الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يداه مبسوطتان وأن الملك بيده، وفي الحديث، مالا يحصى، ثم لا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته أن هذا الكلام يراد به حقيقة ظاهرة، حتى يأتي مثل الجهم بن صفوان وبشر بن غياث المريسي ومن سلك سبيلهم فيدَّعوون أنه يجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها، ويسلكون سبيلاً يخالفون به النصوص القرآنية والحديثية، وما كان عليه الصحابة وأعلام التابعين والأئمة (1).
الأدلة على بطلان التأويل
يزعم المؤولون أن الأدلة العقلية ألزمتهم بتأويل نصوص الصفات، فتراهم يزعمون أن العقل حكم بأن رؤية الباري مستحيلة، وإن إثبات السمع والوجه والاستواء لله يستلزم تشبيه الباري بخلقه.
(1) الرسالة المدنية ص 44 - 67 بتصرف.
والرد على هؤلاء من وجوه:
الأول: أن المعاني المحدثة المستحيلة على الله التي أرادوا صرف النصوص عن ظاهرها لاستبعادها ليست هي ظاهر النصوص، بل الظاهر هو ما يسبق إلى العقل السليم من اللغة التي يفقهها من تكلم بها (1).
وأهل العلم والإيمان عندما يسمعون كلام الله ورسوله في وصف الله تبارك وتعالى يتبادر إلى أذهانهم التعظيم والتنزيه والإجلال ولا يتبادر إلى أذهانهم هذه المعاني القذرة النجسة.
يقول شارح الطحاوية (2): (يجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه).
(1) راجع الرسالة المدنية: ص 31.
(2)
شرح العقيدة الطحاوية: ص 233.
وكم من عائب قولاً صحيحاً
…
وآفته من الفهم السقيم
الثاني: أن نفي التشبيه لا يكون بنفي الصفات وتأويلها، وإنما يكون بإثبات هذه الصفات، مع نفي التشبيه، وهذا لا يحيله العقل ولا يرفضه، يقول شارح الطحاوية:(هل يكون التنزيه بنفي صفات الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ أن المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة)(1).
الثالث: إن منهجهم هذا أدى إلى تحكيم العقل في النصوص، فكل من لم يرض عقله عقيدة أو حكماً أو تشريعاً جاءنا من عند الله قال: إن حكم العقل لا يقبله، ومن هنا وجب تأويله.
وما أن العقول مضطربة في أحكامها فإنها تتناقض وتتعارض فيما بينها فيما تحكم عليه، يقول
(1) شرح العقيدة الطحاوية: ص 231.
شيخ الإسلام ابن تيمية: (فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عهن الإمام مالك بن أنس حيث قال: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء")(1).
والجواب: أن العقول لا تحكم باستحالة إثبات الصفات، كما لا تحكم بوجوب التأويل، وإنما الذي يحكم بذلك كله هو العقول المريضة.
فالعقل الصريح لا يمكن أن يناقض ما جاءّت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك ذلك التفصيل، والذي يجب الجزم به أن العقول وحدها لا تستطيع الوصول إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية بعيداً عن الشرع.
ومرض العقول الذي أصاب هؤلاء سببه شبهات ملأت رؤوسهم لم يجدوا من يكشف لهم ظلماتها،
(1) مجموع الفتاوى: 5/ 29.
ومقررات سابقة جاءَتهم من الأديان والمبادئ والفلسفات التي كانوا يدينون بها، أو دخلت إليهم من خلال دراساتها ومعايشتها، فصعب عليهم مفارقتها كما شق عليهم مخالفة الدين الذي يعتنقونه، فحاولوا التوفيق بالتأويل، يقول العز بن عبد السلام فيما نقله عنه الزركشي مبيناً السبب الذي من أجله أوّل أكثر المؤولين:(من أسباب التأويل الميل الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل من الإلف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمور تحدث للنفس هيئة وملكة تقتضي الرجحان في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظر ذلك، ويتوهم أنه رجحان الدليل، وهذا محل خوف شديد، وخطر عظيم، يجب على المتقي أن يصرف نظره إليه، ويقف فكره عليه)(1).
وهذا الذي قرره ابن عبد السلام نظرة سديدة تدل على فقه عميق ونظر دقيق، وهو حال كثير من
(1) البحر المحيط: 3/ 438.
الذين انحرف بهم المسار عن فقه الكتاب والسنة، بحيث مالوا وأرادوا أن يميلوا فقه النصوص كما مالوا، ولكن الله حافظ دينه، ومظهر الحق والصواب، والله هو الهادي إلى سواء الصراط.