المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب: ما جاء في البول يصيب الأرض: - شرح سنن الترمذي - عبد الكريم الخضير - جـ ٢٧

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌باب: ما جاء في البول يصيب الأرض:

المطرون يعني لا يمسه غيرهم ممن لم يتصف، فلا يمسه غيرهم من غير المتطهرين فلئن يمنع مس المصحف من قبل غير المتطهر من باب أولى، وهذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالمرجح أن المصحف لا يمسه ألا متوضئ، وأما القراءة فيقرأ عن ظهر قلب ولو لم يكن متوضئ شريطة ألا يكون جنباً ولا حائضاً.

سم.

عفا الله عنك.

قال -رحمه الله تعالى-:

‌باب: ما جاء في البول يصيب الأرض:

حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل أعرابي المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:((لقد تحجرت واسعاً)) فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلوا من ماء)) ثم قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)).

قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك نحو هذا، قال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وواثلة بن الأسقع.

قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد روى يونس هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة آخر كتاب الوضوء.

يقول -رحمه الله تعالى-: في أخر باب من أبواب الوضوء من أبواب الطهارة، يقول رحمه الله:"باب: ما جاء في البول يصيب الأرض" معروف أن النجاسة إذا أصابت ما تصيب فإنه يجب غسلها، والنجاسات متفاوتة، منها النجاسة المغلظة التي تغسل سبعاً كما في ولوغ الكلب، ومنها ما يغسل مرة، ومنها ما ينضح، ومنها ما يغسل ثلاثاً، ومنها ما يدلك بالتراب على ما تقدم، فماذا عن البول يصيب الأرض؟ إذا وقع على الأرض بول إذا بال أحد على الأرض ففي حديث الباب ما يدل على أن هذا البول يكاثر بالماء.

ص: 42

قال رحمه الله: "حدثنا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل أعرابي المسجد" الأعرابي واحد الأعراب، والنسبة إلى الجمع كما يقول أهل العلم شاذة، فيجب أن يرد الجمع إلى مفرده، ثم ينسب إليه، لكنه هنا المراد بالأعرابي ساكن البادية، الأعراب جمع والأعرابي الواحد منهم، وليست نسبة إلى الأعراب إنما هو واحد منهم، دخل أعرابي المسجد وقد اختلف في اسمه فقيل: الأقرع بن حابس، وقيل: عيينة بن حصن، وقيل: ذو الخويصرة التميمي أو اليماني "والنبي صلى الله عليه وسلم جالساً" الواو واو الحال "فصلى" هذا الأعرابي كما هي السنة لمن دخل المسجد في غير وقت النهي لا سيما المغلظ "فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً" أعرابي وهو يظن أن ما عند الله -جل وعلا- مثل ما عند المخلوق إذا كثر الطالبون قل النصيب، لا؛ لأنه يظن لو رحم الخلق كلهم ضاقت به الجنة، لا، إذا كان أخر من يدخل الجنة يخرج من النار ويدخل الجنة أخرهم يقول له: تمن فتضيق به الأماني فيقال له: أتحب أن يكون لك مثل ملك أعظم ملك في الدنيا؟ فيقول: نعم يفرح بهذا، فيقال: لك مثله ومثله ومثله إلى عشرة أمثاله، هذا ظن أن الجنة ما تأخذ إلا اثنين "ارحمني ومحمداً" يعني لو جاءهم ثالث ضاقت، لو جاءهم رابع ضاقت من جهله "فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:((لقد تحجرت واسعاً)) فلم يلبث -هذا الرجل الأعرابي- أن بال في المسجد، فأسرعوا إليه" أسرع إليه الصحابة؛ لأن هذا منكر، المساجد ما بنيت لهذا؛ إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فالبول ينافي مقتضى ما بنيت له المساجد التي أمر ببنائها وتنظيفها وتطيبها، زجروه بناءاً على هذا الأصل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تزرموه)) لماذا؟ هل لأن المسجد محل لهذا الأمر؟ لا، وإنما لأنه إذا زجر واضطر إلى أن يقوم قبل تمام بوله انتشرت النجاسة، بدلاً من أن تكون في مكان واحد يمكن غسلها والسيطرة عليها تنتشر في أماكن، ويلوث بدنه ويلوث ثيابه، فقال: ((لا تزرموه)) "فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((أهريقوا عليه سجلاً من ماء))

ص: 43

صبوا، أهريقوا يعني من أراق الماء يعني صبه، أراق وهراق تبدل الهمزة بالهاء، ويجمع بين البدل والمبدل هنا أهريقوا عليه سجلاً هو الدلو الملآن ماء، من ماء ((أو دلو من ماء)) يعني شك، دلو من ماء "ثم قال:((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) بعثتم ميسرين يعني مسهلين، ولم تبعثوا معسرين يعني مشددين على الناس، وهذا فيما تحتمله النصوص، فما فيه يسر في الشريعة لا يجوز التشديد فيه، كما أن ما فيه تشديد لا يجوز التسهيل فيه، فالأمة أمة إتباع، أمة نص، جاء النص بالتحريم لا بد أن يشدد فيه ويمنع منه، لكن فيما يحتمله النص يحتمل التشديد والتيسير يميل الإنسان إلى التيسير فيما جاء ت النصوص بتسهيله يسهل على الناس، والدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، لكن ليس معنى هذا أنها تضيع أوامر الله وحدود الله بناء على أن النبي عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما، المكلف ليس له خيار، ليست له خيرة، إذا قضى الله ورسوله أمراً ليست له خيرة، عليه أن يأتمر وعليه أن ينتهي {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [(187) سورة البقرة]{فَلَا تَعْتَدُوهَا} [(229) سورة البقرة] المقصود أن هذه الحدود لا بد من الوقوف عندها؛ لأن مسألة التيسير والتعسير هذه أمور تطلق بكثرة في زماننا هذا، واتخذت مطية إلى شيء من الإباحية، يعني تحليل حرام أو ترك واجب، هذا لا شك أنه تضليل للناس، فالدين دين تكاليف حلال وحرام، نعم الحلال لا يجوز تحريمه بعثتم ميسرين، كما أن الحرام لا يجوز تحليله، وهذا الحديث مخرج عند الجماعة إلا مسلم "قال سعيد: قال سفيان: وحدثني يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك نحو هذا" وهو حديث في الصحيحين.

قال رحمه الله: "وفي الباب عن عبد الله بن مسعود" عند أبي يعلى "وابن عباس" أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني "وواثلة بن الأسقع" واثلة بن الأسقع أخر الصحابة موتاً، واثلة بن الأسقع.

طالب:. . . . . . . . .

هذاك أبو واثلة عامر بن الطفيل، لا هذا غيره، واثلة بن الأسقع هذا حديثه عند ابن ماجه والإمام أحمد في المسند.

ص: 44

"قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح" أخرجه الجماعة إلا مسلماً كما تقدم "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق" فلا يكون التطهير إلا بالماء، أهريقوا عليه سجلاً من ماء، فلا يكون هذا التطهير إلا بالماء، يعني لا تطهر الأرض بالجفاف، بالريح، بالشمس، خلافاً لأبي حنيفة، واستدلالهم بحديث:((زكاة الأرض يبسها)) حديث لا أصل له، حديث ضعيف لا أصل له، كما قرر ذلك ابن حجر في التلخيص، فلا بد من غسلها على ما جاء في الحديث، وليس الغسل مثل غسل الثوب، وغسل المتاع أو غسل الإناء إنما يكتفى بصب الماء عليها.

وفي الحديث دليل على تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة بالماء، ولا يشترط نقل التراب والحديث بذلك ضعيف، لو ثبت لكتفي به عن صب الماء، يعني الحنفية يقولون: إن كانت الأرض رخوة بحيث أنه ينزل الماء إلى أسفلها يكفي، وإن كنت صلبة لا بد من حفرها ونقل التراب، إذا نقلنا التراب ما نحتاج إلى ماء، والحديث نص معين للماء، لا بنقل التراب ولا بالجفاف ولا بغيره من المطهرات، لا بالشمس ولا بالريح ولا بغيره، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 45