء ولم يفعله، "ولا حقيقة له" وإليه ذهب المعتزلة، "وهو اختيار أبي جعفر الإستراباذي""بكسر الهمزة والفوقية وسكون السين المهملة وفتح الراء والموحدة فألف فمعجمة"، "من الشافعية" ذكره العبادي وبالغ في مدحه، وقال: لم أقف على تاريخ وفاته، "وأبي بكر" أحمد بن علي بن الحسين "الرازي" الإمام الحافظ، "من الحنفية" له تصانيف "وطائفة" كالبغوي، واحتجوا بقوله تعالى:{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]، قال المصنف: ولا حجة فيها، أي الآية؛ لأنها وردت في هذه القصة، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل.
قال النووي، والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون بأن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه، فالذي عليه الجمهور هو الأول.
قال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر؛ لأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى
"قال النووي والصحيح" وهو مذهب أهل السنة، "إن له حقيقة" ويكون بالقول والفعل، ويؤلم ويمرض ويقتل ويفرق بين الزوجين، "وبه قطع" أي جزم "الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب" كقوله: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه؛ إذ لو كان تخييلًا ما حصلت الفرقة به، "والسنة الصحيحة المشهورة" وهي كثيرة.
"قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع" بين الفريقين: "هل يقع بالسحر انقلاب عين" كجعل البشر جمادًا أو حمارًا، "أو لا" يقع ذلك، "فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون؛ بأن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة، بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا، وعكسه" الحيوان جمادًا، "فالذي عليه الجمهور هو الأول".
قال الدميري: والثاني: واضح البطلان؛ لأنه لو قدر على هذا القدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت.
"قال المازري" في شرح مسلم "جمهور العلماء على إثبات السحر" أي إن له حقيقة؛ لأن الله ذكره في القرآن العزيز، وأنه يتعلم، وأنه مما يكفر به ومما يفرق به بين المرء وزوجه، وفي الحديث أنه أشياء دفنت وأخرجت، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له، هذا كله في كلام المازري وعطف عليه قوله ولأن العقل، وفي غالب نسخ المصنف بحذفها تعليل لما اقتصر عليه من كلام المازري، وهو "لأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق" مضموم بعضه إلى بعض، تشبيهًا بلفق الثوب، "أو تركيب أجسام" كما وقع لسحرة فرعون، "أو مزج" أي خلط "بين قوى على ترتيب مخصوص" فيخلق الله عند
على ترتيب مخصوص. ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعًا.
وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره الله في قوله: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] ، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى.
قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، وإن قلنا إنها ظاهرة في ذلك.
ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة، أن السحر يكون بمعاناه أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا
ذلك التأثير، "ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء" مهرتهم، العارفين بغوامض الطب ودقائقه، "من مزج" خلط "بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده، فيصير بالتركيب نافعًا".
"وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره الله في قوله: يفرقون به بين المرء وزوجه" بأن يحدث الله عنده النشوز والاختلاف، وبغض كل منهما للآخر ابتلاء منه، "لكون المقام مقام تهويل" أي تفريع، "فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى" وهو لم يذكره.
"قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك" قيد بالعقل لأنه في مقام الرد على الموافقين على مقتضى العقل، فلا يرد عليه أنه وقع في الخارج ما يزيد على ذلك بكثير.
وقد حكى القرافي وغيره: أنه لم يبلغ أحد في السحر إلى الغاية التي وصل إليها القبط أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون، فإنهم وضعوا السحر على البرابي، وصوروا فيها صور عساكر الدنيا، فأي عسكر قصدهم أتوا إلى ذلك العسكر المصور، فما فعلوه به من قلع الأعين وقطع الأعضاء وقع نظيره للعسكر القاصد لهم، فتحامتهم العساكر، وأقاموا ستمائة سنة، والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجنوده.
"قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، وإن قلنا: إنها اهرة في ذلك" أي منع الزيادة، "ثم قال" المازري:"والفرق بين السحر" على قول الأشاعرة: إن به يقع خرق العادة، "والمعجزة" للنبي، "والكرامة" للولي "أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا اتفاقًا" بدون قصد.
اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي.
ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق، ونقل نحوه النووي في "زيادة الروضة" عن المتولي.
وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات، فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر.
وقال القرطبي: والسحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاتها، وأكثره تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم
"وأما المعجزة، فتمتاز عن الكرامة بالتحدي" لأن النبي يتحدى بها ويعجز بها الخلق، فتدل على صدقه، والولي والساحر لا يتحديان بها، ولا يعجزان بها الخلق، ولو تحديا بها لم تنخرق لهما العادة، وأيضًا يفرق بين الولي والساحر؛ بأنه يكون إخراقها له دليل فسقه وكفره، والولي لا يكون ذلك علمًا على ذلك فيه، هذا أيضًا كلام المازري.
"ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق" أي لا يظهر أثره، كذا قال شيخنا:"وإن الكرامة لا تظهر على يد فاسق" وإنما تقع على يد ولي عامل بالطاعات، مجتنب للمعاصي، فلو وقعت على يد فاسق، فقد تكون معونة من الله تعالى له واصطفاء بتوفيقه للمتوبة، وقد تكون استدراجًا والعياذ بالله تعالى.
"ونقل نحوه النووي في زيادة الروضة عن المتولي: وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة" عاملًا لما أمرت به، "متجنبًا للموبقات" أي المهلكات من المعاصي، "فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر" وهذا مفاد الإجماع المذكور.
"وقال القرطبي" في شرح مسلم: دل القرآن في غير ما آية، والسنة في غير ما حديث؛ على أن السحر موجود وله أثر في المسحور، فمن كذب بذلك، فهو كافر مكذب لله ولرسوله، ومنكر لما علم بالعيان، ثم إن منكره في السر زنديق، وفي الظاهر مرتد، كذا في القرطبي قبل قوله:"والسحر حيل صناعية، يتوصل إليها بالإكتساب، غير""نصب استثناء""أنها لدقتها" أي غموضها وخفاء معناها، "لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته" أي السحر "الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأقواتها" أي أزمانها التي تركب فيها، "وأكثره
عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116] ، مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالًا وعصيًّا.
وقال أبو بكر الرازي في "الأحكام" أخبر الله تعالى أن الذي ظنه موسى أنها تسعى لم يكن سعيًا حقيقيًّا، وإنما كان تخييلًا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة وقد ملئت زئبقًا، وكذلك الحبال كانت من آدم محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا وجعلوا لها آزاجًا وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى، ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى.
تخييلات بغير حقيقة" كعلم السيمياء، "وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون:{وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} .
في فنه روى أنهم ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا، كأنها حيات ملأت الوادي، وركب بعضها بعضًا، كما في البيضاوي، "مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالًا وعصيًا" بخلاف العصي، فإنها انقلبت حقيقتها خرقًا للعادة وإظهارًا للمعجزة، هذا بقية كلام القرطبي.
"وقال أبو بكر الرازي في الأحكام: أخبر الله تعالى: أن الذي ظنه موسى أنها تسعى" بقوله: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، "لم يكن" ما ظهر من سعيها "سعيًا حقيقيًّا، وإنما كان تخييلًا" سحروا أعين الناس واسترهبوهم، أي خوفوهم حيث صيروها حيات تسعى، "وذلك أن عصيهم كانت مجوفة، قد ملئت زئبقًا""بكسر الزاي والبناء، بينهما همزة ساكنة، ويجوز تخفيفها"، "وكذلك الحبال كانت من أدم" أي جلد "محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا" جمع سرب "بفتحتين" بيت في الأرض لا منفذ له، "وجعلوا له آزاجًا" جمع أزج "بفتح الألف والزاي وجيم" مثل سبب وأسباب: بيت بيني طولًا، كما في المصباح.
وفي القاموس: ضرب من الأبنية، ويجمع أيضًا على أزج "بضمتين" وأزجة كفيلة "وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي" جمع عصا، "صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى" تمشي، "ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى".
وفي البيضاوي: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، فلما
قال القرطبي: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض، وبإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا، أو عكسه، بسحر الساحر.
وقد ثبت في البخاري من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا ثم قال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟
ضربت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليها أنها تتحرك. انتهى.
ولا مخالفة لجواز أنهم ملئوا أجوافها بالزئبق، ولطخوها به من خارج أيضًا، ووضعوا الأسراب في محل الشمس، وصلوها نارًا زيادة في الإرهاب.
"قال القرطبي" عقب ما مر، عنه:"والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب، كالحب والبغض، وبإلقاء الخير والشر" والتفرقة بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، كما في القرطبي أيضًا، "و" تأثيرًا "في الأبدان بالألم والسقم" كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة، هكذا في القرطبي:"وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا: أو عكسه بسحر الساحر" كما مر بيانه.
"وقد ثبت في البخاري" ومسلم "من حديث عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر" بالبناء للمجهول" "حتى إن" "مخففة من الثقيلة، أي أنه" "كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما فعله".
وفي رواية لهما أيضًا: أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن، "حتى إذا كان ذات ليلة" من إضافة المسمى إلى الاسم، أو ذات مقحمة، "عند عائشة" لفظ البخاري: حتى إنه كان ذات يوم، أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، قال المصنف: بالشك من الراوي، والمستدرك منه هو قولها: وهو عندي، أي لكنه لم يكن مشتغلًا بي، بل بالدعاء، أو من قولها: كان يخيل إليه، أي أن السحر أثر في بدنه، لا في عقله وفهمه، بحيث إنه توجه إلى الله تعالى، ودعا على الوضع الصحيح والقانون المستقيم، قاله في الكواكب.
وفي رواية للبخاري أيضًا: حتى إذا كان ذات يوم بلا شك، بل بالجزم بيوم، فليس فيه رواية بالجزم بليلة، كما فعل المصنف "دعا ودعا" أي كرر الدعاء.
وفي رواية للبخاري أيضًا: دعا الله ودعاه، وفي مسلم: فدعا، ثم دعا، ثم دعا بالتكرير ثلاثًا، وهو المعهود من عادته، قال عياض: أي أظهر العجز والافتقار إلى الله، لعلمه أنه لا يكشف الضر إلا هو سبحانه، "ثم قال: يا عائشة "أشعرت" "بفتحات وبضم العين أيضًا، وكسر تاء
أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطه وجف طلع نحلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"،
الخطاب، "أي أعلمت "أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه" قال عياض: أي أجابني فيما دعوته، فسمى الدعاء استفتاء، والجواب فتيًا؛ لأن الداعي طالب، والمجيب مسعف، فاستعير أحدهما للآخر.
زاد غيره: أو المعنى أجابني عما سألته عنه؛ لأن دعاءه كان لأن يطلعه على حقيقة ما هو فيه لما اشتبه عليه من الأمر.
زواد في رواية: قلت: وما ذاك، قال:"أتاني رجلان" قال القرطبي: أي ملكان في صورة رجلين، وظاهره أنه في اليقظة، ويحتمل في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي. انتهى.
وقال المصنف في قوله: ما وجع الرجل إشعار بوقوع ذلك في المنام؛ إذ لو كان يقظة لخاطباه وسألاه.
وفي رواية الإسماعيلي: فانتبه من نومه ذات يوم، لكن في حديث ابن عباس، عند ابن سعد: فهبط عليه ملكان، وهو بين النائم واليقظان.
وفي رواية الطبراني: أتاني ملكان، وعند ابن سعد: بسند منقطع أنهما جبريل وميكائيل، "فقعد أحدهما عند رأسي" هو جبريل، كما جزم به الدمياطي، "والآخر" ميكائيل "عند رجلي""بشد التحتية مثنى"، "فقال: أحدهما" جبريل أو ميكائيل لصاحبه.
وفي رواية: فقال: الذي عند رأسي للآخر وعند الحميدي: فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: قال الحافظ وكأنها أصوب، "ما وجع الرجل" أي ما مرضه، "قال: مطبوب" أي مسحور، يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنى بالطب عن السحر، كما كنى بالسليم عن اللديغ.
قال ابن الأنباري: الطب من أسماء الأضداد، يقال للعلاج والسحر، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب، أي حاذق، سمي طبيبًا لفطنته، قال عياض:"قال من طبه" أي سحره.
"قال لبيد""بفتح اللام وكسر الموحدة""ابن الأعصم""بمهملتين" بوزن الأحمر، زاد في رواية للشيخين، اليهودي من بني زريق "بضم الزاي وفتح الراء وقاف"، وفي طبقات ابن سعد؛ أن متولي السحر أخوات لبيد، وكن أسحر منه وأنه هو الذي دفنه، "قال: في أي شيء" طبه، "قال: في مشط" "بكسر الميم وضمها وسكون ثانيه" ويجوز الضم، والجمع أمشاط: الآله التي يمشط بها.
وفي رواية القابسي: مشاط الحديد، وغلط قاله الحافظ، وفي القاموس: المشط مثلثة: آلة
فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة
يمتشط بها، وفي القرطبي:"بضم الميم" وأحد الأمشاط التي يمتشط بها، ويطلق على نبت صغير يقال له نبت الذئب، وعلى سلاميات ظهر القدم والعظم العريض من الكف، فيحتمل أن الذي كان فيه أحد الأربعة، "ومشاطة""بضم الميم وفتح المعجمة مخففة، فألف، فطاء مهملة" ما يخرج من الشعر عند التسريح، وللبيهقي من حديث ابن عباس من شعر رأسه، ومن أسنان مشطه، وفي رواية للبخاري: ومشاقة "بالقاف بدل الطاء" قال الحافظ: وهما بمعنى، وقيل: بالقاف ما يمشط من الكتان. انتهى.
وفي البخاري: يقال المشاطة، أي: بالطاء ما يخرج من الشعر إذا مشطوا لمشاقة، أي: بالقاف من مشاقة الكتان، "وجف طلع نخلة""بضم الجيم وشد الفاء" الغشاء الذي يكون على الظلع، ويطلق على الذكر والأنثى، فلذا قيده بقوله:"ذكر" بالتنوين، كنخلة، على أن لفظ ذكر صفة لجف، وللمستملي وجب بموحدة بدل الفاء بمعنى واحد.
وقال القرطبي: إنه بالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر، وللكشميهني: وجف "بالفاء" طلعة "بتاء تأنيث"، قاله المصنف.
"قال: وأين هو قال في بئر ذروان""بفتح المعجمة وسكون الراء" وفي رواية لهما: ذي أروان "بفتح الهمزة وسكون الراء" وصوبه أبو عبيد البكري والأصمعي.
قال المصنف: وكلاهما صحيح، وعلى الأول: هو من إضافة الشيء لنفسه، قيل: والأصل أوان، ثم لشدة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذروان "بمعجمة بدل الهمزة" وهي بئر كانت معروفة بالمدينة في بستان بني رزيق.
زاد في رواية: تحت راعوفة في بئر ذروان "براء فألف" في رواية الأكثر، ولبعضهم "بلا ألف فعين فواو ففاء" حجر يترك في البئر عند الحفر، ثابت لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي والناظر فيها، وقيل: في أسفل البئر، يجلس عليه الذي ينظفها، لا يمكن قلعه لصلابته؛ "فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه".
وعند ابن سعد عن ابن عباس: فبعث إلى علي وعمار، فأمرهما أن يأتيا البئر، وعنده أيضًا من مرسل عمر بن الحكم، فدعا جبير بن إياس الرزقي، وهو ممن شهد بدرًا فدله على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه، قال: ويقال إن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي.
قال الحافظ: ويجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنسب إليه؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم وجههم أولًا، ثم توجه فشاهدها بنفسه، "فجاء" صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع، "فقال:"يا عائشة كأن ماءها نقاعة""بضم النون وتخفيف القاف""الحناء""بكسر المهملة والمد" يعني أن ماء البئر أحمر،
الحناء، وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين"، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا"، فأمر بها فدفنت.
وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي رأيتها"، قالت عائشة: أفلا تنشرت؟ قال: "أما الله شفاني، وأكره أن أثير على الناس
كالذي ينقع فيه الحناء، أي أنه تغير لرداءته، أو لما خالطه مما ألقي فيه، "وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين" في التناهي في كراهتها وقبح منظرها.
ويحتمل أن يريد رءوس الحيات، فالعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا، وهي حية قبيحة المنظر هائلة جدًّا، "فقلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته، قال:"قد عافني الله" منه، "فكرهت أن أثور""بضم الهمزة وفتح المثلثة وكسر الواو مشددة""على الناس فيه".
وللكشميهني: منه "شرًّا" من تذكر المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك، فيؤذي المسلمين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. "فأمر بها" أي بالبئر "فدفنت" "بالبناء للمجهول"؛ "في رواية للبخاري أيضًا: فأتى" صلى الله عليه وسلم "البئر حتى استخرجه" فهذه معارضة للتي قبلها، ولرواية: أفلا أخرجته، قال: "لا"، قال المهلب: اختلف الرواة على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان بن عيينة، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أبو أسامة ولفظه، فقلت: يا رسول الله أفاخرجته؟، قال: "لا"، والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده: أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة وزيادة سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين، يعني بالمرة الأولى في قوله: قال: فاستخرج، فبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه صلى الله عليه وسلم عنها بدلًا عن الاستخراج، وقد يجمع بأن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان؛ فالمثبت هو استخراج الجف من البئر، والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلموا السحر. انتهى من فتح الباري.
"فقال" صلى الله عليه وسلم لعائشة: "هذه البئر التي رأيتها""براء فهمزة مفتوحتين"، وفي رواية:"أريتها""بضم الهمزة وكسر الراء" وحذف المصنف من هذه الرواية؛ فكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، قال: فاستخرج، وهو مبني للمجهول، وفاعل قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في المصنف، "قالت عائشة: أفلا تنشرت" أي فعلت النشرة وهي الرقية التي يعالج بها المريض، "قال: "أما الله شفاني" عبارة المصنف في شرحه: أما والله "بتخفيف الميم"، والله جربوا والقسم ولابن عساكر وأبوي ذر والوقت: أما والله، بالتشديد فقد شفاني. انتهى.
شرًّا".
وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل -بسند ضعيف- في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة.
وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليًّا وعمارًا لما
فما ساقه هنا لا يوافق رواية منهما، "وأكره أن أثير على الناس شرًّا" بتذكر السحر، وقد وقع في رواية لمسلم: أن عائشة قالت: أفلا أحرقته؟، قال القاضي عياض: كذا في جميع النسخ، قيل: صوابه أخرجته، كما في الرواية الأخرى؛ لأنه المناسب لقوله:"كرهت أن أثير على الناس شرًّا"، أي بإخراجه؛ لأنه إذا أخرج فقد يوقف على عقه فيتعلم، وكفى بذلك شرًّا، قال: وعندي إن أحرقته صواب، ولا يعترض بما تقدم؛ لأنها تعني بحرقها حين يخرجها، بل أحرقتها أظهر للذي أرادت من إتلاف عينه وإبطال عمله، وما يتوقع من شره مع بقائه لم يغير.
وقال القرطبي: عندي أن رواية أحرقته أولى، وتعني لبيدًا صانع السحر، فأجابها بأنه يثير شرًّا بين المسلمين واليهود لما كان لهم من العهد والذمة، فلو قتلته لثارت فتنة، وتحدث الناس: أن محمدًا يقتل من عاهد. انتهى، وهذا فيه بعد، وكلام عياض أظهر.
"وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل" النبوية "بسند ضعيف" لأن فيه الكلبي، عن أبي صالح، وهما ضعيفان، "في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه وجدوا وترًا""بفتح الواو والفوقية". "فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة" ولفظ البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مرض صلى الله عليه وسلم مرضًا شديدًا، فأتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه ما ترى قال: طب، قال: وما طب؟، قال: سحر، قال: من سحره؟، قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟، قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في ركية، فأتوا الركية فانزحوا ماءها وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الركية فاحرقوها، فلما أصبح صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر في نفر، فأتى الركية، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الركية وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق} [الفلق: 1] ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس} [الناس: 1] ، وفي سياقه نكارة ومخالفة لحديث الصحيحين ظاهرة.
"وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع، عن ابن عباس: أن عليًّا وعمارًا لما بعثهما
بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه.
وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه وأنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال النبي صلى الله عليه وسلم وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة.
وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد أن الأعصم، وكان حليفًا في بني رزيق، وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثًا دنانير.
النبي صلى الله عليه وسلم لاستخراج السحر، وجدا طلعة" لنخلة، "فيها إحدى عشرة عقدة، فذكر نحوه" من نزول السورتين وانحلال العقد بقراءتهما.
"وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه، وإنه وجد في الطلعة تمثالًا" بكسر الفوقية، أي صورة "من شمع" بفتح الميم، وتسكن الذي يستصبح به، "تمثال النبي صلى الله عليه وسلم" بالنصب بدل من تمثالًا، "وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين" بكسر الواو، "فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا" في بدنه، "ثم يجد بعدها راحة" وهذا كالذي قبله صريحة في أنه استخرج ما حواه الجف، فيتأكد الجمع المتقدم.
"وقد بين الواقدي" محمد بن عمر بن وافد "السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه" تلميذه محمد "بن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم" المدني، صدوق "مرسل" لأن عمر من أواسط التابعين، "قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق" بتقديم الزاي مصغر، "وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا" أعلمنا بالسحر، "وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا" ينكؤه، "ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه" بوزن يمنعه، "فجعلوا له ثلاثًا دنانير" فسحره.
ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: فأقام أربعين ليلة، وفي رواية وهيب عن هشام ستة أشهر.
ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعون يومًا من استحكامه.
وقال السهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث صلى الله عليه وسلم فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري: أنه لبث سنة. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا بالإسناد الصحيح فهو المعتمد.
وقال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويزها بعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أن جبريل يكلمه وليس هو ثَمَّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء.
ومر أن عند ابن سعد أن متولي السحر أخوات لبيد، وكن أسحر منه، وأنه هو الذي ألقاه في البئر.
"ووقع في رواية أبي ضمرة" بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض الليثي، والمدني "عند الإسماعيلي: فأقام أربعين ليلة".
"وفي رواية وهيب" بالتصغير ابن خالد بن عجلان البصري، "عن هشام" بن عروة، راوي حديث الباب، عن أبيه، عن عائشة: أقام "ستة أشهر" في السحر، "ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعون يومًا من استحكامه" إتقانه وشدته.
"وقال السهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث صلى الله عليه وسلم فيها في السحر حتى ظفرت به" أي وجدته، وأصل معناه الفوز والفلاح "في جامع معمر عن الزهري" مرسلًا "إنه لبث سنة".
"قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا" عند أحمد والإسماعيلي "بالإسناد الصحيح، فهو المعتمد" إذ الموصول مع صحة إسناده مقدم على المرسل عند التعارض.
"وقال المازري" في شرح مسلم: "أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة" أي شرفها ورفعتها، "قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل" وهذه كلمة حق أريد بها باطل، "وزعموا أن تجويزها" أي فعلة السحر بهم، والأظهر تجويزه "بعدم" يبطل "الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أجبريل يكلمه، وليس هو، ثم" بفتح المثلثة وشد الميم، أي هناك موجودًا، "وأنه يوحى إليه، ولم يوح إليه
قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله عز وجل، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، انتهى.
وقال غيره: لا يلزم من أنه يظن أنه يفعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت ليقظة قلبه وسلامة ذهنه، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور، أنه يظهر
بشيء".
"قال المازري: وهذا كله مردود" وباطل، "لأن الدليل" وهو المعجزات، كما في كلام المازري "قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله عز وجل، وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل" لا يلتفت إليه؛ "وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة" بضم فسكون، أي معرض "لما يعرض للبشر، كالأمراض".
وقد صح أنه كان يوعك كما يوعك رجلان زيادة في أجره، "فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له" وعليه يحمل الحديث، فلا طعن فيه مع صحته باتفاق "مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. انتهى" ما نقله من المازري. وبقيته: وقد قال بعض الناس معنى الحديث أنه يخيل إليه أنه وطئ إحدى زوجاته ولم يطأ، وقد يخيل للإنسان في المنام مثل هذا، فلا يبعد أن يتخيله صلى الله عليه وسلم في اليقظة.
وقال بعض أصحابنا: يمكن أن يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة خياله، فتكون اعتقاداته كلها على السداد، فلا يبقى لاعتقاد الملحد طريق، وهذا هو معنى قوله:"وقال غيره لا يلزم من أنه يظن أنه يفعل الشيء ولم يكن فعله؛ أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر، يخطر ولا يثبت ليقظة قلبه وسلامة ذهنه، فلا يبقى على هذا للملحد حجة" فكان اللائق أن المصنف يقول: ونقل عن بعض أصحابه لإبهامه أن المازري لم يذكره، لا سيما مع فصله بلفظ. انتهى.
"وقال القاضي عياض" في الشفاء وفي شرح مسلم: ظهر لي ما هو أجلى وأبعد عن
له من نشاطه ومن سابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى "حتى كاد ينكر بصره" أي صار كالذي ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء تخيل أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام في خبر من الأخبار أنه قال قولًا فكان بخلاف ما أخبر.
قال بعضهم: وقد سلك النبي عليه الصلاة والسلام في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر به، واحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون
مطاعن الملحدة من نفس الحديث، ففي بعض طرقه سحره يهود حتى كاد ينكر بصره، وفي بعضها حبس عن عائشة سنة، وعند البيهقي عن ابن عباس: مرض صلى الله عليه وسلم وحبس عن النساء والطعام والشراب، فدلت هذه الطرق أن السحر إنما تسلط على ظاهر جسده، لا على عقله، فـ"يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور" في قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن "أنه يظهر له من نشاطه" أي طيب نفسه للعمل، كما في الأساس، "ومن سابق عادته" قبل السحر "الاقتدار""بالرفع فاعل يظهر أي قدرته""على الوطء، فإذا دنا" قرب "من المرأة فتر""بفاء ففوقية ضعف""عن ذلك" فلم ينهض له "كما هو شأن المعقود" الممنوع عن الجماع بالسحر وتسميه العامة المربوط وهذا جواب سؤال هو: إذا قلت: إن السحر لم يؤثر إلا في ظاهر بدنه، يرد عليك أن تخيل ما لم يقع واقعًا، يقتضي خللًا في الذهن والإدراك؛ وحاصل الجواب أنه لا يقتضيه كما كرره، "ويكون قوله في الرواية الأخرى" وهي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وعروة: سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوه في بئر، "حتى كاد" أي قارب "ينكر بصره" أي: ما أبصر، أو ينكر نفس رؤيته لتأثير السحر، "أي صار كالذي ينكر بصره" لا أنه أنكره حقيقة، "بحيث إنه إذا رأى الشيء تخيل أنه على غير صفته" للضعف الطارئ في بصره من السحر، "فإذا تأمله عرف حقيقته" لأن تميزه باق على حاله، لم يطرأ عليه شيء.
"ويؤيد جميع ما تقدم" من الأجوبة "أنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في خبر من الأخبار" المروية في قصة السحر "أنه قال قولًا، فكان بخلاف ما أخبر" إلى هنا كلام عياض بمعناه.
"قال بعضهم: وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة مسلكي التفويض" التسليم "وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم""عطف تفسير""لأمر ربه واحتسب الأجر"، عند الله "في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي" خاف "من تماديه أن يضعفه عن
عبادته جنح إلى التداوي. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه، يعني حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال.
وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والتوجه، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا كان غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، اتنهى ملخصًا.
ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه، وصدق توجهه إلى الله وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن
فنون"، أي أنواع "عبادته جنح إلى التداوي".
"فقد أخرج أبو عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور، الثقة الفاضل، المصنف، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين، "من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى" الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة من كبار التابعين، مات سنة ثلاث وثمانين، "قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه، يعني حين طب" أي سحر، "ثم جنح إلى الدعاء" فدعا ربه مرارًا، "وكل من المقامين" التفويض وتعاطي الأسباب "غاية في الكمال" فلذا سلكهما.
"وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة" بضم النون "مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والتوجه" إلى الله، "فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان" أي قوة "تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة" حتى قال الفخر الرازي: لا يظهر تأثير السحر إلا على فاسق، "ولهذا كان غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال؛ لأن الأرواح الخبيثة" يعني الشياطين "إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها".
"انتهى ملخصًا ويعكر عليه حديث الباب؛ وجواز السحر على النبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجهه إلى الله وملازمة ورده" من صلاة وذكر وتلاوة وغير ذلك؛ "ولكن يمكن
ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإن ما وقع به عليه الصلاة والسلام لبيان تجويز ذلك عليه.
وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فتدق بين حجرتين ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقلاقل، ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، وهو جيد للرجل إذا احتبس عن أهله.
وممن صرح بجواز النشرة، المزني عن الشافعي، وأبو جعفر الطبري وغيرهما.
الانفصال" أي التخلص والتباعد "عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب" كما يؤخذ من قوله غالب ما يؤثر؛ "إن ما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك عليه" ويمكن الانفصال أيضًا؛ بأنه إنما قال سلطان، أي قوة وشدة، والذي وقع له صلى الله عليه وسلم ليس بسلطانه؛ إذ لم يغير شيئًا من عقله، ولا نقص شيء من عبادته، مع أن الذي سحر به كان بالغًا في القوة، بحيث لو فعل مثله بغيره من ضعفاء القلوب، لاشتد مرضه وأقعد واختل عقله وترك العبادة؛ وكذا قول الرازي: لا يظهر تأثيره إلا على فاسق، أي كل الظهور المخل بالعقل.
"وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه" بن كامل اليماني، التابعي المشهور؛ "أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فتدق بين حجرتين، ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقلاقل" أي قل هو الله أحد والمعوذتان، "ثم يحسو" يملأ فمه "منه ثلاث حسيات"، يبتلعها، "ثم يغتسل به" أي بالباقي بعد الحسو، "فإنه يذهب عنه ما كان به" من السحر، "وهو جيد للرجل إذا احتبس" أي منع "عن" جماع "أهله، وممن صرح بجواز النشرة المزني" إسماعيل، "عن الشافعي" الإمام، "وأبو جعفر" محمد بن جرير "الطبري وغيرهما" كالشعبي ويحيى بن سعيد، وجاءت بها آثار، واستدل لجوازها يقول عائشة: أفلا تنشرت، فلم ينكر عيها، وإنما قال:"أما الله فقد شفاني".
وقال الحسن البصري: هي من السحر، وفي أبي داود عن جابر: النشرة من عمل الشيطان، وأجيب؛ بأن المراد بها التي كانت الجاهلية تعالج بها وتعتقد تأثيرها.
وقد نقل الطيبي عن بعضهم: أن النشرة نوع من الرقي والعلاج، يعالج بها من يظن أنه مس من الجن، وفي الحديث: لعل طبًا، أي سحرًا أصابه فنشره، أي رقاه بـ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق} [الفلق: 1] ، ويقال أيضًا: نشره إذا كتب له نشرة، قاله أبو عبد الله الأبي.
قال ابن الحاج في "المدخل": كان الشيخ أبو محمد المرجاني أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء، وأخبر رحمه الله أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها له في المنام، وقال: إنه مرة رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك في هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهي هذه:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ} [التوبة: 128]، إلى آخر السورة {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] ، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} [الحشر: 21] ، إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يكتب: اللهم أنت المحيي وأنت المميت، وأنت الخالق وأنت البارئ وأنت المبلي، وأنت الشافي، خلقتنا من ماء مهن، وجعلتنا في قرار مكين إلى قدر معلوم، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسني وصفاتك العلا، يا من بيده الابتلاء والمعافاة، والشفاء والدواء، أسألك بمعجزات نبيك محمد عليه الصلاة والسلام، وبركات خليلك إبراهيم وحرمة كليمك موسى عليه السلام، اللهم أشفه.
"قال ابن الحاج في المدخل: كان الشيخ أبو محمد المرجاني أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه، فيجدون على ذلك الشفاء" بإذن الله، "وأخبر رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها له في المنام، وقال" أيضًا؛ "أنه مرة رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك" استفهام تقرير لينبهه على عظم فائدتها وتلقيها بالقبول التام "في هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهي هذه {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم} أي منكم محمد صلى الله عليه وسلم، {عَزِيزٌ} شديد {عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي عنتكم ولقاؤكم المكروه، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أن تهتدوا {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ} شديد الرحمة {رَحِيمٌ} بهم يريد لهم الخير، إلى آخر السورة {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} مر أن هذه إحدى آيات الشفاء {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} ، إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين" أي وسورة المعوذتين، "ثم يكتب: اللهم أنت المحيي وأنت المميت، وأنت الخالق وأنت البارئ وأنت المبلي" بالأمراض ونحوها، "وأنت الشافي" منها "خلقتنا من ماء مهين" ضعيف، وهو المني، "وجعلتنا في قرار مكين" أي حريز، وهو الرحم "إلى قدر معلوم" وهو وقت الولادة، "اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى" تأنيث الأحسن، "وصفاتك العلا" المرتفعة عن جميع الصفات، "يا من بيده الابتلاء" الاختيار والامتحان بالأمراض "والمعافاة" منها، "والشفاء والدواء، أسألك بمعجزات نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وبركات خليلك إبراهيم وحرمة
كليمك موسى عليه السلام، اللهم اشفه" عافه مما به.
[ذكر رقية تنفع لكل شكوى} :
عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اشتكى منكم شيئًا فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطبيين أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله". رواه أبو داود في سننه.
ذكر رقية تنفع لكل شكوى:
أي مرض، "عن أبي الدرداء" عويمر الأنصاري، الصحابي الجليل، أول مشاهده أحد، مات في خلافه عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك، "قال: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول: "من اشتكى منكم شيئًا" أو اشتكاه أخ له، هكذا لفظ الحديث عند أبي داود، فسقط من المصنف أو نساخه واو للتنويع، "فليقل" بعد وضع يده على الوجع قياسًا على ما سبق:"ربنا" جوز شيخنا رفعه خبر مبتدأ، أي أنت ربنا، ونصبه منادى، أي: يا ربنا، والمتبادر على رفعه أنه مبتدأ خبره "الله" وصفته "الذي في السماء تقدس اسمك" أي تنزه، ويؤيد النصب كاف الخطاب في اسمك؛ إذ الأصل عدم الالتفات، وخص التنزيه بالسماء، لكون تمامه إنما هو فيها، وإن وجد منه في الأرض فليس كالسماوات، فإن سكانها ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وأما الأرض فأكثرها كفار وعبدة أوثان، لا يقدسون اسمه حق تقديسه، "أمرك في السماء والأرض" نافذ، "كما رحمتك في السماء" عامة في أهلها من الملائكة وغيرهم، "فاجعل رحمتك في الأرض" عامة، كالسماء.
وحكمة ذلك أن ظهور الرحمة في السماء، كالمحقق الظاهر لكل أحد، لسلامة أهلها من الذنوب والبلايا، فسأل أن يجعلها في الأرض بحفظ أهلها من الذنوب، وبمغفرة ما اقترفوه منها، "واغفر لنا حوبنا" بالضم، أي ذنبنا العظيم، وقرئ شاذًّا "بالفتح" مصدر حاب حوبًا، وقيل: الضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم، "وخطايانا أنت رب الطبيين" جمع طبيب، أي المداوين، وفي بعض النسخ: المطببين، أي الطالبين للطب، أي الدواء، لكن الذي رأيته في النسخ الصححية من غير المصنف هو الأول، "أنزل رحمة من عندك وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن الله"، رواه أبو داود في سننه" والنسائي. كما يأتي قريبًا.
[رقيته صلى الله عليه وسلم من الصداع] :
روى الحميدي في "الطب" عن يونس بن يعقوب عن عبد الله قال: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يتعوذ من الصداع "بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الكبير وأعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار". ورواه ابن السني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وأصاب أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ورم في رأسها، فوضع رسول الله عليه الصلاة والسلام يده على ذلك من فوق الثياب فقال:"بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله". صنع ذلك ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك، فقالت ذلك ثلاثة أيام. فذهب الورم.
رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقي.
رقيته صلى الله عليه وسلم من الصداع:
بزنة غراب وجع الرأس ويأتي للمصنف قريبًا بسط حقيقته، "روى الحميدي" أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الأزدي، صاحب الجمع بين الصحيحين "في الطب" النبوي، "عن يونس بن يعقوب" "عن عبد الله" "قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الصداع" فيقول "بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الكبير" عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول، أو معناه أكمل الموجودات وأشرفها، وعلى الوجهين هو من أسماء التنزيه، "وأعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار" "بفتح النون وفتح العين المهملة" فار منه الدم أو صوت لخروج الدم، كما في القامس، "ومن شر حر النار، ورواه ابن السني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما" فله طريقان، "وأصاب أسماء بنت أبي بكر" الصديق "رضي الله عنهما ورم في رأسها، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ذلك من فوق الثياب" لأنه لم تمس يده الشريفة يد امرأة غير حلائله، "فقال: "بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك" هذه المذكورة، ويحتمل دعوته إلى الإسلام والشرائع، فإنها أعظم منزلة عند الله، أي بدعوة نبيك العباد إليك التي حصل بها الهدى وتحمل بسببها المشاق، توسل إلى الله تعالى بتلك الحالة ليكون أنجع في الإجابة، كما في قصة أصحاب الكهف "الطيب" بوزن سيد أي الطاهر أو الزكي لأنه لا أطيب منه "المبارك" العظيم البركة وهي لفظ جامع لأنواع الخير "المكين""فعيل من المكانة"، أي ذي الرفعة والشرف "عندك" ومن ذلك أن قرنت ذكره بذكرك، "بسم الله" صنع ذلك" المذكور من وضع اليد والقول "ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك فقالت ذلك" الدعاء "ثلاثة أيام" في كل يوم ثلاث مرات، "فذهب الورم، رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقي".
[رقيته صلى الله عليه وسلم من وجع الضرس] :
روى البيهقي أن عبد الله بن رواحة شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجع ضرسه، فوضع عليه الصلاة والسلام يده على خده الذي فيه الوجع وقال:"اللهم أذهب عنه سوء ما يجده وفحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك"، سبع مرات، فشفاه الله قبل أن يبرح.
وروى الحميدي أن فاطمة رضي الله عنها أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام تشكو ما تلقى من ضربان الضرس، فأدخل سبابته اليمني فوضعها على السن الذي تألم، فقال:"بسم الله وبالله، أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شيء، فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك وكلمتك، أن تشفي ما بفاطمة بنت خديجة من الضر كله"، فسكن ما بها.
رقيته صلى الله عليه وسلم من وجع الضرس:
بالكسر: السن مذكر ما دام له هذا الاسم، فإن قيل فيه: سن، فؤنث، فالتذكير والتأنيث باعتبار لفظين وتذكير الأسماء وتأنيثها سماعي، كما في المصباح وغيره.
"روى البيهقي أن عبد الله بن رواحة" الخزرجي، البدري، الأمير الشهيد بمؤتة "شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجع ضرسه، فوضع عليه الصلاة والسلام يده على خده الذي فيه الوجع وقال: "اللهم أذهب عنه سوء ما يجده وفحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك"، سبع مرات، فشفاه الله قبل أن يبرح"، أي يزول من مكانه.
"وروى الحميدي أن فاطمة رضي الله عنها أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام تشكو ما تلقى من ضربان الضرس"، أي شدة وجعه، "فأدخل سبابته اليمنى، فوضع يده على السن الذي تألمه"، أي يقوم بها الألم، وهو الوجع، وعبر بالذي نظر الآن المحدث عنه الضرس، وهو مذكر، وإلا فالأولى التي؛ لأن السن مؤنثة سماعا، "فقال:"بسم الله وبالله، أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شيء"، ومن ذلك وجود عيسى من غير أب، " فإن مريم لم تلد غير عيسى"، فهو تعليل لمقدر "من روحك" أضافه إليه تعالى تشريفا له "وكلمتك"، أي قول كن، ولم يقل ولدت عيسى من روحك، لئلا يوهم انها ولدت غير عيسى من غير روحه، "أن تشفي ما بفاطمة بنت خديجة" لم يقل بنتي؛ لأنه مقام تضرع وانكسار، فنسبها إلى أمها كأنها أجنبية منه، ليكون
ومن الغريب: ما شاع وذاع عن شيخنا المحب الطبري إمام مقام الخليل بمكة، ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، ويسأل عن اسمه واسم أمه وعن المدة التي يريد المألون أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين مثلًا بالوتر، قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا يألمه، كما أشيع ذلك واشتهر.
ومما جرب أن يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم. {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23]، وإن شاءت كتب {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 13] .
الدعاء أنجع "من الضر كله، فسكن ما بها" ومناسبة ذكر مريم دون غيرها من النساء ما بينها وبين فاطمة من الفضل، فكأنه قال: كما أكرمت مريم بتلك العجيبة أكرم فاطمة بذهاب وجعها.
"ومن الغريب ما شاع وذاع عن شيخنا المحب" قاضي القضاة محمد بن الإمام رضي الدين "الطبري" المكي، المتوفى آخر ليلة الأربعاء، ثامن عشر صفر، سنة أربع وتسعين وثمانمائة بمكة، كما في شرح المصنف للبخاري، وليس هو المحب الطبري، الحافظ أحمد المشهور؛ لأنه متقدم على المصنف بزمان، مات سنة أربع وتسعين وستمائة، "إمام مقام الخليل بمكة".
وفي شرحه البخاري إمام الحرم، الشريف المكي: وما هنا أخص، "ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجود ضرسه، ويسأل عن اسمه واسم أمه، وعن المدة التي يريد المألوم أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين، مثلًا بالوتر قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا يألمه، كما أشيع ذلك واشتهر" بمكة، ولم يبين أكان يقرأ أو يقول شيئًا مع وضع يده، أو بمجرد وضعه يذهب الله تعالى الألم كرامة له.
"ومما جرب أن يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم} خلقكم {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} القلوب {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون} ما مزيدة، والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدًّا على هذه النعم، "وإن شاءت كتب" مع هذه الآية أو بدونها {وَلَهُ مَا سَكَن} أي حل {فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَار} أي كل شيء فهو ربه وخالقه ومالكه، {وَهُوَ السَّمِيع} لما يقال، {الْعَلِيم} بما يفعل.
[رقية لعسر البول] :
روى النسائي عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أباه احتبس بوله، فأصابه حصاة البول، فعلمه أبو الدرداء رقية سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام:"ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن الله" أمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرأ. وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي داود.
رقية لعسر البول:
أي احتباسه، "روى النسائي عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أباه احتبس بوله" امتنع من الخروج، "فأصابه حصاة البول، فعلمه أبو الدرداء رقية سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم" أنه قال: "من اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخ له، فليقل": "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك" تنزه عما لا يليق بعلي كما لك، "أمرك" نافذ "في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا ذنوبنا" الكبائر.
وفي الرواية السابقة: حوبنا "وخطايانا" الصغائر، "أنت رب المتطببين" "بموحدتين: جمع متطبب، وهو الطالب للدواء"، "فأنزل شفاء من شفائك ورحمة من رحمتك على هذا الوجع، فيبرأ بإذن الله"، وأمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرأ، وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي داود" أي روايته عن أبي الدرداء مرفوعًا بدون قصة الرجل.
[رقية الحمى] :
عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة وهي موعوكة، وهي تسب الحمى، فقال:"لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن لو شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك"، قالت: فعلمني، قال: قولي: "اللهم جلدي الرقيق وعظمي الدقيق
رقية الحمى:
"عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وهي موعوكة" أي قام بها الوعك وهو الحمى، "وهي تسب الحمى، فقال: "لا تسبيها، فإنها مأمورة" من الله تعالى بالقيام بك، فلا ذنب لها، "ولكن لو شئت علمتك كلمات، إذا قلتهن" هكذا في نسخ متعددة صحيحة "بتاء فوقية تليها هاء" وفي بعض النسخ: قلتيهن بزيادة تحتية بين التاء التي هي الفاعل، والهاء التي هي المفعول، إما للإشباع، أو لغة ردية، ولا يصح أن تكون التاء للتأنيث والياء هي الفاعل؛ لأن ياء الفاعل لا تكون مع الماضي، "أذهبها الله عنك"، قالت: فعلمني، قال: "قولي اللهم
من شدة الحريق، يا أم ملدم، إن كانت آمنت بالله العظيم فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع الله إلهًا آخر" قال فقالتها فذهبت عنها، رواه البيهقي.
وقد جرب ذلك -كما رأيته بخط شيخنا- ولفظه: اللهم ارحم عظمي الدقيق وجلدي الرقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم ولا تفوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلهًا آخر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
ويكتب للحمى المثلثة -مما ذكره صاحب الهدي- على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرت، بسم الله مرت. بسم الله قلت، ويأخذ كل يوم ورقة
جلدي الرقيق" أي ارحمه، "وعظمي الدقيق" "بالدال"، أي ليس بغليظ "من شدة الحريق"، أي لهب الحمى، "يا أم ملدم" "بكسر الميم وإسكان اللام، فدال مهملة مفتوحة فميم".
قال في النهاية: كنية الحمى، والميم الأولى زائدة، وألدمت عليه الحمى أي دامت، وبعضهم يقولها بالذال بالمعجمة:"إن كنت آمنت بالله العظيم، فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع الله إلهًا آخر" فيه جواز الدعاء على المشركين بالأمراض.
"قال" أنس: "فقالتها" أي هذه الكلمات، "فذهبت عنها، رواه البيهقي، وقد جرب ذلك" فليس تأثير هذا الدعاء خاصًّا بعائشة، "كما رأيته بخط شيخنا" بمخالفة قليلة في اللفظ، "ولفظه: اللهم ارحم عظمي الدقيق" "بالدال" "وجلدي الرقيق" "بالراء، وكل منهما معناه خلاف الغليظ" "وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر" "يوم القيامة" "فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، ولا تغوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلهًا آخر" لعله يرتدع فيوحد الله، "فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله".
"ويكتب للحمى المثلثة" التي تلازم ثلاثة أيام، ثم تقلع، ثم تأتي كذلك ثلاثًا "مما ذكره صاحب الهدي" ابن القيم فيه "على ثلاث ورقات لطاف" أي صغار:"بسم الله فرت""بالفاء" أي ذهبت بسرعة، "بسم الله مرت" أي جازت، بمعنى أنها لا تستقر. "بسم الله قلت""بالقاف" أي عدمت؛ لأن القلة قد تنتهي إلى العدم، "ويأخذ كل يوم ورقة، ويجعلها في فمه،
ويجعلها في فمه ويبلعها بماء.
وقد رخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه.
قال ابن الحجاج في "المدخل": وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية، فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيها، أزلي لم يزل، ولا يزال، يزيل الزوال، وهو لا يزال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] .
وقال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، اللهم رب جبريل
ويبلعها بماء" بحيث يزيل الماء صورة الحروف حتى لا يلاقي النجاسة في الباطن، قاله شيخنا بناء على مذهبه؛ أن الباطل نجس معفو عنه، أما على مذهبنا أنه طاهر ولا يحكم له بالنجاسة حتى يخرج، فلا يحتاج إلى إزالة الماء صورة الحروف، "وقد رخص جماعة من السلف في كتابه بعض القرآن، وشربه وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه" أي القرآن.
"قال ابن الحجاج في المدخل، وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية" أي زاوية الشيخ، "فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها، فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيه أزلي".
قال صاحب مختار الصحاح: الأزل القدم، يقال: أزلي ذكر بعض أهل العلم؛ أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار، فقالوا: يزلي، ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لأنها أخف، "لم يزل ولا يزال يزيل الزوال" أي الإعراض، "وهو لا يزال" باق، "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
زاد في نسخة: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ، "وقال المروزي" أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم ثقة حافظ:"بلغ أبا عبد الله" أحمد بن حنبل "إني حممت، فكتب لي من الحمى" أي من أجلها "رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا" وهو الحرق، "فجعلناهم الأخسرين" في مرادهم، ومناسبتها للحمى أنها من فيح جهنم، كما في
وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك أي كبريائك إله الحق آمين.
ومما جرب للخراج، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب عليه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105، 106، 107] .
ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض، أو شيء نظيف، حديث ابن عباس: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين، وكأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف: 35] .
الحديث "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، أي كبريائك إله الحق" منادى بحذف الأداة "آمين" ختم بها الدعاء رجاء للإجابة.
"ومما جرب للخراج" بضم الخاء المعجمة وخفة الراء فألف فجيم، قال في المصباح، كغراب بئر الواحدة خراجة، "ونقله صاحب زاد المعاد" ابن القيم فيه: "ن يكتب عليه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَال} كيف تكون يوم القيامة، {فَقُلْ} لهم:{يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} بأن يفتتها كالرمل السائل، ثم يطيرها بالرياح {فَيَذَرُهَا قَاعًا} منبسطًا {صَفْصَفًا} مستويًا {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا} انخفاضًا {وَلَا أَمْتًا} ارتفاعًا.
"ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال" بالخاء المعجمة نسبة إلى الخل "عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض""بجيم فألف فميم"، قال في المقدمة: إناء معروف من فضة أو غيرها، وهو مستدير قعر له غالبًا. انتهى.
ومعلوم أن أحمد لا يكتب في إناء فضة، "أو شيء نظيف" إن لم يكن جامًّا أبيض.
"حديث ابن عباس" كلمات الفرج "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين" مر شرحه قريبًا، ويزيد على كتابة هذا الحديث كتابة قوله تعالى:{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} أي الساعة {لَمْ يَلْبَثُوا} في قبورهم {إِلَاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} إلا عشية يوم أو بركته، وصح إضافة الضحى إلى العشية لما بينهما من الملابسة؛ إذ هما طرفا النهار وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة، {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين فقال: قل له يجيء بجام واسع وزعفران. قال المروزي: ورأيته يكتب لغير واحد.
وفي "المدخل": يكتب في آنية جديدة: اخرج أيها الولد من بطن ضيق إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذي جعلك في قرار مكين إلى قدر معلوم، {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} [الحشر: 21] ، إلى آخر السورة، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] وتشربه النفساء، ويرش منه على وجهها. قال الشيخ المرجاني: أخذته عن بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح في قوته. انتهى.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى عليه السلام على امرأة وقد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه
العذاب في الآخرة لطوله، {لَمْ يَلْبَثُوا} في الدنيا في ظنهم {إِلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} وكتابه هذا كله في الجام وضاح إن كان كبيرًا يسع ذلك، وإلا كتب عليه وعلى جوانبه.
"قال الخلال" الحسن بن علي بن محمد أبو علي، ثقة حافظ، نزيل مكة، وبها مات، "أخبرنا أبو بكر" أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم الثقة الحافظ:"أن أبا عبد الله" أحمد بن حنبل، "جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الله تكتب" خبر بمعنى الطلب أو نقدر الهمزة، أي تكتب "لامرأة قد عسر عليها ولدها" أي خروجه.
وفي نسخة: الولادة "منذ يومين، فقال قل له يجيء بجام" إناء أبيض، أو نظيف "واسع وعفران، قال المروزي: ورأيته يكتب لغير واحد، وفي المدخل" لابن الحاج: "يكتب في آنية جديدة أخرج أيها الولد من بطن ضيق" بالتذكير؛ لأن البطن مذكر "إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذي جعلك في قرار مكين إلى قدر معلوم {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل} إلى آخر السورة {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ويمحى بالماء "وتشربه النفساء" أي التي تعسرت عليها الولادة، سماها نفساء تفاؤلًا؛ بأن الولد يخرج فتصير نفساء، "ويرش منه على وجهها".
"قال الشيخ المرجاني: أخذته عن بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح" أي ولد "في وقته انتهى".
"وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى عليه السلام على امرأة، وقد اعترض ولدها في بطنها، فقالت يا كلمة الله" أي يا من هو مكون بكلمة الله وأمره الذي هو، كن بلا
فقال عيسى: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.
ومما يكتب أيضًا لذلك، ويكون في إناء نظيف:{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} [الانشقاق: 1-4] وتشرب الحامل منه وترش على بطنها فتضع سريعًا.
ومما يكتب للرعاف على جبهة المرعوف {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [هود: 44] ولا يجوز كتبها بدم الراعف كما يفعله بعض الجهال، فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله.
ومما يكتب لعرق النسى: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب كل شيء، ومليك كل شيء، وخالق كل شيء، أنت خلقتني وخلقت عرق النسى فيَّ فلا
واسطة أب ولا نطفة، "ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه، فقال عيسى: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس، خلصها، قال: فرمت بولدها" أي ولدته، "قال: فإذا عسر على المرأة ولدها" أي خروجه، "فأكتبه لها، ومما يكتب أيضًا لذلك ويكون في إناء نظيف {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت، وَأَذِنَتْ} سمعت وأطاعت في الانشقاق {لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي حق لها أن تسمع وتطيع، {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّت} زيد في سعتها كما يمد الأديم، ولم يبق فيها بناء ولا جبل، {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا} من الموتى على ظهورها، {وَتَخَلَّتْ} عنه، "وتشرب الحامل منه وترش على بطنها، فتضع سريعًا" بإذن الله.
"ومما يكتب للرعاف" خروج الدم من الأنف، ويقال: هو الدم الخارج نفسه "على جبهة المرعوف، {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} الذي نبع منك، فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهارًا وبحارًا، {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} أمسكي عن المطر، فأمسكت {وَغِيضَ} نقص {الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} أي تم أمر هلاك قوم نوح، "ولا يجوز كتبها بدم الراعف، كما يفعله بعض الجهال فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله" عز وجل.
"ومما يكتب لعرق النسى" بزنة حصى عرق في الفخذ، والتثنية نسيان، كما في المصباح: "بسم الله الرحمن الرحم، اللهم رب كل شيء، ومليك كل شيء، وخالق كل
تسلطه علي بأذى، ولا تسلطني عليه بقطع، واشفني شفاء لا يغادر سقمًا، لا شافي إلا أنت.
وأما حفيظة رمضان لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، أنت سميع عليم محيط به علمك كعسلهون، {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] إلى آخرها.
قال شيخنا: اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب وجملة بلدان أنها حفيظة رمضان، تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر الآفات، وتكتب آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر.
وهذه بدعة لا أصل لها، وإن وقعت في كلام غير واحد من الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم بورودها في حديث ضعيف، وكان الحافظ ابن حجر ينكرها جدًّا، حتى وهو قائم على المنبر في أثناء خطبته حين يرى من يكتبها انتهى.
شيء، أنت خلقتني وخلقت عرق النسى فيَّ، فلا تسلطه عليَّ بأذى، ولا تسلطني عليه بقطع، واشفني شفاء لا يغادر" أي لا يترك "سقمًا، لا شافي إلا أنت" فلا يكون إلا بمشيئتك.
"وأما حفيظة رمضان" أي الألفاظ التي تكتب فيه للحفظ، فهي "لا آلاء إلا آلاؤك" "بالمد فيها" أي: لا نعم إلا نعمك، "يا الله أنت" وفي نسخة: إنك "سميع عليم محيط به علمك، كعسلهون""بكاف فعين مهملة مفتوحتين، فسين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فهاء فواو فنون"، {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} ، وقوله "إلى آخرها" لم يقع في كلام شيخه.
"قال شيخنا" السخاوي في المقاصد: هذه ألفاظ "اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب، وجملة بلدان إنها حفيظة رمضان" أضيفت إليه لوقوع كتبها فيه، "تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر الآفات، وتكتب آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر، وهذه بدعة لا أصل لها وإن وقعت في كلام غير واحد من الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم بورودها في حديث ضعيف. وكان الحافظ ابن حجر ينكرها جدًّا حتى وهو قائم على المنبر في أثناء خطبته حين يرى من يكتبها" ليرجع عن هذه البدعة. "انتهى" كلام شيخه.
وفي التحفة: جزم أئمتنا وغيرهم بحرمة كتابة وقراءة الكلمات الأعجمية التي لا يعرف معناها، وقول بعض: كعسلهون: حية محيطة بالعرش رأسها على ذنبها لا يعول عليه؛ لأن مثل ذلك لا مدخل للرأي فيه، فلا يقبل فيه إلا ما ثبت عن معصوم على أنها بهذا المعنى لا تلائم ما قبلها في الحفيظة، وهو لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، كعسلهون، بل هذا اللفظ في غاية الإيهام، ومن ثم قيل إنها اسم صنم أدخلها ملحد على جهلة العوام، وكأن بعضهم أراد دفع ذلك الإيهام، فزاد بعد الجلالة محيط به علمك، كعسلهون، أي كإحاطة تلك الحية بالعرش، وهو غفلة عما تقرر أن هذا لا يقبل إلا ما صح فيه عن معصوم، وأقبح من ذلك ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمس في هذه الجمعة عقب صلاتها، زاعمين إنها تكفر صلوات العام، أو العمر المتروكة، وذلك حرام لوجوه لا تخفى. انتهى.
[ذكر ما يقي من كلام بلاء] :
عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات حين يمسي لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي". قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج، فجعل الذي يسمع منه الحديث ينظر إليه، فقال مالك تنظر إلي فوالله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما
ذكر ما يقي، "أي يحفظ قائله" من كل بلاء:
فلا يصل إليه بلاء، وهذه غير قوله سابقًا رقية تنفع كل شكوى؛ لأن تلك تزيل ما حل به من المرض؛ "عن أبان بن عثمان" بن عفان الأموي المدني، الثقة، مات سنة خمس ومائة، "عن أبيه" ذي النورين، "قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات حين يمسي" أي حين يدخل وقت المغرب، "لم تصبه فجأة""بضم الفاء والمد" وفي لغة بزنة تمرة، أي بغتة "بلاء حتى يصبح" يدخل وقت الصبح، "ومن قالها" ثلاث مرات "حين يصبح" يدخل وقت الصبح، "لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي" فينبغي المحافظة عليها مساء وصباحًا.
"قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج""بالفاء والجيم" مرض يحدث في أحد شقي البدن طولًا فيبطل إحساسه وحركته، وربما كان في الشقين، ويحدث بغتة، "فجعل الذي يسمع منه الحديث ينظر إليه" نظر تعجب، كأنه يقول لم جاءك هذا العارض، "فقال" أبان:"مالك تنظر إلي، فوالله ما كذبت على عثمان" يعني أباه، "ولا كذب عثمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني" يعني الفالج "غضبت""بغين فضاد معجمتين فموحدة"،
أصابني غضبت فنسيت أن أقولها. رواه أبو داود، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعنده: فكان أباه قد أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: ما تنظر إلي، أما إن الحديث كما حدثتك ولكن لم أقله يومئذ ليمضي الله قدره.
"فنسيت" بسبب الغضب "أن أقولها".
وفي نسخة: عصيت "بمهملتين وتحتية من العصيان"، أي فعلت ما كان سببًا للنسيان، وهو المعصية، وسماه معصية وإن لم يكن كذلك على عادتهم من عدم التقصير ما أمكن، فيعدون نحو خلاف الأولى عصيانًا.
"رواه أبو داود، ورواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وعنده" أي الترمذي: "فكان أبان قد أصابه طرف فالج" أي بعضه، "فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر إليَّ أما""بالفتح وخفة الميم"، "إن الحديث كما حدثتك، ولكن لم أقله يومئذ" أي يوم أصابه "ليمضي" أي لينفذ "الله قدره" السابق في علمه.
[ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء] :
وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد المالكي الأفريقي، في كتابه "أخبار أفريقية" عن أنس بن مالك مرفوعًا:"من قال: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات برئ من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفي من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها الجنون والجذام والبرض والريح".
ويشهد له ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة
ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء:
"ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد المالكي، الأفريقي" بفتح الهمزة نسبة إلى أفريقية، من كبار بلاد المغرب، كذا في اللب وفي المراصد إفريقية:"بالكسر اسم لبلاد واسعة ومملكة يسيرة""في كتابه أخبار أفريقية، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "من قال بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات برئ" أي عوفي "من ذنوبه" بمحوها عنه "كيوم ولدته أمه" فيصير بلا ذنب، "وعوفي من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها: الجنون والجذام والبرص والريح" أي ما يصيبه من الأرواح الخبيثة، "ويشهد له" أي يقويه ويدل على أن له أصلًا "ما رواه الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من قول لا حول
والسلام: "أكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنها من كنز الجنة".
قال مكحول: فمن قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين بابًا من الضر أدناها الفقر.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم".
ومن ذلك في الأمان من الفقر:
عن أبي موسى قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "من قال لا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنها من كنز الجنة" أي ثوابها نفيس مدخر في الجنة، كما يدخر الكنز ويحفظ في الدنيا، فإن الأكمل إنما طريقه التشبيه، شبه نفس ثواب مدخر في الجنة أنفس: مال مدخر تحت الأرض في أن كل واحد منهما معد للانتفاع به بأبلغ انتفاع.
"قال مكحول" الشامي أبو عبد الله، ثقة، فقيه، كثير الإرسال، مات سنة بضع عشرة ومائة؛ "فمن قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ""بفتح الميم والجيم"، أي لا متحصن "من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين بابًا من الضر، أدناها الفقر".
وفي نسخة: أدناهن، والأولى أولى؛ لأن جمع الكثرة فيما لا يعقل إفراد الضمير الراجح إليه أولى من جمعه.
قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل؛ إذ مكحول لم يسمع من أبي هريرة.
قال المنذري: ورواه النسائي والبزار مطولًا ورفعًا، ولا منجا من الله إلا إليه، ورواتهما ثقات محتج بهم، ورواه الحاكم، وقال: صحيح ولا علة له، وفي رواية له، وصححها أيضًا قال:"يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة"؟، قلت: بلى يا رسول الله، قال:"تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه".
"وروى الطبراني" في الوسط، والحاكم "عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسم: "من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء" مائة إلا واحدة، "أيسرها الهم".
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقب بأن فيه بشر بن رافع ضعيف، "ومن ذلك من الأمان من الفقر عن أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقرًا أبدًا"، رواه ابن أبي الدنيا".
ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبدًا". رواه ابن أبي الدنيا.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله".
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب يرفعه: "من قال كل يوم وليلة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، مائة مرة كان له أمانًا من الفقر، وأنسًا من وحشة القبر، واستفتح به باب الغنى، واستقرع به باب الجنة". قال بعض رواته: لو رحلتم في هذا الحديث إلى الصين ما كان كثيرًا. ذكره عبد الحق في كتاب الطب النبوي.
عبد الله بن محمد الحافظ.
"وروى الطبراني" في الأوسط "عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم""من ألبسه الله نعمة، فليكثر من الحمد لله، ومن كثرت ذنوبه فليستغفر الله"، "ومن أبطأ عليه رزقه" أي تأخر عليه مجيئه، "فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله" فإن رزقه يأتيه بسهولة من حيث لا يعلم، وترك المصنف أول الحديث اقتصارًا على مراده منه.
"وعن جعفر" الصادق "بن محمد" الباقر، "عن أبيه" محمد بن علي، "عن جده" زين العابدين علي بن الحسين "عن علي بن أبي طالب، يرفعه: "من قال كل يوم" وكل "ليلة لا إله ئإلا الله الملك الحق المبين مائة مرة، كان له" ذلك "أمانًا من الفقر وأنسًا من وحشة القبر، واستفتح به باب الغنى" "بكسر المعجمة" ضد الفقر، أي طلب فتحه "واستقرع به باب الجنة" أي توسل إلى قرع بابها ليفتح له.
"قال بعض رواته: لو رحلتم في هذا الحديث إلى الصين" مملكة بالمشرق بعيدة، منها الأواني الصينية "ما كان كثيرًا، ذكره عبد الحق" بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيلي، الحافظ، الفقيه، المالكي، الزاهد، الورع، صاحب التصانيف العديدة، مات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة "في كتاب الطب النبوي" وأخرجه أبو نعيم والديلمي والخطيب في رواة مالك.
[ذكر دواء داء الطعام] :
روى البخاري في تاريخه عن عبد الله بن مسعود: من قال حين يوضع الطعام: بسم الله خير الأسماء في الأرض وفي السماء لا يضر مع اسمه داءً، جعل فيه رحمة وشفاء. لم يضره ما كان.
ذكر دواء داء الطعام:
"روى البخاري في تاريخه عن عبد الله بن مسعود: من قال حين يوضع الطعام" قبل أن يأكل منه "بسم الله خير الأسماء" الكائنة "في الأرض وفي السماء لا يضر مع اسمه داءً، جعل فيه رحمة وشفاء، لم يضره" ذلك الطعام "ما كان" ولو كان شأنه أن فيه ضررًا ببركة اسم الله.
[ذكر داء أم الصبيان] :
عن علي قال: قال رسول الله عليه الصلاة السلام: من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان. رواه ابن السني، وذكره عبد الحق في "الطب النبوي".
وأم الصبيان: هي الريح التي تعرض لهم، فربما يخشى عليهم منها.
وسر التأذين -كما قاله صاحب تحفة الودود في أحكام المولود- أن يكون أول ما يقرع سمع المولود كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالثقلين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حين يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع الشيطان ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه.
ذكر داء أم الصبيان:
"عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ولد له مولود" ذكر أو أنثى، "فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان"، رواه ابن السني، وذكره عبد الحق في الطب النبوي" وإسناده ضعيف، "وأم الصبيان هي الريح التي تعرض لهم، فربما يخشى عليهم منها".
قال بعضهم: كذا قيل، وأولى منه قول الحافظ ابن حجر: أم الصبيان هي التابعة من الجن، "وسر" أي حكمة "التأذين، كما قاله صاحب تحفة الودود" أي ذي الود وفي نسخة: المودود "بميم قبل الواو" لمناسبة قوله "في أحكام المولود" وهو العلامة ابن القيم: "أن يكون أول ما يقرع سمع المولود كلماته" أي المذكور من الأذان والإقامة، "المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالثقلين، له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو: كان يرصده حين يولد، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع الشيطان ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه" بالمولود، فيقل ضرره.
النوع الثاني: في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الطبيعية
[ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يعالج به الصداع والشقيقة] :
اعلم أن الصداع ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه أحد جانبي الرأس لازمًا سمي شقيقة -بوزن عظيمة- وسببه أبخرة مرتفعة إلى الدماغ، أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد منفذًا أحدثت الصداع، وإن مال إلى أحد شقي الرأس أحدث الشقيقة، وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة تشبيهًا ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله.
"النوع الثاني:""في طبه صلى الله عليه وسلم بالأدوية الطبيعية"
أي الموافقة للطبيعة، سواء عالج بها نفسه أو غيره، وأل في النوع عهدية، والمعهود ما عبر عنه سابقًا بالأدوية الطبيعية فذكر هنا إيضاحًا.
ذكر ما كان عليه الصلاة والسلام يعالج به الصداع والشقيقة:
بمعجمة وقافين عطف خاص على عام، كما يفيده قوله:"اعلم أن الصداع ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه في أحد جانبي الرأس لازمًا" زاد في الفتح: أو في مقدمه، "سمي شقيقة بوزن عظيمة" أي كما يسمى صداعًا، ومفهومه: أن غير الملازم لا يسمى شقيقة، لكن الحافظ لم يقيده بلازمًا، "وسببه أبخرة مرتفعة إلى الدماغ" من المعدة، "أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع" تصعد من المعدة "إلى الدماغ، فإن لم تجد" تلك الأبخرة أو الأخلاط "منفذًا" تخرج منه، كانسداد مسام الشعر، "أحدثت الصداع، وإن مال" البخار، أو المرتفع "إلى أحد شقي الرأس أحدث الشقيقة" فالمحدث هو الألم، وهو غير المائل، "وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة" أي الداء المسمى بالبيضة، وهي وجود الألم في جميع الرأس، "تشبيهًا ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كلها" كذا في جميع النسخ مؤنثًا، باعتبار أنه بضعة من الجسد، أو باعتبار الهامة، وإلا فالواجب كله؛ إذ الرأس مذكر اتفاقًا.
وأسباب الصداع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم في المعدة أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقيء والاستفراغ والسهر وكثرة الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه أو ورم في صفاق الدماغ، أو حمل شيء ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بشيء خارج عن الاعتدال، أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد.
وأما الشقيقة: فهي في شرايين الرأس وحدها، وتختص بالموضع الأضعف
وفي الفتح: وإن ملك قمة الرأس، وهو ظاهر في أنها أعلاه؛ لأن القمة "بكسر القاف" أعلى الرأس، كما في القاموس، ويحتمل أن يراد بها كل الرأس، فيوافق ظاهر المصنف.
"وأسباب الصداع كثيرة، منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم في المعدة" نفسها، "أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها" بكسرة الأكل، "ومنها ما يكون من الحركة العنيفة الشديدة، كالجماع والقيء والاستفراغ" للجهد في دم وإسهال ونحوهما.
وفي الفتح: والاستفراغ الناشئ عن جماع أو حمام أو غيرهما، "والسهر" الكثير، "وكثرة الكلام" لا سيما العالي، "ومنها: ما يحدث من الأعراض النفسانية: كالهم والحزن والجوع" المفرط "والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس، كضربة تصيبه، أو ورم في صفاق الدماغ" "بكسر الصاد المهملة، وزن كتاب" أي الجلد الأسفل الذي تحت الجلد، الذي عليه شعر الرأس، وهو الذي يعبر عنه الفقهاء بالسمحاق، ولعل إضافته للدماغ مع أن بينه وبين العظم قبل الدماغ، الجلدة التي تسمى خيطة الدماغ، لقربه من الدماغ في الجملة، أو لكونه حافظة في الجملة، "أو حمل شيء ثقيل يضغط" "بفتح أوله وسكون الضاد وفتح الغين المعجمتين" من باب نفع، أي يعصر "الرأس" أي كأنه يعصره بحيث يصيره كأن أجزاءه انضم بعضها إلى بعض، لشدة ثقل ذلك الشيء عليه، "أو تسخينه" بالخفض عطفًا على ضربة "بشيء خارج عن الاعتدال" كلبس ثقيل برأسه، أو دهنه بشيء زائد في التسخين، أو أكل العقاقير المسخنة بقوة، فعدل عن قول الفتح أو تسخينه بلبس شيء خارج عن الاعتدال لإفادة التعميم، وأن اللبس كالمثال، "أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد" لا في الحر.
"وأما الشقيقة، فهي" الكائنة "في شرايين الرأس""بشين معجمة مفتوحة فراء فألف فتحتيتين فنون، جمع شريان بفتح المعجمة وكسرها مع سكون الراء" أي العروق النابضة، أي
من الرأس. وعلاجها بشد العصابة.
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: "وارأساه" وأنه خطب وقد عصب رأسه. فعصب الرأس ينفع في الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.
وفي البخاري من حديث ابن عباس: احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه من شقية كانت به. وقد جاءت مقيدة في بعض طرق ابن عباس نفسه، فعند أبي داود الطيالسي في مسنده من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه. وقد قال الأطباء: إنها نافعة جدًّا.
المتحركة "وحدها" دون غيرها، "وتختص بالموضع الأضعف من الرأس، وعلاجها بشد العصابة""بكسر العين" ما عصب به، كالعصب والعمامة كما في القاموس.
"وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة" بن الحصيب بتصغيرهما "أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما أخذته الشقيقة، فيمكث اليوم" تارة، "واليومين" أخرى، "لا يخرج" لما فيه من الوجع زيادة في أجره.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت أحدًا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ "وفي الصحيح" عن عائشة "أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: "وارأساه" فيه أن ذكر الوجع ليس شكاية، فكم من ساكت وهو ساخط، وكما من شاك وهو راض، فالمعول في ذلك على القلب، لا على نطق اللسان، وقد بسط المصنف هذا المعنى في المقصد الأخير، "وإنه خطب" فيمرض موته، أي وعظ الناس وأوصاهم، "وقد عصب رأسه" أي شدة بعصابة، "فعصب الرأس ينفع في الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس" بتخفيف الوجع.
"وفي البخاري من حديث ابن عباس: "احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به" زاد في رواية عند البخاري بماء يقال له: لحى جمل، أي بمنزل فيه ماء يسمى لحى "بفتح اللام وسكون المهملة" والإفراد، وفي رواية لحيا بالتثنية، وجمل "بفتح الجيم والميم" موضع بطريق مكة ند عقبة الجحفة، وأطلق في قوله: في رأسه، "وقد جاءت مقيدة بما في بعض طرق" حديث "ابن عباس نفسه، فعند أبي داود" سليمان بن داود بن الجارود "الطيالسي، في مسنده من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط رأسه" وكذا جاء في حديث عبد الله بن بحينة عند البخاري بهذا اللفظ، فتحمل عليه روايته المطلقة "وقد قال
وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم أيضًا في الأخدعين والكاهل. أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.
وقد قال الأطباء: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف.
وقد ورد في حديث ضعيف جدًّا، أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رفعه: الحجامة في الرأس تنفع في سبع؛ من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين. وعمر متروك، رماه الفلاس وغيره بالكذب.
وروى ابن ماجه في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء،
الأطباء: إنها" أي الحجامة في وسط الرأس "نافعة جدًّا، وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم أيضًا في الأخدعين" "بخاء معجمة ودال وعين مهملتين"، قال أهل اللغة: عرقان في سالفة العنق، كما في الترغيب، وفي المصباح: هما عرقان في موضع الحجامة، "والكاهل" ما بين الكتفين، وفي المصباح: مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقرات، قال أبو زويد: الكاهل من الإنسان خاصة، ويستعار لغيره وهو ما بين كتفيه، وقال الأصمعي: هو موصل العنق، وفي الكفاية: هو الكتد.
"أخرجه الترمذي، وحسنه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم" كلهم عن أنس، ولفظ الترمذي: كان يحتجم في الأخدعين والكاهل، ولفظ أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ثلاثًا في الأخدعين والكاهل.
"وقد قال الأطباء: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف، وقد ورد في حديث ضعيف جدًّا أخرجه ابن عدي من طريق عمر""بضم العين""ابن رباح""بكسر الراء وتحتانية"، العبدي، البصري، الضرير، "عن عبد الله بن طاوس" بن كيسان اليماني، ثقة، فاضل، من رجال الجميع، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، "عن أبيه" طاوس، يقال: إنه لقب واسمه ذكوان الفارسي، فقيه، ثقة، فاضل، مات سنة ست ومائة، "عن ابن عباس رفعه: الحجامة في الرأس تنفع من سبع: من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين، وعمر" بن رباح "متروك رماه الفلاس" "بالفاء" الصيرفي اسمه عمرو "بفتح العين" ابن علي الباهلي، البصري، ثقة، حافظ، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، روى له الستة. "وغيره بالكذب" في الحديث، فلهذا ترك.
"وروى ابن ماجه في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صدع""بشد الدال مبني للمفعول"،
ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع. وفي صحته نظر.
وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن عن مادة يجب استفراغها، وإذا كان كذلك نفع فيه الحناء نفعًا ظاهرًا. قالوا: وإذ دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع، وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم جميع الأعضاء.
وفي تاريخ البخاري وسنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكا إليه أحد وجعًا في رأسه إلا قال له "احتجم"، ولا شكا وجعًا في رجليه إلا قال له "اختضب بالحناء".
وفي الترمذي عن علي بن عبد الله عن جدته -وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما كان يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة ولا نكتة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء.
قال المجد: صدع بالضم تصديعًا، ويجوز في الشعر صدع، كعنى، فهو مصدوع، فقصر التخفيف على الشعر "غلف""بفتح المعجمة واللام مخففة ومثقلة"، أي ضمخ "رأسه بالحناء""بالكسر والمد"، "ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع، وفي صحته نظر".
"وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة" أي قوية، "ولم يكن" ناشئًا "عن مادة يجب استفراغها" فلا ينجع فيه استفراغ هذه المادة، وإذا كان من برد لم ينفع فيه الحناء، بل يزيده لبردها، "وإن كان كذلك" أي حارًا لم ينشأ عن مادة، "نفع فيه الحناء نفعًا ظاهرًا" لأن المرض يعالج بضده، "قالوا: وإذا دق وضمدت" "بخفة الميم وشدها مبني للمجهول، أي شدت "به الجبهة مع الخل سكن الصداع، وهذا لا يختص بوجع الرأس، بل يعم جميع الأعضاء" أي وجعها كلها.
"وفي تاريخ البخاري وسنن أبي داود" والترمذي وابن ماجه، كلهم عن سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكا إليه أحد وجعًا في رأسه إلا ال له: "احتجم"، ولا شكا وجعًا في رجليه إلا قال له: "اختضب" الرواية أخضبهما "بالحناء".
قال الترمذي: حديث غريب، إنما نعرف من حديث قائد.
"وفي الترمذي عن علي بن عبد الله" بن أبي رافع: كذا وقع مكبرًا، قال الحافظ: والصواب عبيد الله، يعني مصغرًا ابن أبي رافع، مولى النبي صلى الله عليه وسلم، "عن جدته" سلمى أم رافع زوج أبي رافع، صحابية لها أحاديث، "وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: ما كان يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم قرحة""بالقاف" واحدة القروح، التي تخرج في الجسد، "ولا نكتة" "بضم النون وسكون الكاف وفوقية" أي: أثر يسير "إلا أمرني أن أضع عليها الحناء""بالمد".
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم للرمد] :
وهو مرض حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها، وسببه، انصباب أحد الأخلاط وأبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان -بالخاء المعجمة والنون- أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة، وإن لم ينحدر وطلب نفاذًا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم.
وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة.
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم للرمد:
لعله لم يقل لداء الرمد؛ لأنه لا يسمى مرضًا عرفًا، "وهو مرض حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها" الظاهر، كما زاده الحافظ "وسببه انصباب أحد الأخلاط" أمزجة الإنسان الأربعة، "وأبخرة" الواو بمعنى أو، وفي نسخ: بأو "تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع" الحاصل من الأخلاط أو الأبخرة "إلى الخياشيم" جمع خيشوم: بزنة فيعول أقصى الأنف "أحدث الزكام" بضم الزاي، وهو تحلب فضول رطبة من بطني الدماغ المقدمين إلى المنخرين، وقد زكم كعنى، كما في القاموس، "أو" اندفع "إلى العين، أحدث الرمد، أو إلى اللهاة" بفتح اللام: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم، "والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون، أو إلى الصدر أحدث النزلة" بفتح النون، وهي كالزكام "أو إلى القلب أحدث الشوصة" بشين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فصاد مهملة وجع في البطن، أو ريح يتعقب في الأضلاع، أو ورم في حجابها، من داخل، واختلاج العروق قاله القاموس، "وإن لم ينحدر وطلب نفاذًا" بالذال المعجمة أي خروجًا، "فلم يجد" منفذًا "أحدث الصداع، كما تقدم" أول الكلام.
"وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان يعالج الرمد بالسكون والدعة" بفتح المهملتين الراحة، فقوله:"وترك الحركة" عطف سبب على مسبب.
وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال:"تأكل تمرًا وبك رمد"؟ فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم حمى إلى علي من الرطب لما أصابه الرمد.
وفي البخاري من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد في الأرض من غير أن يزرع.
"وفي سنن ابن ماجه عن صهيب" بن سنان الرومي، الصحابي الشهير، يقال اسمه عبد الملك، وصهيب لقب، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، "قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال:"ادن وكل"، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال" أ "تأكل" "فهمزة الاستفهام مقدرة"، ويأتي في النوع الثالث، ذكره بالهمزة "تمرًا وبك رمد" والاستفهام للتوبيخ، ولا ينافي أمره له بالأكل لأنه عنده الخبز، فيصدق بالأكل، منه فقط، أو علم أنه لا يضره أكل التمر، وإنما قصد بالاستفهام المباسطة، "فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى" فيه أن رمده كان بإحدى عينيه فقط، "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم" تعجبًا؛ لأنه إن كان يضربه لم يفده المضغ من ناحية العين التي لا رمد بها.
"وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم حمى إلى علي من الرطب لما أصابه الرمد" لأنه حار كالرمد فيقوي ضرره.
"وفي البخاري" ومسلم والترمذي، "من حديث سعيد بن زيد" بن عمرو بن نفيل العدوي، أحد العشرة، "قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الكمأة""بفتح الكاف وسكون الميم وهمزة مفتوحة" وفي العامة من لا يهمزه واحدة الكمء "بفتح فسكون فهمز" مثل تمرة وتمر، وعكس ابن الأعرابي، فقال: الكمأة الجمع، والكمء الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى جبأة وجب، وقيل: الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ، قال الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا
…
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
والعساقل "بمهملتين وقاف ولام" السراب، وكأنه أشار إلى أن محمل وجدان إلا كمؤ الفلوات "من المن" "بفتح الميم وشد النون" زاد في رواية أبي نعيم من حديث أبي سعد: والمن من الجنة، "وماؤها شفاء للعين" أي لدائها، كذا لأكثر رواة البخاري، وكذا عند مسلم، وللمستملي: من العين، أي من داء العين، "والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد في
وروى الطبراني من طريق بن المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال:"إن الكمأة ليست جدري الأرض، لا إن الكمأة من المن".
الأرض من غير أن يزرع".
زاد الحافظ: قيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها، ومادة الكمأة من جوهر أرض بخارى، يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء، وينميه مطر الربيع، فيتولد ويندفع متجسدًا، ولذا كان بعض العرب يسميها جدري الأرض تشبيهًا لها بالجدري مادة وصورة؛ لأن مادته رطوبة تندفع غالبًا عند الترعرع، وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهرة.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم:"الكمأة من المن" الحديث.
"وروى الطبراني من طريق" محمد "بن المنكدر عن جابر، قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هو جدري الأرض" لمشابهته للجدري مادة وصورة، "فبلغه" صلى الله عليه وسلم "ذلك: فقال: "إن الكمأة ليست جدري الأرض، ألا""بالفتح والتخفيف""إن الكمأة من المن".
قال الحافظ: هذا الحديث والذي قبله، يعني حديث أبي هريرة، كل منهما صريح في أنه سبب لقوله: الكمأة من المن الحديث، العرب تسمي الكمأة أيضًا نبات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، وأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثالثة، رديئة للمعدة بطيئة الهضم.
زاد بعضهم: أكلها يورث القولنج والسكت والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضررًا من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب، ثم صلقت بالماء والملح والصعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذا كان ماؤها شفاء للعين.
وقال ابن البيطار: الغذاء المتولد منه غليظ وليس برديء، الكيموس وينفع المعدة الحارة؛ لأنه بارد رطب وماؤه يجلو البصر، وإذا ربي به الأثمد نفع جدًّا ودفع نزول الماء.
وقال ابن خالويه: يعصر ماؤه ويخلط به أدوية، فيكتحل به، وقال ابن العربي: الصحيح أنه ينفع من وجع العين مفردًا ومركبًا، وقال غيره: إن كان عن حرارة نفع مفردًا، وإلا مركبًا.
واختلف في قوله: "من المن"، فقيل: من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج.
وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبيل الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غر تكلف ببذر ولا سقي، وإنما
"واختلف في قوله: من المن" أي في المراد به على ثلاثة أقوال: "فقيل: من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل" لأن في رواية لمسلم: من المن الذي أنزل على بني إسرائيل "وهو الطل الذي يسقط على الشجر" أي شجر البلوط.
قال المصنف: المن كل طل ينزل من السماء على شجر أو حجر وينعقد عسلًا، ويجف جفاف الصمغ كالشيرخشت والترنجبيل، والمعروف بالمن ما وقع على شجر البلوط، معتدل، نافع للسعال الرطب والصدر والرئة، "فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبيل، فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج".
قال الحافظ عقب هذا: والقول الثاني: إن المعنى أنها من المن الذي امتن الله تعالى به على عباده عفوًا بغير علاج، قاله أبو عبيد وجماعة.
"وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجيل الذي يسقط على الشجر" وهذا ينبت في الأرض، "وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي" فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فيقع على الشجر فيتناولونه، ثم أار، يعني الخطابي إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل، كان أنواعًا منها ما يسقط على الشجر، ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه؛ وهذا هو القول الثالث، وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه، فقالوا: المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط، بل كان أنواعًا من الله عليهم بها، من النبات الذي يوجد عفوًا، ومن الطير الذي يسقط عليهم من غير اصطياد، ومن الطل الذي يسقط على الشجر، والمن مصدر بمعنى المفعول، أي ممنون به، فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب، كان منا محضًا، وإن كانت جميع نعم الله على عبيده منها منه عليهم، لكن خص هذا باسم المن، لكونه لا صنع لأحد فيه، فجعل سبحانه وتعالى قوتهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى، وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من
اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض، الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر.
وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفًا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين: أحدهما أن يخلط في الأدوية التي يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما: أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة وتبقي النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع.
وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب الماء عليها، ولا يطرح
المن"، فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبيل كذلك فرد من أفراد المن، وإن غلب استعمال المن عليه عرفًا، ذكره الحافظ، ثم قال قوله: وماؤها شفاء للعين.
قال الخطابي: "وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة؛ لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال يجلو البصر" والعكس بالعكس كما في كلام الخطابي عند الحافظ، زاد بعضهم: ويجلو البصيرة أيضًا.
"وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفًا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين، أحدهما أنه يخلط في الأدوية التي يكتحل بها" كالأثمد والتوتيا، "حكاه أبو عبيد".
قال الحافظ: ويصدق على هذا القول، أن بعض الأطباء قالوا: أكل الكمأة يجلو البصر، "ثانيهما: أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل" "بكسر الميم" المرود، "فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة وتبقي النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها، وهي باردة يابسة، فلا ينجع".
زاد الحافظ، وحكى إبراهيم الحربي، عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكيت أعينهما، فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها، فهاجت أعينهما ورمدا.
قال ابن الجوزي: وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة، فاكتحل بها، فذهبت عينه.
"وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب الماء عليها، ولا يطرح فيها ملح،
فيها ملح، ثم يؤخذ غطاء جديد نقي فيجعل على القدر، فما جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذي يكتحل به.
وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربي به الأثمد كان من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به وحده يقوي أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل، وقال أيضًا: إذا اكتحل بماء الكمأة بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة في البصرة كثيرة.
ثم يؤخذ غطاء جديد نقي" "بنون فقاف" "من" الدنس، "فيجعل على القدر، فما جرى" أي سال "على الغطاء من بخار الكمأة، فذلك الماء الذي يكتحل به".
"وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربي به الأثمد كان من أصلح الأشياء للعين، إذا اكتحل به وحده يقوي أجفانها ويزيد الروح الباصر قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل" ووصف الروح بالباصر بناء على أن القوى التي في البدن تسمى أرواحًا، فيقال: الروح الباصر والروح السامع والروح الشام، كما قاله ابن القيم.
"وقال" ابن واقد: "أيضًا إذا اكتحل بماء الكمأة بميل من ذهب، تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة في البصر كثيرة" ولم يذكر المصنف القول الثاني، وهو: أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض فتربى به الأكحال، حكاه ابن الجوزي، عن أبيبكر بن عبد الباقي: فتكون الإضافة إضافة الكل لا إضافة جزء، كأنه يقول ابن القيم: هذا أضعف الوجوه.
قال الحافظ: وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفًا نظر، فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلًا، وهو: إن كان لتبريد ما بالعين من الحرارة، فماؤها مجردً شفاء، وإلا فتستعمل مركبة، وبهذا جزم ابن العربي، فقال الصحيح: إنه ينفع بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جرب ذلك فوجد صحيحًا.
نعم، جزا الخطابي بمال ابن الجوزي، فقال: تربى بالتوتيا وغيرها من الأكحال، ولا تستعمل صرفًا؛ لأنه يؤذي العين، وقال النووي: الصحيح، بل الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقًا، فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان أعمى، فذهب بصره حقيقة، فكحل عينيه بماء الكمأة مجردًا، فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين، الكمال بن عبد الدمشقي، صاحب صلاح، ورواية في الحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادًا في الحديث وتبركًا به، فنفعه الله به، قلت: الكمال المذكور هو كمال الدين عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر، يعرف بابن عبد بغير إضافة الحارثي، الدمشقي، من أصحاب أبي طلفر الخشوعي، سمع منه جماعة من شيوخ شيوخنا، عاش ثلاثًا وثمانين سنة، ومات سنة
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحي وابن سينا وغيرهما، قال: والذي يزيل الإشكالات عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت في الأصل سليمة من المضار، عرض لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر لنيته والعكس بالعكس والله أعلم.
اثنتين وسبعين وستمائة قبل النووي بأربع سنين، وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث والعمل به، كما يشير إليه آخر كلامه، وهو ينافي قوله أولًا مطلقًا.
وقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح إلى قتادة، قال: حدثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ، أو خمسًا، أو سبعًا فعصرتهن، فجعلت ماءهن في قارورة، فكحلت بها جارية لي، فبرئت. انتهى.
"وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحي""بفتح الميم وكسر المهملة وسكون التحتية"، كما يفيده كلام التبصر "وابن سيناء وغيرهما، قال: والذي يزيل الإشكالات عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت في الأصل سليمة مع المضار، ثم عرض لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج، وغير ذلك من الأسباب التي أراد الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها؛ بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة واستعمال كل ما وردت به السنة، بصدق ينتفع به من يستعمله ويدفع الله عنه الضرر لنيته، والعكس بالعكس، والله أعلم" بالنيات، وهذا الحديث جاء عن جمع صحابة أبو سعد الخدري، جابر عن أحمد، والنسائي وابن ماجه وابن عباس وعائشة عند أبي نعيم في الطب النبوي، ورواه ابن السني عن صهيب، رفعه:"عليكم بماء الكمأة الرطبة، فإنها من المن، وماؤها شفاء للعين".
قال عبد الملك بن عمير: فحدثت بهذا الحديث شهر بن حوشب، فلقيني بعد، فقال: الحديث الذي حدثتني به، لقد أخذ ابنا لي من هذا الجذري، فشرب عيناه ما شاء الله منه حتى ذهبت عيناه فأخذت الكمأة، فقطرت في عينيه قطرة قطرة، وعرفت أن الله عز وجل وتر يحب الوتر، حتى إذا كان الغد قطرت فيه ثلاثًا ثلاثًا، حتى إذا كان الغد قطرت فيه خمسًا خمسًا، حتى بلغت أحد عشر، فكأن ليس بعينيه نكبة.
وقال المستغفري: قال علي بن الجهم: دعاني المتوكل أمير المؤمنين، فقال: قد أكثرت
.......................................
من الأدوية لعيني، فلا تزداد إلا رمدًا، فسل العلماء هل يعرفون حديثًا في ذلك؟ قال: فمضيت إلى أحمد بن حنبل، فسألته، فقال: روى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" قال: فرجعت إلى المتوكل، فأخبرته، فقال: ادع لنا يوحنا بن ماسويه، فدعوته، فقال له المتوكل: كيف يستخرج ماء الكمأة؟، قال: أنا أستخرج ذلك، فأخذ الكمأة، فقشرها ثم سلقها، فانضجت أدنى النضج، ثم شقها وأخرج ماءها بالميل، فكحل به عين المتوكل، فبرأت في الدفعة الثانية، فعجب يوحنا، وقال: أشهد أن صاحبكم كان حكيمًا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من العذرة] :
وهي -بضم المهملة وسكون الذال المعجمة- وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو في الخرم الذي ينزل بين الأنف والحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة -بفتح اللام- اللحمة التي في أقصى الحلق.
وفي البخاري، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية -أسد خزيمة- وهي
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من العذرة:
"وهي بضم" العين "المهملة وسكون الذال المعجمة: وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا" قيلك سميت بذلك؛ لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا: العذارى، وطلوعها يقع في وسط الحر.
"وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو" تخرج "في الخرم الذي ينزل من الأنف والحلق" عبارة غيره، أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق، "وهو الذي يسمى سقوط اللهاة".
"وقيل: هو اللهاة" نفسها، "والمراد وجعها، سمي باسمها" تسمية للحال باسم المحل، "وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة:"بفتح اللام" اللحمة التي في أقصى الحلق" ويجمع على لهى ولهيات، مثل حصاة وحصى وحصيات، وعلى لهوات أيضًا، على الأصل كما في المصباح.
"وفي البخاري" ومسلم وأبي داود وابن ماجه، "من حديث أم قيس" يقال: اسمها آمنة "بنت محصن""بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ونون" "الأسدية، أسد
أخت عكاشة، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"علام تدغرون أولادكن بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب" يريد الكست وهو العود الهندي.
خزيمة" بن مدركة بن إلياس بن مضر، احترازًا عن أسد ربيعة وغيره، وتلو هذا البخاري: وكانت من المهاجرات الأول، اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم، "وهي أخت عكاشة" بالتشديد" ابن محصن، أحد من يدخل الجنة بغير حساب "أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها".
قال الحافظ: لم أعرف اسمه، "قد أعلقت" وفي رواية: علقت "بشد اللام بدون ألف"، وصوب الحافظ وغيره الأول، وهما في البخاري، أما مسلم، فإنما فيه أعلقت بالألف، وهما بمعنى: لكن اللغويون إنما يقولون: أعلقت، أفاده عياض "عليه".
وفي رواية للبخاري، عنه: وصوب ابن الأعرابي عليه، وهو ما في مسلم، وقال الخطابي: المحدثون يقولون عليه والصواب عنه، أي دفعت عنه، ومعنى أعلقت عليه أو ردت عليه العلوق، أي ما عذبته به "من العذرة".
وقال النووي: أي عالجت رفع لهاته بإصبعها، وقال عياض: فسره سفيان برفع الحنك بالإصبع، وأبو عبيد برفع اللهاة وكل متقارب، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"علام" بدون ألف بعد الميم وفي رواة: بالألف، أي لأي شيء "تذغرن أودلاكن بهذا العلاق""بكسر العين وفتحها"، وفي رواية: الإعلاق، وهما بمعنى، ولكن أهل اللغة إنما يذكرون الإعلاق رباعي، وتفسيره غمز العذرة، قال عياض، أي لأنه مصدر أعلقت.
وقال القرطبي: هو الأشهر لغة، حتى زعم بعضهم أنه لا يجوز العلاق، وقال ابن الأثير، يجوز على أن العلاق اسم المصدر الذي هو الإعلاق، كما قالوا في العطاء أنه اسم المصدر الذي هو الإعطاء، قال القرطبي: والرواية في العلاق "بكسر العين" انتهى.
وضبطه النووي بفتحها، فهما روايتان، وفي الكلام معنى الإنكار، أي على أي شيء تعالجن هذا الداء بهذه الآفة والمداوة الشنيعة، فلا تفعلن ذلك، ولكن "عليكم""بالميم"، ورواه الكشميهني: عليكن "بالنون" وهما باعتبار الأشخاص والأنفس، قاله المصنف:"بهذا العود الهندي" يعني: استعملوه على ما يأتي بيانه، "فإن فيه سبعة أشفية" جمع شفاء، أي أدوية، "منها ذات الجنب" أي الألم العارض فيه من رياح غليظة مؤذية، وتسمى الشوصة، وقال الترمذي: هي السل.
قال القرطبي: وفيه بعد، والمعروف الأول، وفي الرواية للشيخين: فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء، منها: ذات الجنب، يسعط به من العذرة، ويلد به من ذات الجنب، أي بأن يصب الدواء في أحد شقي الفم، ويسعط ابتداء كلام بيان لصفة التداوي، "يريد" صلى الله عليه وسلم "الكست
وقوله: "تدغرن" خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق.
عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه، دمًا، فقال:"ما هذا؟ به العذرة، أو وجع في رأسه"، فقال: "ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطًا هنديًا فلتحله
"بضم الكاف وسكون السين المهملة والتاء المثناة آخره"، وفي الطريق الآتي:"بالقاف، ثم السين، ثم الطاء، وهما لغتان"، "وهو العود الهندي".
قال ابن العربي: القسط نوعان: هندي، وهو أسود، وبحري، وهو أبيض؛ والهندي أشدهما حرارة، وقال القرطبي: البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، قال الحافظ: كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين، فإما أن يكون ذكر السبعة، فاختصر الراوي، أو اقتصر عليه السلام على الاثنين، لوجودهما حينئذ دون غيرهما.
وقد ذكر الأطباء: من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة.
وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك، قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي به؛ لأنها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود؛ فالطلاء يدخل في المراهم ويخل بالزيت ويلطخ، وكذلك التكميد والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسعط في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحد من السبعة منافع لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم.
"وقوله: تدغرن خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة" المفتوحة مضارع دغر، كمنع، "والدال المهملة" قال القرطبي: لا يجوز غيره، "والدغر غمز الحلق" قال القرطبي: والمراد به هنا رفع الحنك، وأصله الدفع، ونهى عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعله يزويد في وجعه.
"و" أخرج أحمد وأصحاب السنن، "عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها صبي" صغير، "يسيل منخراه دمًا، فقال: "ما هذا"؟ الذي بهذا الصبي "قالوا: به العذرة أو وجع في رسه، فقال:"ويلكن" كلما تقال لمن وقع في هلكة، ولا يترحم
بماء ثم تسعطه إياه". فأمرت عائشة فصنع ذلك للصبي فبرأ. الحديث.
وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمزة اللهاة، وبالعلاق: وهو شيء يعلقونه على الصبيان، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن
عليه بخلاف ويح، "لا تقتلن أولادكن" أي لا تفعلن ما يكون سببًا لقتلهم، "أيما امرأة" بزيادة ما لإفادة التعميم، "أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطًا""بضم القاف وبالطاء".
قال البخاري: وهو الكست، يعني بالكاف والفوقية، قال: مثل الكافور والقافور، ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله بن مسعود: قشطت.
قال القرطبي: وهذا من التعاقب بين الحرفين، "هنديًا" يجلب من الهند، وهو نوعان: أسود وأبيض، ويقال له: بحري، وهو المراد هنا لحديث زيد بن أرقم:"تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت" هذا مفاد كلام القرطبي، وفي شرح المصنف البحري، ما يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، وزاد بعضهم: ثالثًا، يسمى بالقسط المر، وهو كثير ببلاد الشام، خصوصًا السواحل، قال في نزهة الأفكار: وأجودها البحري، وخيار الأبيض الخفيف، الطيب الرائحة، وبعده الهندي، وهو أسود خفيف، وبعده الثالث: وهو ثقيل، ولونه كالخشب البقس، ورائحته ساطعة، وأجود ذلك كله ما كان جديدًا، ممتلئًا غير متآكل بلدغ اللسان، وكل دواء مبارك نافع، "فلتحله بماء" أي تحكه على حجر بالماء، كذا في المرقاة.
وقال القرطبي: أي يدق ناعمًا "ثم تسعطه""بفتح التاء والعين وبضم العين من سعط، كمنع ونصر، وبضم التاء وكسر العين من أسعط"، "إياه" أي تصبه في أنفه.
قال القرطبي: وهل يسعط به مفردًا أو مع غيره، يسأل عن ذلك أهل المعرفة والتجربة، ولا بد من النفع به إذا لا يقول صلى الله عليه وسلم إلا حقًّا "فأمرت عائشة، فصنع ذلك للصبي فبرأ، الحديث".
قال في المرقاة: وقد حصل هذا المرض لولدي، وألح به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النساء، فمنعتهن من ذلك تمسكًا بالحديث، واستعملت له القسط، فشفي منه سريعًا، ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرءوا منه، مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:"وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة وبالعلاق""بكسر العين وفتحها""وهو شيء يعلقونه على الصبيان" كالعوذة، وهذا بيان لمراده هنا، وإلا فالعلاق لغة ما يعلق بها لشيء ثم تفسيره مخالف لقوله في شرح البخاري: أعلقت عليه من العذرة، أي رفعت حنكه بإصبعها، ففجرت الدم، وفي الفتح والنهاية وغيرهما أنه كانت عادة النساء إذا أصاب الصبي العذرة، تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلًا شديدًا وتدخلها في أنفه، وتطعن ذلك
ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم.
والسعوط: ما يصب في الأنف.
وقد استشكل معالجتها -أي العذرة- بالقسط مع كونه حارًا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجاز حار؟
وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية.
الموضع، فيفنجر منه دم أسود، وربما أقرحه، وذلك الطعن يسمى دغرًا، فمعنى تدغرن أولادكن، أنها تغمز حلق الولد بإصبعها، فترفع ذلك الموضع وتكبسه بهذا العلاق.
زاد في النهاية: وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقًا، كالعوذة، "فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم" فإنه يصل إلى العذرة فيقضها؛ لأنه حار يابس، "والسعوط""بفتح السين وضم العين المهملتين""ما يصب في الأنف" أما بضم السين، فالفعل الذي هو سب الدواء في الأنف.
"وقد استشكل معالجتها أي العذرة بالقسط مع كونه حارًا" يابسًا، "والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجاز حار" فكيف يعالج الشيء بما يقويه.
"وأجيب: بأن مادة العذرة" أصلها الذي تولدت منه "دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة" البلغمية، "وقد يكون نفعه في هذا الداء" أي المرض "بالخاصية" وإن كان حارًا، "وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا".
"وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط" الباء زائدة، ولم تقع في الفتح "مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية" أي لكان الشفاء مع وجود سبب منعه أمرًا خارقًا للعادة.
وقال النووي: اعترض من في قلبه مرض، فقال: أجمع الأطباء على أن مداواة ذات الجنب بالقسط خطر جدًّا، لفرط حرارته.
قال المازري: وقد كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فقد ذكر جالينوس؛ أن القسط ينفع من وجع الصدر، وذكر بعض قدماء الأطباء أنه يستعمل لجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهذا يبطل ما زعمه المعترض الملحد. انتهى.
والمازري أطال النفس في ذكر منافع القسط التي تطابق عليها الأطباء في كتبهم، ثم قال فأنت ترى هذه المنافع التي ذكرها الأطباء، فتعلم أنه ممدوح شرعًا وطبًّا.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم لداء استطلاق البطن] :
في الصحيحين من حديث سعيد بن أبي عروبة أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه -وفي رواية استطلق بطنه- فقال: "اسقه عسلًا"، فسقاه فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا،
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم لداء استطلاق البطن:
"في الصحيحين" والترمذي والنسائي، كلهم في الطب، "من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل" علي بن دآود، ويقال ابن داود "بضم الدال بعدها واو فهمزة" الناجي "بنون وجيم" البصري، ثقة، من رجال الجميع وأوساط التابعين، مات سنة ثمان ومائة، وقيل: قبلها، "عن أبي سعيد" سعد بن مالك "الخدري" الصحابي ابن الصحابي:"أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي" قال الحافظ: لم أقف على اسم واحد منهما "يشتكي بطنه" أي وجع بطنه من إسهال حصل له من تخمة.
"وفي رواية" للشيخين أيضًا من حديث قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، فقال: إن أخي "استطلق""بفتح الفوقية واللام""بطنه""بالرفع، وضبطه في الفتح مبنيًَّا للمفعول، أي تواتر إسهال بطنه" قال المصنف: وكذا قال القرطبي في المفهم، هو بضم التاء مبنيًّا للمفعول، فهو الرواية الصحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسين زائدة لا للطلب.
قال الحافظ: استطلق، بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام، بعدها قاف، أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ولمسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة: قد عرب بطنه، بمهملة، فراء مكسورة، فموحدة، أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب "بذال معجمة بدل العين" وزنا ومعنى؛ "فقال:"اسقه عسلًا" صرفًا أو ممزوجًا، وعند الإسماعيلي: اسقه العسل، واللام عهدية، والمراد عسل النحل، لكونه المشهور عندهم، قال الحافظ: أي عند النحاة الذي هو الإشارة إلى معهود في الذهن، لا عند البيانين؛ أنه الإشارة إلى حصة غير معينة؛ لأنه حينئذ لا يفيد أنه النحل إلا أن يراد النحل، ويراد بالحصة باعتبار القدر منه، "فسقاه" العسل فلم ينجع،
فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك".
وفي رواية لمسلم فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال:"اسقه عسلًا"، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال:"صدق الله".
وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال في الرابعة: "اسقه عسلًا"، قال فأظنه، قال: فسقاه فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صدق الله وكذب بطن أخيك".
قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك،
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، "فقال: إني سقيته" العسل، "فلم يزده إلا استطلاقًا" بعد السقي، ففي السياق حذف مستفاد من هذا، "فقال: "صدق الله" في قوله: فيه شفاء للناس، "وكذب" أخطأ "بطن أخيك" حيث لم يصلح لقبول الشفاء، لكثرة المادة الفاسدة التي فيه، ولذا أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فلما كرر ذلك برأ، كما في الرواية الأخرى أنه سقاه الثانية والثالثة، فإن ما ساقه المصنف، لفظ رواية قتادة عن أبي المتوكل، التي ذكرها بقوله: وفي رواية استطلق بطنه ففيها اختصار عند البخاري.
أما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوك التي صدر بها، فهي تامة، ولفظها، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال:"اسقه عسلًا"، ثم أتى الرجل الثانية، فقال:"اسقه عسلًا"، ثم أتاه الثالثة فقال:"اسقه عسلًا"، ثم أتاه، فقال: فعلت، فلم يبرأ، فقال:"صدق الله وكذب بطن أخيك"، فسقاه فبرأ؛ فبين أن قوله:"صدق الله" إنما كان بعد أن جاء ثلاث مرات.
"وفي رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرات" إني سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا، "ثم جاء الرابعة، فقال: "اسقه عسلًا"، فقال: سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا" لجذبه المادة، وكونه أقل من كميته، "فقال:"صدق الله""وكذب بطن أخيك".
"وفي رواية أحمد، عن" شيخه "يزيد بن هارون" السلمي، مولاهم الواسطي بإسناده "فقال في الرابعة: اسقه عسلًا، قال: فأظنه قال: فسقاه فبرأ" "بفتح الراء والهمز بوزن قرأ" وهي لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولها "بكسر الراء بوزن علم، كما في الفتح"، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق الله وكذب بطن أخيك" ففي هاتين الروايتين؛ أنه قال ذلك بعد الرابعة.
قال الحافظ: والأرجح أنه قاله بعد الثالثة، وفي رواية: فسقاه فعافاه الله سبحانه.
"قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب" الذي هو الإخبار، بخلاف الواقع عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، لكن لا إثم فيهما، إنما هو في العمد "في موضع الخطأ" الذي هو خلاف الصواب قولًا أو فعلًا، "يقال: كذب سمعك، أي زل، فلم يدرك حقيقة ما قيل له" بل
أي لم يصلح لقبول الشفاء بل ذل عنه.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع كونه عليه الصلاة والسلام كان عالمًا سيظهر نفع بعد ذلك كان جاريًا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.
وقد اعترض بعض الملحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟
وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَم
أدرك الحكم على خلاف ما ألقي إليه وليس هو حقيقة الكذب؛ إذ الإخبار فيه بخلاف الواقع فهو دليل على إطلاق الكذب في موضع الخطأ.
زاد عياض: وكذا يقولون كذب بصرك إذا لم يدرك ما رأى، قال الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
…
غلس الظلام من الرباب خيالًا
"فمعنى كذب بطن أخيك، أي يصلح لقبول الشفاء، بل ذل عنه" قال بعضهم فيه: إن الكذب قد يطلق على عدم المطابقة في غير الخبر.
قال في المصابيح: هو على سبيل الاستعارة التبعية، وفيه إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، "وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله صلى الله عليه وسلم علم بنور الوحي" كأنه لم يقل بالوحي؛ لأنه ينشأ عنه أنوار تشرق في صدره، بل في جميع بدنه، يظهر بها من المعاني اللطيفة والأسرار الخفية ما تقصر العبارة عن بيانه، "أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال، مع كونه عليه الصلاة والسلام كان عالمًا؛ بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان جاريًا مجرى الكذب" بحسب ظاهر الحال، وإلا فإذا كان الغرض علمه بالوحي أنه لا يصلح الآن، وإذا كرر صلح، يكون البرء متوقفًا على تكرر السقي، فهو متوقع، "فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ" اي كذب.
"وقد اعترض بعض الملحدة" هذا الحديث، "فقال: العسل مسهل" "بضم فسكون" من أسهل، أي مطلق للبطن، "فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال" مع أنه يزيده، وقد يؤدي إلى هلاكه.
"وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله" لأنه أطلق في محل التقييد، "بل هو كقوله تعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] ، وجه الشبه أن هؤلاء بادروا إلى إنكار نفع
يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لاسيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم
العسل من الإسهال، كما أن المشركين بادروا إلى إنكار كون القرآن منزلًا من عند الله، لعدم وصولهم إلى فهم معانيه وما يراد به؛ "فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن" لمن قام به، فليس علاج الشيخ كعلاج الصبي، "والعادة" أي ما يعتاد له فعله من مشي وركوب وسهر ونوم ولبس وغير ذلك، "والزمان" فليس دواؤه في نحو الصيف، كدوائه في نحو الشتاء، "والغذاء المألوف" إذ قد يحدث المرض بمخالفته، فعلاجه برده إلى المألوف، "والتدبير" أي التأمل في صفة استعمال الدواء بمعرفة قدره وصفة تركيبه وغير ذلك، ككونه يستعمل بعد غليه بالنار، أو تسخينه فقط، بحيث يزول برده، أو باردًا، "وقوة الطبيعة" على القدر الذي يجعل من الدواء لها؛ "و" اتفقوا "على أن الإسهال يحدث من أنواع، منها: الهيضة" أي المرض الناشئ من اجتماع فضول في المعدة، هذا المراد هنا بدليل قوله:"التي تنشأ عن تخمة""بوزن رطبة" أي فساد المعدة من الأخلاط المجتمعة فيها كما يأتي.
"واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها" فلا يستعمل لها قابض لئلا تحتبس تلك الفضول فيتولد منها مزيد الضرر، "فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة"، وحبسه عنه ضرر واستعجال مرض، "فكان هذا الرجل، كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته، فوصف له صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، من أخلاط لزجة""بزاي وجيم"، أي متعلقة بها "تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل""بكسر المعجمة وميم ساكنة"، "كخمل المنشفة""بكسر الميم اسم آلة""فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو" يزيل "تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك" نافع "مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفسده في أول
يفسده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه شرب منه أولًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "كذب بطن أخيك" إشارة إلى أن هذا الدواء، نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها.
وقال بعضهم: إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر.
مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء" المرض "إن قصر عنه" "بفتحتين مخففًا"، كعقد، ومشددًا، أي عجز، كما في القاموس: "لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أو هي" أضعف "القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه" أي الرجل "شرب منه أولًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى" "بزنة قرأ" لغة أهل الحجاز ولغة غيرهم، كعلم" والسياق في المرض، أما في الدين، فبالثاني فقط.
"وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "كذب بطن أخيك" إشارة إلى أن هذا الدواء، نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها" فشفي لما استفرغت.
"وقال بعضهم": هو صاحب كتاب المائة في الطب، كما في الفتح:"إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء" أكثره "ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها""بذال معجمة وعين مهملة" أي يؤثر فيها كتأثير النار أما بمهملة فمعجمة، فلذوات السموم، كالعقرب، "حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فنكار وصفه" أي العسل "بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر".
وقال القرطبي في المفهم: اعترض بعض زنادقة الأطباء هذا، فقال: أجمع الأطباء على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال، وهذا كلام جاهل، بدليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبصناعة الطب التي ينتمي إليها، أما الأول، فلأن من علم صدقه بدليل المعجزة، حقه إذا وجد
وقال ابن الجوزي: في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المسهل أربعة أقوال:
أحدها: أن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: صدق الله، أي في قوله:{فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله تعالى.
الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها.
الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره.
من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن القول حق في نفسه، وينسب القصور إلى نفسه، ثم إن كان الصادق بين كيفية العمل بذلك الشيء، فليبحث عنه، فإذا انكشف له، علم أن ذلك هو الذي أراد الصادق، وهذا إنما يخاطب به علماء الطب المسلمون؛ وأما بيان جهله بصناعة الطب، فإنه حاد في النقل، حيث أطلق في محل التقييد، ونقل إجماعًا لا يصح، وبيان ذلك ما قاله الإمام المازري: الأشياء التي يفتقر فيها إلى تفصيل، فلما يوجد فيها مثل ما يوجد في صناعة الطب، فإن المريض المعين يجد الشيء دواء في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه، فينتقل علاجه إلى شيء آخر بسبب ذلك، وذلك مما لا يحصى كثرة؛ وقد يكون الشيء شفاء في حالة، وفي شخص، فلا يطلب الشفاء به في سائر الأحوال، ولا في كل الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن العلة الواحدة يختلف علاجها باختلاف السن، فذكر نحو ما في المصنف، ثم قال: وبه علم جهالة المعترض، ولسنا نستدل على صدقه صلى الله عليه وسلم بصدق الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم، وإنما خرجنا على ما يصح من قواعدهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يكذب، وبينا به جهالة المعترض بالصفة التي ينتمي إليها. انتهى.
"وقال ابن الجوزي: في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المسهل""بضم، فسكون، ففتح"، أي الشخص المسهل "أربعة أقوال، أحدها: إن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى" بالقبول، "وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: صدق الله، أي في قوله:{فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها المسهول "بالقبول، فشفي بإذن الله تعالى".
"الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم" أي العرب "من التداوي بالعسل في الأمراض كلها" وهذا ضعيف كما يأتي، بل باطل؛ إذ لو كان كذلك ما حسن استدلاله صلى الله عليه وسلم، بقوله: صدق الله.
"الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره" وهو وجيه، واقتصر عليه المازري وغيره.
الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغ، فلعله شربه أو لا بغير طبخ، انتهى.
والثاني والرابع ضعيفان.
ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم بالشفاءين العسل والقرآن أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر علي: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئًا من صداقها درهمًا فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئًا مريئًا مباركًا، أخرجه
"الرابع": يحتمل "أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ، انتهى. والثاني والرابع ضعيفان" قد علم ضعف الثاني، ولعل وجه الرابع احتياجه إلى قرينة تدل عليه، أو أن القرينة دلت على خلافه.
"ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم" أي ألزموا التداوي "بالشفاءين العسل" لعاب النحل، أو طل خفي يقع على الزهر وغيره، فتلقطه النحل، وقيل: بخار يصعد في الجو، فيستحيل ويغلظ بالليل، ويقع عسلًا، فتجنيه النحل وتغتذي به، فإذا شبعت جنت منه مرة أخرى، ثم تذهب به إلى بيوتها وتضعه فيها؛ لأنها تدخر لنفسها غذاءها، وقيل: إنها تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة، فيقلب الله تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلًا، ثم إنها تقيء ذلك، فهو العسل، وأصلحه الربيعي، ثم الصيفي، وأما الشتائي فرديء، وما يؤخذ من الجبال والشجر أجود مما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعاه، ومن العجب أن النحل يأكل من جميع الأزهار، ولا يخرج منه إلا حلو، مع أن أكثر ما يجنيه مر، وله زهاء مائة اسم "والقرآن" جمع في هذا احديث بين الطب البشري والإلهي، وبين الفاعل الطبيعي والروحاني، وطب الأجساد وطب الأرواح، والسبب الأرضي والسماوي، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} .
"أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا" عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، "وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا" على ابن مسعود
"ورجاله رجال الصحيح" وقال البيهقي في الشعب الصحيح، موقوف على ابن مسعود، "و" يؤيده أيضًا "أثر علي" كرم الله وجهه:"إذا اشتكى" أي مرض "أحدكم، فليستوهب" يطلب "من امرأته" أن تهبه "من صداقها درهمًا، فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء" أي المطر، "فيجمع" دواء "هنيئًا مريئًا مباركًا" لبركته من العسل الذي فيه شفاء للناس، ومن ماء السماء الذي قال تعالى فيه:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] .
"أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن" عن علي موقوفًا عليه، "وروينا عنه"
ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن.
وروينا عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلًا فليشربه فإنه شفاء.
قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أي من وجوه: قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء} [الإسراء: 82] وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9]، وقال:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] وقال في العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} [النحل: 69] .
أي عن علي "رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله" أي آية كانت "في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا" من صداقها، كما في الرواية قبلها، فيحمل المطلق على المقيد، "عن طيب نفس منها" فإن خلا عن ذلك لم يفد، "فليشتر به عسلًا فليشربه فإنه شفاء".
"قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره" أي أثر علي، "أي" إنه شفاء "من وجوه" أربعة: الأولى: "قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء} [الإسراء: 82] وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] " كثير البركة، وهذا الوجه الثاني، "وقال:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]"، تمييز محول عن الفاعل، أي إن طابت أنفسهن عن شيء من الصداق فوهبنه لكم، "فكلوه هنيئًا" طيبًا "مريئًا"، محمود العافية، لا ضرر فيه، وهذا الوجه الثالث.
"وقال في العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} [النحل: 69] " وهذا رابع الوجوه، وضمير فيه للعسل، وقول مجاهد للقرآن.
صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظاهر من سياق الآية؛ لأنها إنما فيها ذكر العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هذا، ثم قيل: المراد بالآية الخصوص، أي شفاء من بعض الأدواء، ولبعض الناس، قال القرطبي: لأن شفاء نكرة في سياق الثبوت، فلا تعم، وجعلها بعض أهل الصدق على العموم، فكانوا يستشفون به في كل الأمراض لصدق القرآن، وكان ابن عمر لا يشتكي قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه العسل، فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله تعالى يقول: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} [النحل: 69] ، ومرض عوف بن مالك الأشجعي، الصحابي، فقال: ائتوني بماء، فإن الله تعالى يقول:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9]، ثم قال: ائتوني بعسل، وتلا الآية، ثم قال: ائتوني بزيت، وتلا من شجرة مباركة، فخلط ذلك بعضه
..................
ببعض، وشربه فعوفي.
وعن أبي وجزة "بجيم وزاي" أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به، وهذا عمل بمطلق القرآن، وأصله صدق النية والله أعلم.
قال ابن بطال: يؤخذ من قوله: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، الألفاظ لا تحمل على ظاهرها؛ إذ لو كان كذلك لبرأ العليل من أول شربة، فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار، دل على أن الألفاظ تفتقر إلى معانيها.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع. نعم يؤخذ منه أن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء، أي المرض.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من يبس الطبيعة] :
بما يمشيه ويلينه روى الترمذي وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بماذا كنت تستمشين؟ " قالت: بالشبرم، قال: حار حار ثم قالت: استمشيت بالسنى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى"، قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكره البخاري في
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من يبس الطبيعة:
وهي المزاج المركب من الأخلاط، والإضافة لامية "بما يمشيه" أي اليبس، أي يسهله "ويلينه" تليينًا دون الإسهال، فالعطف مغاير لا تفسير، وعدل عن وصف الطبيعة بالتمشية؛ لأن الذي يتصف بها، وإنما هو يبسها لا نفسها الذي هو المزاج، ثم الطب الدواء النافع، فذكره النهي عن الشبرم تبعًا للإقرار على السنى، أو أراد بالطب ما يشمل دفع المضرة.
"روى الترمذي وابن ماجه في سننه" وأحمد والحاكم "من حديث أسماء بنت عميس""بمهملتين مصغر""قالت: قال" لي "رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بماذا" أي بأي دواء "كنت تستمشين" أي تطلبين مشي بطنك، أي إخراج ما فيه، "قالت: "بالشبرم""بضم الشين المعجمة والراء، بينهما موحدة ساكنة، وآخره ميم" وقد يفتح أوله، "قال: حار حار" أي شديد الحرارة، فالثاني تأكيد لفظي، ويحتمل أن الثاني، "بجيم وشد الراء اتباع لحار بمهملتين" كما في النهاية، يقال: حار جار، ويقال حار يار بمثناة تحتية على الاتباع أيضًا، "ثم قالت: استمشي بالسنى" "بفتح السين والنون والقصر" وقد يمد لا تحصى منافعه، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى" مبالغة في كثرة منافعه.
"قال أبو عيسى" الترمذي: "هذا حديث غريب" وصححه الحاكم وأقره الذهبي، "وقد
تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذي.
وذكر أبو محمد الحميدي في كتاب "الطب" النبوي له أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والشبرم فإنه حار حار، وعليكم بالسنى فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفعه السنى".
وحكى عبد الحق الإشبيلي في كتاب "الطب" له أن المحاسبي ذكر في كتابه المسمى بـ"المقصد والرجوع إلى الله تعالى" أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب السنى بالتمر.
وفي سنن ابن ماجه، من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن حرام، وكان ممن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين يقول
ذكره" أي رواه "البخاري في تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس، مثل ما ذكره الترمذي" أي بلفظه، "وذكر أبو محمد" اسمه محمد بن أبي نصر فتوح "الحميدي" الحافظ صاحب الجمع بين الصحيحين "في كتاب الطب النبوي له؛ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والشبرم" أي احذروا استعماله، "فإنه حار حار، وعليكم بالسنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفع السنى" لكنه لا يدفعه، فلا يدفعه السنى.
"وحكى عبد الحق الإشبيلي""بكسر الهمزة والموحدة وسكون الشين المعجمة والتحتية قبل اللام نسبة إلى إشبيلية" من أمهات بلاد الأندلس، حافظ كبير، مصنف، ففيه، "في كتاب الطب، له أن المحاسبي""بكسر السين" الحارث بن أسد "ذكر في كتابه، المسمى بالمقصد والرجوع إلى الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب السنى بالتمر" أي وضعهما في الماء وشربه، كما يفيده شرب، أي ليبس الطبيعة، كما هو ظاهر السياق ويوضعهما في الماء يندفع اجتماع حارين، المنهي عنه عند الأطباء لضرره.
"وفي سنن ابن ماجه" والحاكم، كلاهما في الطب "من حديث عمرو بن بكر بن إبراهيم بن أبي عبلة""بفتح المهملة وسكون الموحدة" واسمه شمر "بكسر المعجمة" ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل، تابعي صغير، ثقة، من شيوخ مالك ورجال الصحيحين، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، "قال: سمعت عبد الله بن حرام" كذا في النسخ، وصوابه كما في الإصابة والتقريب عبد الله بن أم حرام، وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: ابن كعب الأنصاري، نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصحابة بها، وزعم ابن حبان أن اسمه سمعون، له هذا الحديث: "وكان ممن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين" أي إليهما، وفي نسخة: للقبلتين،
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: "عليكم بالسنى والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام"، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: "الموت".
قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها.
وأما السنى، فهو نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس
أي: الكعبة وبيت المقدس، "يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عليكم بالسنى والسنوت".
قال ابن الأثير: يروى "بضم السين والفتح" أفصح، وفي الدر "بفتح السين" أفصح من ضمها، قال ابن الجوزي:"وبضم النون"، وفي القاموس: السنوت كتنور وسنور، "فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام" "بمهملة من غير همز" "قيل: يا رسول الله، وما السام؟، قال:"الموت" فيه: أن الموت داء من جملة الأدواء، وقال الشاعر:
كذاك الموت ليس له دواء
قال الحاكم: حديث صحيح، ورده الذهبي بأن عمرو بن بكر اتهمه ابن حبان، وقال ابن عدي: له مناكير، "قالوا: والشبرم قشر عرق شجرة" وفي النهاية حب يتداوى به، وقيل: هو الشيح، وفي القاموس الشبرم، كقنفذ، ويفتح: شجر ذو شوك، يقال: ينفع من الوباء ونبات آخر له حب كالعدس، وأصل غليظ ملآن لبنًا، والكل مسهل، واستعمال لبنه خطر، وإنما يستعمل أصله مصلحًا؛ بأن ينقع في الحليب يومًا وليلة، ويجدد اللين ثلاث مرات، ثم يجفف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثم يجفف ويعمل منه أقراص مع شيء من التربذ والهليلج والصبر؛ فإنه دواء فائق، "وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها" وإنما أجازوه بالتدبير الذي رأيته عن القاموس، ولم يكتف بقوله: إياكم والشبرم، قصدًا للجمع بين السنة وبين ما تطابقت عليه الأطباء، ولدفع توهم أنه أريد بالحديث نهي أهل الحجاز لحرارة أرضهم.
"وأما السنى، فهو نبت حجازي، أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة" أي الفساد، أي لا ضرر فيه، "قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء" زاد القاموس: والبلغم، وزاد غيره: والدم، فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطبع، وبعضها بالخاصية على زعم الأطباء، "ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس السوداوي" أي الناشئ من غلبة خلط السوداء يقبض.
السوداوي.
قال الرازي: السنى والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم.
وأما السنوات، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطًا سودًا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرماني، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل: إنه الشبت، وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن.
قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي: يخلط السنى مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا، لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال.
"قال الرازي: والسني والشاهترج""بشين معجمة وجيم" بالفارسية ملك البقول، ويسميه أهل مصر هاتراج، "يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب" بفتحتين خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملح للدم، يكون معه بثور، وربما حصل معه هزال لكثرته، "والحكة" "بكسر الحاء داء يكون بالجسد" وفي كتب الطب: هي خلط رقيق يحدث تحت الجلد، ولا يحدث منه مدة، بل شيء كالنخالة، وهو سريح الزوال، "والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم" باختلاف الأمزجة، ولا يزاد على سبعة.
"وأما السنوت، فقيل: هو العسل" النحل، "وقيل: هو رب عكة السمن، يخرج خطوطًا سودًا على السمن" فتلك الخطوط هي السنوت، "وقيل: حب يشبه الكمون، وليس به" أي وليس هو الكمون، "وقيل: هو الكمون الكرماني" "بكسر الكاف عند الأكثر، وصحيح ابن السمعاني فتحها وسكون الراء فيهما" "وقيل: إنه الراز يانج، وقيل: إنه الشبت" "بفوقية" المعروف، "وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن" "بكسر الزاي" السقاء الذي يجعل فيه.
"قال بعض الأطباء: وهذا" القول الأخير "أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب" في تفسير قوله: عليكم بالسنى والسنوت، "أي يخلط السنى" حال كونه "مدقوقًا بالعسل" متعلق بيخلط، "والمخالط للسمن، ثم يعلق فيكون أصلح من استعماله" أي السنى "مفردًا لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال" لأن رطوبتهما تقاوم اليبس الذي
في السني فتصلحه.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم للمفؤود] :
وهو الذي أصيب فؤاده بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون.
روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال:"إنك رجل مفؤود، فائت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلد بهن الفؤاد".
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم للمفؤود وهو الذي أصيب فؤاده:
أي قلبه "بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون، روى أبو داود" من طريق مجاهد: "عن سعد" ابن أبي وقاص، أحد العشرة، "قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني" يزورني، فوضع يديه على ثديي" تثنية ثدي "حتى وجد بردها على فؤادي" قلبي: "فقال: "إنك رجل مفؤود" أي تشتكي فؤادك، "فائت الحارث بن كلدة" "بفتح الكاف واللام"، ابن عمرو الثقفي، طبيب العرب، ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: روى ابن إسحاق لما أسلم أهل الطائف، تكلم نفر منهم في العبيد الذين نزلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقهم، فقال: أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة، قال غيره: وكان فيهم الأزرق مولى الحارث، ثم ذكر حديث أبي داود هذا، ثم قال: وقال ابن أبي حاتم: لا يصح إسلامه، وهذا الحديث يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب، قلت: وجدت له رواية في أمالي المحاملي.
وفي التصحيف للعسكري من طريق شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن الحارث بن كلدة، وكان أطب العرب، وكان يجلس في مقناة له، فقيل له في ذلك، فقال: الشمس تثفل الريح وتبلي الثوب وتخرج الداء الدفين.
قال العسكري: المقناة "بالقاف والنون" الموضع الذي لا تصيبه الشمس، وقوله: تثفل، بمثلثة وفاء مكسورة، أي تغيره، وروى الحربي في غريب الحديث، وعبد الملك بن حبيب في كتاب الطب النبوي، له أن عمر سأل الحارث بن كلدة: ما الدواء؟ قال: الازم، يعني الحمية، وروى أنه لما احتضر اجتمع الناس إليه، فقالوا: أوصنا، فقال: لا تتزوجوا إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا نضيجة، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بالنورة في كل شهر، فإنها مذهبة للبلغم، ومن تغدى فلينم بعده، ومن تعشى فليمش أربعين خطوة. انتهى ببعض اختصار "من ثقيف، فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة" أي التمر
وهذا الحديث من الخطاب العام الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم.
و"اللدود": ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم.
وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجزة، وفي كونها سبعًا خاصية أخرى تدرك بالوحي.
وفي الصحيحين "من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره
المسمى بذلك، "فليجأهن""بفتح الفاء وسكون اللام وفتح التحتية والجيم والهمز وضم الهاء وشد النون"، أي فليدقهن، وبه سميت الوجيئة، وهو تمر يبل بلبن، ثم يدق حتى يلتئم، كما في النهاية، وفي نسخة: فليحلهن، أي ينقعهن في الماء "بنواهن" ليخرج خاصيته، ولكنها تصحيف مخالف للنهاية، "ثم ليلد بهن الفؤاد".
وفي رواية ابن منده: مرض سعد، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"إني لأرجو أن يشفيك الله"، ثم قال للحارث بن كلدة:"عالج سعدًا مما به"، فذكر الحديث، فكان سعدًا لما أتى الحارث جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو لقيه من غير مجيء، فقال له: عالج إلى آخره، فلا خلف، ثم حاصله، أنه صلى الله عليه وسلم وصف الدواء، وإنما أمر الحارث بصنعه وتركيبه فقط.
"وهذا الحديث من الخطاب العام، الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم، والتمر لأهل المدينة" لكونه غذاء لهم، "كالحنطة لغيرهم" كأن الخطاب العام مأخوذ من قوله: فإنه رجل متطبب، ثم وصف له الدواء، فيفيد عمومه، حتى كأنه قيل: هذا دواء لكل مفؤود، مع أن المراد مفؤود خاص، كالمدني، وإلا فليس في الحديث خطاب عام البتة؛ لأنه إنما وصف لشخص مدني في مرضه، "واللدود""بفتح اللام ومهملتين "ما" أي الدواء الذي "يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم" أي يصب من أحد جانبي فم المريض، وبضم اللام الفعل، كما في الفتح وغيره، زاد في المفهم، أو أدخل من هناك بإصبع "وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجوة" نوع من أجود تمر المدينة.
قال القزاز: إنه مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة، "وفي كونها سبعًا، خاصية أخرى تدرك بالوحي" لا بغيره؛ إذ لا مدخل للعقل في ذلك.
"وفي الصحيحين" البخاري في الأطعمة والطب، ومسلم في الأطعمة، وأبو داود في الطب، والنسائي في الوليمة، كلهم من حديث عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصبح""بفوقية مفتوحة وصاد مهملة وموحدة مشددة"، أي أكل صباحًا قبل أن يأكل شيئًا، وأصل الصبوح والاصطباح تناول الشراب صبحًا، ثم استعمل في الأكل؛ لأن
ذلك اليوم سم ولا سحر".
شرب اللبن عند العرب بمنزلة الأكل، زاد في رواية للشيخين: كل يوم "بسبع""بجر" سبع بالموحدة، رواه أبو ذر "تمرات عجوة""بتنوينهما مجرورين"، فالثاني عطف بيان أو صفة، ورواه الأكثر سبع بدون باء، وتمرات بالتنوين، وعجوة "بالنصب عطف بيان أو صفة"، وروى تمرات عجوة، بإضافة تمرات لتاليه من إضافة العام للخاص "من تمر العالية" أي القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد، "لم يضره""بضم الضاد المعجمة وشد الراء" من الضرر، وفي رواية: يضره "بكسر الضاد وسكون الراء" من ضاره يضيره ضيرًا إذا أضره، "ذلك اليوم سم""بتثليث السين"، "ولا سحر" وفي رواية: بتقديم سحر على سم، وفي أخرى: لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل.
قال المصنف: ومفهومه أن السر الذي في أكل العجوة من دفع ضرر السم والسحر يرتفع إذا دخل الليل.
قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على حكم من تناول ذلك أول الليل، هل يكون كمن تناوله أول النهار حتى يندفع عنه ضرر السم والسحر إلى الصباح؟، قال: والذي يظهر خصوصية ذلك بالتناول أول الليل؛ لأنه حينئذ يكون الغالب أن تناوله على الريق، فيحتمل أن يلحق به من تناوله أول الليل على الريق، كالصائم.
قال تلميذه شيخنا الحافظ السخاوي: وقع في حديث الباب من رواية فليح، عن عامر بن سعد، قال وأظنه قال: وإن أكلها حين يمي لم يضره شيء حتى يصبح، رواه أحمد في مسنده؛ بل وقع عند الطبراني في الأوسط من حديث أبي طوالة، عن أنس، عن عائشة مرفوعًا:"من أكل سبع تمرات من عجوة المدينة في يوم" الحديث، وفيه: من أكلهن ليلًا لم يضره انتهى.
ثم قوله: من تمر العالية، ثبت في بعض طرق حديث سعد، وسقط من أكثرها، وفي مسلم عن عائشة، مرفوعًا:"إن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة"، ورواه أحمد، بلفظ: في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم.
وفي أبي داود عن جابر وأبي سعيد، والنسائي عن جابر، مرفوعًا:"العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم"، أي: وذلك ببركة دعوته صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر، ثم هل ذلك خاص بزمنه صلى الله عليه وسلم أو عام؟، قولان رجح بعضهم الأول، وقال الخطابي: وصف عائشة ذلك بعده صلى الله عليه وسلم يرد قول من قال: إن ذلك خاص بزمنه.
نعم، من جربه وصح معه عرف استمراره، وإلا فهو مخصوص بزمانه، وأما التخصيص بالسبع، فقال النووي: لا يعقل معناه، كأعداد الصلوات ونصب الزكاة.
وقال القرطبي: الشفاء بالعجوة من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني، قال: ومن
.....................................................
أئمتنا من تكلف لذلك؛ بأن السموم إنما تقتل لإفراط بردها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة، تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم، لكن هذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإن في الأدوية الحارة ما هو أولى من التمر، فتخصيص السبع لا يعلمه إلا الله، ومن أطلعه الله عليه. انتهى. وأيضًا، فإن سلم ذلك في السلم لم يفد في السحر.
قال القرطبي: وقد جاء ذلك في مواطن كثيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم في مرضه:"صبوا علي من سبع قرب"، وقوله:"غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا"، وجاء هذا العدد في غير الطب، كقوله تعالى:{سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ} [يوسف: 43] الآية، وحديث سبع كسني يوسف، وكذا السبعون والسبعمائة، فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي، فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله ومن أطلعه عليها، وما جاء في غيره، فالعرب تضع هذا العدد للكثر، لا لإرادة عدد بعينه ولا حصر.
قال المصنف: وقول ابن القيم إذا أديم أكل العجوة على الريق، يجفف مادة الدود ويضعفه، أو يقتله، فيه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم، لكن سياق الحديث يقتضي التعميم؛ لأنه نكرة في سياق النفي؛ ويبقى القول في السحر، فالمصير إلى أن ذلك من سر دعائه صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة، ولكونه غرسه بيده الشريفة أولى.
[ذكرطبه صلى الله عليه وسلم لداء ذات الجنب] :
في البخاري مرفوعًا: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، ومنها ذات الجنب".
وفي الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال صلى الله عليه وسلم: "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت".
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم لداء ذات الجنب:
"في البخاري" ومسلم، مرفوعًا" عن أم قيس بنت محصن، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عليكم بهذا العود الهندي" أي استعملوه، "فإن فيه سبعة أشفية" أي أدوية: جمع شفاء، كدواء وأدوية، وجمع الجمع: أشاف، "منها: ذات الجنب" وأنه يسعط به من العذرة، فأخبر بسبعة وذكر ثنتين، إما لأنهما الموجودان حينئذ دون غيرهما، أو هو اختصار من الراوي، كما مر، "وفي الترمذي" والحاكم، وصححه "من حديث زيد بن أرقم، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "تداووا من ذات الجنب بالقسط""بضم القاف" وفي لغة بالكاف بدل القاف "البحري".
واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا.
فالأول هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض، الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري.
قال المازري: القسط صنفان بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، ويؤتى به من بلاد المغرب، وهو أفضل من الهندي وأقل حرارة منه، وقيل: هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا، وتعقبه القرطبي بأن البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب، والفرض أنه هندي إلا أن يعني بالمغرب المغرب من بلاد الهند. انتهى.
وبه يعلم أنه لا تنافي بين هذا الحديث وبين قوله في الحديث السابق: يريد الكست، وهو العود الهندي، وقوله في حديث جابر المار أيضًا، فليأخذ قسطًا هنديًّا؛ لأن المراد به أحد نوعي الهندي، وهو الأبيض البحري، كما في هذا الحديث؛ لكن في شرح المصنف؛ أن البحري يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، "والزيت" المسخن؛ بأن يدق ناعمًا ويخلط به، ويدلك به محله، أو يلعق؛ فإنه نافع له محلل لمادته، مقو للأعضاء الباطنة، مفتح للسدد وغير ذلك.
قال بعض العلماء: على المريض والطبيب أن يعمل على أن الله أنزل الداء والدواء، وأن المرض ليس بالتخليط وإن كان معه، وأن الشفاء ليس بالدواء، وإن كان عنده، وإنما المرض بتأديب الله والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرًا بالله مؤمنًا بالدواء، كالمنجم إذا قال: مطرنا بنوء كذا، ومن شهد الحكمة في الأشياء ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها.
"واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن" أي الداخل "للأعضاء" أي فيها بحيث جعل كالبطانة، والمراد: الأعضاء الرئيسة، كالقلب والكبد ونحوهم، "وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات" بكسر الصاد وتخفيف الفاء جمع صفاق.
قال في القاموس: ككتاب الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كله، "والعضل" جمع عضلة "بفتح المهملة والمعجمة" كل عصبة معها لحم غليظ، "التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا، فالأول" الذي هو ورم حار إلى آخره، "هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض:
ويقال لذات الجنب أيضًا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا الثاني؛ لأن القسط وهو العود الهندي هو الذي يداوي به الريح الغليظة.
وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي أنه قال: العود حار يابس قابض، محبس للبطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة.
الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري" أي تحرك العروق تحركًا شديدًا لأعلى وأسفل، حركة تشبه حركة المنشار.
"ويقال لذات الجنب أيضًا وجع الخاصرة" مقتضى المقابلة أن يقول: وقد تطلق ذات الجنب على وجع الخاسرة، "وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد" تعليل مبني على التفسير الأول، الذي هو المعنى الحقيقي لذات الجنب، "وهو من سيئ الأسقام" ولذا قال صلى الله عليه وسلم لما لدوه في مرضه، ظنا منهم أن به ذات الجنب:"ما كان الله ليسلطها علي"، أي ما كان الله مريدًا لأن يسلطها علي رحمة بي ورأفة علي.
"والمراد بذات الجنب هنا الثاني" المذكور بقوله: وقد يطلق على ما يعرض
…
إلخ، "لأن القسط، هو العود الهندي هو الذي يداوى به الريح الغليظة".
"وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي" من فضلاء الأطباء؛ "أنه قال: العود حار، يابس، قابض، محبس""بضم، فسكون، فكسر" أي مانع "للبطن" من الإسهال، وهو عطف بيان لقابض، "ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة" أي زيادتها، "نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ، قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة" أي نقصانها.
قال المازري: اعترض بعض الملحدة على هذا الحديث، وقال القسط: لا ينفع من ذات الجنب لشدة حرارته والتداوي به خطر، وهذا باطل؛ فقد ذكر بعض قدماء الأطباء أن ذات الجنب الحادثة من البلغم، علاجها بالقسط.
وذكر ابن سينا وغيره؛ أن شربه ينفع من وجع الصدر، وقال جالينوس: ينفع من وجع الكبد والجنبين.
وقال بعض القدماء: إنه يستعمل لإسخان عضو وجلب خلط من باطن الجسد إلى ظاهره،
وبهذه وصفه ابن سينا وهذا كله يبين كذب هؤلاء الملحدة، وقد تطابق الأطباء على أن يدر البول والطمث، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع في الأمعاء إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلي به، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمى الورد والربع، ومن النافض لطوخًا بالزيت، ومن البرد الكامن والفالج والاسترخاء، فأنت ترى هذه المنافع التي ذكرها الأطباء، فصار ممدوحًا طبًّا وشرعًا. انتهى ملخصًا وقدمته بنحوه.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم لداء الاستسقاء] :
عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم. فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها"، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا الله
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم لداء الاستسقاء:
"عن أنس" بن مالك رضي الله عنه، "قال: قدم رهط من عرينة" "بضم العين وفتح الراء المهملتين" حي من قحطان، "وعكل" "بضم العين وسكون الكاف، فلام" حي من تيم الرباب، وعند أبي عوانة عن أنس: أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، ولا يخالف رواية البخاري في الجهاد والديات عن أنس أن ناسًا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب "على النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتووا المدينة" "بجيم وواوين" أي أصابهم الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول، أو كرهوا الإقامة بها لما فيها من الوباء، أو لم يوافقهم طعامها، "فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية للبخاري، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل الريف؛ وله في أخرى؛ أن ناسا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله، آونا وأطعمنا، فلما صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة، والظاهر؛ أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من الجوع مصفرة ألوانهم، فلما صحوا من السقم أصابهم من حمى المدينة، فكرهوا الإقامة بها، ولمسلم عن أنس: وقع بالمدينة الموم "بضم الميم وسكون الواو" وهو ورم الصدر، فعظمت بطونهم، فقالوا: يا رسول الله إن المدينة وخمة، "فقال صلى الله عليه وسلم: "لو خرجتم إلى إبل الصدقة، فشربتم من ألبانها وأبوالها" لزال عنكم هذا المرض، أو لو للتمني، فلا يحتاج للجواب، وفي رواية: فاشربوا بالأمر الصريح، وأخرى: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء سبيل، وفي رواية: الحقوا بإبل رسول الله، وفي أخرى: هذا نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وجمع بأن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعثه صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى، طلب هؤلاء الخروج، فأمرهم بالخروج مع راعيه، فرخص لهم في الشرب من إبل الصدقة؛ لأنهم أبناء سبيل كما علم، وأما لقاحه فبإذنه، "فلما صحوا عمدوا""بفتح الميم" قصدوا.
ورسوله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا. رواه الشيخان.
وفي رواية للبخاري: فانطلقوا وشربوا، وفي أخرى: وصحوا، وأخرى، وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم، وكفروا بعد إسلامهم، وعمدوا "إلى الرعاة فقتلوهم""بضم الراء" جمع راع كقضاة وقاض.
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه صلى الله عليه وسلم، وفي ذكره بالأفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده في رواية: ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم "بصيغة الجمع" فيحتمل أن لإبل الصدقة رعاة، فقتل بعهضم مع راعي اللقاح النبوية، فاقتصر بعض الرواة عليه، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار راعيه صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح أبي عوانة: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل، ولم أقف على اسم الآخر. انتهى.
"واستاقوا الإبل" ساقوها من السوق، وهو السير العنيف، "وحاربوا الله ورسوله" أي فعلوا فعلم المحارب، "فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم""بالمد"، أي وراءهم عشرين فارسًا، أميرهم كرز بن جابر على الصحيح "بضم الكاف وسكون الراء وزاي منقوطة"، ومرت القصة مبسوطة في المغازي، "فأخذوا" وللبخاري: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، "فقطع""بخفة الطاء""أيديهم وأرجلهم".
زاد الترمذي والإسماعيلي من خلاف، وبه رد الحافظ قول الداودي: فقطع يدي كل واحد ورجليه، "وسمل أعينهم""بفتح المهملة والميم ولام مخففًا، أي فقأها بحديدة محماة".
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه سمر "بالراء وخفة الميم"، وفي رواية لمسلم: باللام، قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان، وبالراء لغة فيه، ومخرجها متقارب، وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت، قلت: وقع التصريح بالمراد عند البخاري في الجهاد وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير فأحميت، ثم كحلهم بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام؛ لأنه فقء العين بأي شيء كان. انتهى. "وألقاهم في الشمس حتى ماتوا" وكانوا قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، كما عند ابن سعد، فيكون ما فعل بهم قصاصًا كما أشار إليه أنس، بقوله:"إنما سمل صلى الله عليه وسلم أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة"، رواه مسلم، ومال إليه جماعة، وإسناد الفعل في جميع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجاز، والمراد أمر، كما صرح به في روايات أخر.
واعلم أن الاستسقاء مرض مادي، سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط.
وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها، وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن، بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائية ردية يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء في الزق، وهو أرادأ أنواعه عند أكثر الأطباء. وطبلي: وهو الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل.
وإنما أمرهم عليه الصلاة والسلام بشرب ذلك؛ لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد، إذا كان أكثر رعيها الشيخ والقيصوم
"رواه الشيخان" واللفظ لمسلم وزاد في رواية: قال سلام: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقبه النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بهذا الحديث، فبلغ الحسن البصري، فقال: وددت أنه لم يحدثه بهذا، وللإسماعيلي: فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام على المنبر، فقال: حدثنا أنس، فذكر الحديث، وقال: قطع النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي والأرجل، وسمر الأعين في معصية الله، أفلا نفعل مثل ذلك في معصية الله؟
"واعلم أن الاستسقاء مرض مادي" أي سببه مادة تفسد الجسد، كما قال:"سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو" أي تزيد "بها إما الأعضاء الظاهرة كلها" بأن تنفتح مثلًا بسبب تلك المادة، "وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها" من جهة شدته في البدن، "وهو الذي يربو" يزيد "معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو"، أي تنتشر "مع الدم في الأعضاء، و" الثاني: "زقي""بزاي وقاف"، "وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائة ردية، يسمع لها عند الحركة خضخضة" أي تحرك واضطراب، "كالماء في الزق" والمراد: أثر الخضخضة، وهو القاموس، "وهو أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء" من حيث تعسر دوائه وعلاجه، "وطبلي: وهو الي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل" وهو أخفها، "وإنما أمرهم عليه الصلاة والسلام بشرب ذلك" اللبن والبول، "لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد إذا".
والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصًا إذا استعمل بحراراته التي يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن.
وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج في المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجاني النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
وفي نسخة: إذ "كان أكثر رعيها الشيح""بالكسر": نبت معروف "والقيصوم""فيعول" من نبات البادية، قال في القاموس: وهو صنفان أنثى وذكر، النافع منه أطرافه، وزهره مر جدًّا، ويدلك البدن به للناقض، فلا يقشعر إلا يسيرًا، ودخانه يطرد الهوام، وشرب سحيقه نبأ نافع لعسر النفس وللبول والطمث ولعرق النساء، وينبت الشعر ويقتل الدود "والبابونج" زهرة معروفة كثيرة النفع، "والأقحوان""بالضم" البابونج، كما في القاموس، فالعطف مرادف "والإذخر""بكسر الهمزة والخاء" نبات معروف ذكي الريح، وإذا جف أبيض، "وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء، خصوصًا إذا استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل، وهو حار، كما يخرج من الحيوان" أي وقت خروجه قبل أن يبرد، "فإن ذلك" أي ضم بول الفصيل إلى اللبن "مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن" فيخرج الداء الذي فيه.
"وأما ضعف المعدة" مستأنفًا ليس سيمًا لشيء، وناسب ذكره عقب الاستسقاء؛ لأنه قد يكون سببًا في ضعفها إذا برئ؛ إذ سببه المادة المفسدة للمعدة، "فذكر ابن الحاج في المدخل؛ أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد" عبد الله بن محمد القرشي، "المرجاني" الإمام القدوة، الواعظ المفسر، أحد الأعلام في الفقه والتصوف، قدم مصر ووعظ بها، واشتهر في البلاد وامتحن، وأفتى العلماء بتكفيره، فلم يؤثروا، فعملوا عليه الحيلة، فقتل بتونس سنة تسع وسبعين وستمائة، كما في اللواقح، "النبي صلى الله عليه وسلم" في المنام، "وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى""بالفتح والضم ويمد في الفتح فقط"، علك رومي أبيض نافع، والمقعدة، قاله القاموس، وفي المصباح:"بضم الميم وتخفيف الكاف"، والقصر أكثر من المد.
وقال ابن خالويه: يشدد فيقصر، ويخفف فيمد، وحكى ابن الأنباري: فتح الميم والتخفيف والمد، وحكى ابن الجواليقي ذلك، لكنه قال: والقصر، وكذا قال الفارابي، لكنه قال
ففعله فبرئ.
ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودرهمان شونيز، ومثلهما أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ.
ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم ومن خزامي درهمين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقي يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم
مصطكي: بالتاء والميم أصلية، وهي رومية معربة "بعد دقها، ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز""بفتح الشين" الحبة السوداء على الأشهر، "يفعل ذلك سبعة أيام، ففعله فبرئ" ببركة المصطفى، "ومرض بعض الناس ببرد المعدة، فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف عسل نحل ودرهمان شونيز ومثلهما آنيسون ونصف أوقية من النعنع""بزنة جعفر وهدهد"، أو كجعفر، وهم للجوهري بقل معروف أنجع دواء للبواسير، ضمادًا بورقة، وضماده بملح لعضة الكلب وللسعة العقرب، واحتماله قبل الجماع يمنع الحبل، ويقال: نعناع أيضًا كما في القاموس "الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار فاستعمله فبرئ".
"ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يشير بهذا الدواء شونيز""بالجر بدل من هذا الدواء"، "ثلاثة دراهم، ومن خزامي درهمين ونصف" بجره أيضًا عطف على شونيز قدم عليه متعلقة، وهو من خزامي، وهو ظاهر، فلا وجه لمن قال صوابه درهمان، "ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي، ومثله من الغليا" أي من كل منهما ثلاثة دراهم "ووزن درهم من البلوط""بفتح الموحدة وضم اللام مشددة"، "وهو ثمرة الفؤاد" أي المسمى بذلك، وفي القاموس: البلوط كتنور شجر كانوا يغتذون بثمره قديمًا، بارد يابس، ثقيل، غليظ، ممسك للبول، وبلوط الأرض: نبات ورقه كالهندباء، مدر، مفتح، مضمر للطحال، "وأوقية من الزيت المرقي، يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به، وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار" أي أوله "وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم،
ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح.
والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} إلى آخر السورة {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن} إلى آخر السورة.
وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء" على لسان المرجاني:"إنه ينفع لأدواء" أمراض عديدة، "وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح. والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} إلى آخر السورة {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن} إلى آخر السورة" والظاهر أن هذه الصفة معلومة عندهم، إلا أنها علمها النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الشخص الذي قال له: إنه ينفع لأدواء عديدة، بدليل أنه في وصفه للمرجاني قال: والزيت المرقي، فيفيد أن صفة رقيته بهذا كانت معلومة عندهم قبل ذلك.
"وحصل لآخر قولنج""بضم القاف وفتح اللام"، قال في القاموس: وقد تكسر لامه، أو هو مكسور اللام، "وبفتح القاف وبضم": مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح، "فرأي الشيخ" المرجاني "النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة" "بفتح الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة، وسكون التحتية ونون مفتوحة فهاء"، وقد تحذف، "ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك، والتلبينة حساء" "بفتح الحاء والسين المهملتين والمد"،
والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيه عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء.
ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية والزيت المرقي، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقًَّا ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق؛ ففعله فبرئ.
وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه فرأى الشيخ النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ، انتهى.
وهذا وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك.
"يعمل" أي يطبخ "من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل" وربما عمل لبن، سميت بذلك تشبيهًا لها باللبن في بياضها ورقتها، "ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله، فبرئ بعد أن أعيا الأطباء".
وفي الصحيحين، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تأمر بالتلبية للمريض وللمحزون على الهالك، وتقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن""بضم الفوقية وكسر الجيم وشد الميم، وبفتح الفوقية وضم الجيم"، وفي رواية:"التلبينة مجمة لفؤاد المريض" الحديث.
قال القرطبي: روي مجمة "بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم"، أي تريح قلبه وتسكنه وتقويه، "ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ" المرجاني، "فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية، والزيت المرقي ورقيق البيضة" المسمى عرفًا بياض البيض، "ويخلط ذلك كله ويمده على الموضع" الموجوع، "ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل" نبات بالبادية له حب أسود، وقيل: حب كالسمسم "بعد ما يدق ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق، ففعله فبرئ""بكسر الراء وفتحها""وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه، فرأى الشيخ" المرجاني "النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فأشار إلى هذا الدواء، قرنفل وزنجبيل وقرفا وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ويطبخ، ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، ويكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ. انتهى" كلام المدخل، "وهذا" كله "وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك" فلا بأس بالعمل به بصدق النية.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء عرف النسا] :
وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه. وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب.
وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء". رواه ابن ماجه.
وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم؛ لأن
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء عرق النسا. وهو بفتح النون والمهملة:
والقصر "المرض الحال بالعرق" أي عرق الفخذ، "والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله" المناسب لتفسيره، أن يقول من إضافة المحل إلى الحال فيه، وفي القاموس: أن النسا اسم للعرق نفسه لا للمرض؛ إذا قال: النسا عرق من الورك إلى الكعب، ويثنى نسوان ونسيان، قال الزجاج: لا تقل عرق النسا؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. انتهى.
فيؤول إذا أضيف بأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، "قيل: وسمي بذلك؛ لأن ألمه ينسي ما سواه" فهو من النسيان، وقيل: من النسء التأخير؛ لأنه يطول ويتأخر برؤه، "وهذا العرق ممتد من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب".
"عن أنس" بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دواء عرق النسا إليه شاة" "بفتح الهمزة وإسكان اللام مخففًا".
قال ابن السكيت وجماعة: ولا تكسر الهمزة، ولا يقال ألية بالتشديد، والجمع أليات، مثل: سجدة وسحدات، والتثنية أليان، "بحذف التاء على غير قياس"، وبإثباتها في لغة على القياس "أعرابية""التاء في شاة للوحدة، فيصدق بالذكر والأنثى، لكن في رواية: بألية، كبش ليس بالعظيم ولا بالصغير، وفي أخرى: كبش أسود، فتحمل رواية شاة على الذكر الأسود الذي ليس بكبير ولا صغير؛ لأن المطلق يحمل على المقيد، "تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء" متساوية، "ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء".
"رواه ابن ماجه: وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم" من غيرهم،
هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال. والإلية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها؛ لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيخ والقيصوم ونحوهما، وهذا إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها، بعد أن تلطفه تغذية، وتكسبها مزاجًا ألطف منها ولا سيما الإلية.
لأن للمجاورة تأثيرًا، "وهو أنفعه لهم؛ لأن هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة" أي متعلقة، "فعلاجها بالإسهال والإلية، فيها الخاصيتان، الإنضاج" وهو تهيئته للحالة التي يسهل خروجه بعدها، من أنضجت اللحم إذا سويته بالطبخ "والتليين، وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها وخاصية مرعاها؛ لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيخ والقيصوم ونحوهما، وهذه" الأعشاب "إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن تلطفه" أي تلطف تلك الأعشاب لحمها "تغذية""بالرفع اسم صار"، "وتكسبها مزاجًا ألطف منها، ولا سيما الإلية".
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الورم] :
والخراجات بالبط والبزل، يذكر عن علي رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله، بهذه معدة فقال:"بطوا عنه"، قال علي: فما برحت حتى بطت، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد.
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الورم:
أي الغلظ من المرض، وجمعه أورام، والفعل ورم يرم "بكسر الراء فيهما""والخراجات""بخاء معجمة وجيم"، مخففًا: جمع خراج كغراب "بالبط" أي الشق "والبزل""بموحدة، وزاي عطف مرادف"، يقال: بزل الشيء إذا ثقبه وأخرج ما فيه، "ويذكر عن علي رضي الله عنه، قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يعوده بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله بهذه معدة""بكسر الميم" قيح غليظ، "فقال:"بطوا" أي شقوا "عنه" أي عما احتبس فيه، "قال علي: فما برحت" أي زلت من مكاني "حتى بطت والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد" أي حاضر.
[ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا] :
روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه.
وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، جسمه النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة في
ذكر طبه عليه الصلاة والسلام بقطع العروق والكي جميعًا:
كما في الحديث الأول، وبالكي وحده كما في بقية الأحاديث التي ساقها، ولم يذكر الطب بقطع العرق وحده، وسواء كان ذلك في نفسه بناء على تسليم أنه اكتوى، أو لغيره بإرشاده لمن يفعله في نفسه أو غيره.
"روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب" بن قيس الأنصاري، النجاري، سيد القراء، من فضلاء الصحابة، "طبيبًا فقطع له عرقًا" أي فصده "وكواه عليه".
وفي رواية لمسلم أيضًا، عن جابر، قال: رمى أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أمر بكيه.
قال القرطبي: فيه دلالة على أنه لا يلي عمل الشيء إلا من يغرفه، وعلى جواز الكي إذا صحت منفعته أو دعت إليه حاجة، والنهي عنه إنما هو إذا وجد عنه غنى، ولذا لا يقال أن أبيا المشهود؛ بأنه أقرأ الأمة، وسعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته ليسا من السبعين ألفًا الذين لا يكتوون.
"وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي""بضم الراء مبني للمجهول""سعد بن معاذ" يوم الخندق "في أكحله""بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الحاء المهملة" عرق في الذراع يفصد، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال له نهر الحياة، في كل عضو منه شعبة، له اسم آخر، وإذا قطع في اليد لم يرقا الدم.
قال أبو حاتم: يقال له في اليد الأكحل، وفي الفخذ النسا، وفي الظهر الأبهر "جسمه" أي قطع دمه بالكي "النبي صلى الله عليه وسلم" بيده بمشقص، ثم ورمت الثانية فحسمه، هذا بقية الحديث في مسلم:"بميم مكسورة ومعجمة ساكنة، فقاف، فمهملة" نصل السهم الطويل.
"وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة" زيد بن سهل
زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعند الترمذي: أنه صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة.
وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت فعاد. وفي رواية: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي، يعني تسليم الملائكة.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث.
الأنصاري زوج أم أنس "في زمن النبي صلى الله عليه وسلم" لمرض اقتضى العلاج بالكي.
"وعند الترمذي؛ أنه صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة" الأنصاري، الخزرجي، قديم الإسلام، شهد العقبات الثلاثة، ومات قبل بدر باتفاق، قال الواقدي: في شوال على رأس تسعة أشهر من الهجرة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بالبقيع، "من الشوكة" هي حمرة تعلو الوجه، بلفظ: واحدة الشوك.
"وروى مسلم عن عمران بن حصين" بمهملتين" مصغر ابن عبيد الخزاعي أبي نجيد "بنون وجيم"، مصغر من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان مجاب الدعوة، بعثه عمر إلى البصرة ليفقه أهلها، فأقام إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وأبوه صحابي، "قال: كان يسلم علي" "بالبناء للمفعول، أي كانت الملائكة تسلم علي "حتى اكتويت" قبل وفاته بسنتين، كما رواه الحارث بن أبي أسامة، "ثم تركت الكي، فعاد" رجع إلي تسليم الملائكة.
وعند الدارمي عن مطرف، قال عمران بن حصين: إني محدثك بحديث؛ أنه كان يسلم علي، وأن ابن زياد أمرني فاكتويت، فاحتبس عني حتى ذهب أثر الكي.
"وفي رواية" لمسلم، أيضًا عن عمران:"إن الذي كان انقطع عني" بسبب الكي "رجع إلي، يعني تسليم الملائكة" أي الحفظة، قال أبو عمر: يقول عنه أهل البصرة؛ أنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حى اكتوى، ففقده ثم عاد إليه؛ ومراد المصنف من سياق هذا معارضته للأحاديث قبله، الدالة على الجواز، ويأتي له الجمع قريبًا، وليس مراده الاستدلال به على الترجمة، وترجى أن وجه الدلالة إقراره صلى الله عليه وسلم له بعد فعله فاسد؛ لأن عمران إنما اكتوى قبل موته بسنتين، كما رواه الحارث، وذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة.
"وروى أحمد وأبو داود والترمذي" بسند قوي، "عن عمران" رضي الله عنه:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا" أي ما ظفرنا بمطلوبنا، وإنما اكتووا مع النهي؛ لأنهم فهموه على الكراهة، أو على خلاف الأولى، كما قاله المتن بعد أسطر. وفي
وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي الذي لا تنقطع مادته إلا به، ولهذا وصفه صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولذا كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي.
والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كي
لفظ: فلم تفلحن ولم تنجحن، أي الكيات، ونجح كمنع. "الحديث" كذا في النسخ: فيقتضي أن له بقية مع أنه ليس له بقية، وقد أحسن في شرحه تبعًا للحافظ، فلم يقل الحديث، "وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي" أي المتجاوز في خروج الدم، يقال: بغى الجرح إذا تراخى إلى الفساد، ومنه البغي الظلم والاعتداء والفساد، "الذي لا تنقطع مادته إلا به" أي الكي، "ولذا وصفه صلى الله عليه وسلم، ثم نهى عنه" فقال الشفاء في ثلاثة: "شربة عسل وشرطة محجم وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي"، رواه البخاري، عن ابن عباس:"إنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم""بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة" الإشراف على الهلاك وخوف التلف، "ولذا كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي" وآخر الطب الكي.
قال السخاوي: كلام معناه أنه بعد انقطاع معرفة الشفاء يعالج به، ولذا كان أحد ما حمل عليه النهي عن الكي وجود طريق مرجو للشفاء سواه، "والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث" السابقة وغيرها من جوازه والنهي عنه، فيجمع بينها بذلك.
"وقيل: إنه" أي النهي "خاص بعمران" يعني: ومن شابهه في مرضه، بدليل قوله: وأنهى أمتي عن الكي، "لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه" حملًا له على التنزيه؛ "فلم ينجح" لم يظفر بزوال الباسور ولا ينافي ذلك ما رواه الحارث في مسنده عن الحسن عن عمران أنه شكا بطنه، فلبث زمانًا طويلًا، فدخل عليه رجل، فأمره بالكي، فاكتوى قبل وفاته بسنتين، وكان يسلم عليه، فلما اكتوى فقده، ثم عاد إليه؛ لأن وجع بطنه نشأ من اشتداد الباسور؛ لأنه يحبس الريح والغائط.
"وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل
الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولهذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء.
وقال بعضهم: إنما نهى صلى الله عليه وسلم عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
من اكتوى لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع" إذ لا بد من وقوعه.
"والثاني: كي الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له" أي بالكي، "فإن كان الكي لأمر محتمل، فهو خلاف الأولى، لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق" إذ الشفاء بالدواء محتمل، فلا ينبغي فعله.
"وحاصل الجمع" بين الأحاديث "أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع" لجواز إن تركه خوفًا من الألم لا لمنع الفعل، "بل يدل على أن تركه أرجح من فعله" لأن تركه مع الإخبار بأن فيه شفاء، وحرص النفس على الخلاص من المرض دليل على أن الترك لمرجح عنده، "ولهذا وقع الثناء على تاركه" في حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لقوله صلى الله عليه وسلم:"هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون".
"وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما" أي عن كي "لا يتعين طريقًا إلى الشفاء" فما نكرة موصوفة.
"وقال بعضهم: إنما نهى صلى الله عليه وسلم عنه مع إثباته الشفاء فيه" بقوله: "الشفاء في ثلاث
…
" الحديث المار قريبًا.
ورواه البخاري أيضًا ومسلم منه حديث جابر بلفظ: "إن كان في شيء من أدويتكم شفاء، ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، وما أحب أن أكتوي"، "إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم" أي يقطع "الداء بطبعه، فكرهه لذلك" لأنه اعتقاد باطل، فالشافي إنما هو الله تعالى، فهو الذي يحسمه، "ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون" فهو مكروه، أو خلاف الأولى.
قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر: والثابت في الصحيح في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. انتهى.
"قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبري" محمد بن جرير "أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر" تعقبًا عليهما: "والثابت في الصحيح" البخاري "في غزوة أحد" وفي غيرها، ومنه في الطب، وبوب عليه باب حرق الحصير ليسد به الدم، "أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. انتهى".
يعني فإن كان ذلك مراد من قال: اكتوى، لم يصح إلا بتأويل؛ أنه أطلق الكي على الحشو برماد الحصير مجازًا، وقد جزم ابن التين؛ بأنه اكتوى، وابن القيم بأنه لم يكتو، ولفظ الصحيح عن سهل بن سعد: لما كسرت على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضة، وأدمي وجهه، وكسرت رباعيته، كان علي يختلف بالماء في المجن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت الدم يزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصير، فأحرقتها وألصقتها على جرحه، فرقا الدم.
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الطاعون:
قال الخليل بن أحمد: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، وقال القاضي أبو
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الطاعون:
بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالًّا على الموت العام، كالوباء، ويقال: طعن، فهو مطعون، وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح، هذا كلام الجوهري، "قال الخليل بن أحمد" الأزدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري، اللغوي، صاحب العروض والنحو، صدوق، عالم، عابد، مات بعد الستين ومائة، وقيل: سنة سبعين أو بعدها" "الطاعون: الوباء".
"وقال ابن الأثير" في النهاية: في طعن " الطاعون المرضى العام والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد به الأمزجة" فمفهوم هذا تغايرهما، وقال في وبأ الوباء:"بالقصر والمد والهمزة" الطاعون والمرض العام، فجعلهما جزأين من جزئيات الوباء، فمفهومه تساويهما.
بكر بن العربي: الطاعون المرض الغالب الذي يطفئ الروح، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك. وقال النووي في تهذيبه: هو بئر وورم مؤلم جدًّا يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند الأربية، وسببه ورم رديء: يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو، ويغير ما يليه،
"وقال القاضي أبو بكر" محمد "بن العربي" الفقيه الحافظ: "الطاعون المرض الغالب الذي يطفئ الروح" أي يزيل قوته، وهو مجاز عن قتله، "سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله".
"وقال أبو الوليد" سليمان "الباجي" الحافظ الفقيه: "هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس" فلا يعم ولا يختص بجهة.
"وقال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح" جمع قرح "الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت" عموم الأمراض "طاعونًا لشبهها بها" أي القروح "في الهلاك" لمن حلت به، "وقال النووي في تهذيبه" أي كتاب تهذيب الأسماء واللغات، "هو بئر""بموحدة، فمثلثة، فراء" أي خراج صغير "وورم مؤلم جدًّا، يخرج مع لهب، ويسود ما حوله، أو يخضر، أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية" نسبة إلى البنفسج، كسفرجل، والمكرر منه اللامان، وزنه فعلل، كما في المصباح:"كدرة" متغيرة، "ويحصل معه خفقان" اضطراب قلب "وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن" أي ما لان منه، "والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد" أي باقيه قسيم قوله غالبًا.
"وقال ابن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن""بمعجمة وموحدة ونون" وهي الأرفاغ والآباط "من البدن" الواحد، مغبن كمسجد، "وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند الأربية""بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الموحدة وتحتية مشددة".
ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحصل القيء والغثيات والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جواهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده.
والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونًا بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت.
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى
قال الجوهري: أصل الفخذ، وأصله أربوة، فاستثقلوا التشديد على الواو، أي: فقلبوها ياء، "وسببه ورم رديء يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه" إلى سواد أو خضرة أو حمرة كدرة، "ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحصل القيء والغثيات والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه" من الموت، "وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة" بالواو والهمز، وتقلب الهمزة ياء، "ومن ثم أطلق على الطاعون وباء، وبالعكس، وأما الوباء، فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده" أي زيادته وقوته، "والحاصل" أي حاصل المقام لا حاصل كلام ابن سينا "أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان ادم وانصباب الدم إلى عضو، فيفسده" ولا ينافيه أنه وخز الجن، لجواز أن ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السمية، ويهيج الدم بسببها أو ينصب.
وقال الكلاباذي: يحتمل أن الطاعون قسمان: قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة، أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن، وقسم يكون من وخز الجن، كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الأخلاط، وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضًا من طعن الإنس، "وإن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به، أو كثرة الموت" كما أشار إليه عياض، وإن كانا متغايرين، "والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية" قط.
"وقد قالت عائشة: دخلنا" وفي رواية: قدمنا "المدينة، وهي أوبأ أرض الله، وقال
أرض الوباء.
والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم تتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارح، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو مثلهم في مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد لا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب بقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه
بلال: أخرجونا" أي كفار قريش "إلى أرض الوباء" ومر الحديثان في الهجرة، "والطاعون من طعن الجن، وإنما لم تتعرض الأطباء، لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف في الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم" لكنها منقوضة، كما أشار إليه بقوله: "ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن" وقد عبر في شرحه للبخاري بالاستدراك، فقال: لكن "وقوعه غالبًا في أعدل الفصول" من العام، وهو فصل الربيع، "وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء" وذلك يبطل قول الأطباء أنه من فساد الهواء أو وباء البلاد، "و" أيضًا، "لأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى" في ساعة واحدة، "والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين" فبطل كونه من فساد الهواء، "بأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشهادة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو مثلهم في مزاجهم" وأيضًا "لو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد، لا يتجاوزه" إلى ما سواه، "ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن، كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك، منها: حديث أحمد والطبراني وصححه الحاكم "عن أبي بكر" اسمه عمرو أو
قال: سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة".
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع في الألسنة، وهو في النهاية تبعًا لغريبي الهروي بلفظ "وخز إخوانكم" ولم أره بلفظ "إخوانكم" بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم. انتهى.
عارم "بن أبي موسى الأشعري" ثقة، من رجال الجميع، مات سنة ست ومائة، وكان أسن من أخيه أبي بردة، "عن أبيه" عبد الله بن قيس الأشعري، "قال: سألت عنه" أي الطاعون "رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"هو وخز""بفتح الواو وسكون المعجمة، بعدها زاي""أعدائكم من الجن" أي كفارهم، قال أهل اللغة: الوخز الطعن إذا كان غيرنا، فذو وصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر، فيؤثر في الباطن أولًا، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أولًا، ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ، كما في الفتح، "وهو لكم شهادة" أي لكل مسلم وقع به، أو وقع في بلد هو فيها.
ففي البخاري عن عائشة؛ أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد.
"قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع" هذا الحديث "في الألسنة، وهو في النهاية تبعًا لغريبي الهروي" أي كتابه المؤلف في غريبي القرآن والحديث "بلفظ: وخز إخوانكم ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل، البالغ" الغاية "في شيء من طرق الحديث المسندة" المروية بالأسانيد، "لا في الكتب المشهورة" كالستة والمسانيد العشرة والمعاجم، "ولا في الأجزاء المنثورة".
"وقد عزاه بعضهم" هو صاحب كتاب آكام المرجان في أحكام الجان، كما في شرح المصنف "لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم. انتهى".
قال المصنف: فإن قلت: فإذا كان الطعن من الجن، فكيف يقع في رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟
أجيب: باحتمال أنهم يطعنون قبل دخول رمضان، ولم يظهر التأثير إلا بعد دخوله، وقيل
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا
غير ذلك.
"وفي الصحيحين" البخاري في ذكر بني إسرائيل، والطب، وترك الحيل، ومسلم في الطب، وكذا النسائي "من حديث أسامة بن زيد" الحب بن الحب، "قال" وقد سأله سعد بن أبي وقاص: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟، فقال أسامة:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطاعون رجز" "بالزاي" على المعروف، أي عذاب، ووقع لبعض الرواة رجس "بسين مهملة بدل الزاي".
قال الحافظ المحفوظ: "بالزاي"، والمشهور أن الذي بالسين الخبيث، أو النجس، أو القذر، ووجه عياض؛ بأن الرجس يطلق على العقوبة أيضًا.
وقد قال الفارابي والجوهري والراغب: الرجس العذاب، ومنه قوله تعالى:{وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 100] ، "أرسل على طائفة من بني إسرائيل" لما كثر طغيانهم، "وعلى من كان قبلكم" كذا في نسخ المصنف:"بالواو" والذي في الصحيحين إنما هو بأو.
قال الحافظ: بالشك من الراوي، وفي رواية ابن خزيمة بالجزم، بلفظ: رجز سلط على طائفة من بني إسرائيل، والتنصيص عليهم أخص، فإن كان ذلك المراد، فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبري من طريق سليمان التيمي، أحد صغار التابعين، عن سيار أن رجلًا كان يقال له: بلعام، كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، فأتاه قومه، فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أؤامر ربي، فمنع، فأتوه بهدية، فقبلها، وسألوه ثانيًا، فقال: حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النساء في عسكرهم ومروهن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك، فأرادها بعض الأسباط وأخبرها بمكانه، فمكنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح، فطعنهما، وأيده الله، فانتظمهما جميعًا، وهذا مرسل جيد وسيار شامي موثق.
وذكر الطبري أيضًا هذه القصة عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النضر بنحوه، وسمى المرأة كشتاء:"بفتح الكاف وسكون المعجمة وفوقية" والرجل زمري: "بكسر الزاي وسكون
سمعت به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه".
الميم وكسر الراء" رأس سبط شمعون، والذي طعنهما فنحاص "بكسر الفاء وسكون النون، ثم مهملة فألف فمهملة" ابن هارون وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفًا، والمقلل يقول عشرون ألفًا، وهذه الطريق تعضد الأولى.
وذكر ابن إسحاق في المبتدأ أن بني إسرائيل لما كثر عصيانهم، أوحى الله إلى داود فخيرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط سنتين، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا، فاختار الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا، وقيل: مائة ألف، فتضرع داود إلى الله، فرفعه، وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أنه المراد بقوله: أو من كان قبلكم من ذلك، ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم يخضب كفه في دمه، ثم يضرب به على بابه، ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله يبعث عليكم عذابًا، وإنا ننجوا منه لهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى:{ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَك} ، فدعا، فكشفه عنهم، وهذا مرسل جيد الإسناد.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره، وابن جرير عن الحسن في قوله تعالى:{الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243]، قال: فروا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا، ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم، فأقدم من وفقنا عليه في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك لغيرهم. انتهى.
"فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه" لأنه تهور وإقدام على خطر وإلقاء إلى التهلكة، كمن أراد دخول دار، فرأى فيها حريقًا تعذر طفؤه، فعدل عن دخولها لئلا يصيبه، وليكون ذلك أسكن للنفس وأطيب للعيش، ولئلا يقعوا في اللوم المنهي عنه بلوم أنفسهم فيما لا لوم فيه؛ لأن الباقي والناهض لا يتجاوز واحد منهم أجله، "وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا منه" لأنه فرار من القدر، فالأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض وتسليم.
قال ابن عبد البر: النهي عن الدخول لدفع ملامة النفس، وعن الخروج للإيمان بالقدر. انتهى.
والأكثر على أن النهي عن الفرار منه للتحريم، وقيل: للتنزيه، ومفهوم الحديث جوازه لشعل عرض غير الفرار، وحكى عليه لاتفاق.
قال الحافظ: ولا شك أن الصور ثلاث: ومن خرج لقصد الفرار محضًا، فهذا يتناوله النهي
وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا.
منها: أن الطاعون يكون في الغالب عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره، أو الكبر حيًّا وميتًا.
وأيضًا: فلو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء. وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه.
وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر
لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة، لا لقصد الفرار أصلًا، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد إلى بلد كان بها إقامته مثلًا، ولم يكن الطاعون وقع، فاتفق وقوعه في أثناء تجهزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلًا، فلا يدخل في النهي.
الثالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك، أنه قصد الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع، كأن تكون الأرض التي وقع بها وخمة، والأرض التي يتوجه إليها صحيحة، فتوجه بهذا القصد إليها، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه لم يتمحض القصد للفرار، وإنما هو لقصد التداوي. انتهى.
"وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا، منها: أن الطاعون يكون في الغالب عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع، فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل" فعله؛ إذ لا فائدة فيه، "ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره" من الأمراض، "أو الكبر" ضائع المصلحة لفقد من يتعهده "حيًّا" بالقيام بما يحتاجه، "وميتًا" بتجهيزه ودفنه، "وأيضًا" من الحكم، "فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء، لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء" الذين لا يقدرون على الخروج.
"وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف" بنحو قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [الأنفال: 16] ، "لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخلافه، وقد جمع الغزالي بين الأمرين،
البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا يسلم غالبًا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لبقي المرض لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج
فقال: "إنما نهى عن الخروج كالدخول، مع أن سببه الطبي من الهواء، وأظهر طرق التداوي الفرار من المضر وترك التوكل في نحو مباح؛ لأن "الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق" له، فإذا كان فيه عفونة بدأ، "فيصل إلى القلب والرئة، فيؤثر في الباطن، ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا يسلم" وفي نسخة: لا يخلص "غالبًا مما استحكم به" أي من أجل ما استحكم عنه من الداء.
قال الغزالي: لكنه توهم الخلاص، فيصير من جنس الموهومات كالطيرة، فلو تجرد هذا المعنى لم يكن منهيًّا عنه، "و" لكنه "ينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم، فتضيع مصالحهم" أحيانًا وأمواتًا، وعبارة الغزالي: لو رخص للأصحاء في الخروج لم يبق بالبلد إلا من طعن، فيضيع حالهم فيكون هلاكهم محققًا وخلاصهم منتظرًا، كما أن صلاح الأصحاء منظر، ولو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعة بالموت، ولو خرجوا لو يقطع بالخلاص، والمؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وينعكس هذا فيمن لم يدخل البلد، فإن الهواء لم يؤثر بباطنه، ولا بأهل البلد حاجة إليه، فإن لم يبق في البلد إلا مطعون وافتقروا لمتعهد، وقدم عليهم لم ينه عن الدخول، بل يندب للإعانة، ولأنه تعرض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقية المسلمين، كما يؤخذ من تشبيه الفرار هنا بالفرار من الزحف؛ لأن فيه كسرًا لقلوب البقية وسعيًا في إهلاكهم. انتهى.
وهو نفيس، "ومنها: ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم بل" إضراب انتقالي، "وربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها، فأفسدته، فمنع من الخروج لهذه
لهذه النكتة.
ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه.
وقال العارف بن أبي جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب.
النكتة" وهي متعلقة بنفس من يريد الخروج.
"ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت" بالطاعون، "والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو" "بالفتح وشد الواو" "المنهي عنه" بقوله صلى الله عليه وسلم:"إياك ولو فإن لو، من الشيطان".
رواه مسلم، ووقع عند بعض رواته بلفظ: اللو "بالتشديد"، قال عياض والمحفوظ خلافه. نعم روى النسائي وابن ماجه مرفوعًا:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن غلبك أمر، فقل: قدر الله وما شاء فعل، وإياك واللو، فإن اللو تفتح عمل الشيطان"؛ وللطبراني مرفوعًا: "أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قدر الله وما شاء فعل فإن لو مفتاح الشيطان"، والجمع بين هذا وما ثبت من استعماله صلى الله عليه وسلم لو، كقوله: لو سلك الناس واديًا، لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما قاله النووي، الظاهر أن النهي عن إطلاقها فيما لا فائدة فيه، أما من قالها تأسفًا على ما فات من طاعة الله، أو ما هو متعذر عليه منها، ونحو: هذا فيجوز، وعليه أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، وقيل غير ذلك، وقد ترجم البخاري في كتاب التمني ما يجوز من اللو إشارة إلى ذلك، "وقال العارف بن أبي جمرة" "بجيم وراء":"البلاء إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة""بفتح الميم"، "فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب" أي إلى ترك التعب فيما لا فائدة فيه.
قال ابن عبد البر: يقال ما فر أحد من الطاعون فسلم من الموت، ولم يبلغني عن أحد من حملة العلم أنه فر منه، إلا ذكر المدائني أن علي بن زيد جدعان هرب منه إلى السبالة، فكان يجمع كل جمعة ويرجع، فإذا رجع صاحوا به فر من الطاعون، فطعن فمات بالسبالة. انتهى.
لكن نقل عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي وقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم: علي والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين الأسود بن هلال ومسروق، وأنهما كانا
وقال ابن القيم: جمع صلى الله عليه وسلم للأم في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشدنا الله إليها، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية والمؤذية، وأما نهيهه عن الخروج من بلده ففيه معنيان.
أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا.
يفران منه.
ونقل ابن جرير: أن أباه موسى الأشعري كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون، وعن عمرو بن العاصي؛ أنه قال: تفرقوا من هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال حملًا للنهي على التنزيه، وخالفهم الأكثر، وقالوا: إنه للتحريم، حتى قال ابن خزيمة: إنه من الكبائر التي يعاقب الله عليها، إن لم يعطف، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم:"الطاعون غدة كغدة البعير المقيم بها، كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف"، رواه أحمد برجال ثقات.
وروى الطبراني وأبو نعيم بإسناد حسن، مرفوعًا:"الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من الجن غدة كغدة الإبل تخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام به كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف".
"وقال ابن القيم: جمع صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال" أي غاية "التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة" أي إتيانًا "له في محل سلطانه" قوته وشدته، "وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل" إضراب انتقالي لا إبطالي؛ كأنه قيل: وأيضًا "تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشدنا الله إليها" بنحو قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية.
"وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه" أي ففي حكمته "معنيان".
"أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى" أي الاعتماد "والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا" بها.
والثاني: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.
"والثاني: ما قاله أئمة الطب: إنه يجب على من يحترز عن الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة" أي الزائدة نسبة إلى الفضل، وهو الزيادة، "ويقلل الغذاء" بأن لا يشبع، "ويميل إلى التدبير المجفف" للرطوبة الزائدة "من كل وجه، والخروج" مبتدأ "من أرض الوباء، والسفر منها" عطف عليه، والخبر، "لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًّا، هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما. انتهى" كلام ابن القيم.
وبه يظهر مطابقة الحديث لقول الترجمة: طبه من الطاعون، وإلا فظاهر الحديث ليس فيه طب منه، إنما فيه نهيه عن الخروج والدخول؛ وحاصل الجواب أنه نهي شرعي مشتمل على طب بدني، كما علم.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السلعة] :
أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي عن شرحبيل الجعفي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكفي سلعة، فقلت: يا رسول الله هذه السلعة قد أذتني، تحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث في كفي، ووضع كفه على السلعة
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السلعة:
"أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي" وابن السكن "عن شرحبيل الجعفي" سمي ابن منده وابن فتحون أباه عبد الرحمن، وقال العسكري شرحبيل بن أوس، وقال: ابن السكن ابن عقبة، "قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكفي سلعة" "بكسر السين وفتحها وسكون اللام، وبفتحتين وبكسر السين وفتح اللام كعنبة، كما في القاموس، أي شيء كالغدة في كفه يتحرك بالتحريك.
قال الأطباء: هي ورم غليظ غير ملتزق باللحم يتحرك عند تحريكه لها غلاف ويقبل الزيادة؛ لأنها خارجة عن اللحم، فتكون من قدر حمصة إلى قدر بطيخة، "فقلت: يا رسول الله هذه السلعة قد أذتني تحول" خبر بعد خبر كالعلة لأذيتها له؛ كأنه قيل: لأنها تحول "بيني وبين قائم السيف أن أقبض" أي أضم "عليه" أصابعه، "وعنان الدابة" "بكسر العين لجامعها،
فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.
ومسح صلى الله عليه وسلم وجه أبيض بن جمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر، رواه البيهقي وغيره.
أي يحول بينه وبين أن يقبض عليه أيضًا، وأسقط من لفظ الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم:"ادن" فدنوت، "فنفث في كفي" ليحصل الشفاء ببركة ريقه الشريف، "ووضع كفه على السلعة، فما زال يطحنها بكفه" أي يدلكها، وعبر بالطحن عن الدلك مجازًا "حتى رفعها" أي ما زال يكرر الدلك إلى أن رفع كفه "عنها" أي السلعة، "وما أرى أثرها" لزواله والكف مؤنثة من الإنسان، وغيره قال ابن الأنباري: وزعم من لا يثوب به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها ممن يوثق بعلمه، لكن في شرح البهجة أن تذكيرها لغة قليلة، "ومسح صلى الله عليه وسلم وجه أبيض بن حمال""بالمهملة وشد الميم المأربي، بسكون الهمزة وكسر الراء بعدها موحدة".
قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث يعد في أهل اليمن، "وكان به القوباء""بضم القاف وفتح الواو، وقد تخفف بالسكون والمد" داء معروف.
زاد في رواية: فالتقمت أنفه، "فلم يمس من ذلك اليوم، ومنها: أثر" لزوالها ببركة اليد الميمونة، "رواه البيهقي وغيره" كأبي داود والترمذي والنسائي في الكبرى، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، كما في الإصابة.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الحمى] :
روى البخاري من حديث مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد".
واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الحمى:
"روى البخاري" ومسلم، وكلاهما "من حديث مالك" عن نافع، عن ابن عمر، "عن النبي صلى الله عليه وسلم" أنه "قال:"الحمى من فيح جهنم""بفتح الفاء وسكون التحتية فحاء مهملة" وفي حديث رافع بن خديج في الصحيحين: من فور بالراء بدل الحاء.
وفي رواية للبخاري: عنه: من فوح بالواو بدل التحتية، وكلها بمعنى، والمراد سطوع حرها ووهجه، "فأطفئوها""بقطع الهمزة وكسر الفاء، بعدها همزة مضمومة""بالماء البارد" شربًا، وغسل أطراف أو جميع الجسد على ما يليق بالزمان والمزاج والمكان.
"واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم
المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة.
وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم، تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها.
قوله "فأطفئوها" الحمى حظ المؤمن من النار.
المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها" في الدنيا "بأسباب تقتضيها" نذيرًا للجاحدين وبشيرًا للمقربين، "ليعتبر العباد بذلك" فالتعذيب بها يختلف باختلاف محله، فيكون للمؤمن تكفيرًا لذنوبه وزيادة في أجوره، وللكافر عقوبة وانتقامًا، وإنما طلب ابن عمر كشفه، كما في البخاري عقب هذا الحديث، قال نافع: وكان عبد الله يقول: اللهم اكشف عنا الرجز، أي العذاب مع ما فيه من الثواب لمشروعية طلب العافية من الله؛ إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه من غير أن يصيبه شيء يشق عليه، "كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة أظهرها" الله سبحانه "في هذه الدار" الدنيا "عبرة" تذكيرًا ووعظًا "ودلالة" على ما عنده تعالى.
"وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم" في كونه مذيبًا للبدن ومعذبًا له، "تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وإن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها" لتتعظ النفوس فتبعد عن الأسباب الموجبة للنار.
زاد المصنف في شرح البخاري: والأول أولى، قال الطيبي: من ليست بيانية حتى تكون بسببها، كقوله تعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] ، فهي إما ابتدائية، أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية، أي بعض منها، قال: ويدل لهذا التأويل ما في الصحيح: اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فكما أن حرارة الصيف أثر من فيحها، كذلك الحمى حرارة غريزية تشتغل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العرق إلى جميع البدن.
"قوله: فأطفئوها بهمزة قطع" مفتوحة "أمر من الإطفاء" الرباعي. "وروى الطبراني" مرفوعًا: "الحمى حظ المؤمن من النار" أي نار جهنم، فإذا ذاق لهيبها في الدنيا لا يذوق لهيب جهنم في الأخرى، أي أنها تكفر ما يوجب النار وتسهل عليه الورود حتى لا يشعر به
وفي رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" بهمزة وصل والراء مضمومة
أصلًا.
قال ابن القيم: ليس المراد أنها هي نفس الورود المذكور في القرآن؛ لأن سياقه يأبى حمله على الحمى قطعًا؛ لأنه تعالى وعد عباده كلهم بورود النار، فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه، فتسهل عليه الورود، فينجي منه سريعًا. انتهى.
وهو رد لقول مجاهد في تفسير الآية: الحمى في الدنيا حظ المؤمن من الورود في الآخرة، رواه ابن أبي حاتم والبيهقي عنه، وقال الزين العراقي: إنما جعلت حظه من النار لما فيها من البرد والحر المغير للجسم، وهذه صفة جهنم، فهي تكفر الذنوب فتمنعه من دخول النار. انتهى.
يعني دخول عذاب لا الورود، هذا ولفظ الطبراني في الأوسط، عن أنس مرفوعًا:"الحمى حظ أمتي من فيح جهنم" ورواه في الكبير عن أبي ريحانة، رفعه:"الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار".
نعم، رواه ابن أبي الدنيا والعقيلي من حديث عثمان:"الحمى حظ المؤمن من النار يوم القيامة"، ورواه البزار عن عائشةٍ، والقضاعي والديلمي عن ابن مسعود، رفعه:"الحمى حظ كل مؤمن من النار"؛ وقول الحافظ أبي بكر بن العربي، قال بعض الغافلين: الحمى حظ المؤمن من النار، فهو مستثنى من هذا، أي الآية، فقال: وهذه غفلة عظيمة، بل لا بد لكل أحد من الصراط فتلقح النار قومًا، ونقف دون آخرين، والكل وارد عليها. انتهى.
مراده أن جعل الحديث نفس الورود لمن حلت به الحمى، فستثنى من الآية من نزلت به غفلة بدليل فحوى كلامه، لا إنه لم يقف على الحديث، كما ظنه بعضهم فتعجب منه، بأن للحديث طرقًا عديدة لا تخفى على من له أدنى ممارسة بالحديث.
"وفي رواية نافع عن ابن عمر عند الشيخين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم" الذي في البخاري في الطب، إنما هو باللفظ السابق من رواية مالك عن نافع، وفيه: قبله في صفة جهنم من بدء الخلق من رواية عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، مرفوعًا: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء": فإنما فيه أنه قال: فأبردوها بدل قوله في الأولى: فأطفئوها، وكذا رواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله، عن نافع بلفظ: فأبردوها، ورواه من طريق مالك عن نافع باللفظ الأول، وهو: فأطفئوها، وكذا رواه من طريق محمد بن زيد عن ابن عمر، ورواه من وجه آخر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن
على المشهور وحكي كسرها الراء. وفي رواية ابن ماجه بالماء البارد.
وفي رواية همام عن أبي جمرة عند البخاري، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم"، شك همام.
قال ابن القيم: قوله "بالماء" فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو
شدة الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء"؛ فلم أجد في واحد من الصحيحين بهذا اللفظ الذي ساقه المصنف، "فأبردوها بالماء بهمزة وصل والراء مضمومة على المشهور" في الرواية من بردت الحمى أبردها بردًا، بوزن قتلها أقتلها قتلًا، أي أسكنت حرارتها، قال شاعر الحماسة:
إذا وجدت لهيب الحب في كبدي
…
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرة
…
فمن النار على الأحشار تتقد
"وحكي كسرها"، أي "الراء" مع وصل الهمزة، وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء من إيراد الشيء إذا عالجه فصيره باردًا، مثل أسخنته إذا صيرته سخنًا، وأشار إليها الخطابي، وقال الجوهري: إنها لغة ردية، وقول أبي البقاء: الصواب وصل الهمزة وضم الراء، زاد القرطبي: وأخطأ من زعم قطعها فيه نظر بعد ثبوتها رواية عند عياض والخطابي، فيكفي في توجيهها أنها لغة وإن كانت ردية بعنى مخالفة للقياس.
"وفي رواية ابن ماجه" من حديث أبي هريرة لا ابن عمر كما يوهمه المصنف: "بالماء البارد" شربًا وغسل أطراف؛ لأن البارد رطب ينساغ لسهولته، فيصل للطافته إلى أماكن العلة من غير حاجة إلى معاونة الطبيعة.
"وفي رواية همام" بن يحيى، "عن أبي جمرة" بجيم وراء نصر بن عمران بن عصام الضبعي "بضم المعجمة وفتح الموحدة، بعدها مهملة" البصري، نزيل خراسان، مشهور بكنيته، ثبت من رجال الجميع، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
"عند البخاري" في وصفه جهنم، "قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة" وفي رواية أحمد: كنت أدفع الناس عن ابن عباس، "فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا" عن المجيء له، "فقال: ما حبسك" أي منعك، "قلت: الحمى، قال: أبردها" عنك "بماء زمزم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم"، شك همام" "بفتح الهاء وشد الميم" ابن يحيى البصري، راوي الحديث عن أبي جمرة.
"قال ابن القيم: قوله بالماء فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثاني:
الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبي جمرة هذا، وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ إذ هو متيسر عندهم، وأمر غيرهم بما عندهم من المياه، انتهى.
وتعقب: بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام: فأبردوها بماء زمزم ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم.
قال ابن القيم: واختلف من قال: إنه على عمومه: هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال إن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى. ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا، انتهى.
وقال الخطابي وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن
أنه ماء زمزم" لحديث: فأبردوها بماء زمزم بدون شك، وبه جزم ابن حبان، فقال: إن شدة الحمى تبرد بماء زمزم دون غيره من المياه، "ثم قال" ابن القيم "بعد أن روى" أي نقل "حديث أبي جمرة هذا، وراوي هذا قد شك فيه" فليس بقيد، "ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ لأنه متيسر عندهم، وأمر غيرهم بما عندهم من المياه. انتهى".
"وتعقب بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان""بشد الفاء ونون"، والصرف على أنه من عفن، ومنعه على أنه من عف ابن مسلم بن عبد الله الباهلي، البصري، ثقة، ثبت، "عن همام" بن يحيى المذكور:"فأبردوها بماء: زمزم، ولم يشك".
"وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم" فتعين أنه خطاب لأهل مكة خاصة، أما غيرهم فمطلق الماء.
"قال ابن القيم: واختلف من قال إنه على عمومه" في جميع المياه، "هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال" وهو ابن الأنباري: كما نقله عنه الخطابي؛ "أن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمي، ولم يفهم وجهه" أي وجه استعماله فيها، "مع أن لقوله" المراد الصدقة "وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش" حرارته "عن الظمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا. انتهى".
وهو إن كان حسنًا، لكن رده الحافظ بأن صريح الأحاديث يرده، "وقال الخطابي
قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار ويعكس الحرارة التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف. وقد غلط بعض من ينسب إلى العمل، فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولًا سيئًا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولًا: من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلًا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده عليه الصلاة
وغيره" كالمازري بمعناه: "اعترض بعض سخفاء الأطباء" "بسين وخاء معجمة، أي رقيقي العقل ناقصة" "على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام" أي يضم بعض أجزائها إلى بعض، فيسدها "ويحقن البخار، ويعكس الحرارة التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف" الموت، وزعم إجماع الأطباء على ذلك، كما في كلام المازري.
"وقد غلط بعض من ينسب إلى العمل" بالأحاديث، كذا في جميع ما رأينا من نسخ المتن، والذي في الفتح إلى العلم بتقديم اللام، "فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولًا سيئًا" قبيحًا "لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث".
"والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب" أي شاك "في صدق الخبر، فيقال: له: أولًا من أين حملت الأمر على الاغتسال، و" الحال أنه "ليس في الحديث الصحيح يان الكيفية" الصفة، "فضلًا عن اختصاصها بالغسل، فحمله عليه تحرض ونسبة ما لم يقله إليه، "وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء" إشارة إلى أن الأمر إرشادي، "فإن أظهر الوجود، أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء، أو صبه إياه على جميع بدنه يضره، فليس هو المراد" لاستحالة أن يأمر بما فيه ضرر.
وفي قوله: كل محموم تنكيت على المرتاب؛ إذ صناعة الطب لا تقتضي ذلك لكل محموم، بل بعض المحمومين ينفعهم، فيحمل الحديث عليه ولا يجعل عامًّا، لكنه قصد إرخاء العنان مع الخصم، "وإنما قصده عليه الصلاة والسلام استعمال الماء على وجه ينفع،
والسلام استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهذا كله وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت الصديق رضي الله عنها: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي، ولا سيما مثل أسماء التي كانت تلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها.
وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس رفعه:"إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر".
وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل
فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به" ولا يرد الحديث الصحيح بالعقل السخيف، "وهذا كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق".
"وقد ظهر من الحديث الآخر؛ أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية" أي صفة "مخصوصة" تقدمت، "وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما" المروي في الموطأ والصحيحين عن أسماء أنها كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، قالت: وكان صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء، ففسر معناه بقوله:"فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه" لأن الجيب ملاصق للصدر، "فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها" وتقدمت:"والصحابي""مبتدأ خبره مقدر، أي أعلم، وأما أعلم، المذكور في قوله، "ولا سيما مثل أسماء التي كانت ممن يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أعلم بالمراد" "فخبر" مثل لقوله:"من غيرها" بالتأنيث، هكذا قرره شيخنا، وهو أحسن من قوله في الحاشية: أعلم خبر قوله: والصحابي، وأنث في قوله: من غيرها، لكون القصة مع أسماء، فكأنها المراد من الصحابي، وكان الأولى أن يقول من غيره.
"وقد ذكر" أي روى أبو نعيم وغيره" كالطبراني والحاكم بسند قوي "من حديث أنس، رفعه:"إذا حم أحدكم""بالضم والتشديد" أصابته الحمى، $"فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر" أي قبيل الصبح، فهذا الحديث المرفوع يؤيد فعل أسماء، فيكون المراد بالإبراد الرش لا الاغتسال، كما فهم المعترض.
"وقال المازري" في الرد عليه: "لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى
حتى إن المريض يكون الشيء دواء له في ساعة فيصير داء له في الساعة الأخرى التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلًا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف، وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي أطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وجعل ابن القيم خطابه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خاصًّا لأهل الحجاز وما والأهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة عن شدة حرارة الشمس. قال: وهذا ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا؛ لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق
التفصيل" أي التبيين، "حتى إن المرض يكون الشيء دواء في ساعة، فيصير داء له في الساعة الأخرى التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه، مثلًا: فيتغير علاجه" ولذا قيل: الطب وقتي، وأن من تسامح المعالج قوله: يستعمل الدواء الفلاني في اليوم الآتي، "ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن" للمريض "والزمان" الواقع فيه المرض "والعادة والغذاء المتقدم، والتأثير المألوف وقوة الطباع".
وفي كلام المازري: وأيضًا فالأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها؛ بأن يسقى الماء الشديد البرد. نعم، ويسقونه الثلج ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم أراد هذا النوع من الحمى والغسل على ما قالوه، أو قريب منه.
"ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص، فيكون من الخواص التي اطلع عليها النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب" لأنه معجز خارج عن قواعدهم.
"وجعل ابن القيم خطابه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث" بقوله: فأبردوها بالماء، أو فأطفئوها بالماء، "خاصًّا لأهل الحجاز وما والأهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة عن شدة حرارة الشمس. قال: وهذا ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا؛ لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم
إلى جميع البدن وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم، لا تقلع غالبًا في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها. وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب.
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر.
وقد قال جالينوس: لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
في العروق إلى جميع البدن" وحاصله أنه ينفع لبعض الحميات دون بعضها، فيحمل عليه الحديث وهو وجيه، "وهي" أي الحمى "قسمان".
"عرضية، وهي الحادثة عن ورم، أو حركة، أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ" الحر "الشديد" وإن كان في ظل "ونحو ذلك".
"ومرضية، وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح، فهي حمى يوم لا تقلع غالبًا في يوم" صوابه كما في الفتح؛ لأنها تقلع، ومثله للمصنف في الشرح، وهو واضح؛ لأن على ما هنا كان اللائق تسميتها حمى يومين، "ونهايتها إلى ثلاث، وإن كانت تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها" أشدها في الخطر بمعجمة فمهملة، أي الهلاك، "وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: أعني صفرواية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتركيب. ا. هـ".
"وإذا تقرر هذا، فيجوز أن يكون المراد النوع الأول" أي الصفراوية، "فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج" بمثلثة وجيم "وبغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر".
"وقد قال جالينوس" في كتابه حيلة البرء، حكيم مشهورة، عاش سبعًا وثمانين سنة، منها ستين سنة مداومًا على معرفة صناعة الطب وعلامات الدواء، "لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن" ناميه، "ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد" صبه عليه، "أو سبح" عام "فيه وقت
وقد تكرر في الحديث استعماله صلى الله عليه وسلم الماء البارد في علته، كما في الحديث:"صبوا علي من ماء سبع قرب لم تحلل أوكيتهن" وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سيرة يرفعه "الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل، وصححه الحاكم، ولكن قال: في إسناده راو ضعيف.
وعن أنس يرفعه: "إذا حم أحدكم فليسن على رأسه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال". رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب.
القيظ" شدة الحر "عند منتهى الحمى، لانتفع بذلك" لإذهابه آثار العفونة.
"وقد تكرر في الحديث استعماله صلى الله عليه وسلم الماء البارد في علته" أي مرض موته، "كما في الحديث:"صبوا" لفظ الصحيح هريقوا، ومعناه صبوا "علي من ماء سبع قرب لم تحلل""بضم الفوقية وسكون المهملة وفتح اللام الأولى""أوكيتهن" جمع وكاء، الخبط الذي يربط به ربة، وحكمة السبع؛ أن له خاصية في دفع ضرر السم، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال:"هذا أوان انقطاع أمري من ذلك السم"، يريد سم الشاة التي أكل منها بخيبر.
"وفي المسند" للإمام أحمد "وغيره، من حديث الحسن" البصري، "عن سيرة" بن جندب، "يرفعه:"الحمى قطعة من النار" أي نار جهنم، جعلها الله في الدنيا، "فأبردوها عنكم بالماء البارد"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حم" "بالضم والتشديد" "دعا بقربة من ماء، فأفرغها على رأسه، فاغتسل وصححه الحاكم".
"ولكن قال" غيره "في إسناده: راو ضعيف" فسقط من قلم المصنف فاعل، قال: إذ كون الحاكم يصححه، ويقول في إسناده ضعيف من المحال: فدع عنك ما يقول في العقل من الاحتمال، "وعن أنس يرفعه:"إذا حم أحدكم" أي أصابته الحمى، "فليسن""بضم السين المهملة وشد النون"، وروي "بشين معجمة"، وترجى الضياء المقدسي أنه تصحيف، وليس كما قال: ففي النهاية: الشن بالمعجمة الصب المتقطع، وبالمهملة الصب المتصل، وهذا يؤيد رواية الإعجام، إذ المعنى: فليرش "على رأسه من الماء البارد" رشا متفرقًا، ويؤيده أن ذا الحديث بعينه ورد بلفظ: فيرش كما مر قريبًا جدًّا، وأيد أيضًا بما تقدم أن أسماء كانت ترش على بدن المحموم.
وقال العسكري: بمهملة، ويقال: بمعجمة "من السحر" أي قبيل الصبح "ثلاث ليال" فإنه نافع في الصيف، في القطر الحار في الحمى العرضية، أو الغب الخالصة، الخالية عن الورم والعتق والأعراض الردية والمواد الفاسدة، فتطفئها بإذن الله تعالى إذا كان فاعل ذلك من أهل
وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه:"الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء". قال: ففعلوا فذهب عنهم الحمى.
وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته،
الصدق واليقين.
"رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب" النبوي، والنسائي وأبو يعلى والطبراني والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وقال الحافظ: سنده قوي، وقال شيخه الهيثمي: رجاله ثقات.
"وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع""بضم الميم وفتح الراء وكسر القاف المشددة وعين مهملة" السلمي، صحابي سكن مكة وشهد فتح خيبر، "رفعه:"الحمى رائد الموت" أي رسوله الذي يتقدمه، كما يتقدم الرائد قومه، فهي مشعرة بقدومه، فليستعد صاحبها له بالمبادرة إلى التوبة والخروج من المظالم، والاستغفار والصبر وإعداد الزاد، ولا ينافيه عدم استلزام كل حمى للموت؛ لأن الأمراض كلها من حيث هي مقدمات للموت ومنذرات به، وإن أفضت إلى سلامة جعلها الله تذكرة لابن آدم يتذكر بها الموت.
وقد روى أبو نعيم عن مجاهد: ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده، حتى إذا كان آخر مرض يمرضه، أتاه ملك الموت، فقال: أتاك رسول بعد رسول، فلم تعبأ به، وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا، "وهي سجن الله في الأرض" للمؤمن، حبس بها عبده إذا شاء، ففتروها بالماء، هكذا زاد البيهقي وغيره من مرسل الحسن البصري، رفعه: وهو تفسير من المصطفى ولا عطر بعد عروس، "فبردوا لها الماء في الشنان""بكسر المعجمة" جمع شن بفتحها القربة البالية، "وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء"، قال: ففعلوا، فذهب عنهم الحمى" وهذا الحديث رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب، والديلمي والقضاعي من حديث أنس، ورواه العسكري، وزاد بيان السبب عن أنس، قال: لما افتتح صلى الله عليه وسلم خيبر وكانت مخضرة من الفواكه، وقع الناس فيها، فأخذتهم الحمى، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أيها الناس الحمى رائد الموت"، فذكر.
"وقد أخرج التمذي من حديث ثوبان" الهاشمي، مولى النبي صلى الله عليه وسلم، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، مات بحمص سنة أربع وخمسين، "مرفوعًا:"إذا أصاب أحدكم الحمى، وهي قطعة من النار" حقيقة أو مجازًا، "فليطفئها عنه بالماء" لأن الماء يطفئ النار، واستأنف بيانيًّا في
وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله". قال الترمذي: غريب، وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
جواب سؤال مقدر: ما معنى الإطفاء؟، فقال:"يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته، وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك" لم يقل اشفني؛ لأن المقام مقام استعطاف وتذلل، ولا وصف أصدق من وصف العبودية، "وصدق رسولك" فيما أخبر أنه شفاء من الحمى "بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس" ظرف لقوله: يستنقع، "ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ، فخمس" ينغمس فيها، فخمس خبره محذوف، "وإلا فسبع، وإلا فتسع" من الأيام، "فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله" وهذا يحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، ويحتمل أنه خارج عن قواعد الطب، داخل في قسم المعجزات الخارق للعادة، ألا ترى كيف قال فيه صدق رسولك، وبإذن الله، وقد شوهد وجرب، فوجد كما نطق به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، قاله الطيبي، وقال الزين العراقي: عملت بهذا الحديث، فانغمست في بحر النيل، فبرئت منها، قال ولده: ولم يحم بعدها. ولا في مرض موته.
"قال الترمذي" حديث "غريب، وفي سنده سعيد""بكسر العين""ابن زرعة" الحمصي، الجرار "بجيم ومهملتين" الخزاف "بمعجمة وزاي"، من أواسط التابعين، "مختلف فيه" أي في تضعيفه وتوثيقه، وفي التقريب أنه مستور.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الحكة وما يولد القمل} :
لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري عن قتادة أن أنسًا حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من الحكة وما يولد القمل:
الحكة: "بكسر الحاء" نوع من الجرب، ولم يذكر ما يتولد منه القمل، فلعله أراد أن سبب الترخيص في الحزير أنه يمنع ما يولد القمل، "لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، رخص صلى الله عليه وسلم" أي أباح "للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري" في الجهاد واللباس ومسلم في اللباس من طريق سعيد، "عن قتادة" بن دعامة:"أن أنسًا حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف"
والزبير بن العوام في قميص من حرير من حكة كانت بهما.
وفي رواية أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يعني القمل- فأرخص لهما في لبس الحرير، قال فرأيته عليهما في غزاة.
وفي رواية رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في الحرير.
وفي رواية رخص، أو رخص لحكة كانت بهما.
القرشي، الزهري، "والزبير بن العوام في" لبس "قميص من حرير من" أجل "حكة كانت بهما" ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن له أن يخص من شاء بما شاء، والحديث ظاهر في تخصيصهما بذلك.
وفي رواية لمسلم: في القميص الحرير في السفر من حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما، "وفي رواية" للبخاري من طريق همام، عن قتادة، عن أنس "أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير شكيا""بالياء" وفي رواية: شكوا "بالواو" وصوبها ابن التين؛ لأن لام الفعل واو، كقوله تعالى:{دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف: 189]، وأجيب بأن في الصحاح يقال: شكيت وشكوت "إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني القمل" لم يتعرض الحافظ، ولا المصنف لبيان فاعل، يعني:"فأرخص""بفتح الهمزة وإسكان الراء"، "لهما في لبس الحرير، قال" أنس: "فرأيته عليهما في غزاة" ظاهرة أن لبسهما له إنما هو لأجل القمل، وصادف بقاؤه عليهما إلى وجود الغزواة؛ لكن ترجم عليه البخاري في الجهاد باب الحرير في الحرب، وتبعه الترمذي، فترجم عليه ما جاء في لبس الحرير في الحرب، أخذًا من قوله في غزاة، وجعل الطبري جوازه في الغزو، ومستنبطًا من جوازه للحكة، فقال: دلت الرخصة في لبسه بسبب الحكة؛ أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة، كدفع سلاح العدو ونحو ذلك، أنه يجوز.
"وفي رواية" للبخاري أيضًا، من طريق يحيى القطان: أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أس:"رخص النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في" لبس "الحرير"، ولم يذكر في هذه الرواية العلة والسبب، فهو محمول على السابقة، وظاهر الروايات أنه لا فرق بين أبيض وغيره، ووقع عند أبي نعيم في الطب، عن عبد الرحمن أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القمل، فرخص له في لبس قميص من حرير أبيض.
"وفي رواية" للبخاري أيضًا، من طريق غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس:"رخص""بفتح الراء والخاء مبنيًّا للفاعل"، "أو رخص""بضم الراء وكسر الخاء مبنيًّا للمفعول"، والشك من الراوي.
وقد أخرجه أحمد عن غندر، بلفظ: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللبخاري في اللباس من
ويحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، أو أن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى المسبب.
قال النووي: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكان للقمل وما في بمعنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى.
وتعقب قوله: "لما فيه من البرودة" بأن الحرير حار.
طريق وكيع، عن شعبة: رخص النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير "لحكة كانت بهما" وقد رجع ابن التين الرواية التي فيها الحكة على الرواية التي فيها، يعني القمل، وقال: لعل أحد الرواة تأوله فأخطأ، "و" جمع الداودي، فقال:"يحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين" زاد الحافظ: "أو أن الحكة حصلت من القمل، فنسبت العلة إلى السبب، وتارة إلى المسبب" ولفظ الحافظ: وتارة إلى سبب السبب.
"قال النووي: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه" كأبي يوسف؛ "أنه يجوز لبس الحرير" للرجل للضرورة، كما "إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكذا للقمل، وما في معنى ذلك" كدفع الحر والبرد، ثم المشهور عند القائل بالجواز أنه لا يختص للسفر.
وقال بعض الشافعية: يختص لورود الرخصة فيه، والمقيم يمكنه التداوي.
وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب، قال المهلب: لإرهاب العدو مثل الرخصة في الاختيال فيه، "وقال مالك" وأبو حنيفة:"لا يجوز" لبسه للرجل مطلقًا "وهذا الحديث حجة عليه. انتهى".
ولا حجة فيه؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، فتحتمل التخصيص، وهو المتبادر من قول أنس: رخص للزبير وعبد الرحمن، أي لا لغيرهما، وبه قال جماعة؛ لأن له أن يخص من شاء بما شاء، كترخيصه في النياحة لأم عطية، ولأبي بردة في التضحية بعناق من معز، وقال القرطبي: الحديث حجة على من منع إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن، ولا تصح تلك الدعوى، وتعقبه الحافظ بأن عمر جنح إلى ذلك، فروى ابن عساكر، عن ابن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير، فقال: ما هذا، فذكر له خالد قصة عبد الرحمن، فقال: وأنت مثل عبد الرحمن أو لك مثل ما لعبد الرحمن، ثم أمر من حضره فمزقوه، رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا.
"وتعقب قوله لما فيه من البرودة؛ بأن الحرير حار" بالمشاهدة، "والصواب أن
والصواب: أن الحكمة فيه إنما هي لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل.
وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسميته إياه.
وقال الرازي: الأبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، ويربي اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتاب باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير لبس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة؛ لأن الحكة -كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص عليه الصلاة والسلام لهما في لباس الحرير لمداواة الحكة.
الحكمة فيه إنما هي لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل" ويمكن الجواب عنه؛ بأنه لم يدع أنه بارد، وإنما قال: لما فيه من البرودة، وذلك لا يمنع أنه مشتمل على كل منهما، إلا أن الحرارة أغلب، لكن هذا عقلي، والحرارة والبرودة لا يجتمعان في لباس ولا مأكول، إنما يقال حار رطب، أو حار يابس، وكذا يقال في بارد، أما حار بارد فلا يجتمعان في شيء واحد.
"وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه" أي الحرير "ملبوس كان معتدل الحرارة" لأنه حار رطب "في مزاجه" أي طبعه "مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسمين إياه" أي أحدث فيه البرد بسبب التسمين، فلذا وصفه للحكة.
"وقال الرازي: الأبريسم""بفتح السين وضمها" الحرير، أو معرب كما في القاموس، وفي المصباح: معرب، وفيه لغات كسر الهمزة والراء والسين، وابن السكيت يمنعها، ويقول: ليس في الكلام افعيلل "بكسر اللام"، بل بالفتح مثل اهليلج واطريفل، والثانية فتح الثلاثة، والثالثة كسر الهمزة وفتح الراء والسين، "أسخن من الكتان، وأبرد من القطن، ويربى""بموحدة بعد الراء، أي يزيد "اللحم" أي يسمنه، "وكل لباس خشن، فإنه يهزل" "بضم الياء وكسر الزاي"، "ويصلب" "بضم الياء وكسر اللام المشددة وموحدة" أي ييبس "البشرة" ويجففها، "فملابس الأوبار" "بموحدة" جمع وبر للبعير، كالصوف للغنم، أي المتخذة منها، "والأصواف" المتخذة من صوف الغنم "تسخن وتدفئ" البدن لحرارتها ويبسها، "وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن" لأنه لا يبس فيها، فثياب الكتاب باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن، وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير ليس فيها شيء من اليبس والخشونة، كغيرها صارت نافعة من الحكة لأن الحكة كما قدمته لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص عليه الصلاة والسلام لهما في لباس الحرير لمداواة الحكة" لكونها معتدلة الحرارة وخلوها من اليبس والخشونة.
[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذي أصابه بخيبر] :
تقدم في غزوتها قصة اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر، فقال:"ما هذه"؟ فقالت: هدية، وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل. فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه، ثم قال:"أمسكوا"،
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من السم الذي أصابه بخيبر:
السم معروف، ويثلث، والجمع سموم وسمام، قاله القاموس، والأكثر فتح سينه، "تقدم في غزوتها" أي خيبر "قصة اليهودية" وهي زينب بنة الحارث، كما سماها ابن إسحاق وموسى بن عقبة، "التي أهدت إليه الشاة المسمومة" مبسوطة، وأنها أسلمت، كما قال الزهري وسليمان التيمي.
"وقد روى عبد الرزاق" بن همام بن نافع الحميري، مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة، حافظ، له تصانيف، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون سنة، "عن معمر" بن راشد الأزدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، ثقة، ثبت، فاضل، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، "عن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب أحد الأعلام، "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" الأنصاري، المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في خلافة سليمان؛ "أن امرأة يهودية" هي زينب.
وفي أبي داود أنها أخت مرحب اليهودي، وبه جزم السهيلي، وعند البيهقي أنها بنت أخي مرحب، "أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة"، أي عنزا، كما في رواية "مصلية" بفتح الميم وسكون الصاد"، أي مشوية "بخيبر" بعدما افتتحها، وبنى بصفية، "فقال: "ما هذه"؟ فقالت: هدية وحذرت" "بفتح الحاء وكسر الذال المعجمة، أي خافت" ويجوز ضم الحاء وشد الذال، أي خوفت "أن تقول من الصدقة، فلا يأكل،" وهو خلاف ما أرادته، "فأكل النبي صلى الله عليه وسلم" أي مضغ منها مضغة على ما عند ابن إسحاق، ثم لفظها أو ابتلعها على ما عند غيره، وجمع بينهما بأنه
ثم قال للمرأة: "هل سميت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم"، لساقها، وهو في يده، قالت: نعم، قال:"لِم"؟ قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك والناس، وإن كنت نبيا لم يضرك. قال: فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا على كاهله.
وقد ذكروا في علاج السم أن يكون بالاستفراغات والأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء
ابتلع ما انفصل منها بريقه دون اللحمة، "وأكل أصحابه" الذين كانوا معه حينئذ، وكانوا ثلاثة على ما روى، وسمي منهم بشر بن البراء، "ثم قال:"أمسكوا" أي كفوا عن الأكل، فإنها مسمومة.
وفي رواية: ارفعوا أيديكم، "ثم قال للمرأة:"هل سميت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم" لساقها" ما بين الركبة والقدم مؤنثة، "وهو" أي العظم "في يده" وهذا مخالف لرواية أبي داود عن جابر، والبيهقي عن أبي هريرة، قال: "أخبرتني هذه في يدي" للذراع، والجواب أن المراد بالساق هنا الذراع؛ لأن الشاة لما كانت تمشي على أربع أطلق على ذراعها اسم الساق، وقد جاء عند ابن إسحاق وغيره؛ لأنها سألت، أي عضو من الشاة أحب إليه، قيل: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت باقي الشاة، ثم جاءت بها، وتناول صلى الله عليه وسلم الذراع، فانتهش منها، فلما ازدرد لقمته، قال: "ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة"، "قالت: نعم، قال:"لِمَ"؟ وفي رواية "ما حملك على ذلك"؟ "قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك" نحن "والناس، وإن كنت نبيًّا لم يضرك".
وعند ابن سعد، قالت: قتلت أبي وزوجي وعمي وأخي، ونلت من قومي، فقلت: إن كان نبيا، فسيخبره الذراع، وإن كان ملكا استرحنا منه. وتقدم عن صحيح البخاري أنه جمع اليهود، فقال:"هل جعلتم في هذه الشاة سما"، قالوا: نعم، قال:"ما حملكم على ذلك"؟، قالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك، ونسب الجعل لهم؛ لأنهم لما علموا به حين شاورتهم، وأجمعوا لها على سم معين، كأنهم جعلوه، ولذا قالوا: نعم، وكأنه جمعهم وسألهم بعدما سألها، فأجابوه بمثل ما أجابته به.
"قال: فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة على كاهله" أي بين كتفيه، كما في رواية: حجمه أبو هند، أو أبو طيبة بالقرن والشفرة، ويحتمل أنهما جميعا حجماه، فقد روي أنه احتجم بين كتفيه في ثلاثة مواضع.
"وقد ذكروا في علاج السم أن يكون بالاستفراغات والأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله" تزيله تفسير للمعارضة، "إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء" الذي نص
الكلي، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا، فإن القوة السمية تسري في الدم، فتبعثه في العروق والمجاري، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه.
ولما احتجم صلى الله عليه وسلم احتجم على الكاهل؛ لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.
الأطباء على إبطاله فعل السم بأن لم يجده أصلا، أو عدم إفادته بعد استعماله، "فليبادر إلى الدواء الكلي" أي الذي يعم السم وغيره، كإخراج الدم، فله دخل في علاج جميع الأمراض، "وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا" كالحجاز، "والزمان حارا" كالصيف، "فإن القوة السمية تسري في الدم فتبعثه" أي تدخله "في العروق والمجاري" المواضع التي يسري منها الدم إلى العروق، "حتى تصل" القوة السمية "إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم، خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغا تاما" بأن خرج مع الدم السم، وأثره بتمامه، "لم يضره السم، بل إما أن يذهب" رأسا، "وإما أن يضعف، فتقوى عليه الطبيعة، فتبطل فعله أو تضعفه، ولما احتجم صلى الله عليه وسلم احتجم على الكاهل؛ لأنه أقرب إلى القلب" فيه إفادة أنه احتجم في مقدم أعلى الظهر الذي يلي العنق، فيكون هو المراد برواية بين كتفيه، "فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليا، بل بقي أثرها مع ضعفه" أي الأثر "لما يريد الله من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة، زاده الله فضلا وشرفا" وذلك لا ينافي أنه أقر قول اليهود: وإن كنت نبيا لم يضرك؛ لأن المراد الضرر على الوجه المعتاد في السم، ويدل لبقاء الأثر قول عائشة: كان صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم"، رواه البخاري تعليقا، ووصله البزار والحاكم والإسماعيلي.