الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَاب الْأَسْمَاء الَّتِي تعْمل عمل الْفِعْل
الْمصدر
ثمَّ قلت بَاب الْأَسْمَاء الَّتِي تعْمل عمل الْفِعْل وَهِي عشرَة أَحدهَا الْمصدر وَهُوَ اسْم الْحَدث الْجَارِي على الْفِعْل كضرب وإكرام وَشَرطه أَن لَا يصغر وَلَا يحد بِالتَّاءِ نَحْو ضربتين أَو ضربات وَلَا يتبع قبل الْعَمَل وَأَن يخلفه فعل مَعَ أَن أَو مَا وَعَمله منونا أَقيس نَحْو {أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما} ومضافا للْفَاعِل أَكثر نَحْو {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس} ومقرونا بأل ومضافا لمفعول ذكر فَاعله ضَعِيف
وَأَقُول لما أنهيت حكم الْفِعْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإعمال أردفته بِمَا يعْمل عمل الْفِعْل من الْأَسْمَاء وبدأت مِنْهَا بِالْمَصْدَرِ لِأَن الْفِعْل مُشْتَقّ مِنْهُ على الصَّحِيح
واحترزت بِقَوْلِي الْجَارِي على الْفِعْل من اسْم الْمصدر فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ اسْما دَالا على الْحَدث لكنه لَا يجرى على الْفِعْل وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك أَعْطَيْت عَطاء فان الَّذِي يجْرِي على أَعْطَيْت إِنَّمَا هُوَ إِعْطَاء لِأَنَّهُ مستوف لحروفة وَكَذَا اغْتَسَلت غسلا بِخِلَاف اغْتسل اغتسالا وَسَيَأْتِي شرح اسْم الْمصدر بعد
وأشرت بتمثيلي بِضَرْب وإكرام إِلَى مثالي مصدر الثلاثي وَغَيره
وَمِثَال مَا يخلفه فعل مَعَ أَن قَوْله تَعَالَى {وَلَوْلَا دفع الله النَّاس} أَي وَلَوْلَا أَن يدْفع الله النَّاس أَو أَن دفع الله النَّاس وَمِثَال مَا يخلفه فعل مَعَ مَا قَوْله تَعَالَى {تخافونهم كخيفتكم أَنفسكُم} أَي كَمَا تخافون أَنفسكُم وَمِثَال مَا لَا يخلفه فعل مَعَ أحد هذَيْن الحرفين قَوْلهم مَرَرْت بِهِ فَإِذا لَهُ صَوت صَوت حمَار إِذْ لَيْسَ الْمَعْنى على قَوْلك فَإِذا لَهُ أَن صَوت أَو أَن يصوت أَو مَا يصوت لِأَنَّك لم ترد بِالْمَصْدَرِ الْحُدُوث فَيكون فِي تَأْوِيل الْفِعْل وَإِنَّمَا أردْت أَنَّك مَرَرْت بِهِ وَهُوَ فِي حَالَة تصويت وَلِهَذَا قدرُوا للصوت الثَّانِي ناصبا وَلم يجْعَلُوا صَوتا الأول عَاملا فِيهِ
وَإِنَّمَا كَانَ عمل الْمنون أَقيس لِأَنَّهُ يشبه الْفِعْل بِكَوْنِهِ نكرَة
وَإِنَّمَا كَانَ إِعْمَال الْمُضَاف للْفَاعِل أَكثر لِأَن نِسْبَة الْحَدث لمن أوجده أظهر من نسبته لمن أوقع عَلَيْهِ وَلِأَن الَّذِي يظْهر حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ عمله فِي الفضلة وَنَظِيره أَن لات لما كَانَت ضَعِيفَة عَن الْعَمَل لم يظهروا عَملهَا غَالِبا إِلَّا فِي منصوبها
وَإِنَّمَا كَانَ إِعْمَال الْمُضَاف للْمَفْعُول الَّذِي ذكر فَاعله ضَعِيفا لِأَن الَّذِي يظْهر حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ عمله فِي الْعُمْدَة وَلَقَد غلا بَعضهم فَزعم فِي الْمُضَاف للْمَفْعُول ثمَّ يذكر فَاعله بعد ذَلِك أَنه مُخْتَصّ بالشعر كَقَوْل الشَّاعِر
(أفنى تلادي وَمَا جمعت من نشب
…
قرع القواقيز أَفْوَاه الأباريق)
فِيمَن روى الأفواه بِالرَّفْع وَيرد على هَذَا الْقَائِل أَنه روى أَيْضا بِالنّصب فَلَا ضَرُورَة فِي الْبَيْت وَقَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَحج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا
فان قلت فَهَلا استدللت عَلَيْهِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَة آيَة الْحَج
قلت الصَّوَاب أَنَّهَا لَيست من ذَلِك فِي شَيْء بل الْمَوْصُول فِي مَوضِع جر بدل بعض من النَّاس أَو فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ على أَن من مَوْصُولَة ضمنت معنى الشَّرْط أَو شَرْطِيَّة وَحذف الْخَبَر أَو الْجَواب أَي من اسْتَطَاعَ فليحج وَيُؤَيّد الأبتداء {وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين} وَأما الْحمل على الفاعلية فمفسد للمعنى إِذْ التَّقْدِير إِذْ ذَاك وَللَّه على النَّاس أَن يحجّ المستطيع فعلى هَذَا إِذا لم يحجّ المستطيع يَأْثَم النَّاس كلهم
وَلَو أضيف للْمَفْعُول ثمَّ لم يذكر الْفَاعِل لم يمْتَنع ذَلِك فِي الْكَلَام عِنْد أحد نَحْو {لَا يسأم الْإِنْسَان من دُعَاء الْخَيْر} أَي من دُعَائِهِ الْخَيْر
وَمِثَال إِعْمَال ذِي الْألف وَاللَّام قَول الشَّاعِر يصف شخصا بِضعْف الرَّأْي والجبن
(ضَعِيف النكاية أعداءه
…
يخال الْفِرَار يراخى الْأَجَل)
ثمَّ قلت الثَّانِي اسْم الْفَاعِل وَهُوَ مَا اشتق من فعل لمن قَامَ بِهِ على معنى الْحُدُوث كضارب ومكرم فَإِن صغر أَو وصف لم يعْمل وَإِلَّا فَإِن كَانَ صلَة لأل عمل مُطلقًا وَإِلَّا عمل إِن كَانَ حَالا أَو اسْتِقْبَالًا وَاعْتمد وَلَو تَقْديرا على نفي أَو اسْتِفْهَام أَو مخبر عَنهُ أَو مَوْصُوف
وَأَقُول قولي مَا اشتق من فعل فِيهِ تجوز وَحقه مَا اشتق من مصدر فعل
وَقَوْلِي لمن قَامَ بِهِ مخرج للْفِعْل بأنواعه فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشتق لتعيين زمن الْحَدث لَا للدلالة على من قَامَ بِهِ ولاسم الْمَفْعُول فَإِنَّهُ إِنَّمَا اشتق من الْفِعْل لمن وَقع عَلَيْهِ ولأسماء الزَّمَان وَالْمَكَان الْمَأْخُوذَة من الْفِعْل فَإِنَّهَا إِنَّمَا اشْتقت لما وَقع فِيهَا لَا لمن قَامَت بِهِ وَذَلِكَ نَحْو المضرب بِكَسْر الرَّاء اسْما لزمان الضَّرْب أَو مَكَانَهُ
وَقَوْلِي على معنى الْحُدُوث مخرج للصفة الْمُشبه ولاسم التَّفْضِيل كظريف وَأفضل فَإِنَّهُمَا اشتقا لمن قَامَ بِهِ الْفِعْل لَكِن على معنى الثُّبُوت لَا على معنى الْحُدُوث
وأشرت بتمثيلي بضارب ومكرم إِلَى أَنه إِن كَانَ من فعل ثلاثي جَاءَ على زنة فَاعل وَإِن كَانَ من غَيره جَاءَ بِلَفْظ الْمُضَارع بِشَرْط تَبْدِيل حرف المضارعة بميم مَضْمُومَة وَكسر مَا قبل آخِره مُطلقًا
ثمَّ يَنْقَسِم اسْم الْفَاعِل إِلَى مقرون بأل الموصولة وَمُجَرَّد عَنْهَا
فالمقرون بهَا يعْمل عمل فعله مُطلقًا أَعنِي مَاضِيا كَانَ أَو حَاضرا
أَو مُسْتَقْبلا تَقول هَذَا الضَّارِب زيدا أمس أَو الْآن أَو غَدا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(القاتلين الْملك الحلاحل
…
خير معد حسبا ونائلا)
فأعمل القاتلين مَعَ كَونه بِمَعْنى الْمَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد بِالْملكِ الحلاحل أَبَاهُ وَفِيه دَلِيل أَيْضا على إعماله مجموعا
والمجرد عَنْهَا إِنَّمَا يعْمل بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا ان يكون للْحَال أَو الِاسْتِقْبَال لَا للماضي خلافًا للكسائي وَهِشَام وَابْن مضاء استدلوا بقوله تَعَالَى {وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} وتأولها غَيرهمَا
الثَّانِي أَن يكون مُعْتَمدًا على وَاحِد من أَرْبَعَة وَهِي الأول النَّفْي كَقَوْلِه
(مَا رَاع الخلان ذمَّة ناكث
…
بل من وَفِي يجد الْخَلِيل خَلِيلًا)
الثَّانِي الِاسْتِفْهَام كَقَوْلِه
(اناو رجالك قتل امريء
…
من الْعِزّ فِي حبك اعتاض ذلا)
الثَّالِث اسْم مخبر عَنهُ باسم الْفَاعِل كَقَوْلِه تَعَالَى {إِن الله بَالغ أمره}
الرَّابِع اسْم مَوْصُوف باسم الْفَاعِل كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل ضَارب زيدا
وَقَوْلِي وَلَو تَقْديرا اشارة الى مثل قَوْله
(كناطح صَخْرَة يَوْمًا ليوهنها
…
فَلم يَضرهَا وأوهى قرنه الوعل)
وَقَوله
(لَيْت شعري مُقيم الْعذر قومِي
…
لي أم هم فِي الْحبّ لي عاذلونا)
وقولك ضَارِبًا عمرا جَوَابا لمن قَالَ كَيفَ رَأَيْت زيدا أَلا ترى أَن هَذِه عملت لاعتمادها على مُقَدّر اذ الأَصْل كوعل ناطح وليت شعري أمقيم ورأيته ضَارِبًا
ثمَّ قلت الثَّالِث الْمِثَال وَهُوَ مَا حول للْمُبَالَغَة من فَاعل الى فعال أَو مفعال أَو فعول بِكَثْرَة أَو فعيل أَو فعل بقلة
وَأَقُول الثَّالِث من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل أَمْثِلَة الْمُبَالغَة وَهِي عبارَة عَن الأوزان الْخَمْسَة الْمَذْكُورَة محولة عَن صِيغَة فَاعل لقصد افادة الْمُبَالغَة والتكثير
وَحكمهَا حكم اسْم الْفَاعِل فتنقسم الى مَا يَقع صلَة لأل فتعمل مُطلقًا والى مُجَرّد عَنْهَا فتعمل بالشرطين الْمَذْكُورين
وَمِثَال إِعْمَال فعال قَوْلهم أما الْعَسَل فَأَنا شراب وَقَول الشَّاعِر
(أَخا الْحَرْب لباسا اليها جلالها
…
وَلَيْسَ بولاج الْخَوَالِف أعقلا)
وَمِثَال اعمال مفعال قَوْلهم انه لمنحار بوائكها أَي سمانها
وَمِثَال اعمال فعول قَول أبي طَالب
(ضروب بنصل السَّيْف سوق سمانها
…
)
واعمال هَذِه الثَّلَاثَة كثير فَلهَذَا اتّفق عَلَيْهِ جَمِيع الْبَصرِيين
وَمِثَال إِعْمَال فعيل قَول بَعضهم ان الله سميع دُعَاء من دَعَاهُ
وَمِثَال اعمال فعل قَول زيد الْخَيل رضي الله عنه
(أَتَانِي أَنهم مزقون عرضي
…
)
واعمالهما قَلِيل فَلهَذَا خَالف سِيبَوَيْهٍ فيهمَا قوم من الْبَصرِيين وَوَافَقَهُ مِنْهُم آخَرُونَ وَوَافَقَهُ بَعضهم فِي فعل لِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل وَخَالفهُ فِي فعيل لِأَنَّهُ على وزن الصّفة المشبهة كظريف وَذَلِكَ لَا ينصب الْمَفْعُول
وَأما الْكُوفِيُّونَ فَلَا يجيزون اعمال شَيْء من الْخَمْسَة وَمَتى وجدوا شَيْئا مِنْهَا قد وَقع بعده مَنْصُوب أضمروا لَهُ فعلا وَهُوَ تعسف
ثمَّ قلت الرَّابِع اسْم الْمَفْعُول وَهُوَ مَا اشتق من فعل لمن وَقع عَلَيْهِ كمضروب ومكرم
وَأَقُول الرَّابِع من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل اسْم الْمَفْعُول
وَفِي قولي فِي حَده مَا شتق من فعل من الْمجَاز مَا تقدم شَرحه فِي حد اسْم الْفَاعِل
وَقَوْلِي لمن وَقع عَلَيْهِ مخرج للأفعال الثَّلَاثَة ولاسم الْفَاعِل ولاسمي الزَّمَان وَالْمَكَان وَقد تبين شرح ذَلِك مِمَّا تقدم
ومثلت بمضروب ومكرم لأنبه على أَن صيغته من الثلاثي على زنة مفعول كمضروب ومقتول ومكسور ومأسور وَمن غَيره بِلَفْظ مضارعه بِشَرْط مِيم مَضْمُومَة مَكَان حرف المضارعة وَفتح مَا قبل آخِره كمخرج ومستخرج
ثمَّ قلت وشرطهما كاسم الْفَاعِل
وَأَقُول أَي شَرط إِعْمَال الْمِثَال وإعمال اسْم الْمَفْعُول كَشَرط إِعْمَال اسْم الْفَاعِل على التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي الْوَاقِع صلَة لأل والمجرد مِنْهَا وَقد مضى ذَلِك
ثمَّ قلت الْخَامِس الصّفة المشبهة وَهِي كل صفة صَحَّ تَحْويل إسنادها إِلَى ضمير موصوفها وتختص بِالْحَال وبالمعمول السببي الْمُؤخر وترفعه فَاعِلا أَو بَدَلا أَو تنصبه مشبها أَو تمييزا أَو تجره بِالْإِضَافَة إِلَّا إِن كَانَت بأل وَهُوَ عَار مِنْهَا
وَأَقُول الْخَامِس من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل الصّفة المشبهة وَهِي عبارَة عَمَّا ذكرت
وَمِثَال ذَلِك قَوْلك زيد حسن وَجهه بِالنّصب أَو بِالْجَرِّ وَالْأَصْل وَجهه بِالرَّفْع لِأَنَّهُ فَاعل فِي الْمَعْنى إِذْ الْحسن فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ للْوَجْه وَلَكِنَّك أردْت الْمُبَالغَة فحولت الْإِسْنَاد الى ضمير زيد فَجعلت زيدا نَفسه حسنا وأخرت الْوَجْه فضلَة ونصبته على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ لِأَن الْعَامِل وَهُوَ حسن طَالب لَهُ من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ معموله الْأَصْلِيّ وَلَا يَصح أَن ترفعه على الفاعلية وَالْحَالة هَذِه لاستيفائه فَاعله وَهُوَ الضَّمِير فَأشبه الْمَفْعُول فِي قَوْلك زيد ضَارب عمرا لِأَن ضَارِبًا طَالب لَهُ وَلَا يَصح أَن ترفعه على الفاعلية فنصب لذَلِك
فالصفة مشبة باسم الْفَاعِل الْمُتَعَدِّي لوَاحِد ومنصوبها يشبه مفعول اسْم الْفَاعِل وَقد تقدّمت الْإِشَارَة الى هَذَا التَّقْدِير
ثمَّ لَك بعد ذَلِك أَن تخفضه بِالْإِضَافَة وَتَكون الصّفة حِينَئِذٍ مشبهة أَيْضا لِأَن الْخَفْض ناشيء على الْأَصَح عَن النصب لَا عَن الرّفْع لِئَلَّا يلْزم اضافة الشَّيْء الى نَفسه اذ الصّفة أبدا عين مرفوعها وَغير منصوبها فافهمه
وتفارق هَذِه الصّفة اسْم الْفَاعِل من وُجُوه
أَحدهَا أَنَّهَا لَا تكون الا للْحَال وأعني بِهِ الْمَاضِي المستمر الى زمن الْحَال وَاسم الْفَاعِل يكون للماضي وللحال وللاستقبال
وَالثَّانِي أَن معمولها لَا يكون الا سببيا وأعني بِهِ مَا هُوَ مُتَّصِل بضمير الْمَوْصُوف لفظا أَو تَقْديرا وَاسم الْفَاعِل يكون معموله سببيا تَقول فِي الصّفة المشبهة زيد حسن وَجهه وَزيد حسن الْوَجْه أَي الْوَجْه مِنْهُ أَو وَجهه فَهُوَ اما على نِيَابَة أل مناب الضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو على حذف الضَّمِير من غير نِيَابَة عَنهُ وَلَا تَقول زيد حسن عمرا كَمَا تَقول زيد ضَارب عمرا
الثَّالِث أَن معمولها لَا يكون الا مُؤَخرا عَنْهَا تَقول زيد حسن وَجهه وَلَا تَقول زيد وَجهه حسن ومعمول اسْم الْفَاعِل يكون مُؤَخرا عَنهُ ومقدما عَلَيْهِ تَقول زيد غُلَامه ضَارب
الرَّابِع أَنه يجوز فِي مرفوعها النصب والجر وَلَا يجوز فِي مَرْفُوع اسْم الْفَاعِل الا الرّفْع
ثمَّ بيّنت أَن الْخَفْض لَهُ وَجه وَاحِد وَهُوَ الْإِضَافَة وَأَن الرّفْع لَهُ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون فَاعِلا وَالثَّانِي أَن يكون بَدَلا من ضمير مستتر فِي الصّفة وَأَن النصب فِيهِ تَفْصِيل وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُوب ان كَانَ نكرَة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يكون انتصابه على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ وَالثَّانِي أَن يكون تمييزا وان كَانَ معرفَة امْتنع كَونه مشبها بالمفعول بِهِ لِأَن التَّمْيِيز لَا يكون الا نكرَة
ثمَّ بيّنت أَن جَوَاز الرّفْع وَالنّصب مُطلق وَأَن جَوَاز الْخَفْض مُقَيّد بألا تكون الصّفة بأل والمعمول مُجَرّد مِنْهُ وَمن الْإِضَافَة لتاليها وتضمن ذَلِك امْتنَاع الْجَرّ فِي زيد الْحسن وَجهه وَالْحسن وَجه أَبِيه وَالْحسن وَجها وَالْحسن وَجه أَب
ثمَّ قلت السَّادِس اسْم الْفِعْل نَحْو بله زيدا بِمَعْنى دَعه وعليكه وَبِه بِمَعْنى الزمه والصق ودونكه بِمَعْنى خُذْهُ ورويده وتيده بِمَعْنى أمهله وهيهات وشتان بِمَعْنى بعد وافترق وأوه وأف بِمَعْنى أتوجع وأتضجر وَلَا يُضَاف وَلَا يتَأَخَّر عَن معموله وَلَا ينصب فِي جَوَابه وَمَا نون مِنْهُ فنكرة
وَأَقُول السَّادِس من الْأَسْمَاء العاملة عمل الْفِعْل اسْم الْفِعْل وَهُوَ على ثَلَاثَة أَنْوَاع مَا سمي بِهِ الْأَمر وَهُوَ الْغَالِب فَلهَذَا بدأت بِهِ ومثلته بِخَمْسَة أَمْثِلَة وَهِي بله بِمَعْنى دع كَقَوْل الشَّاعِر فِي صفة السيوف
(تذر الجماجم ضاحيا هاماتها
…
بله الأكف كَأَنَّهَا لم تخلق)
أَي دع الأكف وَذَلِكَ فِي رِوَايَة من نصب الأكف أما من خفضها فبله مصدر بِمَنْزِلَة قَوْلك ترك الأكف وَأما من رَفعهَا وَهُوَ شَاذ فَهِيَ اسْم اسْتِفْهَام بِمَنْزِلَة كَيفَ وَمَا بعْدهَا مُبْتَدأ وَهِي خَبره
وعليكه بِمَعْنى الزمه وَقَوله تَعَالَى {عَلَيْكُم أَنفسكُم} أَي الزموا شَأْن أَنفسكُم وَيُقَال أَيْضا عَلَيْك بِهِ فَقيل الْبَاء زَائِدَة وَقيل اسْم لَا لصق دون الزم
ودونكه بِمَعْنى خُذْهُ كَقَوْل صبية لأمها
(دونكها يَا أم لَا أطيقها
…
)
ورويده وتيده بِمَعْنى أمهله
وَمَا سمى بِهِ الْمَاضِي وَهُوَ أَكثر مِمَّا سمى بِهِ الْمُضَارع فَلهَذَا قدم عَلَيْهِ ومثلت لَهُ بمثالين هَيْهَات بِمَعْنى بعد وشتان بِمَعْنى افترق قَالَ
(فهيهات هَيْهَات العقيق وَمن بِهِ
…
وهيهات خل بالعقيق نواصله)
وَقَالَ
(شتان هَذَا والغناق وَالنَّوْم
…
وَالْمشْرَب الْبَارِد فِي ظلّ الدوم)
وَلَك زِيَادَة مَا قبل فَاعل شتان كَقَوْلِه
(شتان مَا يومي على كورها
…
وَيَوْم حَيَّان أخى جَابر)
وَلَا يجوز عِنْد الْأَصْمَعِي شتان مَا بَين زيد وَعَمْرو وَجوزهُ غَيره محتجا بقوله
(لشتان مَا بَين اليزيدين فِي الندى
…
)
وَأما قَول بعض الْمُحدثين
(جازيتموني بالوصال قطيعة
…
شتان بَين صنيعكم وصنيعي)
فَلم تستعمله الْعَرَب وَقد يخرج على إِضْمَار مَا مَوْصُولَة ببين وَذَلِكَ على قَول الْكُوفِيّين ان الْمَوْصُول يجوز حذفه
وَمَا سمى بِهِ الْمُضَارع نَحْو أوه بِمَعْنى أتوجع وأف بِمَعْنى أتضجر وَبَعْضهمْ أسقط هَذَا الْقسم وَفسّر هذَيْن بتوجعت وتضجرت
وَمن أَحْكَام اسْم الْفِعْل أَنه لَا يُضَاف كَمَا أَن مُسَمَّاهُ وَهُوَ الْفِعْل كَذَلِك وَمن ثمَّ قَالُوا إِذا قلت بله زيد ورويد زيد بالخفض كَانَا مصدرين والفتحة فيهمَا فَتْحة اعراب واذا قلت بله زيدا ورويد زيدا كَانَا اسْمِي فعلين وَمَعْلُوم أَن الفتحة فيهمَا حِينَئِذٍ فَتْحة بِنَاء لعدم التَّنْوِين
وَمِنْهَا أَن معمولها لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا لَا تَقول زيدا عَلَيْك وَخَالف فِي ذَلِك الْكسَائي تمسكا بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى {كتاب الله عَلَيْكُم} وَقَول الراجز
(يَا أَيهَا المائح دلوي دونكا
…
)
وَمِنْهَا أَن الْمُضَارع لَا ينصب فِي جَوَاب الطلبي مِنْهُ لَا تَقول صه فأحدثك بِالنّصب خلافًا للكسائي أَيْضا نعم يجْزم فِي جَوَابه كَقَوْلِه
(مَكَانك تحمدي أَو تستريحي
…
)
وَمِنْهَا أَن مَا نون مِنْهَا نكرَة وَمَا لم ينون معرفَة فَإِذا قلت
صه فَمَعْنَاه اسْكُتْ سكُوتًا وَإِذا قلت صه فَمَعْنَاه اسْكُتْ السُّكُوت الْمعِين
ثمَّ قلت السَّابِع وَالثَّامِن الظّرْف وَالْمَجْرُور المعتمدان وعملهما عمل اسْتَقر
وَأَقُول إِذا اعْتمد الظّرْف وَالْمَجْرُور على مَا ذكرت فِي بَاب اسْم الْفَاعِل وَهُوَ النَّفْي والاستفهام وَالِاسْم الْمخبر عَنهُ وَالِاسْم الْمَوْصُوف وَالِاسْم الْمَوْصُول عملا عمل فعل الِاسْتِقْرَار فرفعا الْفَاعِل الْمُضمر أَو الظَّاهِر تَقول مَا عنْدك مَال وَمَا فِي الدَّار زيد وَالْأَصْل مَا اسْتَقر عنْدك مَال وَمَا اسْتَقر فِي الدَّار زيد فَحذف الْفِعْل وأنيب الظّرْف وَالْمَجْرُور عَنهُ وَصَارَ الْعَمَل لَهما عِنْد الْمُحَقِّقين وَقيل إِنَّمَا الْعَمَل للمحذوف وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَيجوز لَك أَن تجعلهما خَبرا مقدما وَمَا بعدهمَا مُبْتَدأ مُؤَخرا وَالْأول أولى لسلامته من مجَاز التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَهَكَذَا الْعَمَل فِي بَقِيَّة مَا يعتمدان عَلَيْهِ نَحْو {أَفِي الله شكّ}
وقولك زيد عنْدك أَبوهُ وَجَاء الَّذِي فِي الدَّار أَخُوهُ ومررت بِرَجُل فِيهِ فضل
فَإِن قلت فَفِي أَي مَسْأَلَة يعْتَمد الْوَصْف على الْمَوْصُول حَتَّى يُحَال عَلَيْهِ الظّرْف وَالْمَجْرُور
قلت إِذا وَقع بعد أل فَإِنَّهَا مَوْصُولَة وَالْوَصْف صلَة وَلِهَذَا حسن عطف الْفِعْل عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {إِن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله}
ثمَّ قلت التَّاسِع اسْم الْمصدر وَالْمرَاد بِهِ اسْم الْجِنْس الْمَنْقُول عَن مَوْضُوعه إِلَى إِفَادَة الْحَدث كَالْكَلَامِ وَالثَّوَاب وانما يعمله الْكُوفِي والبغدادي وَأما نَحْو مصابك الْكَافِر حسن فَجَائِز اجماعا لِأَنَّهُ مصدر وَعَكسه نَحْو فجار وَحَمَّاد
وَأَقُول التَّاسِع اسْم الْمصدر وَهُوَ يُطلق على ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا مَا يعْمل اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا بُدِئَ بميم زَائِدَة لغير المفاعلة كالمضرب والمقتل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مصدر فِي الْحَقِيقَة وَيُسمى الْمصدر الميمي وانما سموهُ أَحْيَانًا اسْم مصدر تجوزا وَمن اعماله قَول الشَّاعِر
(أظلوم ان مصابكم رجلا
…
أهْدى السَّلَام تَحِيَّة ظلم)
الْهمزَة للنداء وظلوم اسْم امْرَأَة منادى ومصابكم اسْم ان وَهُوَ مصدر بِمَعْنى اصابتكم وَيُسمى اسْم مصدر مجَازًا ورجلا مفعول بِالْمَصْدَرِ وَأهْدى السَّلَام جملَة فِي مَوضِع نصب على أَنَّهَا صفة لرجلا وتحية مصدر لأهدى السَّلَام من بَاب قعدت جُلُوسًا وظلم خير ان وَلِهَذَا الْبَيْت حِكَايَة شهيرة عِنْد أهل الْأَدَب
وَالثَّانِي مَا لَا يعْمل اتِّفَاقًا وَهُوَ مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَحْدَاث علما ك سُبْحَانَ علما للتسبيح وفجار وَحَمَّاد علمين للفجرة والمحمدة
وَالثَّالِث مَا اخْتلف فِي اعماله وَهُوَ مَا كَانَ اسْما لغير الْحَدث فَاسْتعْمل لَهُ ك الْكَلَام فَإِنَّهُ فِي الأَصْل اسْم للملفوظ بِهِ من الْكَلِمَات ثمَّ نقل الى معنى التكليم وَالثَّوَاب فانه فِي الأَصْل اسْم لما يُثَاب بِهِ الْعمَّال ثمَّ نقل الى معنى الإثابة وَهَذَا النَّوْع ذهب الْكُوفِيُّونَ والبغداديون الى جَوَاز اعماله تمسكا بِمَا ورد من نَحْو قَوْله
(أكفرا بعد رد الْمَوْت عني
…
وَبعد عطائك الْمِائَة الرتاعا)
وَقَوله
(لِأَن ثَوَاب الله كل موحد
…
جنان من الفردوس فِيهَا يخلد)
وَقَوله
(قَالُوا كلامك هندا وَهِي مصغية
…
يشفك قلت صَحِيح ذَاك لَو كَانَا)
وَمنع ذَلِك البصريون فأضمروا لهَذِهِ المنصوبات أفعالا تعْمل فِيهَا
ثمَّ قلت الْعَاشِر اسْم التَّفْضِيل كأفضل وَأعلم وَيعْمل فِي تَمْيِيز وظرف وَحَال وفاعل مستتر مُطلقًا وَلَا يعْمل فِي مصدر ومفعول بِهِ أَو لَهُ أَو مَعَه وَلَا فِي مَرْفُوع ملفوظ بِهِ فِي الْأَصَح إِلَّا فِي مَسْأَلَة الْكحل
وَأَقُول إِنَّمَا أخرت هَذَا عَن الظّرْف وَالْمَجْرُور وَإِن كَانَ مأخوذا من لفظ الْفِعْل لِأَن عمله فِي الْمَرْفُوع الظَّاهِر لَيْسَ مطردا كَمَا ترَاهُ الْآن
وأشرت بالتمثيل بِأَفْضَل وَأعلم الى أَنه يبْنى من الْقَاصِر والمتعدي
وَمِثَال إعماله فِي التَّمْيِيز {أَنا أَكثر مِنْك مَالا وأعز نَفرا} {هم أحسن أثاثا ورئيا}
وَمِثَال إعماله فِي الْحَال زيد أحسن النَّاس مُتَبَسِّمًا وَهَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا
وَمِثَال إعماله فِي الظّرْف قَول الشَّاعِر
(فَإنَّا وجدنَا الْعرض أحْوج سَاعَة
…
إِلَى الصون من ريط يمَان مسهم)
وَمِثَال إعماله فِي الْفَاعِل الْمُسْتَتر جَمِيع مَا ذكرنَا
وَلَا يعْمل فِي مصدر لَا تَقول زيد أحسن النَّاس حسنا وَلَا فِي مفعول بِهِ لَا تَقول زيد أشْرب النَّاس عسلا وَإِنَّمَا تعديه بِاللَّامِ فَتَقول زيد أشْرب النَّاس للعسل وَلَا فِي فَاعل ملفوظ بِهِ لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل أحسن مِنْهُ أَبوهُ الا فِي لُغَة ضَعِيفَة حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ واتفقت الْعَرَب على جَوَاز ذَلِك فِي مسالة الْكحل وضابطها أَن يكون أفعل صفة لاسم جنس مَسْبُوق بِنَفْي وَالْفَاعِل مفضلا على نَفسه باعتبارين
وَذَلِكَ كَقَوْل النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ عشر ذِي الْحجَّة وَقَول الْعَرَب مَا رَأَيْت رجلا أحسن فِي عينه الْكحل مِنْهُ فِي عين زيد وَبِهَذَا الْمِثَال لقبت الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الْكحل وَقَوله
(مَا رَأَيْت امْرأ أحب إِلَيْهِ الْبَذْل مِنْهُ إِلَيْك يَا ابْن سِنَان
…
)
وَلم يَقع هَذَا التَّرْكِيب فِي التَّنْزِيل
وَاعْلَم أَن مَرْفُوع أحب فِي الحَدِيث وَالْبَيْت نَائِب الْفَاعِل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ من فعل الْمَفْعُول لَا من فعل الْفَاعِل ومرفوع أحسن فِي الْمِثَال بِالْعَكْسِ لِأَن بناءه على الْعَكْس
ثمَّ قلت وَإِذا كَانَ بأل طابق أَو مُجَردا أَو مُضَافا لنكرة أفرد وَذكر أَو لمعْرِفَة فالوجهان
وَأَقُول استطردت فِي أَحْكَام اسْم التَّفْضِيل فَذكرت أَنه على ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يجب فِيهِ أَن يكون طبق من هُوَ لَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالْألف وَاللَّام تَقول زيد الْأَفْضَل وَهِنْد الفضلى والزيدان الأفضلان والهندان الفضليان والزيدون الأفضلون والهندات الفضليات أَو الْفضل
الثَّانِي مَا يجب فِيهِ أَن لَا يُطَابق بل يكون مُفردا مذكرا على كل حَال وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الْمُجَرّد من أل وَالْإِضَافَة تَقول زيد أَو هِنْد أفضل من عَمْرو والزيدان أَو الهندان أفضل من عَمْرو والزيدون أَو الهندات أفضل من عَمْرو وَالثَّانِي الْمُضَاف إِلَى نكرَة تَقول زيد أفضل رجل والزيدان أفضل رجلَيْنِ والزيدون أفضل رجال وَهِنْد أفضل امْرَأَة والهندان أفضل امْرَأتَيْنِ والهندات أفضل نسْوَة وَتجب الْمُطَابقَة فِي تِلْكَ النكرَة كَمَا مثلنَا وَأما قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ} فالتقدير أول فريق كَافِر وَلَوْلَا ذَلِك لقيل أول كَافِرين أَو التَّقْدِير وَلَا يكن كل مِنْكُم أول كَافِر مثل {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة}
وَالثَّالِث مَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ وَهُوَ الْمُضَاف لمعْرِفَة تَقول زيد أفضل الْقَوْم والزيدان أفضل الْقَوْم والزيدون أفضل
الْقَوْم وَهِنْد أفضل النِّسَاء والهندان أفضل النِّسَاء والهندات أفضل النِّسَاء وَإِن شِئْت قلت الزيدان أفضلا الْقَوْم والزيدون أفضلوا الْقَوْم وَهِنْد فضلى النِّسَاء والهندان فضليا النِّسَاء والهندات فضليات النِّسَاء وَترك الْمُطَابقَة أولى قَالَ الله تَعَالَى {ولتجدنهم أحرص النَّاس على حَيَاة} وَلم يقل أحرصي النَّاس وَقَالَ الشَّاعِر
(ومية أحسن الثقلَيْن جيدا
…
وسالفة وَأَحْسَنهمْ قذالا)
وَلم يقل حسنى الثقلَيْن وَلَا حسناهم
وَعَن ابْن السراج إِيجَاب ترك الْمُطَابقَة ورد بقوله سبحانه وتعالى {إِلَّا الَّذين هم أراذلنا} {وَكَذَلِكَ جعلنَا فِي كل قَرْيَة أكَابِر مجرميها}
ثمَّ قلت وَلَا يبْنى وَلَا ينقاس هُوَ وَلَا أَفعَال التَّعَجُّب وَهِي مَا أَفعلهُ وأفعل بِهِ وَفعل إِلَّا من فعل ثلاثي مُجَرّد لفظا وتقديرا تَامّ متفاوت الْمَعْنى غير منفي وَلَا مَبْنِيّ للْمَفْعُول
وَأَقُول لَا يبْنى أفعل التَّفْضِيل وَلَا مَا أَفعلهُ وأفعل بِهِ وَفعل فِي التَّعَجُّب من نَحْو جلف وكلب وحمار لِأَنَّهَا غير أَفعَال وَقَوْلهمْ مَا أجلفه وَمَا أحمره وَمَا أكلبه خطأ وَلَا من نَحْو دحرج
لِأَنَّهُ رباعي وَلَا من نَحْو انْطلق واستخرج لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ ثلاثيا لكنه مزِيد فِيهِ وَلَا من نَحْو هيف وغيد وحول وسود وحمر وَعمي وعرج لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت ثلاثية مُجَرّدَة فِي اللَّفْظ لَكِنَّهَا مزيدة فِي التَّقْدِير إِذْ أصل حول احول وعور اعور وغيد اغيد وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن عيناتها لم تقلب ألفا مَعَ تحركها وانفتاح مَا قبلهَا فلولا أَن مَا قبل عيناتها سَاكن فِي التَّقْدِير لوَجَبَ فِيهَا الْقلب الْمَذْكُور وَلَا من نَحْو كَانَ وظل وَبَات وَصَارَ لِأَنَّهَا غير تَامَّة وَلَا من نَحْو ضرب لِأَنَّهُ مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَلَا من نَحْو مَا قَامَ وَمَا عاج بالدواء لِأَنَّهُ منفي
وَمَا سمع مُخَالفا لشَيْء مِمَّا ذكرنَا لم يقس عَلَيْهِ فَمن ذَلِك قَوْلهم هُوَ ألص من فلَان وأقمن مِنْهُ فبنوه من غير فعل بل
من قَوْلهم هُوَ لص وقمن بِكَذَا وَقَوْلهمْ مَا أتقاه من اتَّقى وَمَا أخصر هَذَا الْكَلَام من اختصر وهما ذَوا زِيَادَة وَالثَّانِي مَبْنِيّ للْمَفْعُول وَفِي التَّنْزِيل {ذَلِكُم أقسط عِنْد الله وأقوم للشَّهَادَة} وهما من أقسط إِذا عدل وَمن أَقَامَ الشَّهَادَة وسيبويه يقيس ذَلِك اذا كَانَ الْمَزِيد فِيهِ أفعل
وَفهم من قولي وَلَا ينقاس أَنه قد يبْنى من غير ذَلِك بِالسَّمَاعِ دون الْقيَاس كَمَا بَينته
ثمَّ قلت بَاب وَإِذا تنَازع من الْفِعْل أَو شبهه عاملان فَأكْثر مَا تَأَخّر من مَعْمُول فَأكْثر فالبصري يخْتَار إِعْمَال المجاور فيضمر فِي غَيره مرفوعه ويحذف منصوبه إِن اسْتغنى عَنهُ وَإِلَّا أَخّرهُ والكوفي الأسبق فيضمر فِي غَيره مَا يَحْتَاجهُ
وَأَقُول لما فرغت من ذكر العوامل أردفتها بحكمها فِي التَّنَازُع وَيُسمى هَذَا الْبَاب التَّنَازُع وَبَاب الإعمال
وَالْحَاصِل أَنه يَتَأَتَّى تنَازع عاملين وَأكْثر فِي مَعْمُول وَاحِد وَأكْثر وَأَن ذَلِك جَائِز بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون الْعَامِل من جنس الْفِعْل أَو
شبهه من الْأَسْمَاء فَلَا تنَازع بَين الْحُرُوف وَلَا بَين الْحَرْف وَغَيره وَالثَّانِي أَلا يكون الْمَعْمُول مُتَقَدما وَلَا متوسطا بل مُتَأَخِّرًا فَلَا تنَازع فِي نَحْو زيدا ضربت وأكرمت لتقدمه وَلَا فِي نَحْو ضربت زيدا وأكرمت لتوسطه وَجوز ذَلِك بَعضهم فيهمَا
مِثَال تنَازع العاملين مَعْمُولا قَوْله تَعَالَى {آتوني أفرغ عَلَيْهِ قطرا} ف {آتوني} {أفرغ} عاملان طالبان ل قطرا
وَمِثَال تنَازع العاملين أَكثر من مَعْمُول ضربت وأهنت زيدا يَوْم الْخَمِيس
وَمِثَال تنَازع أَكثر من عاملين مَعْمُولا وَاحِدًا قَول الشَّاعِر
(أَرْجُو وأخشى وأدعوا الله مبتغيا
…
عفوا وعافية فِي الرّوح والجسد)
وَمِثَال تنَازع أَكثر من عاملين أَكثر من مَعْمُول وَاحِد قَوْله صلى الله عليه وسلم تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صَلَاة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فدبر ظرف وَثَلَاثًا مفعول مُطلق وهما مطلوبان لكل من العوامل الثَّلَاثَة
وَمِثَال تنَازع الْفِعْلَيْنِ مَا مثلنَا وَمِثَال تنَازع الاسمين قَول الشَّاعِر
(قضى كل ذِي دين فوفى غَرِيمه
…
وَعزة ممطول معنى غريمها)
فِي أحد الْقَوْلَيْنِ
وَمِثَال تنَازع الْفِعْل وَالِاسْم {هاؤم اقرؤوا كِتَابيه}
وَاتفقَ الْفَرِيقَانِ على جَوَاز إِعْمَال أَي الْعَالمين شِئْت ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْمُخْتَار فَاخْتَارَ الْكُوفِيُّونَ إِعْمَال الأول لتقدمة والبصريون إِعْمَال الْمُتَأَخر لمجاورته الْمَعْمُول وَهُوَ الصَّوَاب فِي الْقيَاس وَالْأَكْثَر فِي السماع
فَإِذا أعمل الثَّانِي نظرت فَإِذا احْتَاجَ الأول لمرفوع أضمر على وفْق الظَّاهِر الْمُتَنَازع فِيهِ نَحْو قاما وَقعد أَخَوَاك وَقَامُوا وَقعد إخْوَتك وقمن وَقعد نسوتك وَهَذَا إِجْمَاع من الْبَصرِيين وَإِن احْتَاجَ لمنصوب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَصح الِاسْتِغْنَاء عَنهُ أَو لَا فان صَحَّ لاستغناء عَنهُ وَجب حذفه نَحْو ضربت وضربني زيد وَلَا يجوز أَن تضمره فَتَقول ضَربته وضربني زيد إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر قَالَ الشَّاعِر
(إِذا كنت ترضيه ويرضيك صَاحب
…
جهارا فَكُن فِي الْغَيْب أحفظ للود)
وان لم يَصح وَجب تَأْخِيره نَحْو رغبت وَرغب فِي الزيدان عَنْهُمَا
وَإِذا أعمل الأول أضمر فِي الثَّانِي مَا يَحْتَاجهُ من مَرْفُوع ومنصوب ومجرور فَتَقول قَامَ وقعدا أَخَوَاك وَقَامَ وضربتهما أَخَوَاك وَقَامَ ومررت بهما أَخَوَاك وَلَا يجوز حذفه إِذا كَانَ مَرْفُوعا بِاتِّفَاق وَلَا إِذا كَانَ مَنْصُوبًا إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر
(بعكاظ يعشي الناظرين
…
إِذا هم لمحوا شعاعه)
وَمن ثمَّ قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {آتوني أفرغ عَلَيْهِ قطرا} إِنَّه أعمل الثَّانِي لِأَنَّهُ لَو أعمل الأول لوَجَبَ أَن يُقَال آتوني أفرغه عَلَيْهِ قطرا وَكَذَا بَقِيَّة آي التَّنْزِيل الْوَارِدَة من هَذَا الْبَاب
ثمَّ قلت بَاب إِذا شغل فعلا أَو وَصفا ضمير اسْم سَابق أَو ملابس لضميره عَن نَصبه وَجب نَصبه بِمَحْذُوف ممائل للمذكور إِن تَلا مَا يخْتَص بِالْفِعْلِ كَإِن الشّرطِيَّة وهلا وَمَتى وترجح إِن تَلا مَا الْفِعْل بِهِ أولى كالهمزة وَمَا النافية أَو عاطفا على فعلية غير مفصول بأما نَحْو {أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه} {والأنعام خلقهَا لكم} أَو
كَانَ المشغول طلبا وَوَجَب رَفعه بالإبتداء إِن تَلا مَا يخْتَص بِهِ كإذا الفجائية أَو تلاه مَا لَهُ الصَّدْر ك زيد هَل رَأَيْته وَهَذَا خَارج عَن أصل الْبَاب مثل {وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر} وَزيد مَا أحْسنه وترجح فِي نَحْو زيد ضَربته واستويا فِي نَحْو زيد قَامَ وعمرا أكرمته
وَأَقُول هَذَا الْبَاب الْمُسَمّى بِبَاب الِاشْتِغَال وَحَقِيقَته أَن يتَقَدَّم اسْم ويتأخر عَنهُ عَامل هُوَ فعل أَو وصف وكل من الْفِعْل وَالْوَصْف الْمَذْكُورين مشتغل عَن نَصبه لَهُ بنصبه لضميره لفظا ك زيدا ضَربته أَو محلا ك زيدا مَرَرْت بِهِ أَو لما لَا بس ضَمِيره نَحْو زيدا ضربت غُلَامه أَو مَرَرْت بغلامه
وَالِاسْم فِي هَذِه الْأَمْثِلَة وَنَحْوهَا أَصله أَن يجوز فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن يرفع على الِابْتِدَاء فالجملة بعده فِي مَحل رفع على الخبرية وَالثَّانِي أَن ينصب بِفعل مَحْذُوف وجوبا يفسره الْفِعْل الْمَذْكُور فَلَا مَوضِع للجملة بعده لِأَنَّهَا مفسرة
وَفهم من قولي فعل أَو وصف أَن الْعَامِل إِن لم يكن أَحدهمَا لم تكن الْمَسْأَلَة من بَاب الِاشْتِغَال وَذَلِكَ نَحْو زيد إِنَّه فَاضل وَعَمْرو كَأَنَّهُ أَسد وَذَلِكَ لِأَن الْحَرْف لَا يعْمل فِيمَا قبله وَكَذَلِكَ نَحْو زيد دراكه وَعَمْرو عليكه لِأَن اسْم الْفِعْل لَا يعْمل فِيمَا قبله وَمَا لَا يعْمل لَا يُفَسر عَاملا من ثمَّ لم يجز النصب على الِاشْتِغَال فِي نَحْو {وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر} وقولك زيد مَا أحْسنه لِأَن {فَعَلُوهُ} صفة وَالصّفة لَا تعْمل فِي الْمَوْصُوف وَفعل التَّعَجُّب جامد فَهُوَ شَبيه بالحرف فَلَا يعْمل فِيمَا قبله لَا سِيمَا وَبَينهمَا مَا التعجبية وَلها الصَّدْر وَكَذَلِكَ زيد أَنا الضاربه لِأَن أل مَوْصُولَة فَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا مَعْمُول صلتها
ثمَّ الِاسْم الَّذِي تقدم وَبعده فعل أَو وصف وكل مِنْهُمَا ناصب لضميره أَو لسببيه يَنْقَسِم خَمْسَة أَقسَام
أَحدهَا مَا يتَرَجَّح نَصبه وَذَلِكَ فِي ثَلَاث مسَائِل
إِحْدَاهَا أَن يكون الْفِعْل المشغول طلبا نَحْو زيدا اضربه وعمرا لَا تهنه
الثَّانِيَة أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ أَدَاة يغلب دُخُولهَا على الْفِعْل نَحْو {أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه}
الثَّالِثَة أَن يقْتَرن الِاسْم بعاطف مَسْبُوق بجملة فعلية لم تبن على مُبْتَدأ كَقَوْلِه تَعَالَى {خلق الْإِنْسَان من نُطْفَة فَإِذا هُوَ خصيم مُبين والأنعام خلقهَا لكم}
الثَّانِي مَا يتَرَجَّح رَفعه بِالِابْتِدَاءِ وَذَلِكَ فِيمَا لم يتَقَدَّم عَلَيْهِ مَا يطْلب الْفِعْل وجوبا أَو رجحانا نَحْو زيد ضَربته وَذَلِكَ لِأَن النصب محوج الى التَّقْدِير وَلَا طَالب لَهُ وَالرَّفْع غَنِي عَنهُ فَكَانَ أولى لِأَن التَّقْدِير خلاف الأَصْل وَمن ثمَّ مَنعه بعض النَّحْوِيين وَيَردهُ أَنه قرئَ {جنَّات عدن يدْخلُونَهَا} {سُورَة أنزلناها} بِنصب {جنَّات} و {سُورَة}
الثَّالِث مَا يجب نَصبه وَذَلِكَ فِيمَا تقدم عَلَيْهِ مَا يطْلب الْفِعْل على سَبِيل الْوُجُوب نَحْو إِن زيدا رَأَيْته فَأكْرمه
الرَّابِع مَا يجب رَفعه وَذَلِكَ إِذا تقدم عَلَيْهِ مَا يخْتَص بالجمل الاسمية كإذا الفجائية نَحْو خرجت فَإِذا زيد يضْربهُ عَمْرو وإجازة
أَكثر النَّحْوِيين النصب بعْدهَا سَهْو أَو حَال بَين الِاسْم وَالْفِعْل شَيْء من أدوات التصدير نَحْو زيد هَل رَأَيْته وَعَمْرو مَا لَقيته
الْخَامِس مَا يستوى فِيهِ الْأَمْرَانِ وَذَلِكَ إِذا وَقع الِاسْم بعد عاطف مَسْبُوق بجملة فعلية مَبْنِيَّة على مُبْتَدأ نَحْو زيد قَامَ وعمرا أكرمته وَذَلِكَ لِأَن الْجُمْلَة السَّابِقَة اسمية الصَّدْر فعلية الْعَجز فَإِن راعيت صدرها رفعت وَإِن راعيت عجزها نصبت فالمناسبة حَاصِلَة على كلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلذَلِك جَازَ الْوَجْهَانِ على السوَاء وَقد جَاءَ التَّنْزِيل بِالنّصب قَالَ الله تَعَالَى {الرَّحْمَن علم الْقُرْآن} الْآيَات {الرَّحْمَن} مُبْتَدأ و {علم الْقُرْآن} جملَة فعلية وَالْمَجْمُوع جملَة اسمية ذَات وَجْهَيْن والجملتان بعد ذَلِك معطوفتان على الْخَبَر وجملتا {الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان والنجم وَالشَّجر يسجدان} معترضتان {وَالسَّمَاء رَفعهَا} عطف على الْخَبَر أَيْضا وَهِي مَحل الاستشهاد
بَاب التوابع
ثمَّ قلت بَاب يتبع مَا قبله فِي الْإِعْرَاب خَمْسَة أَحدهَا التوكيد
وَهُوَ تَابع يُقرر أَمر الْمَتْبُوع فِي النِّسْبَة أَو الشُّمُول فَالْأول نَحْو جَاءَنِي زيد نَفسه والزيدان أَو الهندان أَنفسهمَا والزيدون أنفسهم والهندات أَنْفسهنَّ وَالْعين كالنفس وَالثَّانِي نَحْو جَاءَ الزيدان كِلَاهُمَا والهندان كلتاهما واشتريت العَبْد كُله وَالْعَبِيد كلهم وَالْأمة كلهَا وَالْإِمَاء كُلهنَّ وَلَا تؤكد نكرَة مُطلقًا وتؤكد بِإِعَادَة اللَّفْظ أَو مرادفه نَحْو {دكا دكا} و {فجاجا سبلا} وَلَا يُعَاد ضمير مُتَّصِل وَلَا حرف غير جوابي إِلَّا مَعَ مَا اتَّصل بِهِ
وَأَقُول إِذا استوفت العوامل معمولاتها فَلَا سَبِيل لَهَا إِلَى غَيرهَا إِلَّا بالتبعية
والتوابع خَمْسَة نعت وتوكيد وَعطف بَيَان وَبدل وَعطف نسق وَقيل أَرْبَعَة فأدرج هَذَا الْقَائِل عطفي الْبَيَان والنسق تَحت قَوْله والعطف وَقَالَ آخر سِتَّة فَجعل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ بَابا وَحده والتأكيد الْمَعْنَوِيّ كَذَلِك
وَمِثَال الْمُقَرّر لأمر الْمَتْبُوع فِي النِّسْبَة جَاءَ زيد نَفسه فَإِنَّهُ
لَوْلَا قَوْلك نَفسه لجوز السَّامع كَون الجائي خَبره أَو كِتَابه بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {وَجَاء رَبك} أَي أمره
وَمِثَال الْمُقَرّر لأَمره فِي الشُّمُول قَوْله عز وجل {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ} إِذْ لَوْلَا التَّأْكِيد لجوز السَّامع كَون الساجد أَكْثَرهم
وَيجب فِي الْمُؤَكّد كَونه معرفَة وشذ قَول عَائِشَة رضي الله عنها مَا صَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كُله إِلَّا رَمَضَان وَقَول الشَّاعِر
(لكنه شاقه أَن قيل ذَا رَجَب
…
يَا لَيْت عدَّة حول كُله رَجَب)
وأنشده ابْن مَالك وَغَيره
(يَا لَيْت عدَّة شهر
…
) وَهُوَ تَحْرِيف
وَيجب فِي التَّأْكِيد كَونه مُضَافا الى ضمير عَائِد على الْمُؤَكّد مُطَابق
لَهُ كَمَا مثلنَا وَيسْتَثْنى من ذَلِك أجمع وَمَا تصرف مِنْهُ فَلَا يضفن لضمير تَقول اشْتريت العَبْد كُله أجمع وَالْأمة كلهَا جَمْعَاء وَالْعَبِيد كلهم أَجْمَعِينَ وَالْإِمَاء كُلهنَّ جمع
وَيجب فِي النَّفس وَالْعين إِذا أكد بهما أَن يَكُونَا مفردين مَعَ الْمُفْرد نَحْو زيد نَفسه عينه وَجَاءَت هِنْد نَفسهَا عينهَا مجموعين مَعَ الْجمع نَحْو جَاءَ الزيدون أنفسهم أَعينهم والهندات أَنْفسهنَّ أعينهن وَأما إِذا أكد بهما الْمثنى ففيهما ثَلَاث لُغَات أفصحها الْجمع فَتَقول جَاءَ الزيدان أَنفسهمَا أعينهما ودونه الْإِفْرَاد وَدون الْإِفْرَاد التَّثْنِيَة وَهِي الْأَوْجه الْجَارِيَة فِي قَوْلك قطعت رُؤُوس الكبشين
مَسْأَلَة قَالَ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى {فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ}
) فَائِدَة ذكر كل رفع وهم من يتَوَهَّم أَن الساجد الْبَعْض وَفَائِدَة ذكر {أَجْمَعُونَ} رفع وهم من يتَوَهَّم أَنهم لم يسجدوا فِي وَقت وَاحِد بل سجدوا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين وَالْأول صَحِيح وَالثَّانِي بَاطِل بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {لأغوينهم أَجْمَعِينَ} لِأَن إغواء الشَّيْطَان لَهُم لَيْسَ فِي وَقت وَاحِد فَدلَّ على أَن {أَجْمَعِينَ} لَا تعرض فِيهِ لِاتِّحَاد بِالْوَقْتِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ كمعنى كل سَوَاء وَهُوَ قَول جُمْهُور النَّحْوِيين وَإِنَّمَا ذكر فِي الْآيَة تَأْكِيدًا على تَأْكِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى {فمهل الْكَافرين أمهلهم رويدا}
ثمَّ قلت الثَّانِي النَّعْت وَهُوَ تَابع مُشْتَقّ أَو مؤول بِهِ يُفِيد تَخْصِيص متبوعه أَو تَوْضِيحه أَو مدحه أَو ذمه أَو تأكيده أَو الترحم عَلَيْهِ ويتبعه فِي وَاحِد من أوجه الْإِعْرَاب وَمن التَّعْرِيف والتنكير وَلَا يكون أخص مِنْهُ فنحو بِالرجلِ صَاحبك بدل وَنَحْو بِالرجلِ الْفَاضِل وبزيد الْفَاضِل نعت وَأمره فِي الْإِفْرَاد والتذكير وأضدادهما كالفعل وَلَكِن يتَرَجَّح نَحْو جَاءَنِي رجل قعُود غلمانه على قَاعد وَأما قَاعِدُونَ فضعيف وَيجوز قطعه ان علم متبوعه بِدُونِهِ بِالرَّفْع أَو بِالنّصب
وَأَقُول مِثَال الْمُشْتَقّ مَرَرْت بِرَجُل ضَارب أَو مَضْرُوب أَو
حسن الْوَجْه أَو خير من عَمْرو وَمِثَال المؤول بِهِ مَرَرْت بِرَجُل أَسد أَي شُجَاع وَمِثَال مَا يُفِيد تَخْصِيص الْمَتْبُوع قَوْله تَعَالَى
{فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة} وَمِثَال مَا يُفِيد مدحه {الْحَمد لله رب الْعَالمين} وَمِثَال مَا يُفِيد ذمه أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَمِثَال مَا يُفِيد الترحم عَلَيْهِ اللَّهُمَّ أَنا عَبدك الْمِسْكِين وَمِثَال التوكيد {نفخة وَاحِدَة} و {عشرَة كَامِلَة} و {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} وَزعم قوم من أهل الْبَيَان أَن {اثْنَيْنِ} عطف بَيَان وَيحْتَاج شرح ذَلِك الى بسط طَوِيل
وَقد لهج المعربون بِأَن النَّعْت يتبع منعوته فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَالتَّحْقِيق أَن الْأَمر على النّصْف فِي العددين وَأَنه انما يتبع فِي اثْنَيْنِ من خَمْسَة وهما وَاحِد من أوجه الْإِعْرَاب الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ الرّفْع وَالنّصب والجر
وَوَاحِد من التَّعْرِيف والتنكير فَلَا تنْعَت نكرَة بِمَعْرِِفَة وَلَا الْعَكْس لَا تَقول مَرَرْت بِرَجُل الْفَاضِل وَلَا بزيد فَاضل كَمَا أَنه لَا يتبع الْمَرْفُوع بمنصوب وَلَا مجرور وَلَا نَحْو ذَلِك
وَيجب عِنْد جَمَاهِير النَّحْوِيين كَون الْمَوْصُوف إِمَّا أعرف من الصّفة أَو مُسَاوِيا لَهَا فَلَا يجوز أَن يكون دونهَا فَالْأول كَقَوْلِك مَرَرْت بزيد الْفَاضِل فَإِن الْعلم أعرف من الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَالثَّانِي نَحْو مَرَرْت بِالرجلِ الْفَاضِل فَإِنَّهُمَا معرفان بِاللَّامِ وَالثَّالِث نَحْو مَرَرْت بِالرجلِ صَاحبك فصاحبك بدل عِنْدهم لَا نعت لِأَن الْمُضَاف للضمير فِي رُتْبَة الضَّمِير أَو رُتْبَة الْعلم وَكِلَاهُمَا أعرف من الْمُعَرّف بِاللَّامِ
وَأما الْإِفْرَاد وضداه وهما التَّثْنِيَة وَالْجمع والتذكير وضده وَهُوَ التَّأْنِيث فَإِن النَّعْت يعْطى من ذَلِك حكم الْفِعْل الَّذِي يحل مَحَله من ذَلِك الْكَلَام فَتَقول مَرَرْت بأمرأة حسن أَبوهَا بالتذكير كَمَا تَقول حسن أَبوهَا وَفِي التَّنْزِيل {رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا} وبرجل حَسَنَة أمه بالتأنيث كَمَا تَقول حسنت أمه
وَتقول بِرَجُل حسن أَبَوَاهُ وبرجل حسن آباؤه وَلَا تَقول حسنين وَلَا حسنين إِلَّا على لُغَة من قَالَ أكلوني البراغيث وعَلى ذَلِك فقس إِلَّا أَن الْعَرَب أجروا جمع التكسير مجْرى الْوَاحِد فأجازوا فصيحا مَرَرْت بِرَجُل قعُود غلمانه كَمَا تَقول قَاعد غلمانه وَقوم رجحوه على الْإِفْرَاد وَإِلَيْهِ أذهب وَأما جمع التَّصْحِيح فَإِنَّمَا يَقُوله من يَقُول أكلوني البراغيث
واذا كَانَ المنعوت مَعْلُوما بِدُونِ النَّعْت نَحْو مَرَرْت بامرئ الْقَيْس الشَّاعِر جَازَ لَك فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الإتباع فيخفض وَالْقطع
بِالرَّفْع بإضمار هُوَ وَبِالنَّصبِ بإضمار فعل وَيجب أَن يكون ذَلِك الْفِعْل أخص أَو أَعنِي فِي صفة التَّوْضِيح وأمدح فِي صفة الْمَدْح وأذم فِي صفة الذَّم فَالْأول كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور وَالثَّانِي كَمَا فِي قَول بعض الْعَرَب الْحَمد لله أهل الْحَمد بِالنّصب وَالثَّالِث كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب} يقْرَأ فِي السَّبع {حمالَة الْحَطب} بِالنّصب بإضمار أَذمّ وبالرفع اما على الإتباع أَو بإضمار هِيَ
ثمَّ قلت الثَّالِث عطف الْبَيَان وَهُوَ تَابع غير صفة يُوضح متبوعه أَو يخصصه نَحْو
(أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر
…
)
وَنَحْو {أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين} ويتبعه فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَيجوز إعرابه بدل كل ان لم يجب ذكره ك هِنْد قَامَ زيد أَخُوهَا وَلم يمْتَنع احلاله مَحل الأول نَحْو يَا زيد الْحَارِث
و (أَنا ابْن التارك الْبكْرِيّ بشر
…
)
و (يَا نصر نصر نصرا
…
)
وَيمْتَنع فِي نَحْو {مقَام إِبْرَاهِيم} وَفِي نَحْو يَا سعيد كرز وَقَرَأَ قالون عِيسَى
وَأَقُول قولي تَابع جنس يَشْمَل التوابع كلهَا
وَقَوْلِي غير صفة مخرج للصفة فَإِنَّهَا توَافق عطف الْبَيَان فِي افادة توضيح الْمَتْبُوع ان كَانَ معرفَة وتخصيصه ان كَانَ نكرَة فَلَا بُد من اخراجها والا دخلت فِي حد الْبَيَان
وَقَوْلِي يُوضح متبوعه أَو يخصصه مخرج لما عدا عطف الْبَيَان
وَمِثَال الموضح قَوْله
(أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر
…
مَا مَسهَا من نقب وَلَا دبر)
وَمِثَال الْعَطف الْمُخَصّص قَوْله تَعَالَى {أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين} فِيمَن نون الْكَفَّارَة وَرفع الطَّعَام
وَحكم الْمَعْطُوف أَنه يتبع الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي أَرْبَعَة من عشرَة وَهِي
وَاحِد من الرّفْع وَالنّصب والجر وَوَاحِد من التَّعْرِيف والتنكير وَوَاحِد من الْإِفْرَاد والتثنية وَالْجمع وَوَاحِد من التَّذْكِير والتأنيث
وكل شَيْء جَازَ إعرابه عطف بَيَان جَازَ إعرابه بَدَلا أَعنِي بدل كل من كل إِلَّا إِذا كَانَ ذكره وَاجِبا ك هِنْد قَامَ زيد أَخُوهَا أَلا ترى أَن الْجُمْلَة الفعلية خبر عَن هِنْد وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا لَا بُد لَهَا من رابط يربطها بالمخبر عَنهُ والرابط هُنَا الضَّمِير فِي قَوْله أَخُوهَا الَّذِي هُوَ تَابع لزيد فَإِن أسقط لم يَصح الْكَلَام فَوَجَبَ أَن يعرب بَيَانا لَا بَدَلا لِأَن الْبَدَل على نِيَّة تكْرَار الْعَامِل فَكَأَنَّهُ من جملَة أُخْرَى فتخلو الْجُمْلَة الْمخبر بهَا عَن رابط وَإِلَّا إِذا امْتنع إحلاله مَحل الْمَتْبُوع وَلذَلِك أَمْثِلَة كَثِيرَة مِنْهَا قَوْلك يَا زيد الْحَارِث فَهَذَا من بَاب الْبَيَان وَلَيْسَ من بَاب الْبَدَل لِأَن الْبَدَل فِي نِيَّة الْإِحْلَال مَحل الْمُبدل مِنْهُ اذ لَو قيل يَا الْحَارِث لم يجز لِأَن يَا وأل لَا يَجْتَمِعَانِ هُنَا وَمِنْهَا قَول الشَّاعِر
(أَنا ابْن التارك الْبكْرِيّ بشر
…
عَلَيْهِ الطير ترقبه وقوعا)
ف بشر عطف بَيَان على الْبكْرِيّ وَلَيْسَ بَدَلا لِامْتِنَاع أَنا ابْن التارك بشر اذ لَا يُضَاف مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام الى الْمُجَرّد مِنْهَا إِلَّا أَن كَانَ الْمُضَاف صفة مثناة أَو مَجْمُوعَة جمع الْمُذكر السَّالِم نَحْو الضاربا زيد والضاربو زيد وَلَا يجوز الضَّارِب زيد خلافًا للفراء
وَمِنْهَا قَول الراجز وَهُوَ ذُو الرمة
(اني وأسطار سطرن سطرا
…
لقَائِل يَا نصر نصر نصرا)
لِأَن نصرا الثَّانِي مَرْفُوع وَالثَّالِث مَنْصُوب فَلَا يجوز فيهمَا أَن يَكُونَا بدلين لِأَنَّهُ لَا يجوز يَا نصر بِالرَّفْع وَلَا يَا نصرا بِالنّصب قَالُوا وانما نصر الأول عطف بَيَان على اللَّفْظ وَالثَّانِي عطف بَيَان على الْمحل وَاسْتشْكل ذَلِك ابْن الطراوة لِأَن الشَّيْء لَا يبين نَفسه قَالَ وانما هَذَا من بَاب التوكيد اللَّفْظِيّ وَتَابعه على ذَلِك المحمدان ابْنا مَالك ومعطي
فَإِن قلت يَا سعيد كرز بِضَم كرز وَجب كَونه بَدَلا وَامْتنع كَونه بَيَانا لِأَن الْبَدَل فِي بَاب النداء حكمه حكم المنادى المستقل وكرز اذا نُودي ضم من غير تَنْوِين وَأما الْبَيَان الْمُفْرد التَّابِع لمبني فَيجوز رَفعه ونصبه وَيمْتَنع ضمه من غير تَنْوِين وَمثله فِي ذَلِك النَّعْت والتوكيد نَحْو يَا زيد الْفَاضِل والفاضل وَيَا تَمِيم أَجْمَعُونَ أَجْمَعِينَ
وَكَذَلِكَ يمْتَنع الْبَيَان فِي قَوْلك قَرَأَ قالون عِيسَى وَنَحْوه مِمَّا الأول
فِيهِ أوضح من الثَّانِي وانما قَالَ الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى {آمنا بِرَبّ الْعَالمين رب مُوسَى وَهَارُون} انه بَيَان لِأَن فِرْعَوْن كَانَ قد ادّعى الربوبية فَلَو اقتصروا على قَوْلهم {بِرَبّ الْعَالمين} لم يكن ذَلِك صَرِيحًا فِي الْإِيمَان بالرب الْحق سبحانه وتعالى
ثمَّ قلت الرَّابِع الْبَدَل وَهُوَ التَّابِع الْمَقْصُود بالحكم بِلَا وَاسِطَة وَهُوَ إِمَّا بدل كل نَحْو {صِرَاط الَّذين} أَو بعض نَحْو {من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} أَو اشْتِمَال نَحْو {قتال فِيهِ} أَو اضراب نَحْو مَا كتب لَهُ نصفهَا ثلثهَا ربعهَا أَو نِسْيَان أَو غلط ك جَاءَنِي زيد عَمْرو وَهَذَا زيد حمَار وَالْأَحْسَن عطف هَذِه الثَّلَاثَة ببل ويوافق متبوعه وَيُخَالِفهُ فِي الْإِظْهَار والتعريف وضديهما وَلَكِن لَا يُبدل ظَاهر من ضمير حَاضر إِلَّا بدل بعض أَو اشْتِمَال مُطلقًا أَو بدل كل ان أَفَادَ الْإِحَاطَة
وَأَقُول الْبَدَل فِي اللُّغَة الْعِوَض وَفِي التَّنْزِيل {عَسى رَبنَا أَن يبدلنا خيرا مِنْهَا} وَفِي الِاصْطِلَاح مَا ذكر
وَالتَّابِع جنس يَشْمَل جَمِيع التوابع
وَالْمَقْصُود بالحكم فصل مخرج للنعت وَالْبَيَان والتأكيد فَإِنَّهُنَّ متممات الْمَقْصُود بالحكم لَا مَقْصُودَة بالحكم ولنحو جَاءَ الْقَوْم لَا زيد فَإِن زيدا منفي عَنهُ الحكم فَلَا يَصح أَن يُقَال أَنه الْمَقْصُود بالحكم ولنحو عَمْرو فِي جَاءَ زيد وَعَمْرو أَو فعمرو أَو ثمَّ عَمْرو أَو الْقَوْم حَتَّى عَمْرو فَإِنَّهُ مَقْصُود بالحكم مَعَ الأول فَلَا يصدق عَلَيْهِ أَنه الْمَقْصُود بالحكم
وَبلا وَاسِطَة مخرج للمعطوف عطف النسق فِي نَحْو جَاءَ زيد بل عَمْرو فَإِنَّهُ وان كَانَ الْمَقْصُود بالحكم لكنه انما يتبع بِوَاسِطَة حرف الْعَطف
وأقسامه سِتَّة بدل كل من كل وَبدل بعض من كل وَبدل اشْتِمَال وَبدل اضراب وَبدل نِسْيَان وَبدل غلط
فبدل الْكل نَحْو {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين} فالصراط الثَّانِي هُوَ نفس الصِّرَاط الأول
وَبدل الْبَعْض نَحْو {وَللَّه على} النَّاس {حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} ف من فِي مَوضِع خفض على أَنَّهَا بدل من النَّاس والمستطيع بعض النَّاس لَا كلهم
وَبدل الاشتمال نَحْو {يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ} ف {قتال} بدل من {الشَّهْر} وَلَيْسَ الْقِتَال نفس الشَّهْر وَلَا بعضه وَلكنه ملابس لَهُ لوُقُوعه فِيهِ
وَبدل الإضراب كَقَوْلِه إِن الرجل ليُصَلِّي الصَّلَاة مَا كتب لَهُ نصفهَا ثلثهَا ربعهَا إل الْعشْر وضابطه أَن يكون الْبَدَل والمبدل مِنْهُ مقصودين قصدا صَحِيحا وَلَيْسَ بَينهمَا توَافق كَمَا فِي بدل الْكل وَلَا كُلية وجزئية كَمَا فِي بدل الْبَعْض وَلَا مُلَابسَة كَمَا فِي بدل الاشتمال
وَبدل النسْيَان كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد عَمْرو إِذا كنت إِنَّمَا قصدت زيدا أَولا ثمَّ تبين فَسَاد قصدك فَذكرت عمرا
وَبدل الْغَلَط كَقَوْلِك هَذَا زيد حمَار وَالْأَصْل أَنَّك أردْت أَن تَقول هَذَا حمَار فسبقك لسَانك إِلَى زيد فَرفعت الْغَلَط بِقَوْلِك حمَار وَسَماهُ النحويون بدل الْغَلَط أَلا ترى أَن الْحمار بدل من زيد وَأَن زيدا إِنَّمَا ذكر غَلطا
وَيصِح أَن يمثل لهَذِهِ الأبدال الثَّلَاثَة بِقَوْلِك جَاءَنِي زيد عَمْرو لِأَن الأول وَالثَّانِي إِن كَانَا مقصودين قصدا صَحِيحا فبدل إضراب وان كَانَ الْمَقْصُود انما هُوَ الثَّانِي فبدل غلط وان كَانَ الأول قصد أَولا ثمَّ تبين فَسَاد قَصده فبدل نِسْيَان
ثمَّ اعْلَم أَن الْبَدَل والمبدل مِنْهُ ينقسمان بِحَسب الْإِظْهَار والإضمار أَرْبَعَة أَقسَام وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يكونَانِ ظَاهِرين ومضمرين ومختلفين وَذَلِكَ على وَجْهَيْن فإبدال الظَّاهِر من الْمظهر نَحْو جَاءَنِي زيد أَخُوك
وابدال الْمُضمر من الْمُضمر نَحْو ضَربته اياه فإياه بدل أَو توكيد وَأوجب ابْن مَالك الثَّانِي وَأسْقط هَذَا الْقسم من أَقسَام الْبَدَل وَلَو قلت ضَربته هُوَ كَانَ بالِاتِّفَاقِ توكيدا لَا بَدَلا
وابدال الْمُضمر من نَحْو ضربت زيدا اياه وَأسْقط ابْن مَالك هَذَا الْقسم أَيْضا من بَاب الْبَدَل وَزعم أَنه لَيْسَ بمسموع قَالَ وَلَو سمع لأعرب توكيدا لَا بَدَلا وَفِيمَا ذكره نظر لِأَنَّهُ لَا يُؤَكد الْقوي بالضعيف وَقد قَالَت الْعَرَب زيد هُوَ الْفَاضِل وَجوز النحويون
فِي هُوَ أَن يكون بَدَلا وَأَن يكون مُبْتَدأ وَأَن يكون فصلا
وإبدال الظَّاهِر من الْمُضمر فِيهِ تَفْصِيل وَذَلِكَ أَن الظَّاهِر ان كَانَ بَدَلا من ضمير غيبَة جَازَ مُطلقًا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَمَا أنسانيه إِلَّا الشَّيْطَان أَن أذكرهُ} ف {أَن أذكرهُ} بدل من الْهَاء فِي {أنسانيه} بدل اشْتِمَال وَمثله {ونرثه مَا يَقُول} وَقَول الشَّاعِر
(على حَالَة لَو أَن فِي الْقَوْم حَاتِم
…
على جوده لضن بِالْمَاءِ حَاتِم)
إِلَّا أَن هَذَا بدل كل من كل
وَإِن كَانَ ضمير حَاضر فَإِن كَانَ الْبَدَل بَعْضًا أَو اشتمالا جَازَ نَحْو أعجبتني وَجهك وأعجبتني علمك وَقَوله
(أوعدني بالسجن والأداهم
…
رجْلي فرجلي شثنة المناسم)
ف رجْلي بدل بعض من يَاء أوعدني وَقَوله
(ذَرِينِي إِن أَمرك لن يطاعا
…
وَمَا ألفيتني حلمي مضاعا)
ف حلمي بدل اشْتِمَال من يَاء ألفيتني
وَإِن كَانَ بدل كل فإمَّا أَن يدل على إحاطة أَو لَا فَإِن دلّ عَلَيْهَا جَازَ نَحْو {تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا} وَإِن كَانَ غير ذَلِك امْتنع نَحْو قُمْت زيد ورأيتك زيدا وَجوز ذَلِك الْأَخْفَش والكوفيون تمسكا بقوله
(بكم قُرَيْش كفينا كل معضلة
…
وَأم نهج الْهدى من كَانَ ضليلا)
وَكَذَلِكَ ينقسمان بِحَسب التَّعْرِيف والتنكير الى معرفتين نَحْو {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين} ونكرتين نَحْو {إِن لِلْمُتقين مفازا حدائق} ومتخالفين فإمَّا أَن يكون الْبَدَل معرفَة والمبدل مِنْهُ نكرَة نَحْو {إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاط الله} أَو يَكُونَا بِالْعَكْسِ نَحْو {لنسفعا بالناصية نَاصِيَة كَاذِبَة} وَقَول الشَّاعِر
(إِن مَعَ الْيَوْم أَخَاهُ غدوا
…
)
ثمَّ قلت الْخَامِس عطف النسق وَهُوَ بِالْوَاو لمُطلق الْجمع وبالفاء للْجمع وَالتَّرْتِيب والمهلة والتعقيب وبثم للْجمع وَالتَّرْتِيب والمهلة وبحتى للْجمع والغاية وبأم الْمُتَّصِلَة وَهِي المسبوقة بِهَمْزَة التَّسْوِيَة أَو بِهَمْزَة يطْلب بهَا وبأم التَّعْيِين وَهِي فِي غير ذَلِك مُنْقَطِعَة مُخْتَصَّة بالجمل
ومردافة لبل وَقد تضمن مَعَ ذَلِك معنى الْهمزَة وبأو بعد الطّلب للتَّخْيِير أَو الْإِبَاحَة وَبعد الْخَبَر للشَّكّ أَو التشكيك أَو التَّقْسِيم وببل بعد النَّفْي أَو النَّهْي لتقرير متلوها وَإِثْبَات نقيضه لتاليها كلكن وَبعد الْإِثْبَات وَالْأَمر لنفي حكم مَا قبلهَا لما بعْدهَا وَبلا للنَّفْي وَلَا يعْطف غَالِبا على ضمير رفع مُتَّصِل وَلَا يُؤَكد بِالنَّفسِ أَو بِالْعينِ إِلَّا بعد توكيده بمنفصل أَو بعد فاصل مَا وَلَا على ضمير خفض إِلَّا بِإِعَادَة الْخَافِض
وَأَقُول معنى كَون الْوَاو لمُطلق الْجمع أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي ترتيبا وَلَا عَكسه وَلَا معية بل هِيَ صَالِحَة بوضعها لذَلِك كُله فمثال اسْتِعْمَالهَا فِي مقَام التَّرْتِيب قَوْله تَعَالَى {وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط} وَمِثَال اسْتِعْمَالهَا فِي عكس التَّرْتِيب
نَحْو {وَعِيسَى وَأَيوب} {كَذَلِك يوحي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك} {اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم وَالَّذين من قبلكُمْ} {اقنتي لِرَبِّك واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} وَمِثَال اسْتِعْمَالهَا فِي المصاحبة نَحْو {فأنجيناه وَمن مَعَه فِي الْفلك} وَنَحْو {فأخذناه وَجُنُوده} وَنَحْو {وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل}
وَمِثَال إِفَادَة الْفَاء للتَّرْتِيب والتعقيب وَثمّ للتَّرْتِيب والمهلة قَوْله تَعَالَى {أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره} فعطف الإقبار على الإماتة بِالْفَاءِ والإنشار على الإقبار بثم لِأَن الإقبار يعقب الإماتة والإنشار يتراخى عَن ذَلِك
وَمعنى حَتَّى الْغَايَة وَغَايَة الشَّيْء نهايته وَالْمرَاد أَنَّهَا تعطف مَا
هُوَ نِهَايَة فِي الزِّيَادَة أَو الْقلَّة وَالزِّيَادَة إِمَّا فِي الْمِقْدَار الْحسي كَقَوْلِك تصدق فلَان بالأعداد الْكَثِيرَة حَتَّى الألوف الْكَثِيرَة أَو فِي الْمِقْدَار الْمَعْنَوِيّ كَقَوْلِك مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَكَذَلِكَ الْقلَّة تكون تَارَة فِي الْمِقْدَار الْحسي كَقَوْلِك الله سبحانه وتعالى يُحْصى الْأَشْيَاء حَتَّى مَثَاقِيل الذَّر وَتارَة فِي الْمِقْدَار الْمَعْنَوِيّ كَقَوْلِك زارني النَّاس حَتَّى الحجامون
وَأم على قسمَيْنِ مُتَّصِلَة ومنقطعة وَتسَمى أَيْضا مُنْفَصِلَة
فالمتصلة هِيَ المسبوقة إِمَّا بِهَمْزَة التَّسْوِيَة وَهِي الدَّاخِلَة على جملَة يَصح حُلُول الْمصدر محلهَا نَحْو {سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}
أَلا ترى أَنه يَصح أَن يُقَال سَوَاء عَلَيْهِم الْإِنْذَار وَعَدَمه أَو بِهَمْزَة يطْلب بهَا وبأم التَّعْيِين نَحْو أَزِيد فِي الدَّار أم عَمْرو وَسميت أم فِي النَّوْعَيْنِ مُتَّصِلَة لِأَن مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا لَا يسْتَغْنى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر
والمنقطعة مَا عدا ذَلِك وَهِي بِمَعْنى بل وَقد تَتَضَمَّن مَعَ ذَلِك معنى الْهمزَة وَقد لَا تتضمنه فَالْأول نَحْو {أم اتخذ مِمَّا يخلق بَنَات} أَي بل أَتَّخِذ بِهَمْزَة مَفْتُوحَة مَقْطُوعَة للاستفهام الإنكاري وَلَا يَصح أَن تكون فِي التَّقْدِير مُجَرّدَة من معنى الِاسْتِفْهَام الْمَذْكُور وَإِلَّا لزم اثبات الاتخاذ وَهُوَ محَال الْمَذْكُور وَالثَّانِي كَقَوْلِه تَعَالَى {هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أم هَل تستوي الظُّلُمَات والنور} أَي بل هَل تستوي وَذَلِكَ لِأَن أم اقترنت بهل فَلَا حَاجَة الى تقديرها بِالْهَمْزَةِ
وأو لَهَا أَرْبَعَة معَان أَحدهَا التَّخْيِير نَحْو {فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة} وَالثَّانِي الْإِبَاحَة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم أَو بيُوت أُمَّهَاتكُم} وَهَذَانِ المعنيان لَهَا إِذا وَقعت بعد الطّلب وَالثَّالِث الشَّك نَحْو
{لبثنا يَوْمًا أَو بعض يَوْم} وَالرَّابِع التشكيك وَهُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ بالإبهام نَحْو {وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين} وَهَذَانِ المعنيان لَهَا إِذا وَقعت بعد الْخَبَر
وَأما بل فيعطف بهَا بعد النَّفْي أَو النَّهْي وَمَعْنَاهَا حِينَئِذٍ تَقْرِير مَا قبلهَا بِحَالهِ وَإِثْبَات نقيضه لما بعْدهَا نَحْو مَا جَاءَنِي زيد بل عَمْرو وَلَا يقم زيد بل عَمْرو وَبعد الْإِثْبَات أَو الْأَمر وَمَعْنَاهَا حِينَئِذٍ نقل الحكم الَّذِي قبلهَا للاسم الَّذِي بعْدهَا وَجعل الأول كالمسكوت عَنهُ
وَأما لَكِن فَلَا يعْطف بهَا الا بعد النَّفْي أَو النَّهْي وَمَعْنَاهَا
كمعنى بل وَعَن الْكُوفِيّين جَوَاز الْعَطف بهَا بعد الْإِثْبَات قِيَاسا على بل وأباه غَيرهم لِأَنَّهُ لم يسمع
وَأما لَا فَإِنَّهَا لنفي الحكم الثَّابِت لما قبلهَا عَمَّا بعْدهَا فَلذَلِك لَا يعْطف بهَا الا بعد الْإِثْبَات وَذَلِكَ كَقَوْلِك جَاءَنِي زيد لَا عَمْرو
وَمِثَال الْعَطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بعد التوكيد {لقد كُنْتُم أَنْتُم وآباؤكم فِي ضلال مُبين} ومثاله بعد الْفَصْل بالمفعول {يدْخلُونَهَا وَمن صلح} ف {من} عطف على الْوَاو من {يدْخلُونَهَا} وَجَاز ذَلِك للفصل بَينهمَا بضمير الْمَفْعُول وَمِثَال الْعَطف من غير توكيد وَلَا فصل قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم كنت وَأَبُو بكر وَعمر وَفعلت وَأَبُو بكر وَعمر وَقَول بَعضهم مَرَرْت بِرَجُل سَوَاء والعدم ف سَوَاء
صفة لرجل وَهُوَ بِمَعْنى مستو وَفِيه ضمير مستتر عَائِد على رجل والعدم مَعْطُوف على ذَلِك الضَّمِير وَلَا يُقَاس على هَذَا خلافًا للكوفيين
وَمِثَال الْعَطف على الضَّمِير المخفوض بعد إِعَادَة الْخَافِض قَوْله تَعَالَى {فَقَالَ لَهَا وللأرض} {قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب} {وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون} وَلَا يجب ذَلِك خلافًا لأكْثر الْبَصرِيين بِدَلِيل قِرَاءَة حَمْزَة رحمه الله {وَاتَّقوا الله الَّذِي تساءلون بِهِ والأرحام} بخفض الْأَرْحَام وحكاية قطرب مَا فِيهَا غَيره وفرسه
ثمَّ قلت فصل وَإِذا أتبع المنادى بِبَدَل أَو نسق مُجَرّد من أل فَهُوَ كالمنادى المستقل مُطلقًا وتابع المنادى الْمَبْنِيّ غَيرهمَا يرفع أَو
ينصب إِلَّا تَابع أَي فيرفع وَإِلَّا التَّابِع الْمُضَاف الْمُجَرّد من أل فينصب كتابع المعرب
وَأَقُول لتوابع المنادى أَحْكَام تخصها فَلهَذَا أفردتها بفصل
وَالْحَاصِل أَن التَّابِع إِذا كَانَ بَدَلا أَو نسقا مُجَردا من أل فَإِنَّهُ يسْتَحق حِينَئِذٍ مَا يسْتَحقّهُ لَو كَانَ منادى تَقول فِي الْبَدَل يَا زيد كرز بِالضَّمِّ كَمَا تَقول يَا كرز وَكَذَلِكَ يَا عبد الله كرز وَفِي النسق يَا زيد وخَالِد بِالضَّمِّ كَمَا نقُول يَا خَالِد وَكَذَلِكَ يَا عبد الله وخَالِد لَا فرق فِي الْبَابَيْنِ الْمَذْكُورين بَين كَون المنادى معربا أَو مَبْنِيا
وَإِن كَانَ التَّابِع غير بدل ونسق مُجَرّد من أل فَإِن كَانَ المنادى مَبْنِيا فالتابع لَهُ ثَلَاثَة أَقسَام مَا يجب رَفعه وَمَا يجب نَصبه وَمَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ
فَالْوَاجِب رَفعه نعت أَي نَحْو {يَا أَيهَا الْإِنْسَان} {يَا أَيهَا النَّاس} وَعَن الْمَازِني إجَازَة نَصبه وَأَنه قريء {قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ} وَهَذَا إِن ثَبت فَهُوَ من الشذوذ بمَكَان
وَالْوَاجِب نَصبه التَّابِع الْمُضَاف مِثَاله فِي النَّعْت نَحْو يَا زيد صَاحب عَمْرو ومثاله فِي التوكيد يَا تَمِيم كلهم أَو كلكُمْ ومثاله فِي الْبَيَان يَا زيد أَبَا عبد الله
والجائز فِيهِ الْوَجْهَانِ التَّابِع الْمُفْرد نَحْو يَا زيد الْفَاضِل والفاضل وَيَا تَمِيم أَجْمَعُونَ وأجمعين وَيَا سعيد كرز وكرزا قَالَ ذُو الرمة
(لقَائِل يَا نصر نصر نصرا
…
)
وَإِن كَانَ المنادى معربا تعين نصب التَّابِع نَحْو يَا عبد الله صَاحب عَمْرو وَيَا بني تَمِيم كلهم وَيَا عبد الله أَبَا زيد
وَإِذا وَجب نصب الْمُضَاف التَّابِع للمبني فنصبه تَابعا لمعرب أَحَق قَالَ الله تَعَالَى {قل اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض} ففاطر صفة لاسم الله سُبْحَانَهُ وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنه نِدَاء ثَان حذف مِنْهُ حرف النداء لِأَن المنادى الملازم للنداء لَا يجوز عِنْده أَن يُوصف وَكلمَة اللَّهُمَّ لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي النداء
ثمَّ قلت بَاب مَوَانِع الصّرْف تِسْعَة يجمعها قَوْله
(اجْمَعْ وزن عادلا أنث بِمَعْرِِفَة
…
ركب وزد عجمة فالوصف قد كملا)
فالتأنيث بِالْألف كبهمى وصحراء وَالْجمع المماثل لمساجد ومصابيح كل مِنْهُمَا يسْتَقلّ بِالْمَنْعِ والبواقي مِنْهَا مَا لَا يمْنَع الا مَعَ العلمية وَهُوَ التَّأْنِيث كفاطمة وَطَلْحَة وَزَيْنَب وَيجوز فِي نَحْو هِنْد وَجْهَان بِخِلَاف نَحْو سقر وبلخ وَزيد لامْرَأَة والتركيب المزجي كمعد يكرب والعجمة كإبراهيم وَمَا يمْنَع تَارَة مَعَ العلمية وَأُخْرَى مَعَ الصّفة وَهُوَ الْعدْل كعمر وَزفر وكمثنى وَثَلَاث وَأخر مُقَابل آخَرين وَالْوَزْن كأحمد وأحمر وَالزِّيَادَة كعثمان وغضبان وَشرط تَأْثِير الصّفة أصالتها وَعدم قبُولهَا التَّاء فأرنب وَصَفوَان بِمَعْنى ذليل وقاس وَيعْمل وندمان من المنادمة منصرفة وَشرط العجمة كَون علميتها فِي العجمية وَالزِّيَادَة على الثَّلَاثَة فنوح منصرف وَشرط الْوَزْن اخْتِصَاصه بِالْفِعْلِ كشمر وَضرب
علمين أَو افتتاحه بِزِيَادَة هِيَ بِالْفِعْلِ أولى كأحمر وكأفكل علما
وَأَقُول الأَصْل فِي الْأَسْمَاء أَن تكون منصرفة أَعنِي منونة تَنْوِين التَّمْكِين وانما تخرج عَن هَذَا الأَصْل اذا وجد فِيهَا عِلَّتَانِ من علل تسع أَو وَاحِدَة مِنْهَا تقوم مقامهما وَالْبَيْت المنظوم لبَعض النَّحْوِيين وَهُوَ يجمع الْعِلَل الْمَذْكُورَة إِمَّا بِصَرِيح اسْمهَا أَو بالاشتقاق
وَالَّذِي يقوم مقَام علتين شيئآن التَّأْنِيث بِالْألف مَقْصُورَة كَانَت كبهمى أَو ممدودة كصحراء وَالْجمع الَّذِي لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد أَي لَا مُفْرد على وَزنه وَهُوَ مفاعل كمساجد ومفاعيل كمصابيح ودنانير وانما مثلت للمقصورة ببهمي دون حُبْلَى وللممدوة بصحراء دون حَمْرَاء لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن الْمَانِع الصّفة وَألف التَّأْنِيث كَمَا توهم بَعضهم
وَمَا عدا هَاتين العلتين لَا يُؤثر إِلَّا بانضمام عِلّة أُخْرَى لَهُ وَلَكِن يشْتَرط فِي التَّأْنِيث والتركيب والعجمة أَن تكون الْعلَّة الثَّانِيَة المجامعة لكل مِنْهُنَّ العلمية وَلِهَذَا صرفت صنجة وقائمة وان وجد فيهمَا
عِلّة أُخْرَى مَعَ التَّأْنِيث وَهِي العجمة فِي صنجة وَالصّفة فِي قَائِمَة وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن التَّأْنِيث والعجمة لَا يمنعان إِلَّا مَعَ العلمية وَكَذَلِكَ أذربيجان اسْم لبلدة فِيهِ العلمية والعجمة والتركيب وَالزِّيَادَة قيل وَعلة خَامِسَة وَهِي التَّأْنِيث لِأَن الْبَلدة مُؤَنّثَة وَلَيْسَ بِشَيْء لأَنا لَا نعلم هَل لحظوا فِيهِ الْبقْعَة أَو الْمَكَان وَلَو قدر خلوه من العلمية وَجب صرفه لِأَن التَّأْنِيث والتركيب والعجمة شَرط اعْتِبَار كل مِنْهُنَّ العلمية كَمَا ذكرنَا وَالْألف وَالنُّون اذا لم تكن فِي صفة كسكران فَلَا تمنع إِلَّا مَعَ العلمية كسلمان وَلَا وَصفِيَّة فِي أذربيجان فتعينت العلمية وَلَا علمية اذا نكرته فَوَجَبَ صرفه
ومثلت للتأنيث بفاطمة وَزَيْنَب لأبين أَنه على ثَلَاثَة أَقسَام لَفْظِي ومعنوي ولفظي لَا معنوي ومعنوي لَا لَفْظِي
وَأما بَقِيَّة الْعِلَل فَإِنَّهَا تمنع تَارَة مَعَ العلمية وَتارَة مَعَ الصّفة
مِثَال الْعدْل مَعَ العلمية عمر وَزفر وزحل وجمح ودلف فَإِنَّهَا معدولة عَن عَامر وزافر وزاحل وجامح ودالف وَطَرِيق معرفَة ذَلِك أَن يتلقي من أَفْوَاههم مَمْنُوع الصّرْف وَلَيْسَ فِيهِ مَعَ العلمية عِلّة ظَاهِرَة فَيحْتَاج حِينَئِذٍ الى تكلّف دَعْوَى الْعدْل فِيهِ
ومثاله مَعَ الصّفة أحاد وموحد وثناء ومثنى وَثَلَاث ومثلث
وَربَاع ومربع فَإِنَّهَا معدولة عَن وَاحِد وَاحِد واثنين اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة أَرْبَعَة قَالَ تَعَالَى {أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع} فَهَذِهِ الْكَلِمَات الثَّلَاث مخفوضة لِأَنَّهَا صفة لأجنحة وَهِي مَمْنُوعَة الصّرْف لِأَنَّهَا معدولة عَمَّا ذكرنَا فَلهَذَا كَانَ خفضها بالفتحة وَلم يظْهر ذَلِك فِي مثنى لِأَنَّهُ مَقْصُور وَظهر فِي ثَلَاث وَربَاع لِأَنَّهُمَا اسمان صَحِيحا الآخر وَمن ذَلِك أخر فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَعدَّة من أَيَّام أخر} فَأخر صفة لأيام وَهِي معدولة عَن آخر بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء وَبَينهمَا ألف لِأَنَّهَا جمع أُخْرَى أُنْثَى آخر بِالْفَتْح وَقِيَاس فعلى أفعل أَن لَا تسْتَعْمل إِلَّا مُضَافَة الى معرفَة أَو مقرونة بلام التَّعْرِيف فَأَما مَا لَا اضافة وَلَا لَام فقياسه أفعل كأفضل تَقول هِنْد أفضل والهندات أفضل وَلَا تَقول فضلى وَلَا فضل فَأَما أخر فصفة معدولة فَلهَذَا خفضت بالفتحة فَإِن كَانَت أخر جمع أُخْرَى أُنْثَى آخر
بِكَسْر الْخَاء فَهِيَ مصروفة تَقول مَرَرْت بِأول وَأخر بِالصرْفِ إِذْ لَا عدل هُنَا
وَمِثَال الْوَزْن مَعَ العلمية أَحْمد وَيزِيد ويشكر وَمَعَ الصّفة أَحْمَر وَأفضل وَلَا يكون الْوَزْن الْمَانِع مَعَ الصّفة إِلَّا فِي أفعل بِخِلَاف الْوَزْن الْمَانِع مَعَ العلمية
وَمِثَال الزِّيَادَة مَعَ العلمية سلمَان وَعمْرَان وَعُثْمَان وأصبهان ومثالها مَعَ الصّفة سَكرَان وغضبان وَلَا تكون الزِّيَادَة الْمَانِعَة مَعَ الصّفة إِلَّا فِي فعلان بِخِلَاف الزِّيَادَة الْمَانِعَة مَعَ العلمية
وَيشْتَرط لتأثير الصّفة أَمْرَانِ أَحدهمَا كَونهَا أَصْلِيَّة فَيجب الصّرْف فِي نَحْو قَوْلك هَذَا قلب صَفْوَان بِمَعْنى قَاس وَهَذَا رجل أرنب بِمَعْنى ذليل أَي ضَعِيف وَالثَّانِي عدم قبُولهَا التَّاء
وَلِهَذَا انْصَرف نَحْو ندمان وأرمل لقَولهم ندمانة وأرملة قَالَ الشَّاعِر
(وندمان يزِيد الكأس طيبا
…
سقيت وَقد تغورت النُّجُوم)
وَيشْتَرط لتأثير العجمة أَمْرَانِ أَحدهمَا كَون علميتها فِي اللُّغَة العجمية فنحو لحام وفيروز علمين لمذكرين مَصْرُوف وَالثَّانِي
الزِّيَادَة على الثَّلَاثَة فنوح وَلُوط وَهود ونحوهن مصروفة وَجها وَاحِدًا هَذَا هُوَ الصَّحِيح قَالَ الله تَعَالَى {كذبت قوم نوح الْمُرْسلين} وَقَالَ تَعَالَى {وَقوم لوط وَأَصْحَاب مَدين} وَقَالَ تَعَالَى {أَلا بعدا لعاد قوم هود} وَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ لِأَنَّهُ عَرَبِيّ وَلَيْسَ فِي أَسمَاء الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام عَرَبِيّ غَيره وَغير صَالح وَشُعَيْب وَمُحَمّد صلى الله عليه وسلم وَزعم عِيسَى بن عمر وَابْن قُتَيْبَة والجرجاني والزمخشري أَن فِي نوح وَنَحْوه وَجْهَيْن وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لم يرد بِمَنْع الصّرْف سَماع مَشْهُور وَلَا شَاذ
وَشرط الْوَزْن كَونه إِمَّا مُخْتَصًّا بِالْفِعْلِ أَو كَونه بِالْفِعْلِ أولى مِنْهُ بِالِاسْمِ فَالْأول نَحْو شمر وَضرب علمين قَالَ الشَّاعِر
(وجدى يَا حجاج فَارس شمرا
…
)
وَالثَّانِي نَحْو أَحْمَر صفة أَو علما وأفكل علما والأفكل اسْم
للرعدة فَإِن هَذَا الْوَزْن وَإِن كَانَ يُوجد فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال كثيرا وَلكنه فِي الْأَفْعَال أولى مِنْهُ فِي الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ فِي الْأَفْعَال يدل على التَّكَلُّم كأذهب وأنطلق وَفِي الْأَسْمَاء لَا يدل على معنى وَالدَّال أصل لغير الدَّال
وَاعْلَم أَن الْمُؤَنَّث إِن كَانَ تأنيثه بِالْألف كبهمى وصحراء امْتنع صرفه وَلم يحْتَج لعِلَّة أُخْرَى وَقد مضى ذَلِك وَقَول أبي عَليّ إِن حَمْرَاء امْتنع صرفه للصفة وَألف التَّأْنِيث منتقض بِمَنْع صرف صحراء
وَإِن كَانَ بِالتَّاءِ امْتنع صرفه مَعَ العلمية سَوَاء كَانَ لمذكر كطلحة وَحَمْزَة أَو لمؤنث كفاطمة وَعَائِشَة وَقَول الْجَوْهَرِي إِن {هاوية} من قَوْله تَعَالَى {فأمه هاوية} اسْم من أَسمَاء النَّار معرفَة بِغَيْر الْألف وَاللَّام خطأ لِأَن ذَلِك يُوجب منع صرفه
وَإِن كَانَ بِغَيْر التَّاء امْتنع صرفه وجوبا إِن كَانَ زَائِدا على ثَلَاثَة كسعاد وَزَيْنَب أَو ثلاثيا محرك الْوسط كسقر ولظى قَالَ الله تَعَالَى {مَا سلككم فِي سقر} {كلا إِنَّهَا لظى} أَو سَاكن الْوسط أعجميا كماه وجور وحمص وبلخ أَسمَاء بِلَاد أَو عَرَبيا وَلكنه مَنْقُول من الْمُذكر إِلَى الْمُؤَنَّث نَحْو زيد وَبكر وَعَمْرو أَسمَاء نسْوَة هَذَا قَول
سِيبَوَيْهٍ
وَذهب عِيسَى بن عمر إِلَى أَنه يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ وَإِن لم يكن مَنْقُولًا من الْمُذكر إِلَى الْمُؤَنَّث فالوجهان كهند ودعد وجمل وَمنع الصّرْف أولى وأوجبه الزّجاج وَقد اجْتمع الْوَجْهَانِ فِي قَوْله
(لم تتلفع بِفضل مئزرها
…
دعد وَلم تسق دعد فِي العلب)
ثمَّ قلت بَاب الْعدَد الْوَاحِد والأثنان وَمَا وازن فَاعِلا كثالث وَالْعشرَة مركبة يذكرن مَعَ الْمُذكر ويؤنثن مَعَ الْمُؤَنَّث وَالثَّلَاثَة والتسعة وَمَا بَينهمَا مُطلقًا وَالْعشرَة مُفْردَة بِالْعَكْسِ وتمييز الْمِائَة وَمَا فَوْقهَا مُفْرد مخفوض وَالْعشرَة مُفْردَة وَمَا دونهَا مَجْمُوع
مخفوض إِلَّا الْمِائَة فمفردة وَكم الخبرية كالعشرة وَالْمِائَة والأستفهامية المجرورة كالأحد عشر وَالْمِائَة وَلَا يُمَيّز الْوَاحِد والاثنان وثنتا حنظل ضَرُورَة
وَأَقُول الْعدَد فِي أصل اللُّغَة اسْم للشَّيْء الْمَعْدُود كَالْقَبْضِ والنقض والخبط بِمَعْنى الْمَقْبُوض والمنقوض والمخبوط بِدَلِيل {كم لبثتم فِي الأَرْض عدد سِنِين} وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الْأَلْفَاظ الَّتِي تعد بهَا الْأَشْيَاء
وَالْكَلَام عَلَيْهَا فِي موضِعين أَحدهمَا فِي حكمهَا فِي التَّذْكِير والتأنيث وَالثَّانِي فِي حكمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْيِيز
فَأَما الأول فَإِنَّهَا فِيهِ على ثَلَاثَة أَقسَام
الْقسم الأول مَا يذكر مَعَ الْمُذكر وَيُؤَنث مَعَ الْمُؤَنَّث دَائِما كَمَا هُوَ الْقيَاس وَذَلِكَ الْوَاحِد والاثنان تَقول فِي الْمُذكر وَاحِد وَاثْنَانِ وَفِي الْمُؤَنَّث وَاحِدَة وَاثْنَتَانِ قَالَ الله تَعَالَى {وإلهكم إِلَه وَاحِد} {الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة} {حِين الْوَصِيَّة اثْنَان} {رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ} وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من الْعدَد على صِيغَة اسْم الْفَاعِل نَحْو ثَالِث وثالثة ورابع ورابعة
الى عَاشر فِي الْمُذكر وعاشرة فِي الْمُؤَنَّث قَالَ الله تَعَالَى {سيقولون ثَلَاثَة رابعهم كلبهم} أَي هم ثَلَاثَة أَو هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة {وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا} أَي وَالشَّهَادَة الْخَامِسَة
الْقسم الثَّانِي مَا يؤنث مَعَ الْمُذكر وَيذكر مَعَ الْمُؤَنَّث دَائِما وَهُوَ الثَّلَاثَة والتسعة وَمَا بَينهمَا سَوَاء كَانَت مركبة مَعَ الْعشْرَة أَو لَا تَقول فِي غير المركبة ثَلَاثَة رجال بِالتَّاءِ الى تِسْعَة رجال
قَالَ الله تَعَالَى {آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام} وَتقول ثَلَاث نسْوَة
قَالَ الله تَعَالَى {آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال} وَتقول فِي المركبة ثَلَاثَة عشر بِالتَّاءِ فِي ثَلَاثَة
وَثَلَاث عشرَة امْرَأَة بِحَذْف التَّاء من ثَلَاث
قَالَ الله تَعَالَى {عَلَيْهَا تِسْعَة عشر} أَي ملكا أَو خَازِنًا
الْقسم الثَّالِث مَا فِيهِ تَفْصِيل وَهُوَ الْعشْرَة فَإِن كَانَت غير
غير مركبة فَهِيَ كالتسعة وَالثَّلَاثَة وَمَا بَينهمَا تذكر مَعَ الْمُؤَنَّث وتؤنث مَعَ الْمُذكر وَإِن كَانَت مركبة جرت على الْقيَاس فَذكرت مَعَ الْمُذكر وأنثت مَعَ الْمُؤَنَّث قَالَ الله تَعَالَى {إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا} {فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا} وَتقول عِنْدِي احدى عشرَة امْرَأَة وَأحد عشر رجلا
وَأما الثَّانِي وَهُوَ التَّمْيِيز فَإِنَّهَا فِيهِ على أَقسَام خَمْسَة
أَحدهَا مَا لَا يحْتَاج لتمييز أصلا وَهُوَ الْوَاحِد والاثنان لَا تَقول وَاحِد رجل وَلَا اثْنَا رجلَيْنِ وَأما قَوْله
(فِيهِ ثنتا حنظل
…
)
فضروة
وَالثَّانِي مَا يحْتَاج الى تَمْيِيز مَجْمُوع مخفوض وَهُوَ الثَّلَاثَة وَالْعشرَة وَمَا بَينهمَا تَقول عِنْدِي ثَلَاثَة رجال وَعشر نسْوَة وَكَذَا مَا بَينهمَا وَيسْتَثْنى من ذَلِك أَن يكون التَّمْيِيز كلمة الْمِائَة فَإِنَّهَا يجب إفرادها تَقول عِنْدِي ثلثمِائة وَلَا يجوز ثَلَاث مئات وَلَا ثَلَاث مئين إِلَّا فِي ضَرُورَة
وَالثَّالِث مَا يحْتَاج الى تَمْيِيز مُفْرد مَنْصُوب وَهُوَ الْأَحَد عشر والتسعة وَالتِّسْعُونَ وَمَا بَينهمَا نَحْو {إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكبا} {وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا} {وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر فتم مِيقَات ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَة} {إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة} وَأما قَوْله تَعَالَى {وقطعناهم اثْنَتَيْ عشرَة أسباطا}
فَلَيْسَ {أسباطا} تمييزا بل بدل من {اثْنَتَيْ عشرَة} والتمييز مَحْذُوف أَي اثْنَتَيْ عشرَة فرقة
وَالرَّابِع مَا يحْتَاج الى تَمْيِيز مُفْرد مخفوض وَهُوَ الْمِائَة وَالْألف تَقول عِنْدِي مائَة رجل وَألف رجل
ويلتحق بِالْعدَدِ المنتصب تَمْيِيزه تَمْيِيز كم الاستفهامية وَهِي بِمَعْنى أَي عدد وَلَا يكون تمييزها الا مُفردا تَقول كم غُلَاما عنْدك وَلَا يجوز كم غلمانا خلافًا للكوفيين
ويلتحق بِالْعدَدِ المخفوض تَمْيِيز كم الخبرية وَهِي اسْم دَال على عدد مَجْهُول الْجِنْس والمقدار يسْتَعْمل للتكثير وَلِهَذَا انما يسْتَعْمل غَالِبا فِي مقَام الافتخار والتعظيم ويفتقر الى تَمْيِيز يبين جنس المُرَاد بِهِ وَلكنه لَا يكون إِلَّا مخفوضا كَمَا ذكرنَا ثمَّ تَارَة يكون مجموعا كتميز الثَّلَاثَة وَالْعشرَة وأخواتهما وَتارَة يكون مُفردا كتميز الْمِائَة وَالْألف وَمَا فَوْقهَا
وَالْخَامِس مَا يحْتَاج الى تَمْيِيز مُفْرد مَنْصُوب أَو مخفوض وَهُوَ
كم الاستفهامية المجرورة بكم دِرْهَم اشْتريت فالنصب على الأَصْل والجر بِمن مضمرة لَا بِالْإِضَافَة خلافًا للزجاج
وانما لم أذكر فِي الْمُقدمَة أَن تَمْيِيز كم الاستفهامية وتمييز الْأَحَد عشر والتسعة وَالتسْعين وَمَا بَينهمَا مَنْصُوب لأنني قد ذكرته فِي بَاب التَّمْيِيز فَلذَلِك اختصرت اعادته فِي هَذَا الْموضع من الْمُقدمَة