المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب: ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر: - شرح سنن الترمذي - عبد الكريم الخضير - جـ ٣٤

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌باب: ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر:

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

‌باب: ما جاء في السهو عن وقت صلاة العصر:

حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) وفي الباب عن بريدة ونوفل بن معاوية.

حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد رواه الزهري أيضاً عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

. . . . . . . . . صلاة العصر، الترمذي رحمه الله حمل حديث الباب الذي تفوته صلاة العصر على الساهي لا على المتعمد، وأما المتعمد فشأنه أعظم، من ترك العصر فقد حبط عمله، فالترمذي رحمه الله حمله على الساهي، وهل المراد بالحديث الذي تفوته صلاة العصر يعني يفوته وقت الاختيار أو يفوته وقت الاضطرار بكامله فيقضيه قضاء؟ يأتي الكلام فيه، إذا حملناه على الساهي والسهو عذر، والسهو والنسيان بمعنىً واحد، ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها لا كفارة لا إلا ذلك)) على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

المقصود أنه إذا حملناه على الساهي كما فعل الترمذي فإن المراد بهذا الخلل الذي يقع له ((وكأنما وتر أهله وماله)) لما يحصل له من الأسف والأسى عند معاينة الثواب لمن صلى الصلاة في وقتها أو في أول وقتها، يلحقه من الأسف والأسى مثل أو نظير ما يلحق من فقد أهله وماله، وإذا كان هذا الأسف وهذا الأسى يلحق الساعي فما شأن العامد، ولا شك أن أمره أشد، ولذلك جاء فيه: من ترك العصر فقد حبط عمله، والعصر أمرها شديد، والتشديد فيها مع صلاة الصبح، والترغيب في فعلها في وقتها جاء في أحاديث أكثر من أن تحصر، والعصر هي الصلاة الوسطى على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في قول جماهير أهل العلم التي جاء التنصيص على المحافظة عليها عطفاً على العام:{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [(238) سورة البقرة].

قال رحمه الله:

ص: 6

"حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الذي تفوته صلاة العصر)) " يقول ابن العربي في عارضته: فواتها أن يدخل الشمس صفرة، يعني ذهاب الوقت المختار مع بقاء وقت الاضطرار، ويروى عن ابن جريج كما يقول ابن العربي: إن فواتها بغروب الشمس.

" ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) " سلب أهله وماله، بقي بدون أهل ولا مال، فهل نستشعر مثل هذا إذا فاتتنا صلاة العصر؟ ذكر عن كثير من السلف أن من فاتته تكبيرة الإحرام يعاد، يمرض، فكيف بمن فاتته الصلاة مع الجماعة الواجبة أو من فاته وقت الاختيار؟ وبقي الوقت الذي جاء ذم من أخر الصلاة إليه ((تلك صلاة المنافق)) كما جاء في الحديث الصحيح، فكيف بمن أخرج الصلاة عن وقتها؟! وقد حكم جمع من أهل العلم أنه إذا أخرجها عن وقتها متعمداً أنه لا يصلي، ولا تنفعه لو صلى.

" ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) " سلب أهله وماله، فبقي وتراً فرداً، وهذا عند الترمذي على ما تقدم في الساهي غير المتعمد " ((وتر أهلَه ومالَه)) " ويجوز:"أهلُه ومالُه" لأن (وتر) مبني للمجهول، فالمفعول يكون نائب فاعل.

ينوب مفعول به عن فاعلِ

فيما له كنيل خير نائلِ

فأول الفعل اضممن. . . . . . . . .

. . . . . . . . .

الذي هو الواو هنا.

. . . . . . . . . اضممن والمتصل

بالآخر اكسر في مضي كوصل

((كأنما وتر أهلَه ومالَه)) يجوز أن تقول: "وتر أهلُه ومالُه" يعني سلب الأهل والمال، أو سلب الشخصُ الأهلَ والمالَ، فنائب الفاعل إما أن يكون ضميراً يعود على الذي تفوته أو يكون نائب الفاعل الأهل والمال، يعني كما قيل:((عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه، وما حدثت به أنفسَها)) أو أنفسُها، فالمتحدث هو الشخص يحدث نفسه أو أن النفس تحدثه ويجوز هذا وهذا.

ص: 7

"وفي الباب عن بريدة -عند البخاري- ونوفل بن معاوية" عند البخاري أيضاً، وفي الحديث التغليظ على من تفوته صلاة العصر، وأن ذلك مختص بها، جاء عند ابن حبان بلفظ:((الصلاة)) بدل العصر ((الذي تفوته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله)) وعلى كل حال من تفوته الصلاة فقد فاته الخير؛ لأن الصلاة عمود الدين، وماذا يدرك من فاتته الصلاة؟ وإذا قارنا بين أمور الدنيا كلها بالصلاة فإننا نرى أنه لا نسبة بينهم ((وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) يعني هذه المليارات التي يملكها الناس في جميع الأقطار، وهذه القصور، وهؤلاء الخدم، وهذه المركوبات، وهذه المأكولات والمشروبات كلها لا تقوم في صف ركعتي الصبح، والمراد بذلك النافلة وليست الفريضة، فماذا عن الفريضة؟ وبعض الناس إما أن يقول ذلك مازحاً ساخراً، إذا صلى شخص ركعتين وكثيراً ما يفعل هذا عند من عنده شيء من التغفيل، يقال له: هل تبيع الركعتين بألف؟ يقول: هات، هات يصلي ركعتين بدقيقتين والألف ما يدركه ولا بشهر ولا بشهرين، لا يجوز للطرفين معاً مثل هذا الكلام؛ لأن أمور الدين لا تجوز المساومة عليها ولو مازحاً، وأحياناً يسعى بعضهم في تأثيم أخيه، ويأثم معه؛ لأنه هو المتسبب كل هذا على سبيل المزاح، إذا حج، قال: تبيع الحجة بمائة ألف، يقول: هات نحج ثانية، ولا هو بشاري ولا شيء، لكن يدخل شيئاً من الخلل في قصد هذا الحاج الذي إن كان حجه مبروراً رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولا شك أن الندم على العبادة يعني على فعلها بعد تمامها لا يبطلها لكنه مع ذلك يخل فيها، يخل في أجرها الثابت لها، يعني لو صلى إنسان وندم أنه صلى، صام وندم أنه صام، الصلاة خلاص مضت يعني بعد الفراغ من العبادة لا يلتفت إلى الشيء، لكن مع ذلك الخلل يحصل بكونه يؤثر هذه الدنيا الفانية على دينه، وركعتا الصبح خير من الدنيا وما فيها، يعني الدنيا لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، وأي شيء أدنى من جناح البعوضة، لكننا لا نعرف حقيقة هذه الدنيا؛ لأن حبها أشرب قلوبنا، يعرف حقيقتها سعيد بن المسيب هو الذي يعرف حقيقة الدنيا لما جاءه الواسطة يخطب ابنته لابن الخليفة، وقال له: يا سعيد جاءت الدنيا

ص: 8

بحذافيرها، ابن الخليفة يطلب ابنتك، فقال له سعيد: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فما ترى أن يقص لي من هذا الجناح، ثم زوجها أحد طلابه الأشد فقراً، الذي لا يجد شيئاً البتة، والله المستعان.

"قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح" وأخرجه البخاري ومسلم من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر "وقد رواه الزهري أيضاً عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم" ورواه مسلم والنسائي وابن ماجه، فالحديث مروي بأصح الأسانيد، مالك عن نافع عن ابن عمر أصح الأسانيد عند البخاري، وهذا متفق عليه بين الشيخين، رواه البخاري ومسلم، عن مالك عن نافع عن ابن عمر بأصح الأسانيد عند الإمام البخاري، ورواه مسلم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه، وهذا هو أصح الأسانيد عند الإمام أحمد.

وخاض فيه قوم فقال مالكُ

عن نافع بما رواه الناسكُ

مولاه. . . . . . . . .

. . . . . . . . .

ثم بعد ذلك قال:

وجزم ابن حنبل بالزهري

عن سالم أي عن أبيه البري

هذه أصح الأسانيد.

سم.

باب: ما جاء تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام:

حدثنا محمد بن موسى البصري قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك)).

وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما.

حديث أبي ذر حديث حسن، وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون أن يصلي الرجل الصلاة لميقاتها إذا أخرها الإمام، ثم يصلي مع الإمام، والصلاة الأولى هي المكتوبة عند أكثر أهل العلم، وأبو عمران الجوني اسمه عبد الملك بن حبيب.

يقول الإمام -رحمه الله تعالى-:

"باب: ما جاء تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام"

يعني لا ينتظر الإمام. . . . . . . . .

من الأمراء في أواخر القرن الأول، في أواخر عهد الصحابة من يؤخر الصلوات إلى آخر وقتها، ووجد من يخرجها عن وقتها كالحجاج، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عما سيحصل في أمته، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام.

ص: 9

"باب: ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام" قال رحمه الله:

"حدثنا محمد بن موسى البصري" قال أهل العلم: لين، يقول ابن حجر: لين، وتقدم من الرواة من قال فيه ابن حجر: مقبول، وهو اللين إذا توبع، واللين هو المقبول إذا لم يتابع، وبينا هذا في مناسبات كثيرة، على كل حال اللين في حيز الضعيف ما لم يتابع، فإذا وجد من يتابعه على رواية الحديث صار الحديث في مرتبة الحسن، وحكم عليه الترمذي بالحسن، لكنه مخرج في صحيح مسلم، يعني اللين هذا الضعيف إذا توبع وانتقل من الضعف إلى الحسن، هل نستطيع أن نقول: إن الحديث ينتقل أكثر من درجة ما دام الحديث مخرج في الصحيح، في صحيح مسلم، هل نستطيع أن نقول: إن الحديث صحيح مع أن فيه راوٍ لين؟ طريق الإمام مسلم صحيح، لكن طريق الترمذي -رحمه الله تعالى- وإن حكم عليه بالحسن إلا أن فيه راوٍ لين فهو ضعيف، هذا الضعيف إذا وجد له من يتابعه

، إذا وجد لحديثه شاهد أو متابع فإنه يرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره، ومنهم من يقول: إذا كان الشاهد أو المتابع في أحد الصحيحين فإن الحديث يرتقي أكثر من درجة فيكون صحيحاً كما قرره الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث، وأكثر أهل العلم على أنه لا يرتقي إلا درجة واحدة، يعني إذا توبع ولو كان الشاهد أو المتابع في الصحيح فإنه يكون حينئذٍ حسناً.

ص: 10

قال: "حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي" صدوق زاهد مشهور "عن أبي عمران الجوني" اسمه عبد الملك بن حبيب كما سيأتي في كلام الإمام الترمذي، وهو ثقة من كبار الطبقة الرابعة "عن عبد الله بن الصامت" الغفاري، ابن أخي أبي ذر، أبو ذر يكون عمه "عن عبد الله بن الصامت" وهو ثقة، عن عمه "أبي ذر" الغفاري الصحابي الزاهد المشهور، الذي ألصقت به الاشتراكية، كتب عنه كثيراً عن الاشتراكي الزاهد أبي ذر الغفاري زوراً وبهتاناً، أبو ذر لا شك أنه زاهد، ويرى أن في المال حقوق غير الزكاة، هذا رأيه، واختلف مع ولاة الأمر في وقته حتى أنه نفي إلى الربذة، المقصود أن قوله لا يتفق مع قول الملاحدة والزنادقة الشيوعيين الاشتراكيين، وإن كان له رأي في المال يختلف فيه مع ولي الأمر، وجاء في الحديث:((ليس في المال حق سوى الزكاة)) وجاء أيضاً عن عائشة: "إن في المال حقاً سوى الزكاة" ولا شك أن هناك حقوق، منها النفقات، ومنها أوقات الضرورات، وغيرها مما جاءت به النصوص من الحقوق التي في مال المسلم عليه، وهو في الأصل مال الله {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [(33) سورة النور] نعم أبو ذر زاد على غيره ممن عاصره في وجوب الإنفاق، وأن المال لا يدخر أكثر من الحاجة وهكذا، المقصود أن هؤلاء يتشبثون به، ويدعمون مذاهبهم الباطلة، ويلصقون به ما يوافق آراءهم، والله المستعان.

ص: 11

"عن أبي ذر قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم" اسمه: جندب بن جنادة الغفاري "قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة)) يميتون الصلاة أي يؤخرونها عن وقتها المختار كذا قال النووي، يعني لا أنهم يخرجونها عن وقتها بالكلية، وقال ابن حجر: صح عن الحجاج أنه كان يؤخرها حتى يخرج وقتها، والحجاج معروف وضعه أنه مسرف، مسرف على نفسه في أبواب كثيرة من أبواب الدين، لا سيما الظلم وسفك الدماء، وتأخير الصلوات وغيرها، وإذلال بعض الصحابة كأنس، المقصود أن أمره إلى الله -جل وعلا-، ووجد من أهل العلم من يحكم بكفره، ومنهم من يقول: أمره إلى الله، وكيف يفعل بلا إله إلا الله، المقصود أن مثل هذا أمره إلى الله، والحافظ ابن كثير ذكر كثير من أخباره في ترجمته، وذكرنا منها ما ذكره الحافظ ابن كثير حول قراءة ابن مسعود، وأنه يود لو أنه حكها من المصحف بضلع خنزير، يعني مع اهتمامه وشدة عنايته بالقرآن، والله المستعان، فالإنسان عليه أن يحتاط لنفسه، ولا يتساهل في أمر دينه ولا يتنازل بل عليه أن يأخذ هذا الدين بقوة وحزم وعزم، ولا يتراخى؛ لأنه إذا تراخى وارتكب شيئاً من المحظورات، أو ترك شيئاً من الواجبات، ابتلي وعوقب بما هو أشد منها، ثم بعد ذلك يعاقب بما هو أشد وهكذا، إلى أن يجد نفسه قد خرج من الدين بالكلية.

وذكرنا مراراً أنه لا يتصور من عاقل فضلاً عن مسلم أن يقول: سبحان ربي الأسفل، لكن ما قالها أول كلمة قالها هذه؟ والمعاصي سبب من أسباب الاسترسال في الجرائم والمنكرات إلى أن ينسلخ المرء من دينه بالكلية

ص: 12

{ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ} [(61) سورة البقرة] يعني بسبب عصيانهم {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [(61) سورة البقرة] المقصود أن الإنسان عليه أن يأخذ في دينه بالحزم والعزم، ولا يتراخى ولا يتساهل، ولا يأخذ بالرخص، ولا يتتبع الأقوال الشاذة كما هو حاصل الآن؛ لأنه ما من مسألة إلا وفيها الأقوال التي هي عبارة عن طرفين ووسط، فيها التشديد، وفيها التسهيل الزائد، وفيها القول المتوسط التي تعضده النصوص، فإن أخذ على نفسه بالتشديد في كل شيء، يخشى عليه أن يكون

، أن يأخذ برأي الخوارج، وأن يكون متشدداً متطرفاً، وإذا تساهل وتسامح وأخذ بالطرف الآخر يخشى أن يكون مرجئاً ينسلخ من دينه وهو لا يشعر، فعليه بالجادة التي هي الوسط، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [(143) سورة البقرة].

((يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها)) لا تنتظرهم حتى يخرج الوقت المختار، أو يخرجونها عن وقتها، ((فصل الصلاة لوقتها)) يعني إذا عرفت من عادتهم المطردة أنهم يؤخرون الصلاة ((فصل الصلاة لوقتها))، طيب يوجد مساجد في هذا البلد وغيره عرف عن أئمتها أنهم يؤخرون الصلاة يمكن بعد الناس بساعة، لكنها ما زالت في الوقت المختار، وأقول: لا ينبغي قصد هؤلاء هذه المساجد إلا لمن فاتته الصلاة؛ لأن هذا التأخير لا شك أنه مرجوح، والتعجيل أفضل، لكن يبقى أننا إذا وازنا بين هذا التأخير الذي هو ما زال في وقت الاختيار وبين فوات الجماعة قلنا: إن هذا التأخير أسهل من تفويت الجماعة، لكن يبقى أن أولئك الأمراء الذين أشار إليهم النبي عليه الصلاة والسلام تأخيرهم إلى الوقت الذي هو وقت الضرورة، وقت اصفرار الشمس، ولا يجوز للإنسان أن يؤخر العصر إلى أن تصفر الشمس، يأثم بذلك وإن كانت في وقتها الاضطراري، وتسمى أداء وليست بقضاء.

ص: 13

((فصل الصلاة لوقتها، فإذا صُليت)) فإذا صُليت يعني: صلاة الأمراء "لوقتها" أي في وقتها "كانت" أي صلاتك معهم "لك نافلة" أن تصلي الصلاة في أول وقتها، فإذا اتفق أنهم صلوها في الوقت، تأخروا لكنهم صلوها بالوقت، كانت لك نافلة، أي صلاتك معهم نافلة، ففي حديث أن الفريضة هي الأولى التي تصليها في أول وقتها، على أي حال كانت سواءً كنت فرداً أو جماعة إذا كانت صحيحة مجزئة مسقطة للطلب كما جاء في حديث الرجلين الذين وجدا في المسجد بعد أن سلم النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته، وهما لم يصليا مع الناس، فجيء بهم النبي عليه الصلاة والسلام ترعد فرائصهما، من الهيبة للنبي عليه الصلاة والسلام، فسألهما النبي عليه الصلاة والسلام فقالا: صلينا في رحالنا، فقال:((إذا صليتما في رحالكما ثم جئتما المسجد والناس يصلون فصلوا معهم فإنها لكما نافلة)) يعني إذا صليتم مع الجماعة نافلة، والصلاة الأولى التي صليتموها في رحالكما هي الفريضة، ((فإن صليت)) يعني صلاة الأمراء ((لوقتها)) يعني في وقتها ((كانت لك نافلة)) صلاتك معهم نافلة، وصلاتك الأولى هي الفريضة ((وإلا كنت قد أحرزت صلاتك)) يعني ضمنت صلاتك، أحرزت ضمنت صلاتك، وحصلتها في وقتها، وحصلتها في وقتها المختار.

ص: 14

"وفي الباب عن عبد الله بن مسعود" عند أحمد والطبراني "وعن عبادة بن الصامت" عند أبي داود "قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن" وأخرجه مسلم والنسائي وأحمد "وهو قول غير واحد من أهل العلم" قد يقول قائل: لماذا يصلي معهم ما دام صلى صلاة صحيحة مجزئة مسقطة للطلب؟ لأنه يخشى على نفسه من هؤلاء الأمراء الظلمة ويخشى أيضاً أن يوجد شقاق ونزاع في صفوف المسلمين وبين عامتهم، والخلاف كما قال ابن مسعود:"شر" ولا يعني أن صلاته معهم امتثالاً لهذا الحديث، إنما هي من باب الإقرار لهم على صنيعهم، لا، وإنما هي من أجل أن يضمن عدم أذيتهم، وأن لا يشق العصا الذي اجتمع عليهم، وإن كانوا فساقاً أو فجاراً ما داموا في دائرة الإسلام، ولا يجوز الخروج عليهم حينئذٍ إلا إذا رؤي الكفر البواح، أو أعلنوا ترك الصلاة، إذا كانوا لا يصلون، لا ما صلوا، فما داموا يصلون ولو كانت الصلاة فيها ما فيها مثل هذه الصلاة فإنه لا يجوز الخروج عليهم حينئذٍ، أما إذا رؤي الكفر البواح الذي فيه من الله برهان فيجوز حينئذٍ الخروج عليهم بشرطه عند أهل العلم، والشرط أن توجد القدرة على إزالتهم من غير إراقة دماء، لا بد من صيانة دماء المسلمين، فلا تعرض دماء المسلمين للإراقة بسبب خلع شخص وإقامة آخر، لا يستطاع خلعه إلا بشر عظيم، وضرر مستطير إن هذا لا بد من الصبر عليه، ولو رئي منه ما رئي، كما جاءت بذلك النصوص.

قال رحمه الله:

ص: 15

"وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون أن يصلى الرجل الصلاة لميقاتها إذا أخرها الإمام، ثم يصلى مع الإمام، والصلاة الأولى هي المكتوبة عند أكثر أهل العلم" هي المكتوبة عند أهل العلم، وأشرنا سابقاً إلى أنه في بعض الدوائر الحكومية، وفي بعض المؤسسات، وفي بعض المدارس يؤخرون صلاة الظهر إلى نهاية الدوام؛ لئلا يختل نظام العمل، ولا شك أن بعض الناس يتذرع بالصلاة فيقضي أكبر وقت منشغلاً عن العمل باسم الصلاة، قبل الأذان بربع ساعة يقوم ليتجهز على حد زعمه للصلاة، ثم يتلوم ويتأخر إلى قرب الإقامة ثم إذا أقيمت الصلاة ذهب إلى المصلى ثم بعد ذلك جلس على حد زعمه للأذكار أكثر من العادة، العادة هو من السرعان، هو من السرعان في العادة، ولا يأتي إلا متأخر، وأول من يخرج، لكن هذا لأنه في دوام وفي عمل يتحايل على هذا العمل وهذا الدوام علماً بأن وقت الصلاة مستثنىً شرعاً، يعني لو يأتي صاحب عمل بعمال ويأمرهم بالعمل في وقت الصلاة ليس له طاعة هنا، بل لا بد أن يعطل العمل وقت الصلاة، طيب ما بيننا وبينهم في العقد أنهم يتركون العمل وقت الصلاة، لا، لا هذا ما يحتاج إلى استثناء، ولا يحتاج إلى اشتراط هذا مستثنىً شرعاً، لكن بعض الناس يتحين مثل هذه، ويستغل مثل هذه الفرص فيضيع بها العمل، وعادته إذا كان في بيته وبين أهل آخر من يدخل المسجد وأول من يخرج منه، وفي وقت العمل تجده يبادر، وقد يقرأ قرآن بعد الصلاة، ويصلي الرواتب، وراتبة الظهر ركعتان بعدها، ويقول: جاء الحث على أربع، وتجده يتلبث ويتلوم كله من أجل أن يفوت جزءاً من الدوام هذا لا يجوز له بحال.

"وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون أن يصلى الرجل الصلاة لميقاتها إذا أخرها الإمام، ثم يصلى مع الإمام، والصلاة الأولى هي المكتوبة عند أكثر أهل العلم، وأبو عمران الجوني اسمه: عبد الملك بن حبيب" وهو مشهور بكنيته، قوله:"والصلاة الأولى هي المكتوبة عند أكثر أهل العلم" هذا قول الجمهور، وعليه يدل هذا الحديث، والحديث الآخر الذي سقناه آنفاً.

ص: 16