المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

هذا فإنه يكشفون وجوها من أعلى درجات البلاغة، وأجل ما - البدهيات في القرآن الكريم

[فهد الرومي]

الفصل: هذا فإنه يكشفون وجوها من أعلى درجات البلاغة، وأجل ما

هذا فإنه يكشفون وجوها من أعلى درجات البلاغة، وأجل ما تقتضيه مراعاة حال المخاطب، وُيظهرون حِكْمةَ ورود الآية على هذا الوجه، وأنه ليس إلا ضرب من التفنن في الأساليب البلاغية، وأخذ بها من جميع أطرافها.

ثم نجد أن البدهيات تدخل في أبواب عديدة من مباحث البلاغة كالإِطناب، والتوكيد، والتكميل، والتتميم، وغيرها، وليس في وسعنا تتبع هذه المباحث هنا واستقصاؤها وإنما نشير إلى مبحثين منها من أهمها وأوسعها أعني مَبْحَثَيّ الإِطناب والتأكيد.

ص: 18

‌الإِطناب:

والإِطناب مصدر أطنب في كلامه إطناباً إذا بالغ فيه وطَوَّل ذيوله لإِفادة المعاني. واشتقاقه من قولهم: أطنب بالمكان إذا أطال مقامه فيه، وفرس مطنب إذا طال متنه، ومن أجل ذلك سُمِّي حبل الخيمة طنباً لطوله، وهو نقيض الإيجاز في الكلام 1.

والعلاقة بين الإِطناب والبلاغة وثيقة بل عرفوا الإِطناب بأنه "البلاغة في المنطق والوصف مدحاً كان أو ذماً، وأطنب في الكلام: بالغ فيه"2.

بل عرّفوا البلاغة بأنها: " الإِيجاز والإِطناب" 3 وإنما جمعوا بينهما وهما نقيضان لاختلاف المقامات فما يصلح في مقام لا يصلح في الآخر، ولهذا قال العسكري: "القول القصد أن الإِيجاز والإِطناب يُحتاج إليهما في جميع الكلام وكل نوع منه، ولكل واحد منهما موضع، فالحاجة إلى الإِيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، فمن أزال التدبير في ذلك عن جهته،

1 الطراز: يحي بن حمزة العلوي، ج2 ص 230.

2 لسان العرب: ابن منظور: ج1 ص 562 مادة (طنب) .

3 الإتقان: السيوطي، ج2 ص 53.

ص: 18

واستعمل الإِطناب في موضع الإِيجاز، واستعمل الإِيجاز في موضع الإِطناب أخطأ.

كما روي عن جعفر بن يحي أنه قال مع عجبه بالإِيجاز: "متى كان الإِيجاز أبلغ كان الإِكثار عِيّاً، ومتى كانت الكناية في موضع الإِكثار كان الإِيجاز تقصيراً".

وأمر يحي بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا في معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر فقال للمختصر- وقد نظر في كتابه -:"ما أرى موضع مزيد"، وقال للمطيل:"ما أرى موضع نقصان".

وقال غيره: "البلاغة الإيجاز في غير عجز، والإِطناب في غير خطل"1.

فإذا عرفت الإِطنابَ ومكانته من البلاغة فينبغي أن تعرف الفرق بينه وبين التطويل والتكرير والترادف، فقد عرّفوا الإِطناب بأنه "زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد"2 فقولنا:"زيادة اللفظ على المعنى " عام في الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف.

وقولنا: " لفائدة" يخرج عنه التطويل فإنه لغير فائدة وهذا هو الذي عليه الأكثر من علماء البلاغة، والإطناب صفة محمودة في البلاغة بخلاف التطويل فإنه صفة مذمومة في الكلام3.

وقولنا: (جديدة) تخرج عنه الألفاظ المترادفة فإنها زيادة في اللفظ على المعنى لفائدة لغوية ولكنها ليست جديدة، وقولنا:"من غير ترديد" يخرج عنه

1 الصناعتين: لأبي هلال العسكري، صر 196.

2 الطراز: العلوي، ج2 ص 230.

3 الطراز العلوي،ج2 ص 232، والفوائد المشوق: ص 159.

ص: 19

التكرير فإنه دلالة على المعنى مرددا"1. وليس كل التكرار مذموماً فقد فرَّق الخطابي بين المحمود منه والمذموم فقال:

"وأما ما عابوه من التكرار، فإن تكرار الكلام على ضربين:

أحدهما: مذموم: وهو ما كان مُستغنىً عنه غير مستفاد به زيادة معنى لم يستفيدوه بالكلام الأول لأنه حينئذ يكون فضلا من القول ولغواً، وليس في القرآن شيء من هذا النوع.

والضرب الآخر: ما كان بخلاف هذه الصفة

وإنما يُحتاج إليه ويحسن استعماله في الأمور المهمة التي قد تعظم العناية بها، ويُخاف بتركه وقوعُ الغلط والنسيان فيها، والاستهانة بقدرها، وقد يقول الرجل لصاحبه في الحث والتحريض على العمل:"عجل عجل، وإرم إرم"، كما يكتب في الأمور المهمة على ظهور الكتب "مهم مهم مهم" ونحوها من الأمور"2.

وإذا عرفنا الفرق بين الإِطناب والتطويل والتكرير والترادف، فإنه ينبغي أن نعرف أنَّ الإِطناب ينقسم إلى قسمين:

الأول: ما يكون متعلقاً بالجملة الواحدة من الكلام وهو نوعان:

1-

ما يَرِدُ من الإطناب علىِ جهة الحقيقة بأن يكون معنى اللفظ الزائد هو معنى المذكور، ويكون مغايرا له.

ومن أمثلة هذا النوع قولنا: "رأيته بعيني"، "وقبضته بيديَ"، "ووطئته بقدمي"، "وذقته بلساني"، إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكر من الأدوات.

وقد يظن ظان أن تعليق هذه الأفعال بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه فإن تلك الأفعال (الرؤية، القبض، الوطء، الذوق) لا تُفعل إلا بهذه الآلات

1 الطراز: العلوي ج2 ص 230، والمثل السائر: ابن الأثير، ج2 ص128.

2 بيان إعجاز القرآن: الخطابي ص47-48.

ص: 20

(العين، اليد، القدم، اللسان) وليس الأمر كما يظن الظان، بل هذا إنما يقال في كل شيء يعظم مَنَالُه ويَعزُّ الوصولُ إليه أو يصعب تصديقه، أو يشتد إنكاره، فيؤتى بهذه الأدوات على جهة الإِطناب دلالة على نيله، أو لتأكيد وقوعه، كما لو أنكر المخاطب قولاً نسبته إليه فقلتَ:"لقد قلته بلسانك وسمعته منك بأذني"، مع أن القول لا يكون إلا باللسان وأن السماع لا يكون إلا بالأذن، فإن أحداً لا يُنكر من قولك، بل يدرك أنك ذكرت ما ذكرت لعِلَّة مقبولة.

وعلى هذا النحو ورد قولُه تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم} (الأحزاب: من الآية4) 1، لأن هذه الآية إنما وردت في شأن جعل الزوجة الحلال بمنزلة الأم.

الحرام في الظهار وفي جعل الأدعياء أبناء فأعظم الله الرَّدً والإِنكار في أن تكون الزوجة أمّاً والمملوك ابناً وأنَ مثل هذا يكون محالا2.

2-

ما يرد من الإِطناب في الجملة الواحدة على جهة المجاز وهذا كقوله تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: من الآية46)3. إذ من المعلوم أنَّ القلوبَ لا تكون إلا في الصدور، إلا أنه لِمَا عُلِمَ وتحقق أنَّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون في البصر وأن استعماله في القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارض من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار لا جَرَمَ احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف ليتقرر أنَّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار4.

الثاني: الإطناب الذي يكون في الجمل المتعددة وهو أربعة أنواع هي:

1 سورة الأحزاب: الآية 4.

2 انظر الطِراز: العلوي، ج2 ص 235 - 236.

3 سورة الحج: الآية 46.

4 الطِراز: العلوي، ج2 ص 237.

ص: 21

1-

أن يذكر الشيء فيُؤتى فيه بمَعَانٍ مُتداخلة، إلا أن كل معنى يختص بخصيصة ليست للآخر كقول أبي تمام:

مِنْ مِنَّةٍ مشهورةٍ وصنيعةٍ

بكرٍ وإحسانٍ أَغَرَّ مُحَجَّل1

فالمِنَّة والصنيعة والإِحسان أمور متقاربة وليس ذلك من قبيل التكرير لأنها إنما تكون تكريراً لو اقتصر على ذكرها مُطلقة من غير صفة كأن يقول: "منة وصنيعة وإحسان" ولكنه وَصفَ كلَّ واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير.

2-

النفي والإِثبات: " وهو أن يُذكر الشيء على سبيل النفي، ثم يذكر على سبيل الإِثبات أو بالعكس من ذلك، ولابد من أن يكون في أحدهما زيادة فائدة ليست في الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود وإلا كان تكريرا وذلك كقوله تعالى:{لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالله عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:44- 45)2.

فالآية الثانية كالآية الأولى إلا في النفي والإِثبات، فإن الأولى من جهة الإِثبات والثانية من جهة النفي، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة وهي قوله:{وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}

ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريراً ولم يكن من باب الإطناب.

1ديوان أبي تمام: ص206.

2 سورة التوبة: الآيتين 44- 5 4.

ص: 22

3-

أن يذكر المعنى الواحد تماماً لا يحتاج إلى زيادة ثم يُضرب له مثال من التشبيه كقول البحتري يصف امرأة: 1

ذات حسن لو استزادت من

الحسن إليه لما أصابت مزيدا

فهي كالشمس بهجة والقضيب

الَّلْدن قدَّا والريم طرفا وجيد ا

فالبيت الأول كان كافيا وتماما في إفادة المدح غير أنَّ في البيت الثاني تشبيها أفاد تَصَوُّرا وتخيلا لا يحصل من المدح المطلق وهذا الضرب له موقع بديع في الإِطناب.

4-

الاستقصاء في ذِكْرِ أوصاف الشيء للمدح أو الذم ونحوهما كقول بعضهم:

لأعلى الورى قدرا وأوفر هم حجى

وأرشدهم رأيا وأسمحهم يدا 2

فهذه أقسام الإِطناب في الجملة الواحدة وفي الجمل المتعددة، وله أساليب متنوعة لا نطيل بتفصيلها ولا نقصر عن إيجازها فمنها:

1) الإِطناب بالاعتراض.

2) الإِطناب بالإيضاح.

3) الإِطناب بالإِيغال.

4) الإِطناب بالبسط.

5) الإِطناب بالتتميم.

6) الإِطناب بالتذييل.

1 ديوان البحتري: ج1 ص 591.

2 أقسام الإِطناب في الجمل المتعددة نقلتها عن كتاب الطراز: للعلوي، ج2 ص 238-244. وانظر الفوائد المشوق: ص 157-159. ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها د. أحمد مطلوب، ج1 ص 225-226.

ص: 23