الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما ليس منه، وفي الثاني إبطال العمل بحديث صحيح وكلاهما على شفا جرف هار.
بقي أن نقول: ليس كل حديث نحتاج إلى الحكم عليه، فهناك أحاديث كفانا مؤنة البحث عن صحتها علماء أجلاء كأحاديث الصحيحين فلا يعقل أن نصحح وأن نعمل الدراسة على حديث صححه البخاري ومسلم. أو من في مقامهما أو قريب منهما كأن يحكم على حديث من قبل علماء الفن المشهود لهم بطول الباع في هذا المجال.
اللهم إلا أحاديث قليلة قد استدركت على بعض الأئمة، فتعقبها غيرهم، وحكم عليها بما يغاير أحكامهم كصنيع الذهبي مع الحاكم في مستدركه، وكالمستخرجات على الصحيحين فإن أصحاب المستخرجات على الصحيحين لم يلتزموا بشروط صاحبي الصحيحين.
وفي النهاية لابد للمشتغل بعلم التخريج ودراسة الأسانيد من علوم نظرية كدراسة علم المصطلح وعلم الجرح والتعديل وما يتعلق بهما فإن هذه الدراسة تعد التطبيق العملي لتلك العلوم، ومع تكرار ذلك تحدث دربة وملكة في إصدار الأحكام على الأحاديث وبيان مراتبها.
دراسة إسناد الحديث ومتنه:
لا خلاف بين العلماء في أن الحديث إذا استوفى شروطه الموجبة لصحته_ سنداً ومتناً _ فإنه يحكم له بالصحة ويقال عنه حديث صحيح بمعنى أنه قد تحققت فيه جميع شروط القبول التي تؤهله لجواز الحكم عليه بالصحة وإن فقد شرطاً من تلك الشروط أو أكثر فإنه يضعف بذلك
وتختلف مراتب الضعف حسب تفاوت هذه الشروط المفقودة قوةً وضعفاً.
وهذه الشروط التي اتفق عليها علماء الحديث، لكي يكون الحديث مقبولا، هي ما استخلصها العلماء من تعريف الصحيح والحسن، وهي:
1 -
اتصال السند: بمعنى أن كل واحد من رجال السند أخذ الحديث من الراوي الذي قبله وبلغه لمن بعده، دون أن يكون متن الحديث قد مر على واسطة أخرى غير الرواة المذكورين في السند لأنه لو كان قد انتقل إلى أحد الرواة بواسطة رجل آخر لم نعرفه وسقط اسمه من السند فربما كان كذاباً أو فاحش الغلط أو كثير النسيان أو يهم في حديثه أو مغفلاً أو سيئ الحفظ أو مختلطاً أو فاسقاً أو مبتدعا غير مؤتمن على دين الله تعالى.
وهكذا نرى أن الإسناد بهذا الخلل منقطع ضعيف وما جاء عن طريقه فمردود ويعرف اتصال السند بأمور:
1 -
تصريح الثقة بصيغة السماع إذا صح السند إليه ولا تقبل صيغة العنعنة إلا إذا كانت من راوٍ عدل غير معروف بالتدليس وأن تكون بين متعاصرين ثبت لقاؤهما _ عند من يشترط ذلك.
2 -
أن يعرف الراوي أنه من تلاميذ شيخه الذي يروي عنه أو أن شيخه قد عد في كتب الرجال من شيوخ هذا الراوي.
2 -
عدالة الرواة: أي أن يكون رواة الحديث معروفين بالعدالة والدين الذي يتمكن القلب فيردع صاحبه عن الكذب في دين الله تعالى.
وتتحقق العدالة بشروط خمسة هي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، والسلامة من خوارم المروءة.
وطريق ثبوتها إما بالتنصيص على عدالته من قبل علماء الجرح والتعديل وإما بالاستفاضة والشهرة. ووسيلتنا هي كتب الرجال والجرح والتعديل.
3 -
ضبط الرواة: أي أن يكون الرواة ضابطين ضبطاً نستطيع من خلاله أن نحكم بأن الراوي قد حفظ ما يرويه وتمكن منه وهذا ضبط الصدر وقد صانه من التحريف والتبديل وهذا ضبط الكتاب. ويعرف ضبط الراوي بموافقته الثقات المتقنين في الرواية فإن وافقهم في روايته غالباً فهو ضابط، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم اختل ضبطه ولم يحتج به.
وإن وصل الضبط إلى التمام والكمال حكم على رواية صاحبها بأنها صحيحة وإن خفَّت بعض الشيء حكم عليها بالحسن، وإذا اجتمعت العدالة والضبط في راوٍ أمكن أن يعبر عنهما بالثقة فالثقة هو العدل _ الضابط، وهذه الثلاث السابقة (اتصال السند _ عدالة الرواة _ ضبط الرواة) من خواص السند، أما الثنتان الباقيتان فهما مما يشترك فيه السند والمتن.
4 -
عدم الشذوذ: وهذا الشرط والذي بعده مما يشترك فيه الإسناد والمتن، وكون الإسناد ليس شاذاً أي: قد يصح الإسناد حسب الشروط السابقة ولكن روي من وجه آخر مخالف للأول. وهو
أصح منه لزيادة عدد الثقات المخالفين له أو لمزيد ضبطهم فيضعف الأول عند ذلك ويكون إسناداً شاذاً ويكون المعول على الثاني، ويكون إسناداً محفوظاً.
وكون المتن ليس شاذا فقد يصح الإسناد حسب الشروط الواجب توافرها في السند ويكون إسناداً صحيحاً لكن روى حديث آخر أصح وأثبت وأوثق إسناداً من الحديث الأول، وهو مخالف له بحيث لا يمكن صدور الحديثين كليهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الأول إسناده صحيح ومتنه شاذ، فهو ضعيف رغم صحة سنده، ويكون الحديث الثاني إسناده صحيح ومتنه محفوظ فهو صحيح.
وهذه مهمة ينبغي أن نفطن إليها فلا يتجاسر أحد على رد متن حديث بدعوى الشذوذ ولا يتأهل لذلك إلا الجهابذة الذين تخصصوا في هذا الفن فجمعوا الروايات وقارنوا بينها.
قال ابن دقيق ((وكثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث وحاصلة أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم هيئة نفسية وملكة يعرفون ما يجوز بها وما لا يجوز)) (1) . وقد يسمي العلماء المتن الشاذ بالفرد المخالف.
5 -
عدم العلة القادحة: بمعنى ألا يكون الحديث معللاً بعلة قادحة، وهذه أيضاً مما يشترك فيه الإسناد والمتن.
(1)" توضيح الأفكار " 2 / 94.
فما يختص بالإسناد ألا يكون الإسناد معللاً بعلة قادحة، فقد يسلم الإسناد من الشذوذ ولا يسلم من العلة القادحة كأن يكون الإسناد ظاهره الاتصال والصحة ثم يتبين لأحد الجهابذة بأنه منقطع، أو أن يكون مرفوعا أي مضافاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتبين أنه موقوف أي من قول الصحابي، وإذ ذاك يحكم عليه الناقد البصير أنه معل رغم أن ظاهره الصحة.
وأما ما يختص بالمتن فمعناه ألا يكون الحديث معلا فقد يكون الحديث صحيح الإسناد غير شاذ ولكن اطلع أحد صيارفة الحديث على أن فيه علة قادحة، كأن يكون أحد الرواة وهم فيه فأدخل في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منه وهو لا يدري وهذا ما يسمى بالمدرج على أن أسباب الوهم كثيرة منها الإدراج والقلب والاضطراب والانقطاع والتصحيف وإسقاط كلمة وإبدالها بأخرى إلى غير ذلك.
وكلما خفيت العلة فلم تعرف إلا بعد البحث والسبر والتفتيش لُقِّبَ الحديث بالمعل، وكلما كانت ظاهرة غير خفية لقب بلقب نوعها.
وقد يتجاوز بعضهم فيطلق لقب العلة على ما هو ظاهر وليس بخفي.