الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُّحْسِنُونَ} (1) حق، وحكمها النصر، والتأييد" (2) .
و
المعية نوعان:
عامة وخاصة.
فالأولى: هي المذكورة في مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} (3) .
والثانية: هي المذكورة في مثل قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (4) ، فهذه خاصة بأنبيائه وأوليائه، وعباده المؤمنين، فهو -تعالى- معهم دون أعدائهم، ومعهم بسمعه ورؤيته، ونصره وتأييده، كما أنه -تعالى- معهم بإحاطته وقبضته.
والمعية لا تدل على المخالطة، والممازجة، وإنما تدل على المصاحبة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل"(5) .
فهو - سبحانه - مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، وهو فوق عرشه، وكل ذلك على ظاهره، غير محتاج إلى تأويل، ولا يلزم منه أن تكون ذاته مختلطة بذوات خلقه -تعالى الله وتقدس عن ذلك -؛ وذلك لأن المفهوم من المعية في اللغة العربية: المصاحبة والمقارنة، حكمها حسب مورد الخطاب، فقوله -تعالى-:{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} (6) أي: على الإيمان، لا أن ذواتهم حالة في ذاته، بل هم مصاحبون له ومتبعون له على الإيمان، وقوله:{فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} يدل على موافقتهم في الإيمان، وموالاتهم.
(1) الآية 128 من سورة النحل.
(2)
"مجموع الفتاوى"(5/102-104) .
(3)
الآية 4 من سورة الحديد.
(4)
الآية 46 من سورة طه.
(5)
رواه مسلم في "الصحيح"(2/978) الحديث رقم (1342) ورواه غيره.
(6)
الآية 29 من سورة الفتح.
فالله -تعالى- مع عباده، يراهم، ويسمع كلامهم، وهو محيط بهم، وعلمه بهم من لوازم معيته لهم، وليست المعية هي العلم كما يتوهمه بعض الناس، فعلمه -
تعالى - محيط بكل شيء ولا يختلف أو يتغير، ولذلك صارت المعية إلى خاصة، وعامة، وكل واحدة لها مقتضاها وحكمها، فمن مقتضى العامة: المراقبة، والتخويف، والاطلاع على جميع التصرفات، وما تكنه الصدور.
ومن مقتضى الخاصة: النصر، والتأييد، والحفظ.
وتفسير من فسرها بالعلم من السلف، يقصد بيان أن الله ليس مختلطاً بخلقه أو حالاً فيهم، أو أن شيئاً من مخلوقاته تحويه، أو تظله، أو تقله - تعالى وتقدس-.
وأما القرب، فقد جاء على صيغتين: الإفراد، نحو قوله -تعالى-:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (1)، وكما في حديث أبي موسى المتقدم:" إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته".
وهو -تعالى- فوق عرشه، ويقرب ممن يشاء من خلقه، كيف يشاء، كما قرب من موسى عليه السلام حين كلمه، وهو فوق عرشه، فوق السماوات كلها، فلا تنافي بين علوه، وقربه ومعيته؛ لأنه تعالى أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، تعالى الله عن ظنون السوء الكاذبة.
فعلو الله العلي العظيم، واستواؤه على عرشه، ومعيته وقربه، كل ذلك ثابت له، حق على ظاهره، كما أخبر به -تعالى- عن نفسه، وأخبرت به رسله، فالكل ثابت لله -تعالى- في الكتب الإلهية، وفي نصوص الأنبياء.
وأهل الفطرة العقلية السليمة، من الأولين والآخرين، يقولون: إنه -تعالى- فوق عرشه، عالٍ على خلقه، وهو معهم، بعلمه ورؤيته، وسمعه وإحاطته، وقبضته وهيمنته عليهم.
(1) الآية 186 من سورة البقرة.
ومع أنبيائه وأوليائه بذلك، وبنصره، وتأييده، وحفظه. ومعيته -تعالى- من صفاته الخاصة به.
وأما الصيغة الأخرى للقرب: صيغة الجمع، كقوله -تعالى-:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (1)، وهذا يقصد به لغة العرب: الواحد العظيم، الذي له عبيد يطيعونه، ويسارعون في أمره، وإذا وقع الفعل منهم عن أمره قال: نحن فعلنا، كما يقول الرئيس: نحن أمرنا بكذا، والله -تعالى- رب الملائكة، وخالقهم، وخالق أفعالهم، وهم ممتثلون لأمره:{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (2)، {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} (3)، مع أنه -تعالى- غني بذاته عن ملائكته، وجميع خلقه، وهو الذي أقدر خلقه على ما يفعلون، وأعطاهم القدرة على ذلك، وإذا شاء سلبهم ذلك، فإذا قال -تعالى-:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَاّ تُبْصِرُونَ} (4)، إذا كان المراد الملائكة، كان من هذا الباب.
والمقصود: أن علو الله -تعالى- ثابت له بالفعل، وأدلة الكتاب، وما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم أمته، وثابت بالضرورة الفطرية، والأدلة عليه لا تحصى، ومنكره منكر للمعلوم بالضرورة من الدين، والمعلوم بالضرورة العقلية الفطرية، وليس بين علو الله واستوائه على عرشه، وبين معيته لخلقه، ولأوليائه وأنبيائه، وقربه منهم تعارض.
تم الجزء الأول من الشرح ويليه الجزء الثاني وأوله:
باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
(1) الآية 16 من سورة ق.
(2)
الآية 6 من سورة التحريم.
(3)
الآية 27 من سورة الأنبياء.
(4)
الآية 85 من سورة الواقعة.