الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطورة التأويل وآثاره المدمرة
تكلم كثير من العلماء على جناية التأويل الباطل على الإسلام وأهله، بل جنايته على كل الأديان، وقد بين ابن القيم - رحمه الله تعالى- أن التأويل أصل خراب الدين والدنيا، فما اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وأعداء الإسلام سلطوا علينا بالتأويل، ودماء المسلمين إنما أريقت بالتأويل.
فاليهود والنصارى أبطلوا البشارات المصرحة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتأويل هذه البشارات وتبديلها وكتمانها.
ودين النصارى إنما أفسد بالتأويل.
وافتراق اليهود إلى أحدى وسبعين فرقة والنصارى إلى اثنتين وسبعين
فرقة وافتراق هذه الأمّة إلى ثلاثة وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل.
وما أريقت دماء المسلمين في يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن الزبير إلا بالتأويل.
وما دخل أعداء الإسلام من الفلاسفة والقرامطة والباطنية والإسماعلية والنصيرية إلا من باب التأويل.
وما أريقت دماء بني جذيمة إلا بالتأويل.
وما تأخر الصحابة يوم الحديبية عن موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى اشتد غضبه إلا بالتأويل.
وما سفك دم الأخيار: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين، وعمار بن ياسر، وابن الزبير، وحجر بن عدي، وسعيد بن جبير وغيرهم إلا بالتأويل.
وما جرد الإمام أحمد بين العقابين وضربه بالسياط غير التأويل.
وما سلط سيوف التتار على ديار الإسلام غير التأويل" (1).
(1) أعلام الموقعين: 4/ 317 - 319.
وقد لخص برهان مفاسد التأويل الفاسد بقوله: (ولم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد)(1).
الثاني: أن التأويل فتح لأهل الشرك والبدع لإفساد دين الله، يقول شارح الطحاوية مخاطباً أهل التأويل: (لقد فتحتم عليكم باباً لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سدّه، فإنكم إذا سوغتم صرف آيات القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟
فإن قلتم: ما دل الدليل القاطع على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه.
قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع، ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد.
ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية
(1) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط:3/ 436.
الله تعالى، وعلى امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى) (1) وقد جعل المؤولة المنتسبون للإسلام للملاحدة سبيلاً عليهم، لأن الملاحدة ألزموا المؤولين في نصوص المعاد نظير ما ادعاه المؤولون في نصوص مصفات.
وحجة المؤولين في الرد على الملاحدة قولهم لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه.
وأهل السنة يقولون لأهل التأويل: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءَت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ومن المعلوم أن مشرك العرب وغيرهم أنكروا المعاد بخلاف الصفات، وبذلك نعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وإن كان إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات،
(1) شرح العقيدة الطحاوية: 236.
فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ (1).
فرماهم أهل السنة بمثل ما أجابوا به على الملاحدة مؤولي نصوص المعاد.
والمؤولون الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الإسلام بزعمهم لم يستطيعوا أن يقفوا أمام باطل الملاحدة، لأنهم قعدوا قواعد باطلة نفذ الملاحدة عبرها إليهم وأضعفوا حججهم كما رأينا هذا ظاهراً في منهج التأويل الذي سلكوه ولذا قال علماؤنا في أهل التأويل:(لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا)(2).
الثاني: التأويل يشوش القلوب، فإن القلوب تطمئن إلى معبودها إذا عرفته بصفاته وأسمائه، ووثقت
(1) مجموع فتاوي شيخ الإسلام: 5/ 33.
(2)
المصدر السابق.
بالنصوص التي تحدثنا عنه، فإذا أصبحت النصوص مجالاً للتأويل والأخذ والرد، فقدت هيبتها، وضعفت الثقة بها، وأدى ذلك إلى الجهل بالباري، وقد أبان شارح الطحاوية أن أحد المحذورين الذين يلزم من التأويل:(أن تتخلى القلوب عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ به العباد، وخاصة أن النبوة هي الإنباء، ولهذا نجد أن أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتقاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دلَّ عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه وهذا فتح باب الزندقة)(1).
(1) شرح العقيدة الطحاوية: ص 237.