المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: دور علم التخريج في حفظ السنة دراية - علم التخريج ودوره في حفظ السنة النبوية - محمد بن ظافر الشهري

[محمد بن ظافر الشهري]

الفصل: ‌المطلب الثاني: دور علم التخريج في حفظ السنة دراية

‌المطلب الثاني: دور علم التخريج في حفظ السنة دراية

علم التخريج ماهو إلا تطبيق عملي لقواعد علم دراية الحديث، فقد وضع المتقدمون هذا العلم وقعدوه في مصنفات تبين حرصهم على صيانة الحديث النبوي من الوضع والكذب والضعف الذي قد يتطرق إليه.

ثم جاء من طبق هذه القواعد على الروايات ونقدها نقداً علمياً مبنياً على هذه الأسس العلمية، وذلك في مصنفات جمعت طرق الأحاديث وأجرت عليها هذه القواعد وهي كتب التخريج.

وعند التأمل في هذه المصنفات التي عنيت بالتخريج نجد قواعد علوم الحديث مبثوثة في أطرافها، مما يعني أن هذه القواعد لم تكن أمراً نظرياً يستعصي على التطبيق والعمل به، وهو يعني أيضاً أن علم التخريج حفظ هذه القواعد من الضياع أو التهميش، وسواء كانت هذه القواعد في الأسانيد أو في المتون.

ويمكن أن أبين أن مظاهر هذا الحفظ يمكن تجلية أهم جوانبها في أمرين:-

الأول: حفظ علم التخريج لعلوم الإسناد:

تعددت جوانب العناية بعلوم الإسناد عند المعتنين بالتخريج، والسبب أن العناية بالأسانيد هي الطريق إلى إثبات المتون أو عدمه، فالإسناد هو الطريق الموصل إلى المتن. ويمكن استجلاء جوانب هذه العناية التي حفظت علوم الإسناد من خلال الأمور التالية:

1-

بيان كثرة مخارج الحديث:

من الأمور التي يعتني المخرج بها بيان كثرة مخارج الحديث سواء كان

ص: 40

ذلك من جهة كثرة الصحابة الذين رووه، أو كثرة طرقه. مثال ذلك ما ذكره الزيلعي عند ذكر المضمضة والاستنشاق، وأنه صلى الله عليه وسلم واظب عليهما. قال: الذين رووا صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابه عشرون نفراً، ثم ذكرهم وذكر من أخرج حديث كل منهم (1) .

ومثل قول الحافظ ابن حجر عند ذكره حديث عائشة – رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن ما استطاع". قال: هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة والطيالسي، وذكر أسانيدهم (2) . ومن هذا الباب كتب الأحاديث المتواترة.

2-

تتبع المتابعات وترتيبها بقصد تكثير الطرق والحكم على الإسناد.

إن مباحث المتابعات والشواهد مما يتوافر في أي كتاب من كتب المصطلح، إلا أن طريقة ترتيب هذه المتابعات وكيف يستفاد منها في الحكم على الحديث مما اعتنت به كتب التخريج أكثر. مثال ذلك ما ذكره الحافظ عند ذكره لحديث الإبراد بالظهر أنه مروي عن حفص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه– ثم قال: تابع حفصاً سفيان ويحيى وأبو عوانة عن الأعمش

ثم ذكر من أخرج هذه المتابعات (3) .

3-

الاعتناء بالعلل الإسنادية.

إن بيان العلل والكلام على الأحاديث كلاما معللاً ليس أمراً من السهولة

(1) نصب الراية 1/10.

(2)

نتائج الأفكار 1/139-140.

(3)

تغليق التعليق 2/253.

ص: 41

بمكان، ولا ينهض به إلا الجهابذة من العلماء، وقد أولت كتب التخريج

– الموسع خاصة- هذا الجانب جل اهتمامها، فهم يطيلون النفس عند الكلام على الاختلاف على الراوي واضطراب الإسناد وما شابه ذلك من أبواب ومسالك التعليل. نقل الزيلعي عند حديث:"إذا بلغ الماء قلتين.. " أن ابن دقيق العيد ضعف الحديث للاضطراب في سنده ومتنه، ثم لخص كلامه في هذا الشأن تلخيصاً حسناً (1) .

وذكر الحافظ ابن حجر حديث: "من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف" فبين أنه اختلف على ابن جريج في إسناده فروي مرة مرسلا ومرة متصلا، والإرسال أرجح، وذكر ما يؤيد ذلك (2) .

ويمكن أن يطلق على هذا النوع: التخريج المعلل.

4-

الاعتناء بالرواة جرحاً وتعديلاً.

تعتني كتب التخريج بالحكم على الرواة، وبيان ما قيل فيهم من جرح أو تعديل، لأن ذلك سبيل إلى الحكم على الأحاديث، وسواء كانت هذه الأحكام منقولة عن المتقدمين أو قالها المخرج بناء على تتبعه وسبره لحال الراوي ذكر الزركشي أن حديث:"الأئمة من قريش" من رواية بكير بن وهب، ثم نقل عن ابن القطان أنه قال: لا يعرف حاله، وأن الذهبي تابعه على ذلك..ثم قال: لكن وثقه ابن حبان ورواية النسائي له توثيق منه، وله طرق يقوي بعضها بعضاً (3) .

(1) نصب الراية 1/105.

(2)

التلخيص الحبير 2/274.

(3)

المعتبر ص146.

ص: 42

وفي حديث دعاء دخول المسجد ذكر الحافظ ابن حجر أنه مروي عن سالم بن عبد الأعلى.. ثم قال: سالم ضعيف جداً (1) .

5-

الاعتناء بمواضع الاتصال والانقطاع في الإسناد.

تعتني كتب التخريج بهذا الأمر بما قد لايجده الباحث في مواضع أخرى، خصوصاً الانقطاع الخفي في الإسناد فهو مما يخفى على كثير من الباحثين.

في حديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ذكر الزيلعي الخلاف في سماع الحسن من سمرة –رضي الله عنه– وأطال في ذلك بذكر الخلاف والترجيح (2) ، وكذلك فعل الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (3) .

6-

الاعتناء ببيان الشواهد والتمييز بين رواية صحابي وآخر.

عادة مايميز المخرجون بين روايات الصحابة إذا كان الحديث مروياً عن أكثر من صحابي. وهذا مفيد بالطبع في البحث عن رواية صحابي بعينه. يقول المناوي -مثلا– عن حديث: "لسائل حق وإن جاء على فرسه": أخرجه أحمد من حديث الحسين بن علي، وأبو داود من حديث علي، وابن راهويه من حديث فاطمة الزهراء، والطبراني من حديث الهرماس بن زياد (4) .

7-

الاعتناء ببيان السقط والوهم الذي قد يحصل في الإسناد.

وهذا مما قد يخفى على الناظر في الأسانيد المفردة، فإذا جمعت الطرق والأوجه تبين السقط أو الوهم. لما ذكر السخاوي حديث أنس –رضي الله

(1) نتائج الأفكار 1/283.

(2)

نصب الراية 1/89

(3)

التلخيص الحبير 2/67.

(4)

الفتح السماوي 1/210.

ص: 43

عنه-: "السلطان ظل الله في الأرض" خرجه من جزء عباس الترقفي، ومن طريقه البيهقي في الشعب، وذكر أنه سقط عليهما معاً الحسن البصري بين الربيع وأنس (1) .

وذكر العراقي في تخريجه لأحاديث البيضاوي حديث: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين" ونقل عن البيضاوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لأبي بكر، ثم تعقبه بقوله: وإنما هو لأبي بكرة بزيادة التأنيث، وذكر من أخرجه (2) .

وأشار الزركشي إلى نحو من هذا، وأن الحديث أخرجه النسائي بلفظ:

"لايقضين أحد في قضاء واحد بقضاءين" وقال: هذه الفائدة تساوي رحلة، وبه يظ?ر تحريف ماوقع في المنهاج من وجهين، وأن الصواب أبو بكرة وأنه شرع عام لا خطاب لواحد (3) .

8-

الاعتناء بالزيادات الواردة في الأسانيد.

لاشك أن إثبات زيادات الأسانيد أو نفيها مبحث من أشهر مباحث علوم الإسناد، وهو مما يفتقر إلى علم جمع الطرق والنظر في الرجال وأحوالهم ومتابعاتهم. وهذا الأمر يتحقق بكثرة في كتب التخريج. ذكر السخاوي حديث عياض بن حمار –رضي الله عنه:"ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم" فقال: رواه عدد من الثقات من طريق مطرف عنه، وزاد بعض الثقات أيضاً بينهما واسطة (4) .

(1) تخريج أحاديث العادلين ص74.

(2)

تخريج أحاديث المنهاج للعراقي ص111.

(3)

المعتبر ص 249.

(4)

تخريج أحاديث العادلين ص 67-68.

ص: 44

وذكر الحافظ حديث النهي عن الصلاة فوق الكعبة ثم قال: الترمذي عن ابن عمر.. وذكره.. ثم قال: ورواه ابن ماجه من طريق ابن عمر عن عمر، وفي سند الترمذي: زيد بن جبيرة وهو ضعيف جداً، وفي سند ابن ماجه: عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري المذكور في سنده ضعيف أيضاً، ووقع في بعض النسخ بسقوط عبد الله بن عمر بين الليث ونافع فصار ظاهره الصحة (1) .

9-

الوقوف على أسانيد لبعض الروايات التي يظن أنه لا إسناد لها.

قد يخفى على بعض العلماء –فضلا عن غيرهم– أسانيد بعض الأخبار فيطلقون الحكم بعدم وجود إسناد لها، إلا أن المشتغلين بالتخريج لصلتهم بالبحث وكثرة مراسهم له قد يظفرون بما لا يظفر به غيرهم من الأسانيد والمتون. مثل قول الذهبي رحمه الله عن قول علي رضي الله عنه لما سئل عن قتل الجماعة بالواحد....: لم أظفر له بسند ا?. فقد تعقبه الزركشي بقوله: قلت: رواه الخطابي في غريب الحديث

فذكره (2) .

وفي أثر ابن عمر –رضي الله عنه: وقعت في سهمي جارية من سبي جلولاء

نقل الحافظ عن الرافعي أنه قال: أقمت عشرين سنة أبحث عمن خرج هذا الأثر فلم أظفر به إلا بعد ذلك، ثم ذكر الحافظ تخريجه (3) .

10-

ذكر بعض الفوائد الإسنادية التي قد لا يظفر بها في غير هذه المواضع.

(1) التلخيص الحبير 1/215.

(2)

المعتبر ص 218.

(3)

التلخيص الحبير 4/3.

ص: 45

هناك فوائد إسنادية لا وجود لها إلا في كتب الشروح أو كتب التخريج، وهي فوائد قيمة يعتني بها الباحثون وأهل الفن.

في حديث: "لاصلاة لمن لاوضوء له" قال الحافظ: أخرجه الدارقطني من طرق إلى أبي ثفال، وهو بكسر المثلثة وتخفيف الفاء، واسمه: ثمامة بن وائل، ونسبه الترمذي إلى جده، وهو موثق. وشيخه رباح: بفتح الراء وتخفيف الموحدة وآخره مهملة، ولا نعرف له راوياً غير أبي ثفال، وأما جدته فوقع في بعض طرقه أنها أسماء وأن لها صحبة (1) . فقد تضمن هذا الكلام ضبطاً وحكماً وتعيين مبهم.

وذكر السخاوي حديث: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً" ثم قال: فيه ثلاثة من الصحابة في نسق، وشيخ بقية المبهم الظاهر أنه أبو عبد الرحمن التميمي (2) .

وربما نبه على شيء يخص بعض الرواة: كقول الحافظ عند حديث سلمة ابن كلثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة.... الحديث أخرجه ابن ماجه وليس لسلمة في سنن ابن ماجه وغيرها إلا هذا الحديث الواحد اه) 3) . فهذه الأمور التي اعتنت بها كتب التخريج من مسائل الإسناد لا تعني سوى حفظ علم التخريج لكثير من علوم الإسناد.

الثاني: حفظ علم التخريج لعلوم المتن:

إن الغرض من دراسة الأسانيد والعناية بها هو التوصل إلى إثبات المتون أو

(1) نتائج الأفكار 1/230.

(2)

تخريج أحاديث العادلين ص41.

(3)

التلخيص الحبير 2/131.

ص: 46

نفيها، سواء كان ذلك للمتن كله أو لبعضه، وإذا اعتنت كتب التخريج بالأسانيد فإن عنايتها بالمتون لا تقل عن ذلك. ولعل أبرز صور هذه العناية بالمتون:

1-

جمع ألفاظ المتون.

لاشك أن الرواية بالمعنى عند المحدثين كانت أكثر من الرواية باللفظ، وهذا الأمر كان سبباً في اختلاف الألفاظ الذي قد يترتب عليه اختلاف في استنباط الأحكام ومعرفة ما يدل عليه لفظ المتن. وقد اعتنت كتب التخريج بجمع ألفاظ المتون للمقارنة بينها، ويظهر هذا الأمر بكثرة في الكتب التي اعتنت بتخريج أحاديث فقهية، فقد ذكر الزيلعي حديث القلتين وأشار إلى الاضطراب في متنه وذكر الألفاظ التي روي بها وأطال في ذلك بما لامزيد عليه (1) .

وفي حديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة من غير خوف ولا سفر. قال الحافظ ابن حجر: متفق عليه بهذا اللفظ، وله ألفاظ ثم ذكرها (2) . ولا يكاد يخلو كتاب تخريج من هذا النوع من الاعتناء بهذا الأمر.

2-

تصحيح المتون وتقويمها كما وردت في كتب المحدثين.

قد ترد بعض المتون في بعض الكتب بغير ألفاظها الواردة في كتب الحديث الأصلية، إما رواية لها بالمعنى أو لأن الذين ذكروها ليسوا من أهل الأثر، وحينئذ يأتي المخرج فيعيد الأمر في نصابه، ويرد اللفظ إلى أصله.

(1) نصب الراية 1/110.

(2)

التلخيص الحبير 4/50.

ص: 47

ذكر الغزالي في الإحياء حديث: "اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم" قال العراقي: مسلم من حديث عائشة: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل"(1) .

وفي حديث ذكره البيضاوي بقوله: ((قيل إنه عليه السلام صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة)) قال المناوي: هذا تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي صلى الله عليه وسلم إماماً، ولا هو الذي تحول في الصلاة، ثم ذكر الرواية الصحيحة (2) .

3-

تحرير ألفاظ المتون.

قد تختلط بعض ألفاظ المتون ببعض أو يتساهل في عدم إيرادها كما جاءت، وحينئذ يلتزم المخرج بتحرير اللفظ ويعتني بتحقيقه.

ذكر الحافظ ابن حجر قول الرافعي: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئ الصلاة بقول: الله أكبر، هكذا روته عائشة.

وتتبعه الحافظ بقوله: هكذا قال، وليس هذا اللفظ في حديث عائشة، بل الذي في مسلم عن عائشة:"كان يستفتح الصلاة بالتكبير"..... إلى أن ذكر أن كلمة: الله أكبر رواها ابن ماجه من حديث أبي حميد والبزار من حديث علي بإسناد صحيح (3) .

وعند حديث ذكره الزمخشري بين أنه لَفَّقَهُ من متون عدة (4) .

(1) إحياء علوم الدين مع المغني للعراقي1/110.

(2)

الفتح السماوي1/192، وانظر التلخيص الحبير 2/70.

(3)

التلخيص الحبير 1/217.

(4)

الكافي الشاف ص 135.

ص: 48

4-

الاعتناء ببيان زيادات المتون.

علم زيادات المتون مما اعتنى به المتقدمون، وذكروا قواعده في مباحث علوم الحديث، وذكروا متى تقبل هذه الزيادات ومتى ترد. وقد أولت كتب التخريج هذا النوع عنايتها -ولاسيما التي خرجت الأحاديث الفقهية- ذكر الحافظ حديث:"اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" ثم قال: لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث، فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرد بها ولم يضبط الإسناد، ثم ذكر لها شاهداً (1) .

وفي حديث دعاء الاستفتاح قال الحافظ: تنبيه: زاد الرافعي في سياقه بعد ((حنيفاً)) : مسلماً. وهو عند ابن حبان من حديث علي، وزاد بعد قوله:

((سبحانك)) : وبحمدك. وهو في رواية الشافعي (2) .

5-

بيان نكارة المتن.

إن أغلب حديث كتب المصطلح يتوجه إلى نكارة الإسناد، إذ نكارة المتن ليست لها قاعدة تضبطها وتندرج تحتها، بل هي مما يعرف عند جمع ألفاظ المتون أو عند تأمل هذه الألفاظ ومعرفة وجه نكارتها، وقد عنيت كتب التخريج بهذا الأمر، فغالباً ماينبه المخرج لنكارة المتن.

مثل حديث: "من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة

" قال العراقي عنه: ذكره أبو موسى المديني بغيرإسناد، وهو منكر (3) .

6-

الاعتناء ببيان الأوهام الواردة في المتون.

(1) نتائج الأفكار1/244.

(2)

التخليص الحبير 1/228.

(3)

المغني – هامش الإحياء- 1/179.

ص: 49

اعتنت كتب التخريج ببيان ما قد يحصل في المتون من بعض الأوهام من قبل بعض الرواة. إذ إن كثيراً من الأوهام لا تتبين إلا بعد جمع الألفاظ والأسانيد. ذكر الزيلعي أن صاحب الهداية استدل بحديث الخثعمية: "حجي عن أبيك واعتمري" ثم قال: ((هذا وهم من المصنف، فإن حديث الخثعمية ليس فيه ذكر الاعتمار، أخرجه الأئمة الستة في كتبهم)) (1) .

وذكر الحافظ حديث: أن فاطمة بنت أبي حبيش بت زوجها طلاقها

ثم قال: هذا مما في هذا الكتاب من الأوهام الواضحة، والقصة إنما هي لفاطمة بنت قيس (2) .

7-

التفريق بين الحديث القولي والحديث الفعلي.

إن الأمر بالنسبة إلى قوله صلى الله عليه وسلم وفعله سيان، إلا عند من يعتني باستنباط القواعد الفقهية والأحكام المبنية عليها، وهذا مما اعتنت به كتب المخرجين. فعند حديث:"ابدأوا بما بدأ الله به" ذكر الزركشي أن مسلما روى هذا الحديث بصيغة الخبر، وأما صيغة الأمر فهي عند النسائي والدارقطني، قال: وإنما ذكرت ذلك لأن بعض الفقهاء عزا لفظ الأمر لرواية مسلم وهو وهم منه، وقد يحتمل هذا من المحدث لا من الفقيه؛ لأن المحدث إنما ينظر في الإسناد وما يتعلق به، والفقيه نظره في استنباط الأحكام من الألفاظ

فعلى الفقيه إذا أراد أن يحتج بحديث على حكم أن يكون ذلك اللفظ الذي يعطيه موجوداً فيه ا? (3) .

(1) نصب الراية 3/156.

(2)

التلخيص الحبير 3/268.

(3)

المعتبر ص31-32.

ص: 50

وعند حديث: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمخر الريح" أي: ينظر مجراها لئلا يرد عليه البول. هكذا ذكره الرافعي، وتعقبه الحافظ فقال: لم أجده من فعله، وهو من قوله عند ابن أبي حاتم في العلل من حديث سراقة

فذكره (1) .

8-

العناية ببيان الإدراج في المتن.

اعتنت كتب التخريج ببيان ذلك للتفريق بين اللفظ النبوي وغيره، ففي حديث تخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة لما عتقت ذكر الزيلعي رواية مسلم من طريق عروة عن عائشة وفيه: قال: وكان زوجها عبداً

إلخ. ثم بين الزيلعي أن هذا الأخير قطعاً من كلام عروة لوجهين ذكرهما (2) . بل يصل الأمر إلى تحديد المدرِج على وجه دقيق، يقول الزركشي: قول ابن عباس: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث. متفق عليه عن ابن عباس وذكر لفظه ثم قال: هكذا ورد مدرجاً عن ابن عباس كما قاله ابن الحاجب، والظاهر أن ذلك من قول الزهري، وذكر أدلة على ذلك (3) .

9-

ذكر بعض الفوائد المتنية، كضبط الغريب وشرحه وتعيين المبهم ونحوذلك.

في حديث رجاء بن حيوة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلا من المفصل

ذكر الزركشي ضبط المفصل مستشهداً عليه من الشعر (4) .

وفي حديث إنشاد كعب بن زهير قصيدته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحافظ

(1) التلخيص الحبير1/106-107.

(2)

نصب الراية 3/207.

(3)

المعتبر ص165.

(4)

المعتبر ص50.

ص: 51

أوجه الجمع بين هذه القصة وبين النهي عن إنشاد الشعر في المسجد (1) .

وفي حديث: جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء. قال الحافظ: تنبيه: الجاعل لذلك هو شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .

10-

الاستدراك على بعض الشراح عند الوهم أو التقصير.

لا يقتصر عمل المخرج على التنبيه على أوهام الرواة، بل قد يعرض وهم لبعض الشراح أولمن سبقه من المخرجين فينبه على ذلك، وقد لا يظفر القارئ بهذا التنبيه عند غيره.

لما ذكر المناوي قول البيضاوي: روي أنه لما طلعت قريش يوم بدر.. الحديث. قال: لم يقف عليه الطيبي فقال: لم يذكر أحد من أئمة الحديث أن هذه الرمية كانت يوم بدر، وإنما هي يوم حنين.

قال: ((واغتر به الشيخ سعد الدين – يعني التفتازاني – فقال: المحدثون على أن الرمية لم تكن إلا يوم حنين)) . قال المناوي: ((وليس كما قال الطيبي وإن كان له إلمام بالحديث لكنه لم يبلغ فيه درجة الحافظ، ومنتهى نظره الكتب الستة والموطأ ومسند أحمد ومسند الدارمي لا يخرج عن غيرها، وكثيرا مايورد صاحب الكشاف الحديث المعروف فلا يحسن تخريجه، ويعدل إلى ذكر ما هو في معناه مما في هذه الكتب وهو قصور في التخريج. كذا ذكر هذا التعقيب على الطيبي الجلال السيوطي، وأبرق وأرعد وأوهم أن ذلك من عندياته التي لم يسبق إليها. ولا كذلك. وقد نبه على ذلك قبله الحافظ ابن حجر وغيره ا? (3) .

(1) نتائج الأفكار 1/306.

(2)

التلخيص الحبير 2/130.

(3)

الفتح السماوي 2/650-652.وانظر الكافي الشاف ص68.

ص: 52