المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صور الإدراج في الإسناد: - شرح نخبة الفكر للخضير - جـ ٨

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌صور الإدراج في الإسناد:

قال الحافظ: "ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق -مخالفة الثقات- إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن".

الحافظ -رحمه الله تعالى- يقصد أن مخالفة الراوي لغيره من الرواة الثقات وهي الوجه السابع من أوجه الطعن في الراوي إن كانت بتغيير سياق الإسناد فالواقع فيه ذلك التغيير مدرج الإسناد، وإن كانت المخالفة بدمج موقوف من كلام صحابي أو من دونه بمرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فهذا ما يسمى بمدرج المتن.

والمدرج في اللغة: اسم مفعول من الإدراج، يقال: أدرجت الشيء في الشيء إذا أدخلته فيه وضمنته إياه، ويقال: أدرجت الكتاب في الكتاب إذا جعلته في درجه أي طيه، وأدرج فلان في أكفانه إذا أدخل فيها.

واصطلاحاً: هو ما غير سياق إسناده أو أدخل في متنه كلاماً ليس منه، ومن خلال التعريف يتضح أن المدرج قسمان: مدرج الإسناد ومدرج المتن، فمدرج الإسناد ما غير سياق إسناده سمي بذلك؛ لأن المغير له أدخل الخلل في إسناد الحديث.

‌صور الإدراج في الإسناد:

ولمدرج الإسناد أربع صور ذكرها الحافظ في النزهة وهي:

ص: 2

الصورة الأولى: أن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة، أن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف، الحديث مروي من قبل جماعة من الرواة بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ واحد فيجمع الكل على الإسناد، على إسناد واحد يختصر هذه الأسانيد بإسناد واحد ولا يبين الاختلاف، حديث الإفك مخرج في صحيح البخاري عن جمع كل واحد منهم حدث ببعضه، ولم يميز البخاري روية بعضهم من بعض، لكن كلهم ثقات، ومثل هذا لا يقدح؛ لأنه سواء كان نصفه الأول أو ربعه الأول من طريق واحد من هؤلاء، وربعه الثاني من طريق الثاني، وربعه الثالث من طريق الثالث، والرابع من طريق الرابع، أو العكس، يؤثر أو لا يؤثر؟ كلهم ثقات، لا يؤثر، لكن إذا روى البخاري عن ثقة، عن شخص ثقة وقال: حدثني بنصف الحديث، النصف الثاني عن من؟ وما النصف الذي حدثه به هذا الراوي والنصف الذي لم يحدثه به؟ وهذا موجود في كتاب الرقاق من صحيح البخاري:"حدثني فلان بنصفه" طيب النصف الثاني من حدثه به؟ لم يذكر، غاية ما هنالك أن النصف الثاني معلق، والنصف الأول موصول، لكن من الذي يميز النصف الأول من النصف الثاني؟ على كل حال النصف الأول موجود موصول عند البخاري، والنصف الثاني موجود موصول عند البخاري، ولا إشكال في صحة الخبر، لكن قد يشبه ما عندنا من الإدراج، مثال ذلك: ما روى أبو داود عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم)) الحديث، فهذا الحديث قد أدرج فيه إسناد آخر، وبيان ذلك أن عاصم بن ضمرة رواه موقوفاً على علي، والحارث الأعور رواه مرفوعاً، فجاء جرير بن حزم وجعله مرفوعاً من روايتهما، هو مرفوع من رواية الحارث الأعور وهو ضعيف، وهو موقوف على علي من رواية عاصم بن ضمرة، جاء جرير بن حازم وجعله مرفوع من رواية عاصم والحارث، هذا إدراج، مع أن أبا داود ذكر أن شعبة وسفيان وغيرهما رووا هذا الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه، فعلمنا أن جريراً قد أدرج رواية عاصم مع رواية الحارث فجعل الحديث مرفوعاً من طريقهما.

ص: 3

الصورة الثانية: أن يكون المتن عند راوٍ بإسناد واحد، أن يكون المتن عند راوٍ بإسناد واحد، إلا طرفاً منه فإنه عنده بإسناد آخر فيرويه راوٍ عنده تاماً بالإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني، ومثال ذلك: ما روى أبو داود عن زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي آخره أنه جاء بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأى الناس عليهم جُل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب، والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، من دون مجيئه بعد ذلك، من دون مجيئه بعد ذلك في زمان البرد، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه فرواه عن عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر.

ويلتحق بهذه الصورة ما إذا سمع الراوي من شيخه حديثاً بلا واسطة إلا طرفاً منه فيسمعه عن شيخه بواسطة فيرويه عنه تاماً بحذف الواسطة مع أنه لم يسمع الطرف إلا بواسطة، يروي نصف الحديث بغير واسطة عن شيخه، ويروي النصف الثاني عن هذا الشيخ بواسطة، فيأتي بالحديث كامل مع حذف الواسطة التي بها روى نصف الحديث الثاني عن ذلك الشيخ.

ص: 4

الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين، أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما عنه راوٍ مقتصراً على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس منه، أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما عنه راوٍ مقتصراً على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس منه، أنا أقول: هذه الصور تحتاج إلى شيء من البسط في سبورة أو في وسيلة إيضاح، لكن من معه الشرح يمكن يتابع، مثال ذلك: ما روى سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا)) الحديث متفق عليه، فقوله:((لا تنافسوا)) مزيدة في هذا الحديث من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا)) فهذه الجملة لا توجد في الحديث السابق لكنها مروية بإسناد آخر صحيح فأضيفت إلى الحديث الأول.

ص: 5