المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الغلو في الآثار) - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ - جـ ١

[محمد بن إبراهيم آل الشيخ]

الفصل: ‌(الغلو في الآثار)

(الغلو في الآثار)

(76- س: - الأمكنة التي صلى النبي لأهلها فيها إذا استجد مسجد أو في بيوتهم هل يشرع أَن يقصدها للصلاة من يأتي للمدينة)

ج: - لا. ولا يقصده حتى جيرانه أَبدًا. وكذلك الذي صلى لأَهله فيه يصلى فيه من كان يصلي زمنه ومن كان حوله الآن، ولا يقصد. والنبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته مساجد فيها كفاية عن تتبع هذه المساجد وهي الثلاثة، وفيها الأَفضلية.

(تقرير) .

(77- دار الأرقم، ومسجد الحديبية)

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأستاذ صالح محمد جمال

رئيس تحرير جريدة الندوة

وفقه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد وجهت جريدة الندوة ف عددها الصادر 20 رمضان 1383هـ استفتاء إلى دار الافتاءِ بمناسبة تسليم دار الأرقم للرئاسة العامة لهيئات الأَمر بالمعروف عن أَمرين:

أحدهما: هل هناك مانع من أَن تكتب عليها عبارة ((دار الأَرقم بن أَبي الأَرقم)) تخليدًا لهذا الأَثر؟ وهل هناك مانع ديني من اتخاذها مكتبة أَو متحفًا أَو مدرسة ثم السماح للحجاج والزوار للبلاد المقدسة بزيارتها كدار ساهمت في نشر الدعوة الإسلامية في أَحلك الظروف التي مرت بها.

السؤال الثاني: لما أُزيل أَثر مسجد البيعة من الحديبية ((الشميسي)) وهل هناك مانع ديني من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أَكبر الأَثر في رفع راية الإسلام؟

هذا ما وجهته جريدة الندوة وتحته توقيع ((طالب علم)) .

ص: 151

الجواب: - أَما اتخاذ ((دار الأَرقم بن أَبي الأَرقم)) مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأَي وسيلة كان ذلك، سواءٌ كانت اعلان كتابة دار الأَرقم عليها وفتحها للزيارة، أَو اتخاذها مكتبة أَو متحفًا أَو مدرسة: فهذا أَمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أَعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها، بل كانوا يعتبرونها دارًا للأَرقم له التصرف فيها شأْن غيرها من الدور، وكان الأَرقم نفسه يرى هذا الرأْي حتى إنه تصدق بها على أَولاده، فكانوا يسكنون فيها ويؤجرون ويأْخذون عليها حتى انتقلت إلى أَبي جعفر المنصور، ثم سلمها المهدي للخيزران التي عرفت بها، ثم صارت لغيرها. يتبين هذا كله مما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن شيخه محمد بن عمر، قال: أَخبرنا محمد بن عمران بن هند بن عبد الله بن عثمان بن الأَرقم بن أَبي الأَرقم المخزومي، قال: أَخبرني أَبي، عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأَرقم، قال: سمعت جدي عثمان بن الأَرقم يقول: أنا ابن سُبُعِ الاسلام، اسلم أَبي سابع سبعة، وكانت داره بمكة على باب الصفا وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون فيها في أَول الاسلام، فيها دعا الناس إلى الإسلام وأَسلم فيها قوم كثير، وقال: ليلة الاثنين فيها ((اللَّهُمَّ أَعزَّ الإسلامَ بأَحبِ الرَّجُلَين إليكَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَوْ عَمْرو بنِ هِشَامٍ)) فجاءَ عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأَسلم في دار الأَرقم، وخرجوا منها فكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعيت دار الأَرقم دار الاسلام، وتصدق بها الأَرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأَرقم بداره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قضى الأَرقم في ربعه ما جاز الصفا أنها محرمة بمكانها من

ص: 152

الحرم، لا تباع ولا تورث، شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص. قال: فلم نزل هذه الدار صدقة فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأْخذون عليها حتى كان زمن أَبي جعفر.

قال: محمد بن عمران فاخبرني أَبي عن يحي بن عمران بن عثمان بن الأَرقم، قال: اني لأَعلم اليوم الذي وقعت في نفس أَبي جعفر إنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أَشاءُ أَن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وانه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأَرقم ممن تابعه ولم يخرج معه فتعلق عليه أَبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أَن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلاً من أَهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أَن يفعل ما يأمره به فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان الحبس وهو شيخ كبير ابن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له هل لك أَن اخلصك مما أَنت فيه وتبيعني دار الأَرقم، فإن أَمير المؤمنين يريدها، وعسى أَن بعته اياها ان اكلمه فيك فيعفو عنك، قال: انها صدقة، ولكن حقي منها له ومعي فيها شركاءُ اخوتي وغيرهم، فقال: انما عليك نفسك اعطنا حقك وبرئت، فاشهد له بحقه وكتب عليه كتاب شرى على حساب سبعة عشر ألف دينار، ثم تتبع اخوته ففتنتهم كثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن اقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون فبنتها وعرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أَمير المؤمنين، ثم سكنها أَصحاب الشطوي

ص: 153

والعدني، ثم اشترى عامتها أَو أَكثرها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر.

قال: واما دار الأَرقم بالمدينة في بني زريق فقطيعة من النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا رواه ابن سعد في الطبقات. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق شيخ ابن سعد محمد بن عمر وسكت عنه، ومن طريق الحاكم ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) في كتاب الوقف، والحافظ ابن حجر في (الدراية) قطعة منه، وكذلك في (الاصابة) . إلا أَنه قال: في ((الدراية)) : وهلال مولى هشام. بدل وفلان مولى هشام، وذكر جملة منه ابن جرير الطبري في كتابه ((ذيل المذيل)) من تاريخ الصحابة والتابعين من طريق محمد بن عمر بسنده المذكور.

فمن هذه الرواية تبين أَن كون دار الأَرقم دار إسلام لم يمنع الأَرقم التصرف فيها هو ولا ملاكها بعد، كما يتصرف في غيرها من الدور، ولم يتخذها متبركًا يتبرك به الوافدون إلى بيت الله الحرام، بل كانوا يسكنون فيها ويؤاجرون ويأخذون عليها.

وأول من اتخذ منها مزارًا الخيزران حينما اتخذت القسم الذي يذكر أَنه مختبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأَرقم بن أَبي الأرقم مسجدًا، وهذا المسجد هو الذي ذكره الازرقي في تاريخ مكة وتبعه مَنْ بعدَه، وذكر الفاسي في ((شفاء الغرام)) والنووي ((في الإيضاح)) وصاحب ((الجامع اللطيف)) أَنه المقصود بالزيارة من دار الأَرقم. وعبارة الفاسي: المقصود بالزيارة منها أَي من دار الأَرقم - هو المسجد الذي فيها وهو مشهور من المساجد التي ذكرها الأَزرقي، وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان

ص: 154

مختبئًا فيه - أَي في الموضع الذي اتخذ مسجدًا - وفيه أَسلم عمر رضي الله عنه. ويصف لنا الفاسي في ((شفاء الغرام)) مشاهدته ذلك المسجد حين يقول: وطول هذا المسجد ثمانية اذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أَذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، حرر ذلك بحضوري وفيه مكتوب (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ) .

هذه مختبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الخيزران، وفيه مبتدأُ الإسلام، امرت بتجديده الفقيرة إلى الله مولاة أَمير الملك مفلح سنة ست. وذهب بقية التاريخ. قال الفاسي: وعمره أَيضًا الوزير الجواد، وعمرته مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعمر أَيضًا في سنة احدى وعشرين وثمانمائة، والذي أَمر بهذه العمارة لا أَعرفه، والمتولى بصرف النفقة فيها علاءُ الدين علي بن ناصر محمد بن الصارم المعروف بالقائد. اهـ كلام الفاسي.

وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة، وانما الحجة في عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية في تفسير ((سورة الاخلاص)) : إِن الصحابة والتابعين لهم باحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح ولا جعلوه مشهدًا أَو مزارًا ولا على شيء من آثار الأَنبياءِ مثل مكان نزل فيه أَو صلى فيه أَو فعل فيه شيئًا من ذلك. انتهى. (1) .

وتكلم شيخ الاسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) على المزارات التي بمكة غير المشاعر مساجد وغيرها فقال ضمن

(1) جـ17 ص466 مجموع فتاوي ابن تيمية.

ص: 155

كلامه على ذلك (ص452) : ما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة غير المسجد الحرام، بل المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع العقبة الذي خلف مني وقد بني هناك مسجد، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أَربع عمر، وحج معه في حجة الوداع جماهير المسلمين لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاءَ الله، وهو في ذلك كله لم يأت هو ولا أَحد من أَصحابه غار حراء، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة، وحج بعده خلفاؤه الراشدون فمشوا على تلك الطريقة ما ساروا إلى حراء ونحوه لصلاة فيه.

وقال: في (ص429) : قد ذكر طائفة من المصنفين استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت كتبتها في منسك كتبته قبل أَن أَحج في أَول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لي أَن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أَصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأَولين من المهاجرين والأَنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أَن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأَحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاءٍ وصلاة وغير ذلك اذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له

ص: 156

بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منسكه)) : اما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أَبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أَحد من الأَئمة، وانما المشروع اتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر عرفة ومزدلفة والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال أنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فانه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة (1) .

وقال في تفسير ((سورة الاخلاص)) : النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بسمجد بمكة إلا المسجد الحرام ولم يأت للعبادات إلا المشاعر منى ومزدلفة وعرفة، ولهذا كان أئمة العلماء على أَنه لا يستحب أَن يقصد مسجد بمكة لصلاة غير المسجد الحرام ولا تقصد بقعة لزيارة غير المشاعر التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أَن قال: وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث. اهـ (2) .

ويضاف إلى هذا ما ذكر الشاطبي في ((الاعتصام)) في تتبع الآثار قال: خرج الطحاوي وابن وضاح وغيرهما عن معرور بن

(1) جـ26 ص144 مجموع فتاوي ابن تيمية.

(2)

جـ (7) ص477 مجموع فتاوي ابن تيمية.

ص: 157

سويد الأسدي، قال وافيت الموسم مع أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأَ فيها:(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) و (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) ثم رأَى ناسًا يذهبون مذهبًا فقال: أَين يذهب هؤلاء؟ قال: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصل، وإلا فلا يتعمدها. ثم قال الشاطبي: قال ابن وضاح: كان مالك بن أَنس وغيره من علماءِ المدينة يكرهون اتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قبا وحده. قال: وسمعتهم يذكرون أَن سفيان دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره ممن يقتدي به، وقدم وكيع مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان. قال ابن وضاح: وقد كان مالك يكره كل بدعة وان كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لأَن يتخذ سنة ما ليس سنة أَو يعد مشروعًا ما ليس مشروعًا.

وهذا كله على تسليم كون الدار المعروفة اليوم بدار الأَرقم هي دار الأَرقم في الواقع، وفي النفس من ذلك شيء لأَمرين:

أَحدهما: أَن موقع دار الأَرقم حسب ما تقدم في رواية ابن سعد على باب الصفا، وفي تلك الرواية قول يحيى بن عمران بن عثمان بن الأَرقم اني لأَعلم اليوم الذي وقعت - أَي دار الأَرقم - في نفس أَبي جعفر أنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها

ص: 158

ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أَشاءُ أَن آخذ قلنسوة عليه لأَخذتها، وأنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا. وهذا غير موقع الدار المعروفة اليوم بذلك الاسم. وما في رواية ابن سعد المذكورة موافق لما في تاريخ مكة للأَزرقي ومستدرك الحاكم انها عند الصفا ولما في ((أَسد الغابة)) لابن الأَثير أَنها في أَصل الصفا.

الثاني: ما ذكره ابن كثير في تاريخه ((البداية والنهاية)) في حوادث سنة 173هـ في ترجمة الخيزران، قال: قد اشترت الدار المشهورة فيها بمكة المعروفة بدار الخيزران فزادتها في المسجد الحرام. فان هذا وإن كان بعيدًا ومخالفًا لرواية ابن سعد المتقدمة ولم يذكره الأَزرقي وغيره فإنه مما يشكك في اشتهار الدار الموجودة اليوم باسم ((دار الأَرقم)) في زمن ابن كثير إذ لو كان الأَمر كذلك لما خفي عليه. (1)

وأَما قول السائل: لما أزيل أَثر مسجد البيعة من الحديبية ((الشميسي)) وهل هناك مانع ديني يمنع من الاحتفاظ به كمأْثر شهد بيعة كان لها أَكبر الأَثر في رفع راية الإسلام.

فالجواب: أَنه أُزيل لأَنه ليس مسجد الشجرة الذي يعنيه السائل بمسجد البيعة، فإن مسجد الشجرة غير معروف هو والحديبية من مدة قرون بشهادة مؤرخي مكة والمدينة.

(1) قلت: وعلى فرض أَنها هي الدار المعروفة فقد هدمت وجعلت ضمن الساحة موقفًا للسيارات وطريقًا للمشاة، وكفى الله شر التعلق والتبرك بها. فله الحمد.

ص: 159

قال الفاسي في ((شفاءِ الغرام)) في كلامه على مسجد الشجرة وعلى المسجد الآخر الذي بناه يقطين بن موسى في الشق الأَيسر: هذان المسجدان والحديبية لا يعرفون اليوم، والله أَعلم. وقال: في موضع آخر ما نصه: هي -أي الحديبية- والاعشاش لا يعرفان اليوم. وذكر في محل آخر القول بأن موضع الحديبية هو الذي فيه البير المعروفة ببير شميسي بطريق جدة، وتعقبه بقوله: الشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، وليست الحديبية بالموضع الذي يقال له الحديبية في طريق جدة لقرب هذا الموضع من جدة وبعده عن مكة، والحديبية دونه بكثير إلى مكة.

وقال الزين المراغي في ((تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة)) في كلامه على مسجد الحديبية: لا يعرف اليوم، بل يقال أن مكة ليس فيها أَحد يعرف الحديبية بعينها وإنما يعرفون الجهة لا غير.

وقال السمهودي في ((وفاءِ الوفاءِ باخبار دار المصطفى)) : هو -أي مسجد الحديبية- غير معروف، بل قال: المطري لم أَر في أَرض مكة من يعرف اليوم الحديبية إلا الناحية لا غير. وإذا كان هذا مآل مسجد الشجرة والحديبية في أَعصر أُولئك فكيف باليوم.

وأَما موقف السلف من ذلك المسجد المسمى بمسجد الشجرة أيام كان هو والحديبية معروفين فهو أَنهم لا يرون رأي السائل وهو أَنه شهد بيعة الرضوان، وممن قام ببيان ذلك من السلف سعيد بن

ص: 160

المسيب، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن طارق بن عبد الرحمن، قال انطلقت حاجًا فممرت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد، قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أَبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم فأنتم أَعلم؟! وروى ابن جرير الطبري في تفسيره عن سعيد بن المسيب قال: كان جدي يقال له حزن، وكان ممن بايع تحت الشجرة، يقول: فأتيناها من قابل فعميت علينا. وكان ابن عمر يذكر أن تعمية شجرة البيعة رحمة من الله، روى البخاري في صحيحه في ((باب البيعة في الحرب على ألا يفروا)) من كتاب الجهاد عن نافع، قال قال ابن عمر رضي الله عنهما: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله.

قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) : الحكمة في اخفائها هي أَن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما افضى بهم إلى اعتقاد أَن لها قوة نفع وضر كما نراه الآن مشاهدًا فيما دونها. قال: وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله. أَي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ج1م 11

ص: 161

ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ص306: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها (1) ، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن الخطاب بقطعها فقطعت. وهذا الذي ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا عبد الله بن عون، عن نافع، قال كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب فاوعدهم فيها وأَمر بها فقطعت، وصحح الحافظ في ((الفتح)) اسناد هذه الرواية، واعتمدها صاحب ((عيون الأَثر)) وعزاها السيوطي في ((الدر المنثور)) إلى مصنف ابن أبي شيبة. قال: ابن وضاح في كتاب ((البدع والنهي عنها)) : سمعت عيسى بن يونس مفتي طرسوس يقول: أَمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها، لأَن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى ابن يونس وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر. قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأَئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أَمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى ومتحبب إلى الله بما يبغضه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة. اهـ. وهذا ما لزم بيانه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (ص-ف-2023 في 29-10-1382هـ) .

(1) بيعة الرضوان.

ص: 162

(السحر، وأَنواعه، وحكمه)

(78- السحر أَنواع: منه شيء شعوذة (1) ومنه شيء بخلاف ذلك.)

وبعض يفرق بين هذه الأَشياء، وبعض لا يفرق. أَما السحر الحقيقي الذي ليس هو بالشعوذة بل حصل له به مثل ركوب المكنسة فهو كفر ردة يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.

والساحر لا يتم له السحر ولا تخبره الشياطين عن غائب ولا تساعده على قتل شخص إلا بعد ما عبد غير الله بتقريبه للشياطين ما يحبونه من الذبح لهم ونحو ذلك، حتى إن بعضهم يمكنهم من فعل الفاحشة به. وهذا من الاستمتاع المذكور في الآية فيكون كافرًا. (2)

(تقرير)

(79- س: الصرف والعطف)

جـ: - من السحر، قد تجعله المرأَة في طعام زوجها أَو لباسه، وقد يستعمله الرجل خوف انصراف زوجته عنه. وفي كلام بعض العجايز يسمون العطف ((العطيف))

(تقرير)

(80- س: صب الرصاص؟)

جـ: - صب الرصاص بمجرده لا يكون شيئًا، لا يصير شيئًا إلا بعد مخالطة واستمتاع من الشياطين، وذلك أَن الشياطين لها ظهور فيما له روغان وروجان. فالحاصل أَنه أمور شيطانية محضة. (3)

(تقرير)

(81- س: بعضهم يأخذ بعض أَسلاب المريض: أما ثوب أَو غترة تبقى عنده ثم يخبره غدًا)

ج: - هذا تمويه على الجهال بأنهم أَطباءُ، لأَن الجهال يستنكرون الأُمور السحرية والكهانية ونحوها. (4)

(تقرير)

(1) وهو التقمير في لسان العامة.

(2)

الآية قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) .

(3)

وانظر فتوى في الطلاق برقم (102/1 في 15/4/1386هـ) .

(4)

قلت: ويتوصلون بذلك إلى سحره أو حل السحر عنه كما يأتي.

ص: 163

(82- س: ان من البيان لسحرا؟)(1)

ج: - الصحيح ان هذا ذم للبيان، وليس لذاته.

(حكم الكهان ونحوهم)

(83- سئل عن حديث ((من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد)) )

هل هو الناقل عن الملة؟.

أَجاب: اختلف أَهل العلم فيه. فقيل أنه لا يخرجه من الاسلام بل هو من العصاة من أَهل الاسلام المتغلظة معاصيهم، والا لو كان كافرًا لما قيد باربعين. وقيل: إن هذا من أَحاديث الوعيد فيمر كما جاءَ ولا يتعرض له بتأويل. وهذا قول أَحمد وعامة السلف، لأَن ذلك أبلغ في الردع عن الجرائم. فالأَول ليس من التأْويل، وهو تادب في المعنى مع اللفظ. والثاني تادب مع اللفظ وكل مصيب.

ولكن الأَولى أَن يقال لمن يُظَنُّ أَنه يرى مذهب الخوارج: لا ينقل فانه بيان لحكمه، فان الخوارج زعموا أَنه وأَشباهه دليل على تكفير العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وإن كان الحال مأمون أَن ينزع به أَحد إلى تكفير العصاة قيل كما في النص - أَطلق كما أَطلق النص.

وكذلك المنجم والضارب بالحصي والودع. لكن عدم كفر الواحد منهما ما لم يعتقد اباحته، فان اعتقد اباحته فهو مرتد لأَن برهانها ظاهر بالشرع، لأَنه معلق على الاستخذاءِ للشياطين واستمتاع الشياطين بهم. وكذلك ما لم يدع أَنه يعلم الغيب

(1) رواه الشيخان عن ابن عمر.

ص: 164

أو يدع التصرف في الوجود في بعض الأَشياء. وكثير منهم أَو أَكثرهم لا ينفكون عن ادعاء علم المغيبات. ويعزر أَصحاب هذه الأُمور تعزيرًا يردعهم وأَمثالهم ثم يكف عنهم. والتعزير يرجع إلى الامام الناظر النظر الشرعي، فإذا اقتضى القتل لا سيما من كان له شهرة في ذلك فانه يقتل.

(تقرير التوحيد وكتاب الايمان) .

(84- النشرة)

وقال في رد قول بعض الحنابلة: ويجوز الحل بسحر ضرورة.

والقول الآخر أَنه لا يحل. وهذا الثاني هو الصحيح، وحقيقته أَنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء أَو السجود له أَو غير ذلك، فإذا فعل ذلك ساعد الشيطان وجاءَ إلى اخوانه الشياطين الذين عملوا ذلك العمل فيبطل عمله عن المسحور.

وكلام الأَصحاب هنا بين أَنه حرام ولا يجوز الا لضرورة فقط ولكن هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل إلا كلام ابن المسيب. ومعنا حديث جابر في ذلك (1) وقول ابن مسعود (2) وقول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر. وهو لا يتوصل إلى حَلِّهِ إلا بسحر، والسحر حرام وكفر. أَفيعمل الكفر لتحيا نفس مريضة أَو مصابة؟ مع أَن الغالب في المسحور أَنه يموت أَو يختل عقله، فالرسول منع وسد الباب ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور.

(تقرير)

(1) أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال هي من عمل الشيطان رواه أحمد بسند جيد.

(2)

بكراهة ذلك كله.

ص: 165

(85- وأما الجواب على السؤال الثاني (1) وهو:

هل يجوز للانسان أَن يصدق أَو يتشاءم في عدد أَو يوم أَو شهر أَو نحو ذلك إلى آخره

)

فالجواب:

هذا لا يجوز، بل هو من عادات أَهل الجاهلية الشركية التي جاءَ الاسلام بنفيها وابطالها، وقد صحرت الأَدلة بتحريم ذلك، وانه من الشرك، وانه لا تأثير له في جلب نفع أَو دفع ضرر، إذ لا معطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار إلا الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِه) الآية (2) .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَوْ اجْتَمَعَت الأُمَّةُ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيء لمْ يَنْفَعُوك إلَاّ بشَيء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيء لمْ يَضُرُّوكَ إلَاّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ رُفِعَت الأَقْلَامُ وجُفَّتِ الصُّحُف)) (3) .

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا عَدْوى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفرَ)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية ((وَلَا نَوْءَ وَلَا غُوْل) رواه مسلم. فنفى الشارع صلى الله عليه وسلم الطيرة وما ذكر في الحديث، واخبر أَنه لا وجود له ولا تأثير، وإنما يقع في القلب توهمات وخيالات فاسدة. وقوله:((وَلَا صَفَرَ)) نفي لما كان عليه أَهل الجاهلية من التشاؤم بشهر

(1) من أسئلة اللاذقي.

(2)

سورة يونس 107.

(3)

رواه الترمذي.

ص: 166

صفر ويقولون هو شهر الدواهي، فنفى ذلك صلى الله عليه وسلم وأَبطله، وأَخبر أَن شهر صفر كغيره من الشهور لا تأْثير له في جلب نفع ولا دفع ضرر. وكذلك الأَيام والليالي والساعات لا فرق بينها، وكان أَهل الجاهلية يتشاءَمون بيوم الأَربعاء، ويتشاءَمون بشهر شوال في النكاح فيه خاصة، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شوال فمن كان عنده أَحظى مني. وهذا كتشاؤم الرافضة باسم العشرة وكراهتهم له لبغضهم وعداوتهم للعشرة المبشرين بالجنة من أَصحاب رسول الله، وهذا من جهلهم وسخافة عقولهم. والكلام على هذه المسأَلة استوفاه شيخ الاسلام في المنهاج في الرد على الرافضي (1) .

وكذلك أَهل التنجيم يقسمون الأَوقات إلى ساعة نحس وشؤم وساعة سعد وخير: ولا يخفى حكم التنجيم وتحريمه وأنه من أَقسام السحر. والكلام عليه مستوفى في موضعه. وكل هذه الأمور من العادات الجاهلية التي جاءَ الشرع بنفيها وابطالها.

قال ابن القيم رحمه الله: التطير هو التشاؤم بمرئي أَو مسموع. فإذا استعملها الانسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عن ما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه، وبرىء من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله. والتطير مما يراه أَو يسمعه وذلك قاطع عن مقام (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)(فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)(2) و (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)(3) .

(1) الجزء الأَول ص9 وقال: حتى في البناء لا يبنون على عشرة أَعمدة ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك.

(2)

سورة هود 123.

(3)

سورة الشورى 10.

ص: 167

فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلاً فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة ويساق إليه من كل أَوب. ويقيض له الشيطان من يفسد عليه دينه ودنياه. وكم هلك بسبب ذلك وخسر الدنيا والآخرة. فالأَدلة على تحريم التطير والتشاؤم معروفة موجودة في مظانها فلنكتفي بما تقدم. (انتهى من الفتوى اللاذقية المطبوعة عام 1375هـ)

(86- تحريم التنجيم، وحكم الاعلان عن الكسوف قبل حدوثه)

وسئل عن حديث: ((مَنْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ مَا زاد)) (1) وما قولكم في الذين يعلنون بقولهم: الشمس بيكسف بها أَو القمر وأَنا قد شاهدت في زمن أبيك وعمك عبد الله أن الصميت قال بيكسف بالشمس باكر فكسف بها فلما علم أَبوك وعمك، وعلماءُ زمانهم اجلوه من البلاد وقالوا هو منجم، وتعلم علم النجوم ممنوع. افتنا ما لمسوغ لترك من يفعل هذا اليوم؟

فأَجاب: أَما حديث: ((مَنْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ)) فهو يفيد تحريم تعلم التنجيم وأنه يدخل في السحر، وأنه كلما زاد صاحبه توغلاً في علم النجوم المحرم زاد بذلك توغلاً في علم السحر.

وأَما الذين يعلنون بقولهم الشمس بيكسف بها أَو القمر. فهم مخطئون في اعلانهم وجزمهم بذلك في الوقت الذي عينوه، وإن كان ذلك يدرك بالحساب، لأَن له أسبابًا معلومة عند علماء

(1) رواه أَبو داود وأَحمد وابن ماجه وصححه النووي والذهبي.

ص: 168

الهيئة، إلا أَن الحساب يخطىء ويصيب. وفرق بين من يعلن ذلك ويجزم به وبين من يخبر عن أَهل الحساب أنهم يقولون ذلك، ولا سيما إذا لم يخبر به العوام وإنما يخبر الخواص.

وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عن قول أَهل الحساب: الشمس سيكسف بها في وقت كذا. فافتى ان حكم ذلك حكم اخبار بني اسرائيل التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أَخْبرَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبوهم)) (1) والعلة في النهي عن تصديق أَهل الكتاب وتكذيبهم هو احتمال أَن يكون ما ذكروه حقًا فيكون من كذبهم مكذبًا بحق، واحتمال أَن يكون ما اخبروا به كذبًا فيكون من صدقهم مصدقًا بالكذب.

فهكذا اخبار المخبرين عن الكسوف والخسوف قد يكونون مصيبين في حسابهم فيكون مكذبهم مكذبًا بصدق، وقد يكونون مخطئين فيكون مصدقهم مصدقًا بالباطل والكذب.

وأما ما ذكرته من قصة الصميت وأنه أجلي من أَجل ذلك فلا صحة لذلك.

وأَما انكار الجزم بوقت الكسوف والتحدث بذلك فهذا صنيع المشايخ مع من صدر منه ذلك، ينكرون عليه جزمه بذلك وافشاءَه، بل كان من المستفيض أَن رجلاً حاسبًا في بلد الدرعية وقت أَولاد الشيخ محمد قدس الله روحه وأَرواحهم جميعًا أطنه يقال له ابن جاسر كان ساكنًا في أَعالي الدرعية فتوضأَ في نخله وركب حماره ونزل إلى مسجد البحيري أَو غيره من المساجد الكبار في الدرعية، وكان يخبر من لقيه في الطريق أنه إنما نزل إلى

(1) انظر مجموع فتاويه جـ24 ص254- 258.

ص: 169

المسجد لكون الشمس سيكسف بها وقت كذا وكذا من ذلك اليوم، فلما بلغ ذلك المشايخ من أَولاد الشيخ محمد رحمهم الله وغيرهم انكروا عليه جزمه بذلك وتوضئه وركوبه وسيره إلى المسجد لذلك.

(ص-ف-1128-2 في 29-6-77هـ.)

(التوكل)

87-

س: - قول من قال: تجب الثقة بالنفس؟

ج: لا تجب ولا تجوز الثقة بالنفس. في الحديث: ((وَلَا تَكِلْني إلى نَفْسِيْ طرْفَةَ عَيْن)) (1) من يقوله؟! أَخشى أَن هذه غلطة منك؟! لا أَظن أَن انسانًا له عقل يقول ذلك، فضلاً عن العلم.

(تقرير الحموية) .

88-

س: - قول بعض العامة: توكلت عليك يا فلان في كذا؟

ج: - هذا شرك. أَما التوكيل فيجوز، لأَنه استنابة.

(تقرير ثلاثة الاصول)

89-

س: - متوكل على الله ثم عليك يا فلان؟

ج: - شرك. يقول موكلك. ولا يقول موكل الله ثم موكلك على هذا الشيء. هذه عامية، وليست في محلها.

(تقرير ثلاثة الأصول)(2)

(الحلف بغير الله)

90-

س: - الحلف بالأمانة؟

(1) وجاء في حديث رواه أحمد: ((واشهد أنك ان تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة واني ان أثق إلا برحمتك)) .

(2)

قلت والفرق بين هذا وبين أَعوذ بالله ثم بك أنه تجوز الاستعاذة بالمخلوق مفردًا فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل فإنه كله عبادة، كما لا يجوز أسجد لله ثم لك يا فلان، أَو أَعبد الله ثم أَعبدك يا فلان.

ص: 170

ج: الحلف بالأَمانة إذا اطلق فهو مكروه أَو حرام، لأَن الأَمانة فيها اشتراك، وذلك أَن الأَمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أَن كل كمال اتصف به المخلوق فالله أَحق وأَولى به، أَما إذا قال: وأَمانة الله فليس من ذلك. هذا الذي أَفهم الآن. أما ((مَنْ حَلَفَ بِالأمانَةِ فَلَيْسَ مِنِّي)) فهو وعيد. (1)

(تقرير)

91-

س: - بالعون؟

ج: - هذا صريح في الحلف بغير الله، وليس الظن أَنه يعني: بعون الله.

(تقرير) .

92-

س: في ذمتي؟

ج: هذا المراد في ذمتي قسم.

(تقرير) .

(سب الدهر)

(93- قول القائل لم تسمح لي الظروف وإذا سمحت)

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الطالب عبد الرحمن الصالح الشبل والطالب صالح الحمد الرميح - الطالبان بدار التوحيد بالطائف سلمهما الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فبالاشارة إلى مذكرتكم رقم.... وتاريخ 18-4-1375هـ المتضمن السؤال عن المسائل التي طلبتم الاجابة عليها.

1-

ما جرى على أَلسنة بعض الناس من إضافة السماح إلى الدهر ونحو ذلك. فهو كاضافة المجيء والذهاب إلى الدهر ونحو ذلك لا فرق بينهما، وهو شيء شائع وموجود في الكتاب والسنة

(1) روى أَبو داود: ((من حلف بالأَمانة فليس منا.)) .

ص: 171

كقوله سبحانه: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ)(1) وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَاتِيْ عليْكمْ زمانٌ إلَا وَالَّذِي بَعْده شرٌ مِنْه)) (2) .

ومعلوم أَن المتكلم بهذه الكلمة لا يقصد أَن الدهر يتصرف بنفسه بل يعتقد أَن الدهر خلق مسخر لا يجيء ولا يذهب لا بمشيئة الله سبحانه - وإنما هذا من باب التجوز والتوسع في الكلام كقوله سبحانه (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)(3) . على أَن الأَدب تركها وأَمثالها، أَما لو قصد أَن الدهر يفعل حقيقة فهذا لا شك أنه اشراك مع الله سبحانه.

وأَما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر فلا بأس بذلك، كقوله سبحانه (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) (4) وقوله:(سَبْعٌ شِدَادٌ)(5) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَا يأْتِي زمانٌ إلَاّ الَّذي بعْده شر مِنْه)) والأَدلة على ذلك كثيرة جدًا.

وأما سب الدهر فهو الذي وردت الأَدلة بالنهي عنه والتحذير منه وتحريمه كما في الصحيح عن أَبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قالَ الله يؤذِيني ابْن آدَمَ يسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنا الدَّهْرُ أُقلِّبُ اللَّيْل وَالنَّهارَ)) . وفي رواية ((لا تسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْر)) . (ص-ف-203 في 3-5-75هـ (6) .

(1) سورة الانسان 1.

(2)

((لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه)) أخرج أحمد والبخاري وابن ماجه عن أَنس.

(3)

سورة الكهف 77.

(4)

سورة الحاقة 7.

(5)

سورة يوسف 48.

(6)

وانظر بقية الفتوى في أصول التفسير الجزء الأَخير.

ص: 172

(94- التسمي بالمفتى الأَكبر، وسيد السادات، ونحوهما)

من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بن عبيد

- المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن المسأَلة الاثنتين، وقد جرى تأملهما والجواب عليهما بما يلي:

المسأَلة الأولى: هل يجوز أَن يقال لأَحد من العلماء ((المفتي الأَكبر)) مع أَن الله هو المفتي الأَكبر؟

والجواب: الحمد لله هذه المسأَلة ذات شقين.

الشق الأول وهو تلقيب الشخص بالمفتي الأَكبر فله اعتباران.

الاعتبار الأَول أَن يكون هذا الشخص هو الذي يسمي نفسه بهذا الاسم ويحبه ويطلب من الناس أَن يسموه به.

والاعتبار الثاني كون الناس يسمونه بهذا الاسم بدون تشوق منه ولا طلب ولا رغبة فيه.

فأما بالنسبة للاعتبار الأَول. فأَنا شخصيًا لا أُسمي نفسي بهذا الاسم لا شفهيًا ولا كتابيًا، ولا أَرغب أَن يسميني به أَحد، بل أَكرهه وقد نبهت على هذا مرارًا في عدة مناسبات.

وأَما بالنسبة للاعتبار الثاني وهو كون الناس يسمون الشخص بهذا الاسم فلا يظهر لي أن في هذا مانعًا شرعيًا، لأَنه وإن كان بلفظ أَفعل التفضيل فليس القصد منه التفضيل المطلق ومنازعة الرب في الأَكبرية، وإنما القصد أَنه أكبر الموجودين من المفتين ومرجع لهم، كما أَن تلقيب غير الرسول صلى الله عليه وسلم

ص: 173

بلقب الامام الأَعظم ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول وإنما القصد أَن هذا الشخص هو أَعظم الأَئمة الموجودين ومرجعهم الذي يرجعون إليه في أُمورهم، ولهذا صرح الفقهاءُ في كتاب الجنائز بأَن الإمام الأَعظم لا يصلي على الغال ولا على قاتل نفسه. وكما اطلقت لفظة المفتي الأَعظم على بعض العلماء ولم نسمع بأَحد أَنكرها أَو حملها على ما حملتها عليه.

(ص-ف-879-1 في 5-4-1385هـ) . (1)

(95- الاستهزاء بسنة الرسول)

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأَخ المكرم الشيخ محمد عمر بن عبد القادر اسكندر

سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فبالاشارة إلى كتابكم المؤرخ 25-6-1375هـ المتضمن استفتاءَكم عن من يستهزىء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نفيدكم أَن الاستهزاءَ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصريحة الصحيحة كفر بلا ريب، لقول الله عز وجل:(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ - لَا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)(2) .

فإن سبب نزول هذه الآية وبه يعرف تفسيرها أنه قال رجل

(1) ويأتي الجواب عن الشق الثاني في الصفات.

وهو أَن اطلاق ((المفتي الأَكبر)) على الله غير صحيح، وأَما اسناد الافتاء إليه بصفة الفعل المقيد فلا اشكال فيه.

(2)

سورة التوبة 65، 66.

ص: 174

في غزوة تبوك: ما رأَينا مثل قرائنا هؤلاء ارغب بطونًا ولا أَكذب أَلسنًا ولا أَجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه القرء، فقال له عوف بن مالك كذبت ولكنك منافق، لأَخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاءَ ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق. فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) ما يلتفت إليه وما يزيده عليه.

لكن الشخص المعين الذي يصدر منه شيء من هذا لا يحكم بكفره عينًا إلا بشروط معروفة، فإن الحكم على الشخص المعين بالكفر شيء، والحكم على القول أَو العمل أَنه كفر شيء آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(ص-ف-303 في 15-7-1375هـ) .

(96- الاستهزاء بأَهل الدين)

المهزلة دالة على عدم عظمة المهزول به، ولهذا تجد الناس الذين يهزل بعضهم ببعض لا تراهم يهزلون بأهل المقامات العالية.

ثم نعلم هنا أَن الذين من شأْنهم الاستهزاءُ بأَهل الدين هذا قد يصل إلى الكفر الذي يكون ديدنه - لا يسمح باحد من أَهل الخير إلا وتكلم فيهم - فهذا لا يكاد يصدر إلا من منافق، ولهذا أَشار الوالد الشيخ عبد الرحمن في حاشيته على التوحيد أَنه يخشى

ص: 175

عليه أَن يكون بذلك مرتدًا (1) . أَما كونه وقع في أَمر عظيم ووقع في نفاق بارز فهذا واضح. (2) .

وليس المراد من يكون بينه وبينهم شحناء دون بقية أَهل الخير - وهو من الأُمور المحرمة.

(تقرير) .

(97- غلام مصطفى، وعبد مصطفى)

من محمد بن إبراهيم إلى المكرم غلام مصطفى إبراهيم

المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن جواز التسمية بغلام مصطفى وعبد مصطفى ونحوها مما هو رايج في بلادكم الباكستان، وتذكر أَن غلام بمعنى عبد في اللغة الأردية.

والجواب: الحمد لله. لا يخفى أَن الله تعالى خلق الخلق لعبادته قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)(3) فكلهم عبيده وملكه واحكامه جارية عليهم ولابد كما قال تعالى:

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)(4) فلا يحل أَن يسمى أَحد منهم باسم يعبد فيه لغير الله.

قال أَبو محمد ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمر وعبد الكعبة وما أَشبه ذلك.

(1) قال في ((قرة عيون الموحدين)) : ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأَهله عدم احترامهم لاجله.

(2)

وانظر بقية البحث في حكم المرتد. واستهزاء الرافضة بعمر بن الخطاب يأتي قريبًا.

(3)

سورة الذاريات 56.

(4)

سورة طه 93.

ص: 176

وقال ابن القيم: لا تحل التسمية بعبد علي وعبد الحسين ونحوهما. وقد روى ابن أَبي شيبة عن هانيء بن شريح قال: وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قوم فسمعهم يسمون رجلاً عبد الحجر فقال له ((ما اسْمُكَ فقال عبد الْحجر فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّما أًَنتَ عبدُ اللهِ)) .

ولهذا نص الفقهاءُ رحمهم الله أَنه يحرم أَن يسمى أَحد بعبد لغير الله كعبد الكعبة وعبد النبي وما أشبه ذلك.

وحيث غير النبي صلى الله عليه وسلم اسم عبد الحجر وسماه بعبد الله فينبغي لك تغيير اسمك غلام مصطفى، لا سيما وقد ذكرت أَن غلام معناها عبد في الأُردية. والله الموفق. والسلام عليكم.

(ص-ف-182-1 في 23-1-1385هـ)

(98- التسمية بعبد النبي، وابن الله)

من محمد بن إبراهيم إلى سعادة مدير عام ديوان الموظفين العام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد بعث لنا سعادة وكيل وزارة الصحة صورة من خطابه لكم برقم 29831-1573 في 14-8-85هـ حول تحوير الأَسماء المتنافية مع تعليمات الدين الاسلامي أمثال: فلان عبد النبي وفلان ابن الله. وذلك بادخال كلمة رب في اسم (عبد النبي) وكلمة (عبد) في اسم فلان بن الله.

ونخبركم أَن هذا أَمر يتعين شرعًا ويتحتم وجوبه. (1)

والسلام عليكم ورحمة الله.

(ص-ف3657 في 27-8-1375هـ) .

(1) فتكون التسمية: عبد رب النبي. وفلان بن عبد الله.

ص: 177

(99- تصوير تمثال لمعظم، والرسم على الورق والقماش، وتعليقها في البيوت، وتشكيلها في المجلات والصحف)

الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم أَنبيائه.

أَما بعد: إلى حضرة فضيلة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار العربية السعودية

المحترم

بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

لدي سؤال، واعذرني عن الاتصال بكم، وهو كما يأتي:

1-

تكوين تمثال لرجل عظيم من حجر.

2-

تخطيط بآلة التصوير أَو مرسمة (1) وتكوين صورة لرجل في قطعة من البياض.

س: - هل هنا فرق بينهما، وهل هي حرام أَو مكروه تعليقها في البيوت وتشكيلها في المجلات والصحف، وما هو الدليل على ذلك من القرآن الكريم، أَو من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟.

المستفتي أَحمد عوض

كاتب بالمربع بالأَوراق الخاصة

الجواب: أَما اتخاذ تمثال رجل عظيم ينحت من حجارة أَو غيرها. فهذا أبلغ أَنواع التصوير المحرم، بل هذا غلو في هذا الرجل المعظم، مسبب عبادة هذا الصنم مع الله تعالى. وأَول شرك وجد في بني آدم هو ما وجد زمن نوح عليه السلام، وسببه الغلو في العظماء من رجال الدين والعلم بأَنواع من أَعظمها

(1) قلم رصاص.

ص: 178

تصويرهم صورهم ونصبهم اياها في مجالسهم، ولم تخطر لهم بقلوبهم عبادتها بحال، بل قصدهم من صورهم المذكورة تذكر أَهل الدين والعلم ليعملوا بما كانوا يرونهم عليه في حال حياتهم من العمل الصالح، فانقرض ذلك الجيل وجاءَ جيل جديد ليس عندهم من العلم بحقيقة هذه الصور وشأْنها إلا أَنها معظمة تعظيمًا دينيًا، وان ذلك مما يحبه الله، وان ذلك يقربهم إلى الله زلفى، فدس إليهم الشيطان أَن أَوليكم ما صوروها إلا أَنهم يستنزلون بها المطر من السماء ويستنصرون بها على الأَعداء، ويستشفعون بها إلى الله، فحينئذ عبدوا تلك الصور وهي الأَصنام فأَرسل الله رسوله نوحًا عليه السلام يأْمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الأَصنام ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. وهذا هو معنى ما ذكره المفسرون على قوله تعالى:(وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)(1) .

فمن أَجل كون تصوير الصور ولا سيما صور المعظمين من وسائل الشرك في العبادة، ومن أَجل أَيضًا ما في ذلك من المضاهات بخلق الله: جاءَت السنة الثابتة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ الشديد في ذلك: من لعن المصورين، والتصريح بكونهم أَشَدَّ الناس عَذابًا يوْمَ الْقيامةِ، وبأن كلِّ مصور في النار يجعل له بكل صورة صوَّرها نفسٌ يعذب بها في جهنم، وبأن من صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّفَ أَن ينفُخَ فيها الروح وليس

(1) سورة نوح 23.

ص: 179

بنافخ، وبأنَّ أصحاب هذه الصور يعذبون يوم الْقيامة ويقال لهم أَحيُوْا ما خلقتم. هذه متون أَحاديث لشهرتها اكتفيت بذلك عن ذكر مخرجيها (1) هي ونحوها من الأَحاديث دليل المنع وان التصوير من الكبائر.

وأَما الصور المخططة في البياض من الورق وغيره فهي ملحقة بها في التحريم، لعموم الأَدلة، ولوجود حقيقة العلة. نعم بعض من كان لهم نصيب من اتباع المتشابه وترك المحكم يتعلقون بحديث:((إلَاّ رَقْمًا فِي ثَوْب)) (2) فلا يمنعون من الصور إلا ما كان مجسدًا. وأَتباع الأَئمة الأَربعة وسائر السلف على المنع عملاً بالمحكم إلا من شذ، وتقديمًا له على المتشابه، وحمل المتشابه على حالة لا تعارض المحكمات. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين.

(ص-م 8 في 7-8-73هـ)

وذكر ابن كثير قولاً بأن آية (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)(3) نزلت في المصورين. وتصوير الأُمراء تعظيم لأَجل الإِمارة ولكن قد يغلى فيهم أَيضًا فيعبدون.

(تقرير)

(100- الصور المجسمة الصغيرة ولعب عائشة رضي الله عنها

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أَشرف المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين.

(1)() جاء لعن المصور في الحديث الذي رواه البخاري في (اللباس)

ويأتي ذكر مخرجي بقية الأَحاديث في الفتوى عدد 101.

(2)

ويأتي الجواب عنه في الفتوى عدد 101.

(3)

سورة الأحزاب 57.

ص: 180

وبعد: فقد نشرت جريدة البلاد السعودية بعددها (1419) الصادر في يوم الثلاثاء الموافق 9-4-73 حول مطالعات أَحمد إبراهيم الغزاوي. بعنوان ((عرائس البنات)) تعليقًا قالت فيه: إن عرائس البنات ولعب الأَولاد أَو (الدمى) لازالت حاجة ملحة من حاجات الطفولة تدخل إلى الأَطفال المسرة وتشيع البهجة في نفوسهم، إلا أَن هذه اللعب الدمى قد تطورت مع الزمن كما تطور كل شيء في الدنيا فأخذت تصنعها المصانع فزادت فيها تشويقًا وتلوينًا وتنويعًا ولكنها لم تخرج عن حقيقتها كلعب أَطفال، فهل يختلف الحكم على هذه اللعب عن الحكم على لعب السيدة عائشة؟.

وقد وجهت الجريدة إلي استفتاءَها في ذلك، فأَقول مستعينًا بالله تعالى:

نعم يختلف حكم هذه الحادثة الجديدة عن حكم لعب أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لما في هذه الجديدة الحادثة من حقيقة التمثيل والمضاهات والمشابهة بخلق الله تعالى، لكونها صورًا تامة بكل اعتبار، ولها من المنظر الأَنيق والصنع الدقيق والرونق الرائع ما لا يوجد مثله ولا قريب منه في الصور التي حرمتها الشريعة المطهرة، وتسميتها لعبًا وصغر أَجسامها لا يخرجها عن أَن تكون صورًا، إذ العبرة في الأَشياء بحقائقها لا باسمائها، فكما أَن الشرك شرك وان سماه صاحبه استشفاعًا وتوسلاً، والخمر خمر وإن سماها صاحبها نبيذًا: فهذه صور حقيقية وان سماها صانعوها والمتاجرون فيها والمفتونون بالصور لعب أَطفال، وفي

ص: 181

الحديث: ((يَجِيءُ في آخرِ الزمَانِ أَقوامٌ يَسْتحِلُّون الْخمرَ يُسمونَهَا بغيرِ اسمِها)) .

ومن زعم أَن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأَرواح فعليه إقامة الدليل وأَن يجد إلى ذلك سبيلاً، فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبعة ولا نحو ذلك، بل الظاهر أنها من عهن أَو قطن أَو خرق أَو قصبة أَو عظم مربوط في عرضه عودًا معترضًا بشكل يشبه الموجود من اللعب في أَيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدًا، لما في صحيح البخاري من أَن الصحابة يصومون أَولادهم فإذا طلبوا الطعام أَعطوهم اللعب من العهن يعللونهم بذلك، ولما في سنن أَبي داود وشرحها من حديث عائشة من ذكر الفرس ذي أَربعة الأَجنحة من رقاع يعني من خرق، ولما علم عن حال العرب من الخشونة غالبًا في أَوانيهم ومراكبهم وآلاتهم آلات اللعب وغيرها. وفيما ذكرت ها هنا مقنع لمريد الحق إن شاء الله تعالى.

ثم ليعلم أَن تطور الزمان بأَي نسبة لا يخرج شيئًا عن حكمه الشرعي، إذ رفع حكم ثبت شرعًا بالحوادث لا يجوز بحال، لأَنه يكون نسخًا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسًا.

وربما شبه هاهنا بعض الجهلة بقول عائشة رضي الله عنها: لو رأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أَحدث النساءُ لمنعهن المساجد. ولا حجة فيه بحمد الله على تغيير الأَحكام الثابة شرعًا بالحوادث، فإن عائشة ردت الأَمر إلى صاحب الشرع، فقالت:

ص: 182

لو رأَى لمنع. ولم تمنع هي، ولم تر لأَحد أَن يمنع، وهذا واضح بحمد الله. والله الموفق.

محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض (22-5-73هـ)

(101)

التصوير الشمسي، وبطلان فتوى من أَجازه)

وجه إليَّ سؤال عما كتبه أَبو الوفاء محمد درويش في مجلة ((الهدي النبوي)) من الفتوى بشأن التصوير الشمسي، والفتوى بجوازه مطلقًا، ومؤكدًا الجواز ومستدلاً عليه بما رواه مسلم عن بسر بن سعيد، حينما قال بسر لعبد الله الخولاني وقد رأى سترًا فيه صورة في بيت زيد: أَلم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأَول، فقال عبد الله أَلم تسمعه حين قال: الا رقمًا في ثوب، وبقوله تعالى:(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)(1) .

مقررًا ذلك بقوله: لا يريد إلا أَنه عجعل أَجسامكم في صورة حسنة، قال: فالتصوير في الحقيقة لا يطلق إلا على المجسمات.

وجوابي عن ذلك أَن أَقول: تصوير ماله روح لا يجوز، سواءٌ في ذلك ما كان له ظل وما لا ظل له، وسواءٌ كان في الثياب والحيطان والفرش والأَوراق وغيرها. هذا الذي تدل عليه الأَحاديث الصحيحة، كحديث مسروق الذي في البخاري، قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِنَّ أَشدَّ الناس عذابًا يومَ القيامةِ الْمصوِّرُونَ)) وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الَّذينَ يَصنعونَ

(1) سورة التغابن 3.

ص: 183

هذهِ الصورَ يُعذبُونَ يومَ القيامة يُقالُ لهم أَحْيُوا ما خَلَقْتُم)) .

وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال سمعت محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول:((مَنْ صورَ صورة في الدُّنيا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الروحَ وليس بنافخ)) فهذه الأَحاديث الصحيحة وأَمثالها دلت بعمومها على منع التصوير مطلقًا، ولو لم يكن في الباب سواها لكفتنا حجة علىالمنع الاطلاقي، فكيف وقد وردت أَحاديث ثابتة ظاهرة الدلالة علىمنع تصوير ما ليس له ظل من الصور: منها حديث عائشة رضي الله عنها وهو في البخاري أَنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالباب فلم يدخل، فقالت أَتوب إلى الله عما اذنبت، فقال: ما هَذهِ النِّمرقَةُ. فقلتُ لتجلس عليها وتَوَسَّدَهَا. قال: إِنَّ أَصحاب هذه الصور يُعذبون يوم الْقيامة يقال لهم أَحيوا ما خلقتم وإِنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصور)) .

ومنها حديث أَبي هريرة رضي الله عنه الذي في السنن وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه: ((أَتاني جبريلُ فقَالَ أَتيتكَ الْبارحةَ فَلمْ يمنعني أَن أَكونَ دَخلتُ إِلا أَنهُ على الْباب تماثيل، وكان في الْبيت قِرامُ سِتْر فيه تماثيل وكانَ في البيتِ كلبٌ، فمرْ براس التمثال الذي على باب الْبيت يقطع فيصير كهيئة الشجر، ومر بالستر فليُقطَعْ فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتانِ منبوذتانِ تُوْطَآن، وَمُرْ بالكلبِ فَلْيُخْرجْ. ففعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) ومنها ما في مسلم عن سعيد بن أَبي الحسن، قال جاءَ رجل إلى ابن عباس، فقال إني رجل أُصور هذه الصور فافتني فيها. فقال

ص: 184

له: أدن مني. فدنا منه. ثم قال: ادن مني. فدنا منه. ثم قال: أدن مني. فدنا حتى وضع يده على رأْسه، قال: انبئُك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((كُلُّ مُصور في النارِ يُجْعَلُ لهُ بكلِّ صُورة يُصورُهَا نفسٌ فتعذبُهُ في جهنم)) وقال: ان كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له. ومنها ما في سنن أَبي داود، عن جابر رضي الله عنه ((أَن النبي صلى الله عليه وسلم أَمر عمر بن الْخطاب زمن الْفتح وهو بالْبطحاء أَن يأتي الْكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى محيت كل صورة فيها)) . ومنها ما بوب عليه البخاري بقوله: (باب نقض الصور) وهو حديث عمران بن حطان أَن عائشة رضي الله عنها حدثته ((أَن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه)) .

ومن هذه الأَحاديث وامثالها أَخذ أَتباع الأَئمة الأَربعة وسائر السلف إلا من شذ منع التصوير، وعمموا المنع في سائر الصور، سواء ما كان مجسدًا وما كان مخططًا في الأَوراق وغيرها كالمصور في أَصل المرآة وغيرها مما يعلق في الجدران ونحو ذلك.

أَما تعلق من خالف في ذلك بحديث ((الا رقما في ثوب)) فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأَرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الامام أَبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا

ص: 185

كان محتملاً فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أَن يحمل على ما يوافق الأَحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل. على أَنه لو سلم بقاء حديث إلا رقمًا في ثوب على ظاهره لما أَفاد الا جواز ذلك في الثوب فقط، وجوازه في الثوب لا يقتضي جوازه في كل شيء، لأَن ما في الثوب من الصور إما ممتهن واما عرضة للإمتهان، ولهذا ذهب بعض أَهل العلم إلى أَنه لا بأس بفرش الفرش التي فيها التصاوير استدلالاً يما في حديث السنن الذي أَسلفنا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ((ومُرْ بالسِّتْر فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتان مَنْبُوذَتانِ تُوْطَآن)) اذ وطئها وامتهانها مناف ومناقض لمقصود المصورين في أَصل الوضع وهو تعظيم المصور والغلو فيه المفضي إلى الشرك بالمصور، ولهذه العلة والعلة الأخرى وهي المضاهاة بخلق الله جاءَ الوعيد الشديد والتهديد الأَكيد في حق المصورين.

واما جعل الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) معارضة لما دلت عليه النصوص النبوية بعمومها تارة وبظاهرها أخرى فهذا من أَفحش الغلط، ومن أَبين تحريف الكلم عن مواضعه، فان التصوير الشمسي وإن لم يكن مثل المجسد من كل وجه فهو مثله في علة المنع وهي ابراز الصورة في الخارج بالنسبة إلى المنظر، ولهذا يوجد في كثير من المصورات الشمسية ما هو أبدع في حكاية المصور حيث يقال هذه صورة فلان طبق الأَصل. والحاق الشيء بالشيء لا يشترط المساواة من كل الوجوه كما هو معلوم. هذا لو لم تكن الأَحاديث ظاهرة

ص: 186

في التسوية بينهما، فكيف وقد جاءَت أَحاديث عديدة واضحة الدلالة في المقام.

وقد زعم بعض مجيزي التصوير الشمسي أنه نظير ظهور الوجه في المرآة ونحوها من الصقيلات، وهذا فاسد فإن ظهور الوجه في المرآة ونحوها شيء غير مستقر، وإنما يرى بشرط بقاءِ المقابلة، فإذا فقدت المقابلة فقد ظهور الصورة في المرآة ونحوها، بخلاف الصورة الشمسية فإنها باقية في الأَوراق ونحوها مستقرة، فالحاقها بالصور المنقوشة باليد أَظهر وأَوضح واصح من الحاقها بظهور الصورة في المرآة ونحوها، فإن الصورة الشمسية وبدو الصورة في الأَجرام الصقيلة ونحوها يفترقان في أَمرين:(أَحدهما) : الاستقرار والبقاءُ. (الثاني) : حصول الصورة عن عمل ومعالجة. فلا يطلق لا لغة ولا عقلا ولا شرعا على مقابل المرآة ونحوها انه صور ذلك، ومصور الصور الشمسية مصور لغة وعقلاً وشرعًا، فالمسوي بينهما مسو بين ما فرق الله بينه. والمعانعون منه قد سووا بين ما سوى الله بينه، وفرقوا بين ما فرق الله بينه، فكانوا بالصواب أَسعد، وعن فتح أَبواب المعاصي والفتن أَنفر وأَبعد، فإن المجيزين لهذه الصور جمعوا بين مخالفة أَحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفث سموم الفتنة بين العباد بتصوير النساء الحسان، والعاريات الفتان في عدة أَشكال وأَلوان، وحالات تقشعر لها كل مؤمن صحيح الايمان، ويطمئن إليها كل فاسق وشيطان، فالله المستعان وعليه التكلان. قاله الفقير إلى مولاه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف

ص: 187

آل الشيخ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

(24-11-1373هـ وطبعت عام 1385)

(102- التصوير الضوئي، والتصوير بالأَصباغ)

التصوير الضوئي اغتر به كثير، وسببه أَنهم بلوا به ولم يجدوا مناصًا ففرقوا (1) وهذا غلط. فالمصور يريد شيئًا يحصل عن تسببه صورة في الخارج، فالغرض إيجاد مثال الصورة، ابرازه في الخارج كانه وجه فلان طبق الأَصل. وأما كونه مما لا يمسك فهذا مما روجه الافرنج.

وبهذا يعرف أَن التفريق غلط، فإذا نظرت الصورة حصل المقصود. أفيهون شأنها إذا رآها بالتصوير الضوئي؟! لا. إلا أَن ما كان مجسدًا يبقى أَكثر، فكلاهما يمنع مدة وجوده، بل الضوئي أَشد فتنة من المجسم، فإنه يأتي بشكل الأَصل أَتم وأَكمل من غيره. وليس فيه مشكل الا أَنه جاءَ من الافرنج (2) فهذا فيه شهوة فيأتي من يشبه فيسوغ الأَمر، وهذا في كل شيء يوجد في بلد وينتشر ويستعمل. وتعرف أَن من الأَحاديث في ذلك ما في سنن أَبي داود:((أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما رأَى الصورَ في الْبيتِ لم يدخل حتَّى أمر بها فمُحِيَتْ)) فما كان بالضوئي فهو مثل الصبغ. (تقرير) .

(103- تصوير البحار والأَنهار والأَشجار والأَشياء الحقيرة)

جاءَ في تعليق على كتاب ((التوسل والوسيلة)) ما يلي:

(1) لقلة الورع أَو العلم.

(2)

وتأتي بقية الكلام في ذلك.

ص: 188

وأَما صور البحار والأَنهار والأَشجار وغير ذلك إذا قصد بها اظهار عظمة الله وابداعه في الكون فلهذه الصور ثواب عظيم، ولا حرج في تصويرها.

قال شيخنا: هنا شيء يقصده المصورون ليس هو الذي ذكره: وهو الحذق في الرسم، لا يقصدون ما ذكره، لأَن الناس يرونها بل سماع الناس عنها أَبلغ. وهذا نظير من جاءَته محبوبته فتناوم ليراها في المنام. أَما صور ذوات الأَرواح فرؤيتهم هي التي تهم الناس. فاصل التصوير للتعظيم فإذا وجد عظيم صار ذلك بَيِّنٌ، فالشريعة منعت من التصوير مطلقًا حتى الذباب. وإذا كان كذلك علم أَنه لا يختص بالمعظمين.

(تقرير)

(104- التصوير النصفي)

التصوير النصفي: بعض العلماءِ يبيح ذلك اعتبارًا بكونه غير انسان، ويقول القطع يكفي في تغيير الصورة، وأَنه غير صورة.

ولكن الذي يظهر المنع منه، وذلك أَنه فرق بين ابتداء الشيء والقصد إليه، وبين ما يقطع بعد وجوده. ففي الثاني معاكسة لذلك. فأما القصد إلى تصوير بعض صورة فكأنه لما عجز معنى أَو حسًا - فظن أَنه يجوز النصف أَو تَرَكَهُ لأَجل أَن لا يملأَ الورق - قصد إلى هذا. وجاءَ في الحديث ((النهي عن ضرب الصورة)) (1)

(1) قلت: لعله يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم: ((اذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته)) وأصرح منه ما في الصحيحين في حديث القيامة: ((ويحرم الله صورهم على النار أَن تأكل أثر السجود)) . قال ابن تيمية: قال العلماء كابن عباس وعكرمة وأحمد وغيرهم الصورة هي الرأس فإذا قطع الرأس لم يبق صورة. اهـ. نقض التأسيس.

ص: 189

وهي الوجه، لأَنه هو عنوان الإنسان. فإذا صور الرأْس والوجه أَو الرقبة والرأْس: فالبقية مغطى بالثياب لا يدري ما هو، وبعضهم تركه لأجل أَن لا يملأَ الورق.

(تقرير 76هـ)

وفي جواب آخر قال:

التصوير النصفي لا اشكال عندي في أَنه محرم، وان كان ذهب نزر قليل إلى القول بعدم التحريم، وربما يكون أَخف من الكامل لأَجل هذا القول، وأَما أَنا فلا إشكال عندي فيه، لأَن الوجه هو المقصود.

(تقرير 76هـ) .

(105- جواز التصوير البعضي للحاجة)

من محمد بن إبراهيم إلى الاستاذ مدير مدرسة سدوس الابتدائية

المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن حكم التصوير، وهل هناك فرق بين الصورة المجسدة وغيرها من الصور الشمسية والفوتغرافية، أَو بين ما تبرز فيه صورة الإنسان كاملة وبين تصوير الوجه والصدر وما حولهما.

والجواب: الحمد لله. لا يخفى أَن التصوير من أَعمال الجاهلية المذمومة التي ورد الشرع بمخالفتها، وتواترت الأَحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عنه ولعن فاعله وتوعده بالعذاب في جهنم كما في حديث ابن عباس مرفوعًا ((كُلُّ مُصَوّر في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَة صَوَّرَهَا نَفْسٌ تُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ)) رواه مسلم.

ص: 190

وهذا يعم تصوير كل مخلوق من ذوات الأَرواح من آدميين وغيرهم، ولا فرق أَن تكون الصورة مجسدة أَو غير مجسدة، وسواءٌ أُخذت بالآلة أَو بالأَصباغ والنقوش أَو غيرها، لعموم الأَحاديث.

ومن زعم أَن الصورة الشمسية لا تدخل في عموم النهي وأَن النهي مختص بالصورة المجسمة وبما له ظل فزعمه باطل، لأَن الأَحاديث عامة في هذا، ولم تفرق بين صورة وصورة. وقد صرح العلماءُ بأن النهي عام للصور الشمسية وغيرها كالامام النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما. وحديث عائشة في قصة القرام صريح، ووجه الدلالة منه أَن الصورة التي تكون في القرام ليست مجسدة وإنما هي نقوش في الثوب، ومع هذا فقد عدها الرسول صلى الله عليه وسلم من مضاهات خلق الله.

لكن إذا كانت الصورة غير كاملة من أَصلها كتصوير الوجه والرأس والصدر ونحو ذلك وأُزيل من الصورة ما لا تبقى معه الحياة فمقتضى كلام كثير من الفقهاء اجازته، لا سيما إذا دعت الحاجة إلى هذا النوع وهو التصوير البعضي. وعلى كلٍّ فإن على العبد تقوى الله ما استطاع، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)(1) . والسلام.

مفتي البلاد السعودية

(ص-ف-2419-1 في 5-9-1385هـ)

(1) سورة الطلاق 2، 3.

ص: 191

(106- ولضرورة الأخذ من الضمان الاجتماعي بشروط)

من محمد بن إبراهيم إلى جناب الأَخ المكرم عبد الرحمن بن مدراء الشاطري بن درويش

سلمه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:

فقد وصل إلينا كتابك الذي تذكر فيه حالتك عند مراجعة مصلحة الضمان الاجتماعي وانهم طلبوا عليك عكس وأنت محتاج لهم وذو عائلة ومدين وتسأَل هل يجوز العكس.

والجواب: إذا كان العكس بنصف الصورة فأقل وكان التصوير للضرورة وكنت كارهًا لذلك لولا ما ذكر فالمسألة تكون في حقك أَخف من غيرك، والفقهاءُ صرحوا بأنه إذا أُزيل من الصورة ما لا تبقى معه الحياة فلا بأْس. ولعل هذا بمثابة تصوير النصف فأَقل، ونظرًا لما ذكرته عن حالتك أَرجو أَن لا بأْس بذلك. والسلام.

مفتي البلاد السعودية

(ص-ف-1558-1 في 12-6-84هـ) .

(107- س: وإذا احتاج الإنسان إلى سفر وكان لابد من تصويره)

ج: - إذا كان لحاجة هامة ولا سيما في الدين كالحج والهجرة وكان كارهًا لتصويره.

ومن قال لا يحج لأَجل أَنه لا يحج إِلا إِذا صور فهو غلطان، فإِن المحرمات درجات، وهو ما صور فلا تتناوله اللعنة. ونحن

ص: 192

حين سافرنا إلى مصر جاءَنا كتاب من الملك عبد العزيز أَرسله معنا إلى مصر فيه بيان السماح عن التصوير لأَمر أَظنه قال سياسي واستصحبناه إِلى مصر ولم نُصور.

فالحاصل أَنه إِذا كان به مرض وكان لابد من علاجه أَو كان سفره لخير كثير في الدين. فهذا من ارتكاب احدى المفسدتين لتفويت أَكبرهما.

(تقرير)

س: - لو عقدتم مؤتمرًا في مكة لبيان هذا، وكذلك سائر شؤون الإِسلام؟

ج: - على اقرار الأَوثان؟ لو نعلم أَن فيه مصلحة لمشينا إلى مكة حفاة.

(تقرير)

(108- دخول المساجد بالصور وحملها في الصلاة وخارجها، وإذا كانت تداس وتمتهن)

المسألة الثانية (1) سؤالك عن استعمال الصور وحكم التصوير؟

والجواب: لا يخفى أَن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تصوير ذوات الأَرواح من آدميين وغيرهم، ولعن المصورين، وأَخيرًا أَنهم أَشد الناس عذابًا يوم القيامة ورد بذلك جملة أَحاديث صحيحة حتى عد التصوير من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار. فهذا حكم التصوير.

وأَما حكم استعمال الصور فقد صرح الفقهاءُ رحمهم الله بأَنه يحرم استعمال كل صورة من ذوات الأَرواح سواء كانت في المساجد أَو خارجها، لكن لا يخفى أَن الاستهانة بحرمات الله

(1) أَما المسأَلة الأُولى فهي عن حكم الصلاة في الطائرة وهي في الجو.

ص: 193

واستعمال الصور في بيوت الله أَشد تحريمًا وأَغلظ جرمًا، وأما استعمالها أَو حملها حال أداء الصلاة فهو أَشد جرأَة والعياذ بالله.

ثم ان العلماء رحمهم الله فصلوا فيما إذا ابتلي الإنسان بشيء فيه صور، وقالوا إذا كان بحالة تهان فيها الصورة كأَن تكون في بساط ونحوه مما يطرح على الأَرض ويداس ففي مثل هذه الحال رخصوا فيه للحاجة، ولما ورد في هذا الباب (1) ولأَن الصور تهان بوضعها على الأَرض ودوسها بالأَقدام.

مفتي البلاد السعودية

(ص-ف1221-1 في 25-5-1385هـ)

(109- ادخال الصحف التي فيها صور النساء الكاشفات العاريات البيوت هل هو جائز أَم لا وهل صاحب المنزل يرتكب جريمة)

وجواب المسألة الخامسة (2) : لا يجوز إدخال البيوت الصحف المذكورة في السؤال، وفاعل ذلك مرتكب جريمة.

(ص-ف-608 في 17-8-1376هـ) .

(110- س: هل قوله ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب)) عام تدخل فيه الحفظة أَم لا؟)

ج: - الظاهر أَنهم لا يدخلون فيه.

(تقرير)

(111- س: الكتاب الذي فيه الصور؟)

ج: - يجب طمس الصور إذا لم تكن مقصودة مثل الجارية

(1) وتقدم قوله: ((ومر بالستر فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن)) .

(2)

من أَسئلة صالح بن سالم با محفوظ. أَولها في نواقض الوضوء.

ص: 194

المغنية تقوم ساذجة، وان كانت تزيد في ثمنه لا يجوز أَخذ الثمن عنها. فإذا كان يساوي ثلاثة بالصور وبدونها بريالين فلا يجوز أَخذ زائد عن الريالين.

(تقرير) .

(112- سئل عن اقتناء المنجد مع ما فيه من الصور؟)

ج: - يتتبع الصور التي فيه ويطمسها ويستعمله.

(تقرير)(1) .

(113- س: إذا كانت الصور في فرش؟)

ج: - ليست مقصودة، إلا أَن كانت الصورة تزيد في الثمن فإذا باعها فيلغى الثمن الزائد. لأَن الزيادة في مقابلة الحرام كالأَمة المغنية.

فإذا كانت في فراش فتغطى بشيء، ويكفي فيها إذا كانت في فراش نفيس أَن تقطع الرقبة، فإذا قطعت بشيء بمقدار خط قليل بمقدار الرقبة فهذا يكفي وإن كانت موجودة. إذا وجد منظر كأنه مذبوح فهذا إهانة لها كالجلوس على الفرش، ولهذا نجد الصور اليوم للمعظمين لو يبصق عليها غار من هي عنده.

(تقرير)(2) .

(حماية المصطفى لحمى التوحيد)

(114- س: سيدنا محمد؟)

ج: - للعلماء فيها كلام. والصحيح أَنه لا محذور فيها، لكن

(1) وتأتي فتوى حول المنجد في آخر الكتاب إن شاء الله.

(2)

وانظر بقية استعمال الصور في شروط الصلاة، وحكم اتلافها في باب الغضب. وتصوير الإنسان بصور بهيمة وجعل ذيل له للسخرية والاستهزاء في مسائل فروع الاعتقاد برقم (181، 22/11/84هـ) وتصوير النساء السافرات العاريات في الجرائد في رسالة النكاح برقم (5305 في 11/10/88هـ) وتقدمت فتوى في تصوير ضريح عبد القادر الجيلاني وصورة البراق وصورة جبريل برقم (2574 في 25/6/86هـ) .

ص: 195

ما الراجح؟ الراجح تركها لأَجل مجيئها في النصوص ((مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهْ)) .

(تقرير) .

(115- س: ماهو الجمع بين قوله ((السيد الله)) وقوله: ((أَنا سيد ولد آدم)) )

ج:0 الجمع أَنه منع من هذا الذي هو جائز حماية لحمى التوحيد. والثاني قاله على وجه التحدث بنعمة الله. أَما التحريم والله أَعلم - فبالنسبة إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم.

(تقرير) .

(116- س: هل هنا فرق بين المواجهة وغيرها؟)

ج: مراد المصنف يرجع إلى المواجهة.

(تقرير مسائل التوحيد) .

(117- س: قول يا سيدي فلان؟)

ج: - ما ينبغي، أليس في رسول الله أُسوة حسنة إذ قال وهو سيد الخلق:((السَّيِّدُ اللهُ)) ؟

(تقرير) .

(118- س: قوله: مولاي فلان؟)

ج: - ما ينبغي.

(تقرير) .

(119- س: رسول السلام؟)

ج: إذا قيل في مبتدع كلمة تفخيم فلا تجوز، فضلاً عن أَن تقال لكافر، حتى المستقيم لا تجوز. واضافتها إلى السلام قبيحة جدًا، فرسل الله هم رسل السلامة في الدنيا والآخرة من جميع المحاذير. إلا أَن القصود تؤثر في الأَلفاظ. الذي يقول ذلك ويقصد ويعلم غير. فالناس متفاوتون في أَشياء أُخر غير اللفظ بالنسبة إلى الجهل وعدمه، وبالنسبة إلى القصد وعدمه. والمنع يتفاوت في الغلظ والخفة بحسب هذه الأُمور.

(تقرير) .

ص: 196