الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول
وجود الله ووحدانية ذاته تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
(1- الاعتراف بالخالق تعالى، وأدلة وجوده)
قال الشيخ العالم العلامة المفتي العام ورئيس القضاة والشئوون الإسلامية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ طيب الله ثراه في جواب استفتاء أُحيل إليه هذا نصه:
سؤال: ما رأْيكم في وجود الله سبحانه وتعالى حسب اعتقادكم لا حسب مطالعاتكم؟
جواب: إعتقادنا وجود الله الإله الحق سبحانه لا إله إلا هو، واعترافنا بذلك أَمر فطري وضروري، وكل إنسان ذي فطرة سليمة يعترف بذلك ومجبول على الإقرار به لما يشاهده في نفسه من خلقه على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة الكاملة الشكل والوظيفة، وعجائب الإبداع في خلقه أَضخم من إدراكه هو وأَعجب من كل ما يراه حوله، ثم ما يشاهده من الحدوث والخلق والتسخير في مخلوقات الله الأخرى كالسموات بما هي عليه من ارتفاع على غير عمد نراها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة وغير السيارة ومن الثوابت، ودورانها في الفلك العظيم في كل يوم وليلة، كما أَن لها في نفسها سيرًا يخصها، وكالبحار المكتنفة للأَرض من كل جانب، والجبال الموضوعة فيها لتقر وتسكن مع اختلاف أَشكالها وأَلوانها. وكالأَنهار السارحة من قطر إلى قطر، للمنافع، وما ذرأَ الله في الأَرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والروائح والأَشكال والأَلوان مع اتحاد طبيعة التربة
والماء. وكذلك اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر وتعاقبها بنظام لا يختلف ولا يتبدل، كل ذلك دليل على وجود الله العلي القدير وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أُنيب.
هذا وشواهد المخلوقات على وجود الله سبحانه كثيرة لا تحصر.
ولما حضر أُناس إلى الإمام أَبي حنيفة رحمه الله وسأَلوه عن وجود الله سبحانه وتعالى، قال لهم: دعوني فإني مفكر في أَمر أُخبرت عنه، لقد ذكر لي أَن سفينة في البحر موقرة فيها أَنواع من المتاجر وليس بها أَحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أَن يسوقها أَحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال لهم الإمام أَبو حنيفة: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأَشياء المحكمة أَليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأَسلموا على يديه لله رب العالمين. (ص-م-11-10-87هـ)(1) .
(1) قلت: وخير ما كتب في بيان الحكم البالغة في المخلوقات على اختلاف أجناسها بالتفصيل ودلالتها على وجود خالقها العظيم ما جمعه ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة ص 204- 326) من ذلك قوله: ((فصل)) وإذا تأملت ما دعا الله سبحانه إلى التفكر فيه اوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله. وقوله: ((فصل)) في ان اختلاف صور الانسان من أقوى الدلائل على نفي الطبيعة. وجاء في بدائع الفوائد نحو ذلك (ص 162- 166) .
وقبله شيخ الاسلام ابن تيمية قال في هذا المعنى: وحدانية الربوبية معلومة بالشرعة النبوية، والفطرة الخلقية، واتفاق الأمم، والمعجزات، وغير ذلك من الدلائل.
وقال: طريقة القرآن والأنبياء في اثبات الصانع الاستدلال بآياته -التي هي العلامات- التي يستلزم العلم بها العلم به كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس، والاستدلال بالآيات هو الواجب، وان كانت الطرق القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة (أنظر فهرس هذه الأدلة مجموعا في جـ 36 من مجموع فتاويه ص 21- 23) .
(2- وهذه المخترعات دليل على قدرة الله وصدق رسوله)
هذه المصنوعات من أَدلة التوحيد، فإنها مما يحقق أَن الله على كل شيء قدير، وأَنه ما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن. وقدرته تعالى ومشيئته ليست محصورة في وقت بل هي دائمة باستمرار، بل مما يحقق شهادة أَن محمدًا رسول الله، ولكن لمن شهد أَنه رسول الله حقًا وصدق بأخباره ورسالته، فإنه يرى في الوجود الآن نوع ما أَخبر به (1) - لا عينه - فإنه أَخبر بتقارب الأَسواق (2) وأَن الدجال يقطع الأَرض في وقت قصير (3) وقوله:(فَيُبصِرُهُم النَّاظِرُ وَيُسمِعُهُم الْدَّاعِي)(4) .
(3- دعاة الالحاد أَخطر)
دعاة الإلحاد الآن يخاف على الشباب منهم أَكثر مما يخاف من دعاة الوثنية، فإنهم بثوه بأَساليب عديدة في الناس فكان ضررهم أَكثر، والصولات والجولات الآن معهم. (تقرير)(5) .
(1) عن اليوم الآخر.
(2)
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق ويتقارب الزمن ويكثر الهرج قيل وما الهرج قال القتل)) رواه الامام أحمد وابن حبان في صحيحه وزاد فيه ((ويقبض العلم)) . والظاهر والله أَعلم أن ذلك إشارة إلى ما وجد في زماننا من المراكب الأَرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت البعيد.
(3)
. ((قال يا رسول الله وما اسراعه في الأرض قال كالغيث استدبرته الريح)) أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي.
(4)
في حديث أبي هريرة ((يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون)) أخرجه ابن خزيمة في ((التوحيد ص 157)) وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة ((فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي)) .
(5)
والالحاد المطلق أعظم من الوثنية، قال: ابن تيمية رحمه الله: من التزم التعطيل المطلق فهو أعظم جحدًا من ابليس (جـ 5 ص 356) . وقال أيضًا: المستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر أعظم كفرًا، وإن كان عالمًا بوجود الله وعظمته. (جـ 7 ص 631، 632) .
(4- الشرك في الربوبية أَعظم)
سؤال: الشرك في الربوبية أَعظم، أَم الشرك في الإلهية؟
جواب: المتبادر أَن الشرك في الربوبية أَعظم، ولكن لم يجيء فيه من النصوص مثل ما جاء في الشرك في الإلهية، لأَن أُكثر الخلق لم ينازعوا فيه، وهو أَمره عظيم وإثبات متصرف مع الله تعالى وتقدس ولهذا توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الألوهية، ولا يمكن أَحدًا أَن يقر بتوحيد الإلهية ويجحد توحيد الربوبية أَبد. وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بعض مؤلفاته كلامًا معناه:
أَما توحيد الربوبية فهو الأصل الأَصيل. (تقرير)(1) .
(5- اعتقاد أَن الرسول نور وليس بشرًا يشبه اعتقاد النصارى في المسيح)
الخامسة (2) : تذكر أَن كثيرًا من الناس يعتقدون أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم نور من الله وجزء منه وليس بشرًا إلى آخر السؤال.
الجواب: ليس الأمر كما ذكرته من أَن أَكثر الناس يعتقدون أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم نور وليس بشرًا، وإنما هذا
(1) قلت: سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسألة قال السائل:
إذا كان موجب الالهية الربوبية واشوفك قليل التعريج عليها عند تقرير الالهية؟
فأجاب: فأما توحيد الربوبية فهو الاصل ولا يغلط في الالهية الا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى:(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونََ) . ومما يوضح لك الأمر أن التوكل من أعلا مقامات الدين ودرجات المؤمنين. وقد تصدر الانابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ) الآية وأما عبادته سبحانه وتعالى بالاخلاص دائمًا في الرخاء والشدة فلا يعرفونها وهي نتيجة الالهية، وكذلك الايمان بالله واليوم الآخر، والايمان بالكتب والرسل وغير ذلك. وأما الصبر والرضا والتسليم والتوكل والانابة والتفويض والمحبة والخوف والرجا فمن نتائج توحيد الربوبية وكذلك توحيد الألوهية هو أشهر نتائج توحيد الربوبية. اهـ (تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام ص 510، 511 مطبعة المدني) .
(2)
من أسئلة عبد الرحمن بلوشي وأولها في العيدين (ص/ف/2110، 1/11/88هـ) .
معتقد فئة قليلة شاذة ضالة بعيدة عن ينبوع الشريعة الإسلامية ومواردها العذبة النقية الصافية، يشهد على ضلال أصحاب هذا القول وبعدهم عن الحق وانغماسهم في الباطل قول الله تعالى:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)(1) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا - وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا - أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا -- إلى قوله تعالى: - قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلَاّ بَشَرًا رَّسُولاً) . وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً)(2)
وما روته أُم سلمة قالت: ((جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تختصمون إلي وإنما أَنا بشر ولعل بعضكم أَلْحن بحجته من بعض وإنما أَقضي بينكم على نحو ما أَسمع فمن قضيت له من حق أَخيه شيئًا فلا يأْخذه فإنما أَقطع له قطعة من النار يأْتي بها أَسطامًا في عنقه يوم القيامة)) إلى آخر الحديث رواه أحمد وأَبو داود وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أَنه قال: ((لا تطرُني كما أَطرتِ النصارى ابن مريم إنما أَنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (3) وما هذا الرأْي الباطل الشاذ إلا نتيجة سيئة لترهات الصوفية ولمشائخ الطرق وخزعبلاتهم وأَضاليلهم، تغذيها الاحتفالات بالموالد وما يتلى فيها من المنكرات والاضاليل والخزعبلات، وفي مقدمة المنكرات
(1) سورة الكهف 109.
(2)
سورة الإسراء 88- 94..
(3)
متفق عليه.
الغلو في شخص الرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا للنصارى، ومصداقًا لقوله عليه الصلاة والسلام:((لتتَّبُعُنَّ سنن من كان قبلكم حذو الْقذَّةِ بالقذةِ حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتمُوه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن؟)) (1) فلقد غلا النصارى في شخص عيسى عليه السلام وأَنكروا بشريته وقالوا عنه - زورًا وبهتانًا وإثمًا مبينًا - بأنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
لقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحذر على أُمته أَن تسلك المسلك الذي سلكه النصارى في رسولهم عيسى عليه السلام فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تطروني كما أَطرت النصارى ابن مريم إنما أَنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) . وقال أيضًا: ((إيَّاكم والْغلوَّ فإنما أَهلك من كان قبلكم الْغلوّ)) (2) .
(6- المسيح عليه السلام لم يقتل ولم يصلب)
المسألة الثالثة (3) - وهي قولهم هل مات عيسى على الصليب؟
الجواب: المسيح عليه السلام قد صانه الله وحماه، فلم يقتل ولم يصلب، وإنما قتل وصلب المشبه به. وذلك أنه عليه السلام لما قصد منه أَعداؤه من اليهود مقصد السوء وقاه الله كيدهم ورفعه عنهم إلى السماء، وأَلقى شبهه على رجل من الحواريين فأَمسكوه وقتلوه وصلبوه بناء منهم على أَنه المسيح عليه السلام، قال الله تعالى في حق اليهود: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاّ قَلِيلاً - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا -
(1) متفق عليه.
(2)
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
(3)
من المسائل التي سأل عنها مسلموا غيانا البريطانية.
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (1) . فمن تأَمل هذه الآيات عرف كذب اليهود بدعواهم قتله وصلبه ولكنهم هموا بقتله وعزموا عليه وحاصروه ومن معه في البيت فانقذه الله من كيدهم ورفعه إليه وأَلقى شبهه على واحد من أَصحابه، وتأَمل قوله تعالى:(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم) تجد ذلك صريحًا. وقد صرح المفسرون المحدثون والمؤرخون بمعنى ما ذكرنا:
قال ابن كثير: قال الحسن البصري ومحمد بن اسحق: كان يوجد في زمن عيسى ملك اسمه داود بن نورا، فلما سمع بخبر عيسى أَمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار بيت المقدم، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم أَلقي شبهه على بعض أَصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة في ذلك البيت إلى السماء وأَهل البيت ينظرون، ودخل الشرطة فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه شبهه فأَخذوه ظانين أَنه عيسى، فصلبوه ووضعوا الشوك على رأْسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أَمر عيسى أَنه صلب، وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبينًا،
(1) سورة النساء 155- 159.
وقال الله تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الآيات (1) ففي هذه الآيات إن الله وعده بأَنه سيتوفاه ويرفعه إليه ويطهره من الذين كفروا وقد صدق الله وعده وهو لا يخلف الميعاد.
وهذه الوفاة هي النوم كما قال غير واحد من العلماء بأَنه نزل عليه النوم حينما رفع. والنوم يعبر عنه بالوفاة قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)(2) .
ومما يدل على أَنه رفع إلى السماء وأَنه ينزل في آخر الزمان إلى الأَرض فيقتل الدجال ما قاله ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) - أَي بعد نزوله إلى الأَرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وتصير الملل في ذلك الوقت ملة واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم، فلا يبقى أَحد من أَهل الكتاب إلا آمن به، وقيل بل اليهود خاصة. وقال الحسن على هذه الآية:(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله.
وأَصرح ما قيل في تفسير هذه الآيات ما قاله ابن جرير رحمه الله:
انه لا يبقى أَحد من أَهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا من آمن به قبل موته عليه السلام فيكون الضمير عائدًا إلى عيسى.
(1) سورة آل عمران 55.
(2)
الزمر 42.
ثم ساق الأحاديث الواردة في هذا ومنها ما رواه أَبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نَفْسِيْ بِيَدِهِ لَيُوْشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيْكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً فَيَكْسُرُ الصَّلِيْبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيْرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَفِيْضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ وَحَتَّى تَكُوْنَ السَّجْدَةُ للهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدنْيَا وَمَا فِيْهَا)) . وقد روي أَنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأَنه يقاتل الدجال هو ومن معه من جنود الإسلام المنصورة فيدرك الدجال عند باب لد أًَو إلى جانب لد فيقتله.
قال مجمع بن حارثة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجالَ بِبَابِ لُد أَوْ إلَى جَانِبِ لُدّ)) (1) . وليس فيما يذكر من كذب اليهود بقتل عيسى عليه السلام ما يدل على برائتهم من إثم قتله وارتكاب جريمة اغتياله عليه السلام، فإنهم وإن لم يقتلوه بالفعل إلا أَنهم صمموا على قتله، وبذلوا كل ما يستطيعون، وعملوا مع من أَلقي عليه شبهه من قتله وصلبه وصفعه وإلقاء الشوك عليه وغير ذلك
(1)() وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال خطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال - فذكر الحديث بطوله وفيه- فقالت أم شريك بنت أبي العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ قال هم قليل وجلهم ببيت المقدس وأمامهم رجل صالح فيبنما أمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح اذ نزل عليهم عيسى بن مريم فرجع ذلك الامام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس فيضع عيسى يده بين كتفيه يقول له تقدم فصل انها لك أقيمت فيصلي بهم امامهم فاذا انصرف قال عيسى عليه السلام افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج فاذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربًا ويقول عيسى عليه السلام ان لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا انطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة الا الغرقدة فانها من شجرهم لا تنطق الا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال أقتله)) رواه ابن ماجه.
من الأشياء التي عملوها ظانين أَنه عيسى عليه السلام، ثم صاروا يفتخرون بقتله، فقد باءوا بإثم قتله بلا شك. ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذَا الْتَقَىْ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفيهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُوْلُ فِيْ النَّارِ.
قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيْصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) (1) . فكيف يستسيغ أَحد أَن يبرأَ اليهود من إثم قتل المسيح عليه السلام مع هذا الحديث الصريح وغيره من الأَدلة، وهم لم يقتلوا الذي أُلقي عليه شبهه إلا على أَنه هو. وكل من عرف اليهود عرف أَنهم أَعداء لله وأَعداء لرسله وأَعداء للمسلمين بل أَعداء للنصارى والله المستعان.
المسألة الرابعة: قولهم هل قال شيخ علماء الأَزهر الشيخ شلتوت شيئًا من هذا القبيل، وإذا كان قال شيئًا فما الذي قاله.
والجواب: إننا لا نعنى بتتبع أَقوال شلتوت، ولا نعلم عما قاله وإذا كان قد قال شيئًا فقوله مما يحتاج أَن يستدل له لا أَن يستدل به فقد أَغنتنا نصوص الوحيين وكلام العلماء المحققين عن كلام غيرهم.
(ص-ف-1626-1 في 26-5-85هـ أَولها في تبرع غير المسلم ببناء مسجد - في الوقف) .
(7- تكذيب خبر انشاء كنيسة في المملكة)
(برقيًا)
حفظ الله جلالتكم. جاءنا كتاب من الأستاذ الشيخ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء بمصر والأستاذ الشيخ عبد الله ماضي أُستاذ التاريخ الإسلامي بكلية أُصول الدين بالأَزهر يذكران
(1) متفق عليه وأخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي ولفظ أبي داود: ((اذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه)) .
فيه أَنهما كتبا لجلالتكم كتابًا أرسلا لنا صورته بصدد خبر هام ذكرا أَن جريدة الجمهورية التي تصدر بالقاهرة نشرته في عددها الصادر في يوم الجمعة 7 محرم سنة 1375هـ وهو كالآتي:
يبدأْ أَول قس في المملكة السعودية روما في 24 أُغسطس 1955م شر كسون كارلوري مايتو الراهب الفرنسيكاني أَول قس كاثوليكي يسمح له بالإقامة بصفة دائمية في المملكة السعودية العربية والقيام بأَعمال القساوسة فيها، فقد أَذن له جلالة الملك سعود بأَن يرعى الكنيسة الخاصة بالعمال الكاثوليك الذين يشتغلون في حقول البترول العربية. اهـ.
أَقول -حفظكم الله- هذا أَمر عظيم جدًا، وأَعتقد أَن ما نشرته هذه الجريدة كذب عليكم، وأَنكم أَبعد الناس عن إقرار مثل هذا الأَمر، وأَغيرهم على دين الإسلام، لأَن هذا لا يفعله إلا الزائغون عن الحق، وأَنتم لله الحمد ممن عرف بالتمسك بالدين، والمحافظة عليه، والذب عن حوزته -قف- فيتعين حفظك الله المبادرة في إعلان تكذيب الخبر في إذاعة مكة وفي صحف المملكة وفي إذاعة مصر وفي صحف مصر. وأَسأَل الله أَن يجعلكم نصرة لدينه ويحفظكم بالإسلام. محمد بن ابراهيم. (ص-م-1375هـ)(1) .
(8- بيان ما في الانجيل من تحريف وتبديل واختلاف في لاهوتية المسيح)
من محمد بن إبراهيم إلى معالي الأَمين العام لرابطة العالم الإسلامي
…
سلمه الله
(1) وانظر رسالة تتعلق بتدشين كنيسة في كتاب الحدود 683 في 18-2-85هـ.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم المشفوع به خطاب الأَخ شمس الدين أَحمد، المتضمن ذكره أَنه حصل بينه وبين بعض رجال الدين المسيحي مناقشات حول ما في الانجيل من تحريف وتغيير وتبديل، وأَنهم أَنكروا ذلك، وتناولوا القرآن بما هو منزه عنه، وتسأَلون إجابتنا عما ذكره هؤلاء.
والجواب: الحمد لله. أَما ما ذكره من ناقشوا الأَخ شمس الدين أَحمد وأَنكروا له ما في الانجيل من تحريف وتغيير فهو مخالف لما تضافرت عليه الأَدلة وقامت عليه البينات. قال الله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ)(1) . وروى أَحمد والترمذي وحسنه عن عدي بن حاتم ((أَنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأُ هذه الآية (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(2) فقلت له لسنا نعبدهم، قال أَليس يحرمون ما أَحل الله فتحرمونه، ويحللون ما حرم الله فتحلونه. فقلت بلى. قال فتلك عبادتهم)) .
وقال ابن كثير ورواه الإمام أَحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، أَنه لما بلغته دعوة رسول الله
(1) سورة المائدة 14- 15.
(2)
سورة التوبة 31.
صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأُسرت أُخته وجماعة من قومه، ثم منًَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُخته وأَعطاها فرجعت إلى أَخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة وكان رئيسًا في قومه طي وأَبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأُ هذه الآية:(اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) قال فقلت انهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأَحلوا لهم الحرام فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يا عدي ما تقول أَيفرك أَن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئًا أَكبر من الله؟ ما يفرك؟ أَيفرك أَن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلهًا غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأَسلم فشهد شهادة الحق. قال فلقد رأَيت وجهه استبشر، ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) . اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في معرض حديثه عن تفرق النصارى وتلاعبهم بالانجيل تحريفًا وتغييرًا وإخفاءً. قال رحمه الله: وقد اختلف النصارى في عامة ما وقع فيه الغلط حتى في الصلب، فمنهم من يقول المصلوب لم يكن المسيح بل الشبه كما يقول المسلمون. ومنهم من يقر بعبوديته لله وينكر الحلول والاتحاد كالاريوسيه. ومنهم من ينكر الاتحاد وأَن أَقر بالحلول كالنسطورية.
وأَما الشرائع التي هم عليها فعلماؤهم يعلمون أَن أَكثرها ليس عن المسيح عليه السلام. فالمسيح لم يشرع لهم الصلاة إلى المشرق،
ولا الصيام الخمسين، ولا جعله في زمن الربيع، ولا عيد الميلاد، والغطاس، وعيد الصليب، وغير ذلك من أعيادهم، بل أكثر ذلك مما ابتدعوه بعد الحواريين مثل عيد الصليب فإنه مما ابتدعته (هيلانه الحرانية) أُم قسطنطين. وفي زمن قسطنطين غيروا كثيرًا من دين المسيح والعقائد والشرائع فابتدعوا (الأَمانة) التي هي عقيدة إيمانهم، وهي عقيدة لم ينطق بها شيء من كتب الأَنبياء التي هي عندهم، ولا هي منقولة عن أَحد من الأَنبياء، ولا عن أَحد من الحواريين الذين صحبوا المسيح، بل ابتدعها لهم طائفة من أَكابرهم قالوا كانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.
وقال في موضع آخر: وأَما الأَناجيل التي بأَيدي النصارى فهي أَربعة أَناجيل. إنجيل متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا، وهم متفقون على أَن ((لوقا)) و ((مرقس)) لم يريا المسيح إنما رآه متى ويوحنا. وأَن هذه المقالات الأَربعة التي يسمونها الإنجيل وقد يسمون كل واحد منها إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أَن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها انها كلام الله ولا أَن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أَشياء من كلام المسيح من أَفعاله ومعجزاته وذكروا أَنهم لم ينقلوا كلما سمعوه منه ورأَوه، فكانت من جنس ما يرويه أَهل الحديث والسير والمغازي. إنتهى.
وقد ذكر الشيخ ((محمد رشيد رضا)) في معرض تفسيره قوله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى)(1) الآية. فصلا طويلا في ضياع كثير من الإنجيل وتحريف كتب النصارى المقدسة نرى من كمال
(1) سورة المائدة 14.
الحديث نقله لاشتماله على نصوص منقولة عنهم وعن المهتمين؟، قال رحمه الله في (الجزء السادس من تفسير المنار) ص289.
1-
إن الكتب التي يسموها الأَناجيل الأَربعة تاريخ مختصر للمسيح عليه السلام، لم يذكر فيها إلا شيء قليل من أَقواله وأَفعاله في أيام معدودة، بدليل قول يوحنا في آخر إنجيله: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أَن شهادة حق. وأَشياء أُخرى كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أَظن أَن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، آمين.
هذه العبارة يراد بها المبالغة في بيان أَن الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه. ومن البديهي أَن تلك الأَعمال الكثيرة التي لم تكتب وقعت في أَزمنة كثيرة. وأَنه تكلم في تلك الأَزمنة وعند تلك الأَعمال كثيرًا فهذا كله قد ضاع ونسي. وحسبنا هذا حجة عليهم في إثبات قول الله تعالى: (فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) وحجة على بعض علمائنا الذين ظنوا أَن كتبهم حفظت وتواترت قال صاحب ((ذخيرة الأَلباب)) : ان الانجيل لا يستلزم كل أَعمال المسيح ولا يتضمن كل أَقواله كما شهد به القديس يوحنا.
2-
الإنجيل في الحقيقة واحد، وهو ما جاء به المسيح عليه السلام من الهدى والبشارة بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان يدور ذكره على أَلسنة كتاب تلك التواريخ الأَربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن أَلسنتهم أَنفسهم قال متى حكاية عنه:13:26 -الحق أَقول لكم حينما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أَيضًا بما فعلته هذه تذكارًا لها -أَي ما فعلته المرأَة التي سكبت
قارورة الطيب على رأسه. واجب عليهم أَن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة. فخبر تلك المرأَة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح، وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالاً لأَمره. وسميت تلك التواريخ أَناجيل لأَنها تتكلم عن انجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأَ مرقس تاريخه بقوله:
بدأَ انجيل يسوع المسيح -ثم قال حكاية عن المسيح- 1: 15 فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. فالإنجيل الذي أَمر الناس أَن يؤمنوا به ليس هو أَحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أَهل تسالونيكي -الإنجيل- المطلق 2: 4 وانجيل الله 8:2 و 9 وانجيل المسيح 2:3. والكتاب الإلهي يضاف إلى الله بمعنى أَنه أَوحاه، وإلى النبي بمعنى أَنه أَوحى إليه أَو جاء به، كما يقال توراة موسى.
3-
كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدًا حتى قيل إنها بلغت زهاء سبعين إنجيل. وقال بعض مؤرخي الكنيسة إن الأَناجيل الكاذبة كانت 35 انجيل. وقد رد صاحب كتاب ((ذخيرة الأَلباب)) الماروني القول بكثرتها، وقال إن سبب ذلك تسمية الواحد بعدة أَسماء. وقال إن الخمسة والثلاثين لا تكاد تبلغ العشرين. وعددها كلها وذكر أَن بعضها مكرر الإسم، وذكر منها إنجيل القديس برنابا، وذكر أَن جاحدي الوحي طعنوا في الأَناجيل ثلاثة مطاعن.
(1)
أَن الآباء الذين سبقوا القديس يوستينوس الشهيد لم يذكروا إلا أَناجيل كاذبة ومدخولة.
(2)
لا سبيل إلى إظهار أَسفار العهد الجديد التي خطها مؤلفوها.
(3)
قد فات الجميع معرفة الموضع والعهد اللذين كتبت فيهما.
4-
أَن كورنتس وكربو كراتوس قد نبذا ظهريًا منذ أَوائل الكنيسة انجيل القديس لوقا، والأَلوغيين انجيل القديس يوحنا ولم يستطع أَن يرد هذه الاعتراضات ردًا مقبولاً عند مستقبلي الفكر.
وقال الدكتور بوست البروتستاني في قاموس الكتاب المقدس: إن نقص الأناجيل غير القانونية ظاهر لأَنها مضادة لروح المُخَلص وحياته، ونحن نقول إننا قد أَطلعنا على واحد منها وهو انجيل برنابا فوجدناه أَكمل من مجموع الأربعة في تقديس الله وتوحيده وفي الحث على الآداب والفضائل، فإذا كان هذا برهانهم على رد تلك الأَناجيل الكثيرة وإثبات هذه الأَربعة فهو برهان يثبت صحة انجيل برنابا قبل غيره أَو دون غيره.
5-
بدىء تحريف الإنجيل من القرن الأول. قال بولس في رسالته إلى أهل غلاطية:1:6 إني أَتعجب أَنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر، لا ليس هو آخر غير أَنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أَن يحولوا إنجيل المسيح. فالمسيح كان له انجيل واحد، وبين بولس أَنه كان في عصره من القرن الأول أُناس يدعون المسيحيين إلى انجيل غيره بالتحويل أَي التحريف كما في الترجمة القديمة، وفي ترجمة الجزويت -يقلبوا- بدل يحولوا، وهي أَبلغ في التحريف والتبديل، وبين بولس أَن الناس كانوا ينتقلون سريعًا إلى دعاة هذا الإنجيل المحرف المحول عن أَصله الذي جاء به المسيح. وقد بين بولس في رسالته الثانية
إلى أهل كورنثيوس (11: 13-15) أَن هؤلاء القوم الذين يحرفون إنجيل المسيح -رسل كذبة ماكرون مغيرون شكلهم إلى رسل المسيح- وتتمة العبارة تدل أَنهم كانوا كرسل المسيح ويشتبهون بهم كما يتشبه الشيطان بالملائكة إذ -يغير شكله إلى ملاك نور-.
وفي الفصل الخامس عشر من سفر الاعمال ما يوضح هذه المسأَلة وهو أَن اليهود كانوا ينبثون بين المسيحيين ويعلمونهم غير ما يعلمهم رسل المسيح، وأَن المشايخ والرسل أَرسلوا برنابا وبولس إلى انطاكية ليحذروا أَهلها من هؤلاء المعلمين الكاذبين، وأَن بولس وبرنابا تشاجرا وافترقا هنالك، وهما ما تشاجرا وافترقا إلا لاختلافهما في حقيقة تعليم المسيح، فبرنابا يذكر في مقدمة انجيله أَن بولس كان من الذين خالفوا المسيح في تعليمه.
ولا شك أَن برنابا أَجدر بالتقديم والتصديق من بولس لأَنه تلقى عن المسيح مباشرة وكان بولس عدوًا للمسيح والمسيحيين. ولولا أَن قدمه برنابا للرسل لما وثقوا بدعوة التوبة والإيمان بالمسيح، ولكن النصارى رفضوا انجيل برنابا المملوء بتوحيد الله وتنزيهه وبالحكمة والفضيلة وآثروا عليه رسائل بولس وأَناجيل تلاميذه ومرقس وكذا يوحنا كما حققه بعض علماء أُوربه، لأَن تعاليم بولس كانت أَقرب إلى عقائد الرومانيين الوثنية، فكانوا هم الذين رجحوها ورفضوا ماعداها، إذ كانوا هم أَصحاب السلطة الأولى في النصرانية، وهم الذين كونوها بهذا الشكل.
6-
اختلف علماء الكنيسة وعلماء التاريخ في الأَناجيل الأَربعة التي اعتمدوها في القرن الرابع من هم الذين كتبوها؟ ومتى كتبوها؟
وبأي لغة كتبت؟ وكيف فقدت نسخها الأصلية؟ كما ترى ذلك مفصلاً في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى وفي غيرها من كتب الدين والتاريخ.
وهذه كلمات من كتب المدافعين عنها:
قال صاحب كتاب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) إن متى بموجب اعتقاد جمهور المسيحيين كتب انجيله قبل مرقس ولوقا ويوحنا، ومرقس ولوقا كتبا انجيلهما قبل خراب أُورشليم، ولكن لا يمكن الجزم في أَية سنة كتب كل منهم بعد صعود المخلص لأَنه ليس عندنا نص إلهي على ذلك.
((إنجيل متى)) : قال صاحب ((ذخيرة الأَلباب)) أَن القديس متى كتب إنجيله في السنة 41 للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أَو السير كلدانية. (ثم قال) : ثم ما عتم هذا الإنجيل أَن ترجم إلى اليونانية ثم تغلب استعمال الترجمة على الأَصيل الذي لعبت به أَيدي النساخ الابونيين ومسخته بحيث أَضحى ذلك الأَصل هاملاً بل فقيدًا وذلك منذ القرن الحادي عشر. اهـ.
أقول يا ليت شعري من هو الذي ترجم إنجيل متى باليونانية ومن عارض هذه الترجمة على الاصل قبل أَن يعبث به النساخ ويمسخوه. الله أعلم.
ثم قال صاحب الذخيرة: يترجح أَنه كتبه في نفس أُورشليم. وقال: إنما هو رواية جدلية عن المسيح لا ترجمة حياته.
وقال: إن البروتستانت المتاخرين امتروا وشكوا في كون الفصلين الأولين منه لمتى.
وقال الدكتور (بوست) في قاموس الكتاب المقدس: واختلف القول بخصوص لغة هذا الإنجيل هل هي العبرانية أَو السريانية التي كانت لغة فلسطين في تلك الأيام؟ وذهب آخرون إلى أَنه كتب باليونانية كما هو الآن. ثم تكلم في شبهة عظيمة على أَصل هذا الانجيل تكلم فيها صاحب الذخيرة أيضًا، وهي أَن شواهده في العظات من الترجمة السبعينية للعهد العتيق، وفي بقية القصة من الترجمات العبرانية. وأَجاب كل منهما عن ذلك بما تراءى له.
ثم رجح (بوست) أَنه أَلف باليونانية خلافًا لجمهور رؤساء الكنيسة المتقدمين. فثبت بهذا وذاك أَنه لا علم عندهم بتاريخه ولا لغته (وإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) .
ثم قال: ولا بد أَن يكون هذا الانجيل قد كتب قبل خراب أُورشليم. إلى أَن قال: ويظن البعض أَن انجيلنا الحالي كتب بين سنة 60 وسنة 65. وقد علمت أَن صاحب الذخيرة زعم أَنه كتب سنة 41، وأَن هي إلا ظنون وأَوهام يناطح بعضها بعضًا.
وأَما علماء النصارى الأَقدمين فالمأْثور أَن متى لم يكتب هذا الانجيل وإنما كتب بعض أَقوال المسيح باللغة العبرانية، والنصارى يحتجون الآن على كون هذه الأناجيل التي لا سند لها لفظيًا ولا كتابيًا كانت معروفة في العصور الأولى بأَقوال لأولئك العلماء المتقدمين هي حجة عليهم لا لهم، وقد جاء في ((المنار)) بيان ذلك غير مرة.
وأَقدم شهادة يتناقلونها في ذلك شهادة (بابياس) أَسقف هيرابوليس في منتصف القرن الثاني فقد نقل عنه (أُوسابيوس) المتوفي سنة 340 ما ترجمته:
إن متى كتب مجموعة من الجمل باللغة العبرانية، وقد ترجمها كل بحسب طاقته.
ويمتاز انجيل متى بأَن من نسب إليه من تلاميذ المسيح، وبأَنه أَقرب إلى التوحيد وأَبعد عن الوثنية من سائر الأناجيل.
((انجيل مرقس)) : ذكر صاحب الذخيرة أَن مرقس كان عبرانيًا ملة (أَي لا نسبًا) وأَنه كان تلميذًا لبطرس وتبناه بطرس، وأَنه اقتبس انجيله من انجيل متى ومن خطب بطرس، وأَن بعض المتأَخرين زعموا أَنه كان يوجد إنجيل سابق لإنجيلي متى ومرقس أَخذا عنه إنجيلهما، وأَن بعض البرتستانت شكوا في الاعداد الإثني عشر الأخيرة من الفصل السادس عشر من هذا الإنجيل لأَسباب منها أَنه لا ذكر لها في النسخ الخطية القديمة.
وقال (بوست) : مرقس لقب يوحنا، يهودي يرجح أَنه ولد في أُورشليم. (قال) وتوجه مرقس مع بولس وبرنابا خاله في رحلتهم التبشيرية الأولى غير أَنه فارقهما في (برجه) فصار علة مشاجرة قوية بين بولس وبرنابا وبعد ذلك تصافح مع بولس فرافقه إلى (رومية) وكان مع بطرس لما كتب رسالته الأولى (1 بط 5: 136) ثم مع ثيموناوس في (افسس) ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته بعد ذلك.
ثم ذكر أَنه كتب انجيله باليونانية وشرح فيه بعض الكلمات اللاتينية فاستدل بذلك على أَنه كتبه في رومية. (قال) إنما المشابهة بين انجيلي متى ومرقس حملت بعض الناس على أَن يعتقدوا أَن الثاني مختصر من الأَول.
ولم يذكر هذا ولا ذاك تاريخ كتابة هذا الانجيل، وقد روي عن ابرنياوس أَنه كتبه بعد موت بطرس وبولس فلم يطلعا عليه. فكيف نثق بأَنه وعى ما سمعه من بطرس وأَداه كما سمعه؟ هذا إذا صحت نسبته إليه بسند متصل، ولن تصح.
((إنجيل لوقا)) : قال في الذخيرة: أَن لوقا كان من انطاكية. ومن الشراح من ظن أَنه اغريقي متهود لأَنه لا يذكر الكتاب المقدس إلا نقلاً عن الترجمة السبعينية. ومنهم من قال أَنه وثني هاد إلى الحق وارتد إلى الدين القويم. وقال: لوقا كان تلميذًا ومعاونًا لبولس.
ثم قال ما نصه: وقد أَغفل متى ومرقس بعض حوادث وأُمور تتعلق بسيرة المسيح وقام بعض الكتبة واختلقوا ترجمة مموهة ليسوع المسيح، وكثيرًا ما فاتهم فيها الرواية والتدقيق، فبعث ذلك بلوقا على وضع إنجيله ضنًا بالحق فكتبه باليونانية وجاء كلامه أَصح وأَفصح وأَشد انسجامًا من كلام باقي مؤلفي العهد الجديد. وذهب كثير من المحققين إلى أَنه كتب إنجيله في السنة 53 للمسيح. وقيل بل سنة 51.
ثم ذكر الخلاف في المكان الذي كتبه فيه وبين غرضه منه فقال في آخره: -
وأَن يكشف النقاب عن الأَغلاط المدخولة في تراجم حياة المسيح المموهة -أَي الأَناجيل التي ردتها الكنيسة بعد- وينفي كل ركون إليها، ثم يبين أَنه كان يحمل إنجيلي متى ومرقس وأَنه اقتبس منها ما وافقهما فيه. ثم عقد فصلا لما اعترض به على ما حذفوه وأَسقطوه من هذا الإنجيل لأَنهم رأَوه لا يليق بالمسيح أو لعلة أُخرى.
وقال الدكتور بوست في قاموسه: ظن بعضهم أَنه - أَي لوقا مولود في انطاكية إلا أَن ذلك ناتج من اشتباهه بلو كيوس، قال: ومن تغيير صيغة الغائب إلى صيغة المتكلمين في سياق القصة يستدل على أَن لوقا اجتمع مع بولس في ترواس -أَع 16: 1- وذهب معه إلى فيلبي في سفره الثاني ثم اجتمع معه ثانية في فيلبي بعد عدة سنين -أَع 20: 5ر6- وبقي معه إلى أَن أُسر وأُخذ إلى رومية -أَع 28: 20- ولم يعلم شيء من حياته بعد ذلك.
فلينظر القاريء كيف يستنبطون تاريخه من أُسلوب عبارته التي لم تصل إليهم بسند متصل لا صحيح ولا ضعيف، كما استدلوا على كونه إيطاليًا لا فلسطينيًا من كلامه عن القطرين، ذلك بأَنه ليس عندهم نقل يعرفون به شيئًا عن مؤسسي دينهم.
ثم قال: وظن البعض أَن لفظة انجيل الواردة -3: تي 2: 8- تدل على أَن بولس أَلف انجيل لوقا لم يكن إلا كاتبًا.
ثم قال: - وقد كتب هذا الإنجيل قبل خراب أُورشليم وقبل الأعمال ويرجح أَنه كتب في قيصرية في فلسطين مدة أَسر بولس؟ من 58-60 م غير أَن البعض يظنون أَنه كتب قبل ذلك.. اهـ.
فأنت ترى من التعبير بلفظ الترجيح والظن ومن الخلاف بين سنة 51 و 53 كما في الخلاصة و 58 و 60 كما أَنه لا علم عند القوم بشيء (وإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ولعل الذين قالوا إن بولس هو الذي كتب هذا الإنجيل هم المصيبون لمشابهة أُسلوبه لأسلوب رسائله باعترافهم. فإن قيل وما تفعل بتحريفه؟ قلت هو كتحريفها وتجد فيه مثل ما تجد فيها من ذكر وضع بعض الناس لأَناجيل
كاذبة. ومن لنا بدليل يثبت لنا صدقه هو؟ وأَنى لنا بتمييز هذه الأَناجيل ومعرفة صادقها من كاذبها؟
((إنجيل يوحنا)) . تقول النصارى: إن يوحنا هذا هو تلميذ المسيح ابن زبدي وسالومه، ويقول أَحرار المؤرخين منهم غير ذلك كما في دائرة المعارف الفرنسية، ويرجح بعضهم أَنه من تلاميذ بولس أيضًا.
وذكر في الذخيرة ثلاثة أقوال في تاريخ كتابته وهي 64 و 94 و 97 وأَنه كتبه باليونانية ليثبت أُلوهية المسيح ويسدد النقص الذي في الأَناجيل الثلاثة -إجابة لرغبة أَكثر الأَساقفة ونواب كنائس آسية وإلحاحهم عليه أَن يبقى من بعده ذكرًا مخلدًا- ومفهوم هذا أَنه لولا هذا الإلحاح لم يكتب ما كتب، وإذا لبقيت أَناجيلهم ناقصة وخلوا من شبهة على عقيدتهم المعقدة التي لا تعقل، إذ لا توجد الشبهة عليها إلا في هذا الإنجيل الذي هو أَكثر الأَناجيل تناقضًا، وناهيل بجمعه بين الوثنية والتوحيد، وقوله عن المسيح: أَنه إن كان يشهد لنفسه فشهادته حق، ثم قوله عنه في موضع آخر: أَنه وإن كان يشهد لنفسه فشهادته ليست حقًا- إلى أَمثال ذلك.
وقال الدكتور بوست: ويظن أَنه كتب في أَفسس بين سنة 70 و 95. ثم قال في الرد على علماء أوربه الأَحرار ما نصه:
وقد أَنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل لكراهتهم تعليمه الروحي ولا سيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح. غير أَن الشهادة بصحته كافية: فإن بطرس يشير إلى آية منه 2 بط 1: 14 قابل يو 21: 18 وأَغناطيوس وبوليكريس يقتطفان من روحه وفحواه وكذلك الرسالة إلى ديو كنيتس وباسيلدس وجوستينس الشهيد وتانيانس. وهذه الشواهد يرجع بنا زمانها إلى منتصف القرن الثاني
وبناء على هذه الشهادة وعلى نفس كتابته الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم أَنه من قلمه. وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم. وهذا الأمر يعسر تصديقه لأَن الذي يقصد به أَن يغش العالم لا يكون روحيًا ولا يتصل إلى علو وعمق الأَفكار والصلوات الموجودة فيه. وإذا قابلناه بمؤلفات الآباء رأَينا بينه وبينها بونًا عظيمًا حتى نضطر للحكم أَنه لم يكن منهم من كان قادرًا على تأْليف كهذا، بل لم يكن بين التلاميذ من يقدر عليه إلا يوحنا، ويوحنا ذاته لا يستطيع تأْليفه بدون إلهام من ربه. اهـ.
أَقول: إن من عجائب البشر أَن يقول مثل هذا القول أَو ينقله معتمدًا له عالم طبيب كالدكتور بوست فإنه كلام لا يخفى بطلانه وتهافته على الصبيان، ولا أًَعقل له تعليلاً إلا أَن يكون تصنعًا وغشًا لارضاء عامة النصارى لا لإرضاء اعتقاده ووجدانه، أَو يكون التقليد الديني من الصغر قد ران على قلب الكاتب فسلبه عقله واستقلاله وفهمه في كل ما يتعلق بأَمر دينه. وإليك البيان بالإيجاز:
إن الدكتور بوست من أَعلم الأوربيين اللذين خدموا دينهم في سورية وأَوسعهم اطلاعًا، وهو يلخص في قاموسه هذا أَقوى ما بسطه علماء اللاهوت في إثبات دينهم وكتبهم ورد اعتراضات العلماء عليها. فإذا كان هذا منتهى شرطهم في إثبات إنجيل يوحنا الذي هو عمدتهم في عقيدة تأْليه المسيح، فما هو الظن بكلام المؤرخين الأَحرار والعلماء المستقلين في إبطال هذا الإنجيل؟
إبتدأَ رده على منكري هذا الإنجيل بأَن بطرس أَشار إلى آية منه في رسالته الثانية. فهذا أَقوى برهان عندهم على كون هذا الإنجيل كتب في العصر الأول.
فأول ما نقوله في رد هذا الدليل الوهمي أَن رسالة بطرس الثانية كتبت في بابل سنة 64، 68 كما قاله صاحب كتاب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) وانجيل يوحنا كتب سنة 95 أَو 98 على ما اعتمده بوست وصاحب هذا الكتاب وسائر علماء طائفتهم (البروتستانت) فهو قد أُلف بعد كتابة رسالة بطرس بثلاثين سنة أَو أَكثر على رأْيهم، فإذا وافقها في شيء فأَول ما يخطر في بال العاقل أَنه نقله عنها وإن أُلف بعدها بعدة قرون، فكيف يكون ذلك دليلاً على صحته؟ ولو لم يكن في رد هذه الشبهة الواهية إلا احتمال نقل المتأَخر وهو مؤلف انجيل يوحنا عن المتقدم وهو بطرس لكفى، وهم جازمون بتقدمه عليه وإن لم يكن عندهم تاريخ صحيح لأَحد منهما، بل تاريخ ولادة الههم وربهم الذي يؤرخون به كل شيء فيه خطأ كما حققه يعقوب باشا أَرتين وغيره.
ونقول (ثانيًا) : إننا قابلنا بين -2 بط 1: 14- وبين -يو 21: 18- فلم نجد في كلام بطرس في ذلك العدد إشارة واضحة إلى ماذكره يوحنا. فعبارة بطرس التي سموها شهادة له هي قوله -عالمًا أَن خلع سكني قريب كما أَعلن لي ربنا يسوع المسيح أَيضًا- وعبارة يوحنا المشهود لها هي أَن المسيح قال لبطرس -الحق الحق أَقول لك لما كنت أَكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء. ولكن متى شخت فإنك تمد يدك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء-.
فمعنى عبارة بطرس أَنه يستبدل مسكنه باختياره ويرحل عن القوم الذين يكلمهم. ومعنى عبارة المسيح أَنه إذا شاخ وهرم يقوده من يخدمه ويشد له منطقته، فإن فرضنا أَن بطرس كتب هذا بعد
يوحنا لم يكن فيه أَدنى شبهة على تصديق يوحنا في عبارته هذه، فضلاً عن تصديقه في كل إنجيله، فما أَوهى دينًا هذه أسسه ودعائمه!
ذكرني هذا الاستدلال نادرة رويت لي عن رجل هرم من صيادي السمك- ولا أذكر هذا الوصف تعريضًا بتلاميذ المسيح عليه السلام وعليهم الرضوان- قال: إن رجلاً غريبًا من الدراويش علمه سورة لا يعرفها أحد من خلق الله سواهما إلا أَن خطيب البلد يحفظ منها كلمتين يدلان على أَصلها. وأَول هذه السخافة التي سماها سورة:
الحمد لله الذين المددا. عند النبي أَشهدا، نبينا محمدًا، في الجنان مخلدا، أَجت فاطمة الزهرا، بنت خديجة الكبرى، آلت لو يابابتي يابابتي علمني كلمتين الخ. والكلمتان اللتان يحفظهما الخطيب منها هما فاطمة الزهرا، وخديجة الكبرى، رضي الله عنهما، لأَنه كان يقول في دعاء الخطبة الثانية بعد الترضي عن الحسن والحسين، وارض اللهم عن أَمهما فاطمة الزهرا، وعن جدتهما خديجة الكبرى.
ولا يخفى على القاريء أَن الاتفاق بين هذه الأَسجاع العامية وخطبة خطيب البلد في تينك الكلمتين أَشهر من الاتفاق بين رسالة بطرس وانجيل يوحنا، بل ليس بين هذا الإنجيل وهذه الرسالة اتفاق ما فيما زعموه تكليفًا وتحريفًا للعبارة عن معناها.
وأَما استدلاله باقتطاف اغناطيوس وبوليكريس من روح هذا الإنجيل فهو مثل استدلاله بشهادة بطرس له بل أَضعف. إذ معنى هذا الاقتطاف أَنه روي عن هذين الرجلين شيء يتفق مع بعض معاني هذا الإنجيل فإذا سلمنا أَن هذا صحيح فهو لا يدل على أَن هذا الإنجيل كان معروفًا في زمنهما في القرن الثاني للمسيح لأَنهما لم يذكراه ولم يعزوا إليه شيئا. ويجوز أَن يكون ما اتفقا فيه من المعنى -إن
صح ذلك ولم يكن كالاتفاق الذي ذكروه- بينه وبين بطرس مقتبسًا من كتاب آخر كان متداولاً في ذلك الزمان، كما يجوز أَن يكون مأْخوذًا من التقاليد الموروثة عند بعض شعوبه. مثال ذلك: أَن يوحنا انفرد باستعمال لفظ -الكلمة- والقول بألوهية الكلمة، ولم يؤثر هذا عن غيره من مؤلفي الكتب المقدسة عندهم، ولا عن أَحد من تلاميذ المسيح. وقد بينا في تفسير (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)(1) أَن هذه العقيدة وهذا اللفظ مما أَثر عن اليونان والبراهمة والبوذيين وقدماء المصريين. وبحث فيها أَيضًا (فيلو) الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح. فإذا فرضنا أَن (أَغناطيوس) استعمل هذا اللفظ وذكر هذه العقيدة في القرن الثاني، لا يكون هذا دليلاً على نقلها عن يوحنا وعلى أَن انجيل يوحنا ورسالته ورؤياه كانت معروفة في القرن الثاني. لاحتمال أَن يكون نقل ذلك عن الأمم الوثنية التي كانت تدين بهذه العقيدة قبل يوحنا وقبل المسيح عليه السلام وإذا كان الاتفاق بينهما في المعنى الذي انفرد به يوحنا عن غيره لا يدل على ذكر فكيف يدل عليه الاتفاق في المعاني الأخرى التي لم ينفرد بها يوحنا؟
فتبين من هذا النقد الوجيز أَن ما ذكره بوست وسماه كغيره شهادة لإنجيل يوحنا ليس شهادة، وأَن ما سميناه شهادة مندوحة لنا عن القول بأَنها شهادة زور. وأَما زعمهم أَن كتابة هذا الإنجيل توافق سيرة يوحنا ولا يقدر عليه غيره، فهو تمويه نقضوه بقولهم إنه هو لا يقدر عليه أَيضًا إلا بالإلهام إذ كل ملهم يقدر باقدار الله الذي أَلهمه، وليس ليوحنا عندهم سيرة تثبت أَو تنفي.
(1) سورة النساء 171.
بقي استدلاله الأَخير على صحة هذا الإنجيل بأَنه لو لم يكن من قلم يوحنا لكان الكاتب له على جانب عظيم من المكر والغش. قال: هذا الأَمر يعسر تصديقه لأَن الذي يقصد أَن يغش العالم لا يكون روحيًا. الخ. فنقول إن هذا الاستدلال ينبىء بسذاجة من اخترعه ونقله وغرارتهم. وإن شئت قلت بغباوتهم أَو قصدهم مخادعة الناس، وبطلانه بديهي، فإن الكاتب للمعاني الروحية لا يجب أَن يكون روحيًا، والكاتب في الفضائل لا يقضي العقل أَن يكون فاضلا. وقد كان في مصر كاتب من أَبلغ كتاب العربية في الأَخلاق والفضائل. ومع هذا وصفه بعض عارفيه بقوله: إن حروف الفضيلة تتأَلم من لوكها بفمه، ووخزها بسن قلمه. وأَن الروحانية التي نجدها في انجيل برنابا وما فيه من تقديس الله وتنزيهه، ومن الأَفكار والصلوات، لهو أَعلى وأَشد تأْثيرًا في النفس من انجيل يوحنا، ويزعمون مع هذا كله أَنه قصد به غش الناس، وتحويلهم عن التثليث والشرك إلى التوحيد والتنزيه.!!!
إن هذا المسلك الأخير الذي سلكه بوست في الاستدلال على صحة نسبة انجيل يوحنا إليه يقبله المقلدون لعلماء اللاهوت عندهم بغير بحث ولا نظر، والناظر المستقل يراه يؤدي إلى بطلان نسبته إليه لأَسباب أَهمها ثلاثة:
1-
أَنه جاء بعقيدة وثنية نقضت عقيدة التوحيد الخالص المقررة في التوراة وجميع كتب أنبياء بني إسرائيل، وقد صرح المسيح بأَنه ما جاء لينقض الناموس بل ليتممه، وأَصل الناموس وأَساسه الوصايا العشر، وأَولها وأَولاها بالبقاء ودوام البناء وصية التوحيد.
2-
مخالفته في عقيدته وأُسلوبه لكل ما هو مأْثور عن جماعته وقومه قبل المسيح وبعده.
3-
مخالفته للأَناجيل التي كتبت قبله في أُمور كثيرة أَهمها تحاميه ما ذكر فيها من الأَعراض البشرية المنسوبة إلى المسيح مما ينافي الألوهية كتجربة الشيطان له وخوفه من فتك اليهود به وتضرعه إلى الله خائفًا متألمًا ليصرف عنه كيدهم وينقذه منهم، وصراخه وقت الصلب من شدة الألم - إلى غير ذلك.
ومن تأمل أَساليب الأَناجيل وفحواها يرى أَن إنجيل يوحنا غريب عنها ويجزم بأَن كاتبه متأَخر سرت إليه عقائد الوثنيين، فأَحب أَن يلقح بها المسيحيين.
ونقول (ثانيًا) : إذا فرضنا أَن موافقة بعض أَهل القرن الثاني لهذا الإنجيل في روح معناه يعد شهادة له بأَنه كان موجودًا في منتصف القرن الثاني، فأَين الشهادة التي تثبت أَنه كان موجودًا في القرن الأَول والصدر الأَول مما بعده؟
ثم تبين لنا من تلقاه عنه حتى وصل إلى أُولئك الذين اقتطفوا من روحه.
بعد كتابة ما تقدم راجعت (إظهار الحق) فرأَيته استدل على أَن انجيل يوحنا ليس من تصنيف يوحنا الذي هو أَحد تلاميذ المسيح بعدة أُمور. (منها) : أُسلوبه الذي يدل على أَن الكاتب لم يكتب ما شاهده وعاينه بل ينقل عن غيره. (ومنها) : آخر فقرة منه وهي ما أَوردناه في الاستدلال على أَنه لم يكتب عن أَحوال المسيح وأَقواله إلا القليل، فإنه ذكر فيها يوحنا بضمير الغائب وأَنه كتب وشهد
بذلك. فالذي ينقل هذا عنه لا بد أَن يكون غيره، وقصاراه أَنه ظفر بشيء مما كتبه فحكاه عنه ونقله في ضمن إنجيله، ولكن أَين الأَصل الذي ادعى أَن يوحنا كتبه وشهد به؟
وكيف نثق بنقله عنه ونحن لا نعرفه، ورواية المجهول عند محدثي المسلمين وجميع العقلاء لا يعتد بها البتة. (ومنها) : أَنهم نقلوا أَن الناس أَنكروا كون هذا الإنجيل ليوحنا في القرن الثاني على عهد (أَرينيوس) تلميذ (بوليكارب) الذي هو تلميذ يوحنا، ولم يرد عليهم أرينيوس بأَنه سمع من بوليكارب أَن أُستاذه يوحنا هو الكاتب له (ومنها) نقله عن بعض كتبهم ما نصه: كتب استادلن في كتابه: ان كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية بلا ريب. (ومنها) : أَن المحقق (برطشنيدر) قال: إن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل صنفها أَحد (كذا) في ابتداء القرن الثاني. (ومنها) : أَن المحقق (كروتيس) قال إن هذا الإنجيل عشرين بابًا أَلحقت كنيسة أَفساس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا. (ومنها) أَن جمهور علمائهم ردوا إحدى عشرة آية من أَول الفصل الثامن الخ.
7-
علمنا مما تقدم أَن النصارى ليس عندهم أَسانيد متصلة ولا منقطعة لكتبهم المقدسة، وإنما بحثوا ونقبوا في كتب الأَولين والآخرين وفلوها فليا لعلهم يجدون فيها شبهة دليل على أَن لها أصلاً كان معروفًا في القرون الثلاثة الأولى للمسيح، ولكنهم لم يجدوا شيئًا صريحًا يثبت شيئًا منها، وإنما وجدوا كلمات مجملة أَو مبهمة فسروها كما شاءت أَهواؤهم وسموها شهادات ونظموها في سلك الحجج والبينات، وإن كانت هي أَيضًا غير منقولة عن الثقات،
ثم استنبطوا من فحواها ومضامينها مسائل متشابهة زعموا أَن كلا منها يؤيد الآخر ويشهد له، وقد أَشرنا إلى ضعف كل واحدة من هاتين الطريقتين.
فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: (فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ)(1) وثبت به أَنه كلام الله ووحيه، إذ ليس هذا مما يعرف بالرئي حتى يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اهتدى إليه بعقله ونظره.
ونظير هذه العبارة وأَمثالها في الدلالة على كون القرآن من عند الله تعالى قوله تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء)(2) فأَنت ترى مصداق هذا القول بين فرقهم وبين دولهم لم ينقطع زمنًا ما.
8-
ان أَحد فلاسفة الهنود درس تاريخ الأَديان كلها وبحث فيها بحث مستقل منصف، وأَطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان والتبريز في الفنون والصناعات ثم نظر في الإسلام فعرف أَنه الدين الحق فأَسلم، وأَلف كتابًا باللغة الإنجليزية سماه ((لماذا أَسلمت)) بين فيه ما ظهر له من مزايا الإسلام على جميع الأَديان، وكان أَهمها عنده أَن الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ صحيح محفوظ فالآخذ به يعلم أَنه هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي المدفون في المدينة المنورة من بلاد العرب. وقد كان من مثار العجب عنده أَن ترضى أُوربه لنفسها دينًا ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر فتجعله إلهًا وهي لا تعرف من تاريخه شيئًا يعتد به، فإن هذه الأناجيل الأربعة
(1) سورة المائدة 14.
(2)
سورة المائدة 14.
على عدم ثبوت أَصلها، وعدم الثقة بتأْريخها ومؤلفيها لا تذكر من تاريخ المسيح إلا وقائع قليلة، حدثت كما تقول في أَيام معدودة. ولا يذكر فيها شيء يعتد به عن نشأَة هذا الرجل وتربيته وتعليمه وأَيام صباه وشبابه، ولله في خلقه شئون. اهـ.
بل إن كثيرًا من مفكريهم وأُدبائهم وعلمائهم المعاصرين يعترفون أَن الأَناجيل الموجودة ليست سوى مجموعة كتب كتبت في أَوقات متباعدة عن بعضها فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية في المجلد الخامس صحيفة 636 طبعة 1953 ما نصه: -لم يبق من أَعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة- وقال اللورد هدلي في أَحد كتبه: - ليس الإنجيل إلا مجموعة كتب كتبت في أَوقات متباعدة عن بعضها-. وقال الأستاذ ولز: إن السيد المسيح هو راضع نواة المسيحية وليس بمنشئها. وقال أيضًا: إن بعض الكتاب يرى أَن السيد المسيح لا تربطه بالمسيحية الحاضرة أَية صلة.
ولعل من أَبرز الدلائل على التحريف والتغيير والتبديل ما يزعمه النصارى من أَن عيسى ابن الله ورسوله - ففضلاً عما لدينا من كتاب الله وسنة رسوله من النصوص الواضحة في أَنه عبد الله ورسوله وكلمته أَلقاها إلى مريم وروح منه- فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية المجلد الخامس منها ما نصه: -إن سيدنا عيسى عليه السلام لم تصدر عنه أَي دعوى تفيد أَنه من عنصر إلهي أَو من عنصر أَعلى من العنصر الإنساني المشترك- كما أَنه جاء فيها أَن كثيرًا من المراسيم والطقوس الكنيسية المعمول بها الآن لم يمارسها سيدنا عيسى نفسه ولم يأْمر بها.
وقد يكون من المناسب أَن نذكر خلاصة أَقوال استشهد بها الأستاذ أَحمد علوش في كتابه ((The Religion of Islam)) لعلماء مسيحيين غيورين على المسيحية. أَحد هذه الأقوال: أَن الأَناجيل الأَربعة الموجودة الآن سبقتها محاولات عديدة وقد كان قبل هذه الأَربعة عدة أَناجيل. القول الثاني: أَن نسبة الأَناجيل الأَربعة الموجودة الآن إلى كاتبيها المعنيين نسبة مشكوك فيها ولم تثبت صحتها حتى الآن وما زالت مصدر أَخذ ورد.
الثالث: هذه الأَناجيل الأَربعة أُلفت تأْليفًا ولم تصدر عن وحي.
الرابع: يختلف إنجيل يوحنا عن الأَناجيل الثلاثة الأخرى اختلافًا شديدًا واضحًا.
الخامس: الأَناجيل الثلاثة الأخرى تختلف فيما بينها اختلافًا واضحًا كبيرًا. وان كان الاختلاف فيما بينها أَقل بالنسبة إلى إنجيل يوحنا.
أَما ما ذكره الأخ شمس الدين أَحمد من أَن من ناقشوه من رجال الدين المسيحي تعرضوا للقرآن. فلم يذكر لنا الطريقة التي تعرضوه بها حتى يكون ردنا عليهم متجهًا نحوها. ولعله وفقه الله يذكر لنا الشبه التي ذكروها له لأَن مجرد قولهم بأَن القرآن لم يسلم من التحريف يكفي في الرد عليهم به أَنهم كذابون وأَن الله تعالى تولى حفظه عن التغيير والتبديل والتحريف. قال تعالى وهو أَصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1) . وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(2) .
(1) سورة الحجر 9.
(2)
سورة فصلت 41، 42.
فلقد نقل القرآن إلينا بالنقل المتواتر بإجماع الأمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَلفاظه ومعانيه. كما أَن كثيرًا من المسلمين سلفهم وخلفهم يحفظون القرآن في صدورهم حفظًا يستغنون به عن القراءة في المصاحف مصداقًا لما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال: ((إِنَّ رَبي قَالَ لِيْ إِني مُنَزِّل عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا ويَقْظَانًا)) . فلو غسل بالماء من المصاحف لم يغسل من القلوب، ولو أُخفيت بعض قراطيسه كما هي الحال في التوراة والإنجيل وغيرهما لما خفي الأَمر على المسلمين فضلاً عن حفَّاظهم.
بل إن من كمال الحق ما شهد به الأَعداء فلقد قال ((السير وليم موير)) وهو أَحد خصوم الإسلام حسبما حكاه عنه الدكتور حسنين هيكل في كتابه (حياة محمد)(1) : ومع ما أَدى إليه مقتل عثمان نفسه من قيام شيع متعصبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي فإن قرآنًا واحدًا قد ظل دائمًا قرآنها جميعًا، وهذا الإسلام منها جميعًا إلى كتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة على أَن ما أَمامنا اليوم إنما هو النص الذي جمع بأَمر الخليفة السيء الحظ (2) والأَرجح أَن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنًا كاملاً بنص هذا مبلغ صفائه ودقته.
(1) ص 30.
(2)
قتل مظلومًا شهيدًا بغير سبب يبيح قتله وهو صابر محتسب لم يقاتل مسلمًا، وهو أحد الخلفاء الراشدين الأَربعة، وقد أَوصى النبي بسنتهم، وهو أَحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوج ابنتي الرسول عليه الصلاة والسلام، وصاحب الفضائل المشهورة، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ((ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)) وقال ((اءذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) وهذا من حسن الحظ.
وقال في موضع آخر (1) : والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أَن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقًا فحسب بل كان كما تدل عليه الوقائل كاملاً وانَّ جامعيه لم يتعمدوا إغفال أَي شيء من الوحي، ونستطيع كذلك أَن نؤيد إستنادًا إلى أَقوى الأَدلة أَن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد.
وقال هيكل بعد ذلك (2) : أَطلنا في اقتطاف عبارات ((سير وليم موير)) على أَن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه (الأَب لامنسي)) و ((فون هامر)) ومن يرون هذا الرأي من المستشرقين هؤلاء جميعًا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم بأَنه يحتوي على كل ما تلاه محمد على أًَنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقًا كاملاً. فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير مذهبهم غير آبهين بالأَدلة العلمية التي ساقها ((موير)) وكثرة المستشرقين كان ذلك تجنيًا على الإسلام لم يمله غير الحقد على الإسلام، وعلى صاحب الرسالة الإسلامية. اهـ.
وقال ((اربثنت)) : ولقد ظل القرآن كما هو حتى اليوم بدون أَي تحريف أو تبديل لا من المتحمسين له ولا من ناقليه إلى لغات أُخرى ولا ممن يتربصون به الدوائر وهو موقف لم يقفه مع الأَسف أَي كتاب من كتب العهدين القديم والحديث معًا.
وقال (لوزتنا بوز) كذلك: فلم تكن هناك أَي فرصة لتبديل أَي جزء في القرآن أَو تحويره ولو بوازع الحماس له، وهو الكتاب الوحيد
(1) ص 38.
(2)
38.
الذي ينفرد بهذه الميزة بين سائر الكتب التي جاءت بها الديانات القديمة العظمى.
هذا ما تيسر لنا إيراده، وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص-ف-2852-1 في 13-7-87هـ)
…
مفتي الديار السعودية
(9- الثناء في القرآن على طائفة من النصارى استجابت للحق لا على جميع النصارى. جواز لعن النصارى)
وصل إلى دار الإفتاء من الأَخ عمر الغيلان بمكة المكرمة سؤال يقول فيه: إن الله تعالى يقول في كتابه عن النصارى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) الآيات (1) ومعلوم لدينا في الوقت الحاضر عداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين. فما موقفنا منهم؟ ويقول: هل تجوز اللعنة عليهم كما جازت على اليهود؟ ويصف شدة حيرته في هذه المسأَلة.
فأَجاب سماحة المفتي بالجواب التالي:
ليس في الثناء المذكور في هذه الآيات ما يوجب الحيرة في شأْن النصارى والتوقف في لعنتهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات ليس المقصود بهم جميع النصارى بل طائفة منهم استجابت للحق ولم تستكبر عن اتباعه. وفي تعيين تلك الطائفة مسلكان للمفسرين:
1-
أَن المقصود بهذه الطائفة أًصحاب النجاشي: اما الذين آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين كما في رواية أَبي الشيخ وابن جرير
(1) المائدة 82- 86.
عن عطاء. واما الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، لما أَخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أَبي حاتم وأَبو الشيخ عن مجاهد أَنه قال في قوله تعالى:(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأَصحابه من أَرض الحبشة.
2-
إن تلك الطائفة قوم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام من أَهل الإيمان فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به وصدقوه، لما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وأَبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى:(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال أُناس من أَهل الكتاب كانوا على على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أَنه من عند الله فأَثنى عليهم بما تسمعون. وعلى هذين التفسيرين اقتصر ابن جرير الطبري في تفسيره. اختار أَن هذه الآيات في صفة أَقوام بهذه المثابة سواء كانوا أَصحاب النجاشي أَو غيرهم. وعبارته: والصواب في ذلك عندي أَن الله وصف صفة قوم قالوا إنا نصارى أَن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أَقرب الناس ودادًا لأَهل الإيمان بالله ورسوله ولم يبين لنا أَسماءهم. وقد يجوز أَن يكون اريد بذلك أَصحاب النجاشي. ويجوز أَن يكون أُريد به قوم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام فأَدركهم الإسلام فأَسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أَنه الحق ولم يستكبروا عنه.
وتوجيه هذه الآيات إلى أَنها في طائفة معينة من النصارى استجابت للحق. هو المشهور، وهو الذي يقتضيه سياق الآيات المسئوول عنها
وإليه مال العلامة ابن القيم في (هداية الحيارى من اليهود والنصارى) .
ثم قال بعد كلام طويل في هذه الآيات: والمقصود ان هؤلاء -أَي الموصوفين بهذه الصفات الذين عرفوا أَنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أَعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان.
وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الصنف من النصارى أَي الذين أَثنى الله عليهم في هذه الآيات - هم المذكورون في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً) الآية (1) وهم الذين قال الله فيهم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) إلى قوله: (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)(2) ولهذا قال تعالى هنا: (فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار) ُ أَي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق جنات تجري من تحتها الأَنهار (خَالِدِينَ فِيهَا) أي ماكثين فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون (وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ)(3) أَي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأَيًا كان، ومع من كان. اهـ.
وممن صرح بأَن هذه الآيات لم يرد بها جميع النصارى الإمام البغوي في معالم التنزيل قال في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) : لم يرد به جميع النصارى لأَنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأَسرهم وتخريبهم بلاده وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم لا
(1) سورة آل عمران 199.
(2)
سورة القصص 55.
(3)
سورة المائدة 35.
ولا كرامة لهم بل الآية فيمن أَسلم منهم مثل النجاشي وأَصحابه. وحكى القول بأَن ذلك في جميع النصارى لما فيهم من اللين حكاه بصفة التمريض.
وأَما لعنة من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى فلا يحصى ما جاء من الأَدلة القطعية، ومنها ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنهما أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه:((لَعنَ الله الْيهود والنَّصَارى اتَّخَذوا قبور أَنبِيائِهِم مساجِد)) وكيف لا يلعن من وصف الله قوله في كتابه إذ يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(1) وإذ يقول: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)(2) إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة لكفرياتهم وضلالاتهم، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه فسر الضالين في قوله تعالى:(اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) بأَنهم النصارى.
وقال الإمام ابن أَبي حاتم في تفسيره: لا أَعلم بين المفسرين في هذا -أَي تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى- اختلافًا. اهـ.
ومن الآيات المصرحة بمصيرهم قوله تعالى آخر تلك الآيات التي ذكرها السائل: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)(3) .
والخلاصة أَن الآيات لا تعني جميع النصارى بل إنما تعني طائفة منهم استجابت للحق بعدما عرفته ولم تستكبر عن اتباعه وأَن لعنة النصارى جائزة مثل لعنة اليهود. والله الموفق.
(من الفتاوي المذاعة) وهي الفتاوي التي طلبت الاذاعة جوابها.
(1) سورة المائدة 17.
(2)
سورة المائدة 72.
(3)
العنكبوت 86.