الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَشكرك، وأَرجوك. والظاهر أنه لا تحريم في استعمال هذه الكلمة:
أَعني لكمة أَشكرك. وأَرى أن الأولى ترك استعمالها خطابا مع المخلوق. وأَما كلمة أَرجوك في شيء يقدر عليه ذلك المخلوق فليس بشرك ولا محرم. ومن حسن الأَدب ترك استعمال هذه الكلمة مع المخلوق، وفقنا الله واياك لما فيه الخير والسلام. (1) .
(ص-ف 235 في 11-4-76هـ)
(61- قول المخلوق للمخلوق يا معظم)
وجواب المسأَلة السادسة (2) : لا ينبغي قول المخلوق للمخلوق يا معظم مواجهة، لما فيه من اساءَة الأَدب.
وفقنا الله واياكم لما فيه الخير والصلاح، والسلا. (ص-ف 608 في 17-8-1376هـ)
(حكم
الغلو في القبور
، والآثار)
(الغلو في القبور)
(62- اقامة الاحتفالات عند أضرحة الأولياء والشهداء في يوم معين من كل سنة، وجمع النذور والصدقات لها، وانفاق الأموال في الملاهي والألعاب عندها، واختلاط الرجال والنساء عندها، والتوسل والاستغاثة بأَصحابها، والطواف بها والعكوف.....)
سئل حضرة صاحب السماحة المفتي الأَكبر للمملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم عن السؤال الآتي:
ما قولكم دام فضلكم في من يعقد عند أضرحة الأولياء والشهداء التي رفعت وشيدت احتفالاً عظيمًا في يوم معين من كل سنة، ويسمونه بالنذر السنوي، ويجمعون له النذور والصدقات،
(1) قلت: وفي تقرير له لما سئل عن ارجوك أجاب: التوحيد أن يقول أرجو الله ثم أرجو أنك كذا. فالمرجو لا يحصل إلا بمشيئة الله.
(2)
أما أَول هذه المسائل فهو في باب نواقض الوضوء.
وينفقون تلك الأَموال في الملاهي والأَلعاب المنوعة، مع اختلاط النساء بالرجال، كل هذا للتقرب إلى الولي بزعمهم، وللتوسل إلى الله به، والاستغاثة به، ويزعمون أن هذا كله جائز لا رضاء الولي في دين الاسلام، ما حكم ذلك.
الجواب: الحمد لله. السؤال يتضمن الاستفسار عن عدة أُمور:
الأَول: حكم رفع القبور وتشييدها والبناء عليها.
ثانيًا: عمل الاحتفالات.
ثالثًا: النذر لأَصحاب القبور وجمع الصدقات والتبرعات لانفاقها في ذلك.
رابعًا: التوسل بالأَموات.
خامسًا: التقريب لغير الله.
سادسًا: الاستغاثة بأصحاب القبور.
سابعًا: الاقامة في المقبرة والعكوف فيها والطواف بهم والغلو.
فالجواب على السؤال الأول وهو حكم رفع القبور وتشييدها والبناء عليها. فالحكم في هذه الأمور أَنها لا تجوز، فقد صرحت الأَحاديث بالنهي عن ذلك والتحذير منه وتحريمه، فان هذا من الغلو الذي تكاثرت الأَحاديث بالنهي عنه، فإنه أَعظم وسائل الشرك وأسبابه، وبسببه وقع الشرك كما في الصحيح من حديث ابن عباس في تفسير قول الله تعالى:(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)(1) .
قال هذه أسماءُ رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أَوحى الشيطان إلى قومهم ان انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها انصابًا وسموها باسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى اذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت. وقال ابن القيم: قال غير واحد من
(1) سورة نوح 22.
السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. والأَحاديث المصرحة بالنهي عن البناء على القبور وتشييدها وتحريم الصلاة عندها وإليها كثيرة: منها عن أَبي الهياج الاسدي قال قال لي علي: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أًَن لا تَدَعَ صورة إلا طمستها ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سويته)) رواه الجماعة الا البخاري وابن ماجه.
وعن جابر قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُجَصَّص القبر وأَن يُقعد عليه وأَن يُبنى عليه)) رواه أَحمد والنسائي والترمذي وصححه - واخرج البخاري من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أَنبيائهم مساجد)) ولا حمد بسند جيد: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أَحياء والذين يتخذون القبور مساجد)) ورواه أَبو حاتم في صحيحه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) رواه أَهل السنن، وعن أَبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((الأَرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه أَحمد وأَهل السنن وصححه أَبو حاتم وابن حبان. وعن أَبي مرثد الغنوي أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) رواه مسلم.
قال شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية: أَما بناء ُ المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأَحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أَصحاب مالك والشافعي
بتحريمه. قال: ولا ريب في القطع بتحريمه. ثم ذكر الأَحاديث في ذلك إلى أَن قال: وهذه المساجد المبنية على قبور الأَنبياءِ والصالحين أَو الملوك تتعين ازالتها بهدم أَو غيره، وهذا مما لا أَعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين.
وقال ابن القيم: يجب هدم القباب التي بنيت على القبور لانها أُسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما زيارة القبور في يوم معين وعمل الاحتفالات عندها والاقامة عندها والعكوف. فهذه الأمور ليست من دين الاسلام، بل من دين عبدة الأَوثان، فالتردد إليها في وقت معين أَو اتخاذها عيدًا الذي صرحت الأَحاديث بالنهي عنه والتحذير منه لما ينشأُ عنه من المفاسد، ولذا جاءَت الأَحاديث مصرحة بالنهي عن ذلك سدًا لباب الشرك وحماية لجناب التوحيد، فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا تجعلوا بيوتكم قُبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عَليَّ فإن صلاتكم تبلُغُني حيث كنتم)) رواه أَبو داود باسناد حسن ورواته ثقات.
وأَما الاقامة عندها والعكوف وعمل الاحتفالات فهو نفس ما كان عباد اللات والعزى يفعلونه عند هذه الأوثان، ولا يشك مسلم في تحريم ذلك، قال الله حاكيًا عن المشركين:(يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ)(1) .
وقال حاكيًا عنهم (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)(2) .
(1) سورة الأعراف 138.
(2)
سورة الشعراء 71.
وعن أَبي واقد الليثي قال: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حدثاءُ عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أَسلحتهم يقال لها ذات أَنواط، فقلنا يا رسول الله أَجعل لنا ذات أَنواط كما لهم ذات أَنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أَكبر، إنها السنَنُ، قُلتم والذي نفسي بيده كما قَالت بنُوا إسرائيل لموسى اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهةً، قَالَ إنكم قومٌ تجهلون. لتركَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم)) رواه الترمذي وصححه.
وأَما الطواف بالقبر، وطلب البركة منه، فهو لا يشك عاقل في تحريمه وانه من الشرك، فان الطواف من أَنواع العبادات فصرفه لغير الله شرك، وكذلك البركة لا تطلب إلا من الله، وطلبها من غير الله شرك كما تقدم في حديث أَبي واقد الليثي.
وأما النذر للقبر فلا يجوز، فان النذر عبادة، وصرفه لغير الله شرك أَكبر، كما قال الله سبحانه (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)(1) .
وكما في الصحيح من حديث عائشة: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أَن يعصي الله فلا يعصه)) .
قال شيخ الاسلام تقي الدين ابن تيمية: واما ما نذر لغير الله كالنذر للأَصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة الحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاءَ عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، فإن كليهما شرك،
(1) سورة الانسان 7.
والشرك ليس له حرمة. وقال فيمن نذر للقبور ونحوها دهنا تنور به ويقول أنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين: فهذا النذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاءُ به، وكذلك إذا نذر مالا للسدنة أَو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فان فيهم شبهًا من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة يأْكلون أَموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل عليه السلام (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)(1)(قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ)(2) .
والذي اجتاز بهم موسى عليه السلام وقومه قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ) .
فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان المجحاورين عندها، أَو لسدنة الأَبداد في الهند أَو المجاورين عندها. اهـ.
والأَدلة على تحريم النذر لغير الله كالنذر للأَموات والشياطين ونحوها أَكثر من أَن تحصر. فاتضح أَن النذ1ر المذكور لاصحاب القبور أنه شرك أَكبر. وذكر الشيخ قاسم الحنفي (3) وصنع الله الحلبي (4) هذا النذر انه شرك وكفر بالله رب العالمين، وكذلك غيرهم من علماءِ المسلمين ذكر الاجماع على بطلان هذا النذر وتحريمه.
(1) سورة الأنبياء 52.
(2)
سورة الشعراء 71.
(3)
في شرح درر البحار.
(4)
الحنفي في الرد على من أَجاز الذبح والنذر للأَولياء.
واما جمع الصدقات وأَنواع التبرعات ونحو ذلك لاقامة هذه المحافل فلا شك في تحريم ذلك، وأنه اعانة على الاثم والعدوان، ودعاية سافرة للشرك بالله سبحانه، وتقدم كلام الشيخ ان هذا فيه شبه من النذر لسدنة اللات والعزى ومناة ونحو ذلك.
وقد صرح العلماءُ بتحريم الذبح في المقبرة لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم. ولا يخفى أن الذبح لغير الله كالذبح للأموات والجن والشياطين أَنه شرك وكفر بالله رب العالمين، وأَدلة ذلك واضحة.
وعن أَنس أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عَقرَ في الإِسلام)) رواه أَحمد وأَبو داود - وقال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة في الجاهلية، قال أًَحمد: كانوا إذا مات لهم ميت نحروا جزورُا فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
قال العلماءُ: وفي معنى الذبح عنده الصدقة فانه محدث وفيه رياءٌ. قال الشيخ تقي الدين في الاختبارات: ويحرم الذبح عند القبر. وقال في موضع آخر: واخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة، وهي تشبه الذبح عند القبر، ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور لا الصدقة ولا غيرها. اهـ.
وأَما التوسل بالأَموات إلى الله سبحانه، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أَكبر المحرمات، بل هو عين ما يفعله المشركون فان المشركين ما كانوا يعتقدون ان اللات والعزى ونحوها تخلق وترزق، وانما كانوا يتوسلون بها إلى الله. كما قال تعالى حاكيًا
عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(1) وقالوا: (هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)(2) وقال ابن القيم في نونيته:
والشرك فهو توسل مقصوده
…
زلفى إلى الرب العظيم الشان.
وقال الشيخ تقي الدين: أَجمع العلماءُ أَن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسأَلهم كفر اجماعًا. (3) .
وأَما الإِستغاثة بأصحاب القبور أَو الجن والشياطين أَو نحو ذلك فهذا شرك أَكبر مخرج من الملة الاسلامية، فان الاستغاثة عبادة قال الله تعالى:(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ)(4) .
وقا سبحانه: (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ)(5) . أَي المشركين، كما قال سبحانه:(إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(6)(وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)(7) .
وفي حديث ابن عباس: ((إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) (8) وروى الطبراني باسناده انه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال:((إنَّهُ لا يُستغَاثُ بي وإِنَّمَا يُستَغَاثُ باللهِ)) - قال ابن القيم في
(1) سورة الزمر 3.
(2)
سورة يونس 18.
(3)
حكاه عنه في الاقناع. وانظر كشاف القناع جـ6 ص148.
(4)
سورة النمل 62.
(5)
سورة يونس 106.
(6)
سورة لقمان 13.
(7)
المؤمنون 117.
(8)
رواه الترمذي.
((المدارج)) (1) : ومن أَنواعه أَي الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أَصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن من استغاث به وسأَله ان يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده.
وقال أَبو الوفاء ابن عقيل (2) : لما صعبت التكاليف على الجهال والطعام عدلوا عن أََوضاع الشرع إلى أَوضاع وضعوها لأَنفسهم فسهلت عليهم اذ لم يدخلوا بها تحت أَمر غيرهم وهم عندي كفار بهذه الأَوضاع مثل تعظيم الموتى وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها يا مولاي أَفعل بي كذا وكذا والقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. اهـ.
ومما تضمنه السؤال زيارة النساء القبور واجتماعهن مع الرجال عند القبور.
فأما زيارة النساء للقبور فلا تجوز، بل صرحت الأَحاديث بالنهي عن ذلك وتحريمه، ففي السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:((لعنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَوَّاراتِ القبور والْمتخذينَ عليهَا الْمساجد والسرُج)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه. وعن ابي هريرة رضي الله عنه: ((ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَنَ زوَّاراتِ القبُور)) رواه أَحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
واما اختلاط النساء بالرجال سافرات الوجوه فلا شك في تحريم
(1) شرح منازل السائرين في باب التوبة.
(2)
الحنبلي (1) سورة الأحزاب 33.
ذلك، وأنه أَعظم وسيلة إلى الفاحشة قال الله سبحانه:(وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)(1) .
وأَعظم من ذلك اعتقاد ذلك دينا وأنه يرضي الله وهو من المحرمات الظاهرة بل من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي، بل بعض ما ذكر شرك صريح ظاهر.
وبالجملة فجميع ما تضمنه هذا السؤال هو من المنكرات في الدين ومما يغضب رب العالمين وأَولياءه الصالحين، ولا يرضى بذلك من في قلبه أدنى غيرة لله سبحانه، وأدلة ذلك واضحة من الكتاب والسنة، ولكن الحال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((بَدَأَ الاسلامُ غريبًا وسَيَعُودُ غريبًا كما بدَأَ، فطُوبى للغُرباءِ الذينَ يُصْلِحونَ ما أَفسدَ الناسُ)) (2) .
وروي عن ابن مسعود أَنه قال: ((كيفَ انتم إذا لبستكم فتنة يصير المعروف فيها منكرًا والمنكر معروفًا ينشأُ على هذا الصغير ويهرم عليه الكبير إذا غيرت قيل غيرت السنة)) (3) . فالله المستعان. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
(ص-م-451 في 3-9-1375هـ)(4) .
(1) سورة الأحزاب 33.
(2)
روي هذا الحديث بعدة ألفاظ أحدها: ((ان الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين في الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل ان الدين بدأ غريبًا ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي)) . رواه الترمذي وقال حديث حسن.
(3)
وعنه أنه قال: ((يأتي على الناس زمان تكون فيه السنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا وذلك اذا اتبعوا واقتدوا بالملوك والسلاطين في دنياهم)) رواه ابن وضاح.
(4)
قلت: ويأتي في الوقف ذكر الغلو في القبور، والبناء عليها وإقامة المزارات والحفلات عندها، وانه من البدع المنهي عنها، بل من وسائل الشرك، وأنه لا يجوز الوقف على ذلك في الفتوى الصادرة برقم (1274/1 في 13/5/85هـ) .
(63- انكار العكوف على قبور في حلي، وكسوتها، وتطييبها ووضع القروش عندها، وتعليق الخرق على الشجر وتطييبه
…
الخ)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي محكمة حلي
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
كتابك لنا برقم 1014-1017 وتاريخ 17-8-86هـ وصل وبرفقه كتاب رئيس وأَعضاء هيئة الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر لديكم. وقد ذكروا فيه أَنهم وجدوا قبورًا وشجرًا في المقابر التي في جهتكم تزار ويعكف عندها. والقبور تكسى وتطيب ويوضع عندها قروش، والشجر يعلق عليه خرق ويطيب. ومبني على كل واحد من قبرين حجرة وفي داخلها أَثر الذبح. وفي احدى المقابر مسجدان يصلى فيهما. وتسأَل عما يلزم في ذلك؟
والجواب: الحمد لله رب العالمين. أَما الزيارة فان قصد بها زيارة الميت من أَجل الدعاءِ له فهذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ويعلمه أَصحابه. فروى الامام أَحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فاقبل عليهم بوجهه فقال: ((السلامُ عليكم يا أهلَ القبور يغفر الله لنا ولكمْ أَنتم سَلَفنَا ونَحن بالأَثر)) .
وروى مسلم في صحيحه عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا للقبور أَن يقول قائلهم: ((السلام عليكم أَهلَ الديارِ منَ المؤمنينَ والْمسلمينَ، وإنَّا إن شاءَ الله بكمْ لاحقون أَنتمْ لَنَا فَرَطٌ ونحنُ لكمْ تَبَعٌ)) .
وقد درج على ذلك الخلفاءُ الأربعة وجميع الصحابة وسلف الأمة من بعدهم، وهذا هو الواجب اتباعه.
وان كان الزائر يقصدها لأَجل دعاءِ الله عندها ويظن في نفسه أَنه أَجوب للدعاءِ ويريد التوسل بها والاستشفاع بها فهذا لم تأت به الشريعة أَصلاً، لأَن منه ما هو وسيلة إلى الشرك، ومنه ما هو شرك أَكبر، والوسائل لها حكم الغايات في المنع قال تعالى:(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ - وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)(1) فدلت الآية على أَن هذا المدعو إما أَن يكون مالكًا أَولا، وإذا لم يكن مالكًا فإما أَن يكون شريكًا أَولاً، وإذا لم يكن شريكًا فاما أَن يكون معينًا أَولا، وإذا لم يكن معينًا فإما أَن يكون شافعًا بغير إذن الله أَولاً. والأَقسام الأَربعة باطلة: فتعين الأخير وهو أنه يشفع باذن الله، ومن كان كذلك فكيف يطلب منه النفع لغيره.
وأما العكوف عندها فلا يخلو من أَمرين: أَحدهما أَن يكون الغرض منه عبادة الله، فهذا لا يجوز، لما فيه من الجمع بين معصية العكوف ومعصية عبادة الله عند الشجر وعند القبور. وذلك من وسائل الشرك التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أَما بالنسبة للعكوف فروى الترمذي في جامعه وصححه عن أَبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاءُ عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أَسلحتهم
(1) سورة سبأ 22، 23.
يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله أَجعل لنا ذات أَنواط كما لهم ذات أَنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((الله أَكبر إنَّها السنن قُلتُمْ والَّذي نفسي بيدِهِ كما قَالَتْ بَنو إسرائيلَ لموسى اجْعَلْ لنا إلهًا كما لَهُمْ آلِهةٌ قالَ: إنكمْ قومٌ تَجْهلُون، لَتَرْكبُنَّ سَنَنَ من كانَ قبلَكُمْ)) فاخبر صلى الله عليه وسلم أَن هذا الأمر الذي طلبوه منه وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها وتعليق الأَسلحة بها تبركًا كالأمر الذي طلبه بنوا إسرائيل من موسى عليه السلام. وروى أَبو داود والترمذي وابن ماجه عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا بُيُوتَكُم قُبُورًا ولا تَجعلوا قَبْري عيدًا وصلوا عَلَىَّ فإنَّ صلاتَكُم تَبْلُغُني حَيْثُ كُنْتُمْ)) فدل الحديث على النهي عن اتخاذ قبره عيدًا وذلك نهي عن تكرار زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، فقبر غيره من باب أَولى، ويلزم من النهي عن الاكثار من الزيارة النهي عن العكوف من باب أَولى.
وأما بالنسبة لعبادة الله عندها فقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى البخاري ومسلم عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قاتلَ الله الْيهودَ والنَّصارى اتخذوا قبورَ أَنبيائِهِمْ مساجدَ)) واتخاذها مساجد اما لعبادة الله أو لعبادة غير الله، والعبادة اما أَن تكون في مسجد مبني، أَو لا. وكل ذلك ممنوع.
واما كسوة القبور ووضع الطيب عليها وجعل القروش عندها وتعليق الخرق على الشجر وتطييبها، فان كان ذلك يفعل على سبيل التقرب من أَجل حصول نفع ودفع ضرر منها فهو شرك أَكبر.
قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى)(1) فدلت الآية على أَن الله تعالى أنكر على المشركين ما كانوا يفعلونه عند هذه الأَوثان، وذلك أنهم كانوا يعتقدون حصول البركة بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتها وشفاعتها وغير ذلك.
واما إذا كانوا يفعلونه مجردًا عن هذا القصد فهو حرام لأنه وسيلة إلى الشرك، وقد سبق دليله وهو حديث أَبي واقد الليثي.
واما بناءُ الحجرتين على القبرين فلا يجوز، لأَنه وسيلة إلى عبادة صاحب القبر، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فروى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر رضي الله عنه قال:((نَهَى رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُجَصَّص الْقبرُ وأَن يقعد عليه وأَن يبنى عليه)) .
وأَما الذبح الذي يوجد أَثره في داخل الحجرتين فلا يخلو من أَمرين: أَحدهما أَن يكون لله. والثاني: أَن يكون لصاحب القبر. فإن كان لله فهو معصية ولا يجوز، لأنه وسيلة إلى الذبح لصاحب القبر والوسائل لها حكم الغايات في المنع، وقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى أَبو داود في سننه باسناده على شرط الشيخين عن ثابت بن الضحاك قال: ((نذر رجل أَن ينحر ابلاً ببوانة فسأَل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((هَلْ كانَ فيها وثنٌ من أَوثانِ الْجاهليةِ يُعبدُ، قالوا لا. قال فهلْ كان فيها عيدٌ من أَعيادِهم؟ قالوا لا. قال فأَوفِ بنذركَ، فانه لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ
(1) سورة النجم 19، 20.
الله ولا فيما لايملك ابن آدمَ)) .. فقوله صلى الله عليه وسلم: ((أَوفِ بنذركَ)) يدل على أَن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه المشركون لغير الله معصية.
وأما إذا كان لصاحب القبر فهو شرك أَكبر قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)(1) فدلت الآية على أَن الذبح إنما يكون لله وحده، فمن ذبح لغير الله فهو مشرك كافر.
وأما المسجدان المبنيان في داخل احدى المقابر ويصلى فيهما فكل ذلك حرام. أَما تحريم بناء المسجدين فلما رواه مالك في الموطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: ((اللهُم لا تَجعَل قبري وثنًا يُعبدُ، اشتَدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ اتَّخذوا قُبورَ أَنبيائهم مَسَاجدَ)) وروى الامام أَحمد في المسند وأَبو حاتم ابن حيان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِنَّ من شِرَارِ الناسِ من تُدرِكُهُمْ السَّاعةُ وهمْ أَحياءٌ ومن يتخذُ الْقبورَ مساجدَ)) واتخاذها مساجد يكون بالصلاة عندها وبناءِ المساجد عليها وعندها وكل ذلك لا يجوز.
وأَما الصلاة فيها فان كانت لله فلا تجوز، لأَنها وسيلة إلى الشرك وقد نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فروى مسلم في صحيحه عن أَبي مرثد الغنوي أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: ((نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة))
(1) سورة الأَنعام 162، 163.
رواه أَبو حام في صحيحه. وفي سنن أَبي داود عن علي رضي الله عنه قال: ((إِنَّ خليلي نَهَاني أَن أُصلي في الْمقبرة، ونهاني أَن أُصلي في أَرضِ باببل)) .
وإن كانت الصلاة لغير الله فهي شرك أَكبر قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(1) فدلت الآية أَن الله أَمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أَن يصلي ويذبح نسكه لله وحده، عكس ما عليه المشركون، فانهم كانوا يصلون وينسكون للأَوثان، فمن صرف شيئًا من حقوق الله لغيره فهو مشرك كافر.
إذا علم ذلك فالواجب عليكم عمل ما يلزم لهدم المسجدين والحجرتين وقطع الشجر وإزالة المنكرات على القبور، ومنع الناس عن الذبح والصلاة والعكوف في المقابر، وبينوا للناس على سبيل الوعظ والارشاد التوحيد وما يتعلق به. بارك الله فيكم ووفقكم، وزادكم حرصًا على ما فيه الخير والسلام عليكم.
(ص-ف-726-1 في 8-4-1380هـ) .
…
مفتي الديار السعودية
(64- مجرد العكوف. ومجرد التمسح)
س: - مجرد العكوف على القبور هل هو شرك، أَم لا؟.
ج: - هو عبادة إذا صار يعتقد أنه فضيلة وعمل صالح، ووسيلة إلى عبادة أَكبر منه، فانه أدنى مراتب عبادة صاحب القبر، ويجر إلى عبادته من دون الله فهو شرك. وكذلك التبرك مثل المسح. هذا نوع شرك خفي، فانه عبادة ووسيلة إلى شرك وذريعة إليه.
…
(تقرير)(2)
(1) سورة الكوثر 2.
(2)
قلت: وتقدم حكم التمسح بجدران الكعبة قريبًا.
(65- يوسف وشمسان وتاج المذكورين في كشف الشبهات)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم عبد الحي بن حسن كمال
…
حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلي كتابكم الذي تسأَلون فيه عن مسأَلتين: الأُولى عن ما جاءَ في ((كشف الشبهات)) (1) من ذكر يوسف وشمسان وتاج، وتسأَلون هل هي معتقدات، وهل هي أَسماءُ مواضع، أَو أَسماءُ أَشخاص. وعن تاريخ كل منها، ومن هم الذين كانوا يعتقدون فيها - (الثانية) كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسم ابل الصدقة وهل له وسم خاص وفي أَي موضع كان يسم الابل.
والجواب عن المسأَلة الأولى هو أَن يوسف وشمسان وتاج أسماءُ أُناس كفرة طواغيت، وليست أَسماءَ مواضع. فأَما تاج فهو من أَهل الخرج تصرف إليه النذور ويدعى ويعتقد فيه النفع والضر، وكان يأْتي إلى أَهل الدرعية من بلده الخرج لتحصيل ماله من النذور، وقد كان يخافه كثير من الناس الذين يعتقدون فيه. وله أَعوان وحاشية لا يتعرض لهم بمكروه، بل يدعى فيهم الدعاوي الكاذبة، وتنسب اليهم الحكايات القبيحة. ومما ينسب إلى تاج أَنه أَعمى ويأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده.
واما شمسان فالذي يظهر من رسائل امام الدعوة رحمه الله أنه لا يبعد عن العارض، وله أَولاد يعتقد فيهم. (2) .
(1) للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
(2)
أنظر رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعبد الله بن سحيم في تاريخ ابن غنام (ص210، 333، 343 مطبعة المدني) .
وأما يوسف فقد كان على قبره وثن يعتقد فيه، ويظهر أَن قبره في الكويت أَو الأحساء كما يفهم من بعض رسائل الشيخ رحمه الله.
أَما تاريخ وجودهم فهو قريب من عصر امام الدعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله، وقد ذكرهم في كثير من رسائله، لأَنهم من أَشهر الطواغيت التي يعتقد فيها أَهل نجد وما يقاربها، وكانوا يعتقدون فيهم الولاية، ويصرفون لهم شيئًا من العبادة، وينذرون لهم النذور، ويرجون بذلك نظير ما يرجوه عباد الَّلات والعزى. (1) .
…
(ص-ف219 في 17-5-1375هـ)
(66- وضع الزهور على القبور، وزيارة قبر الكافر مع أَهل البدعة والشرك)
س: - هل يجوز للمسلم أَن يضع الزهور على قبر كافر؟
ج: - لأَي شيء يزور؟ ولأَي شيء يزور معهم؟! وإذا زار اعتبارًا لا يزور مع أَهل البدعة والشرك ولا سيما وهو يقول جبرًا لخواطرهم. يزور الزيارة البدعية الشركية؟!! (2) .
ثم وضع الزهور الذي لا يدري فعل ما لا يجوز. والذي يدري قد يكون منه تعظيم للقبور قد يكون من التقريب للمقبور فانه محتمل أَن يكون في حالة يصل إلى القربان للميت فيكون شركًا، فانه اكرام للميت وتعظيم له لأَجل أَي شيء؟ الأَصل في تعظيمه رجاءَ شفاعته فهو يقصد ثوابًا من أَجل تعظيم الأَموات. فالتحريم ظاهر. أَما وصوله إلى وثنية فيحتمل، والجهل يختلف قوة وضعفًا.
…
(تقرير)
(1) ويأتي الجواب عن وسم ابل الصدقة في الزكاة.
(2)
قلت: ويفهم من هذا أنه لا ينبغي مصاحبة أَهل الشرك والبدعة في زيارتهم قبور المسلمين.
(67- إزالة البناء الذي أُقيم على قبر خديجة وترميمات القبور المجاورة له)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الفضيلة الرئيس العام لهيئة الأَمر بالمعروف بالمنطقة الغربية
…
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
تبلغنا بصورة الخطاب المرفوع من فضيلتكم إلى أَمين العاصمة برقم 4080 وتاريخ 15-10-1385 بشأْن (1) البناءِ الذي أُقيم على قبر أُم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. وبعض القبور المجاورة له. وعمل هذا عمل طيب فيه ردع لكل من تسول له نفسه الاخلال بالشرع وعدم الوقوف عند نواهيه.
نأْمل إفادتنا سريعًا بمضمون رد أمانة العاصمة. وهل أزيل البناء أَم لا. هذا والله يحفظكم.
(ص-ف 3243-1 في 22-11-1385هـ)
(68- مصادرة صور لضريح عبد القادر الجيلاني ولجبريل والبراق)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أَمير منطقة الرياض
…
الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فانه يوجد في السوق نساء هنديات وأَرمنيات يبعن صورًا في قزاز، ومن بين تلك الصور صور مزعومة لجبريل عليه السلام، وللبراق الذي اسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه، وافضع
(1) إزالة.
من ذلك صور معابد وثنية فيها دعوة صريحة إلى الشرك كصورة لضريح عبد القادر الجيلاني، ومكتوب فيها كلمة طلب الغوث منه. والحقيقة ان هذه الأُمور تجب المبادرة في تطهير البلاد منها واقتلاع جذورها.
فنأْمل أَن تأْمروا على الشرطة بأَن تقوم بمصادرة جميع هذه الصور التي تباع في الأسواق علنًا، وأن يشترك في ذلك اثنان من الاخوان المتطوعين نختارهما، ويؤخذ التعهد اللازم عليهن عن العودة لبيع هذه الصور. وفي طي هذا ثلاث صور: واحدة لضريح عبد القادر الجيلاني، والثانية للبراق، والثالثة لجبريل عليه السلام، ليطلع سموكم عليها. حفظكم الله وتولاكم.
(ص-م 2576 في 15-6-1382هـ) .
(69- إزالة روائح الشرك عن قبر الرسول)
((تعبير رؤيا))
جلالة الملك المعظم أَيده الله
…
(برقية)
اطلعت على ما نشر في جريدة البلاد السعودية بعددها الصادر يوم الخميس واحد الجاري من خبر الثلاثة الذين أدعوا أَنهم رأَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب ابلاغ جلالتكم أن تمنعوا الأَذى والروائح الكريهة عن حجرته النبوية وعن مسجده الحرام في المدينة. ولا شك أَن هذه المرائي الثلاث إن صحت فان هذا الأَذى وهذه الروائح الكريهة هي روائح الشرك وأذاه. وفقكم الله لقطع دابر كل فساد. والله يحفظكم. محمد بن إبراهيم
(ص/م 246 في 3/3/1374هـ)(1)
(1) وله رسالة في الزيارة الرجبية في صلاة العيدين (بتاريخ 29/1/1375هـ) وفيها المنع من اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدًا.
(70- رفض طلب الدمشقي السماح له بنسج ستار حريري للحجرة مقابل اعطائه الستارة القديمة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلالة الملك
…
سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جوابًا لخطابكم رقم 15-1-1523 وتاريخ 12-4-1377هـ بشأْن طلب محمد سعدالله الحريري صاحب محل المنسوجات الوطنية بدمشق السماح له بنسج ستار حريري للحجرة النبوية مقابل اعطائه الستار القديم الموجود حاليًا.
أفيدكم أَنه قد جرى الاطلاع على هذا الطلب، وطلب جلالة الملك حفظه الله بيان الحكم الشرعي في ذلك. وأوضح لكم أَنه لا يسوغ لجلالته اعطاءُ هذا الرجل مطلوبه، لكونه أَمرًا قد حظره الشرع.
والذي حدا هذا الرجل على هذا الطلب هو مزيد الغلو الذي استولى على قلوب الخرافيين، وذلك من ناحيتين:
أحداهما: - طلبه ما لا يجوز من كسوة الحجرة النبوية الذي لم يفعله الصدر الأَول من هذه الأُمة، لمعرفتهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في القبور من تطييبها وتبخيرها وغير ذلك من أَنواع الغلو فيها، كما يدخل فيه كسوتها، وقد أَبدى النبي صلى الله عليه وسلم وأَعاد في النهي عن الغلو في القبور عمومًا وفي قبره صلى الله عليه وسلم خصوصًا. وهؤلاء الغلاة ظنوا أن ذلك مما يحبه صلى الله عليه وسلم فاستفتوا قلوبهم فقط، وحكموا
آراءهم فيما تباشر به حجرته صلى الله عليه وسلم، ولم يحكموه هو صلى الله عليه وسلم، فكما أَن تحكيمه صلى الله عليه وسلم في الأمور الدينية كافة واجب بل لا يتم الإيمان إلا به، فتحكيمه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بضريحه وحجرته آكد أَنواع تحكيمه.
الناحية الأُخرى- طلب هذا الرجل الكسوة القديمة ليتبرك بها التبرك الشركي من ناحية، ومن ناحية أُخرى يريد أَن يأْخذ فيها المبالغ الطائلة من الأَثمان التي يبذلها الخرافيون والوثنيون في مثل هذا فإنا لله وإنا إليه راجعون. وعقيدة جلالة الملك حفظه الله، وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لديه بامتثال أَوامره صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيه هو الأَمر الذي درج عليه جلالته، ودرج عليه سلفه وسلفنا الصالح لا تأْخذه في ذلك لومة لائم.
فيتعين رفض طلب هذا الرجل، والتمسك بالمحافظة على ما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم مما تقتضيه أصول الدين وقواعده العظام وتنطق به صرائح السنن الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.
أَيد الله جلالة الملك بالحق، وحفظ به السنة المطهرة، ودفع به زيغ الزائغين، وقمع به كيد المبتدعين. والسلام عليكم.
(ص-م-622 في 22-5-1377)
(71- حكم وضع الستارة عليها)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فبناءً على استفتاء حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز المعظم أعزه الله بطاعته، ونصر به دينه وكتابه، وحمى به سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: عن حكم الشرع
المطهر في وضع الستائر على الشبابيك الحديدة المحيطة بالحجرة النبوية الشريفة. ويسأَل جلالته وفقه الله - وهو السياق إلى فعل الخيرات، والمبادر دائمًا إلى نيل المكرمات - عما إذا كان الشرع الشريف يبيح ذلك، لذلك عقدنا نحن الموقعين أدناه من طلبة العلم المجتمعين حاليًا بمكة المكرمة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا مجلسًا في ليلة الأَربعاء الموافق 4-12-1381هـ بدار سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم وباشتراك سماحته للبحث والمذاكرة وتداول الرأْي حول هذا الاستفتاء على ضوء النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أَصحاب رسول الله والتابعون لهم باحسان والسلف الصالحون من هذه الأمة الاسلامية الذين كانوا أَبر الناس قلوبًا وأَعمقهم علمًا، واقلهم تكلفًا، واعلمهم بقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَكثرهم به تأَسيًا واقتداءً، واعظمهم له محبة وتعظيمًا.
وبعد المذاكرة ومراجعة النصوص من الكتاب والسنة وقواعد الشريعة المطهرة المبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، والقاضية بحماية حمى التوحيد والعقيدة الاسلامية من كل مظهر من مظاهر الشرك وكل اثر من آثار الجاهلية، قد حصل الاتفاق من جميع الحاضرين في هذا المجلس على تقرير ما يأتي:
1-
لا ريب أن الله سبحانه بعث رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأَنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنه يجب على كل مسلم ومسلمة طاعة هذا الرسول الكريم ظاهرًا وباطنًا، ومحبته صلى الله عليه وسلم محبة كاملة،
حتى يكون أحب إلى المسلم من نفسه وأَهله وماله وولده ووالده والناس أَجمعين، وان يعلم أَنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته، كما قال عليه الصلاة والسلام:((لا يؤْمنُ أَحدُكُم حتى يكونَ هواه تبَعًا لِما جئتُ به)) وان محبته صلى الله عليه وسلم انما تكون باتباع ما شرع، لا بالأَهواء والبدع، كما قال تعالى:(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)(1) وهو صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لأُمته الحق والباطل وطريق الهدى والضلال وترك أُمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
2-
ان جلالة الملك حفظه الله وهو ولي أَمر المسلمين اليوم هو أَولى الناس بنصر دين الإسلام وما جاءَ به الرسول عليه السلام، وازالة ما يخالف ذلك، وهو خير من تعلق عليه الآمال بعد الله في رفع راية السنة المطهرة والجهاد في سبيل اعلاء شأْن هذا الدين حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لا تلين قناته في ذلك، ولا تأْخذه في الله لومة لائم، وقد قام جلالته وفقه الله بالحظ الوافر في هذا السبيل، ولا يزال قائمًا إن شاء الله بنصرة هذا الدين ينفي عنه تحريف المبطلبين وانتحال الزائغين والملحدين ونسأَل الله لنا وله المزيد من التوفيق والتأْييد والسداد.
3-
ان الغلو في قبور الأَنبياءِ والصالحين واتخاذها مساجد وتشييد القباب والأَبنية واقامة الأَضرحة وتعليق الستور المزركشة عليها واسراجها بالشموع والأضواء كل ذلك من مظاهر الشرك وآثار الجاهلية التي لا يقرها الاسلام ولا تتفق مع أَحكام شريعته المطهرة، ولذلك بالغ رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه في انكار ذلك
(1) سورة آل عمران 31.
والتحذير منه أَشد المبالغة، لئلا يفضي الأمر بهذه الأمة إلى اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين أَوثانًا تعبد من دون الله. فروى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((الهم لا تجعل قبري وثنًا يعبدُ، أَشْتدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ اتَّخذوا قُبورَ أَنبيَائِهِمْ مَسَاجد)) .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أَن أُم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأَتها بأَرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: ((أَولئك إذا مَاتَ فيهم الرَّجُلُ الصالحُ أَوْ العبدُ الصالحُ بَنواْ عَلَى قبرهِ مسجدًا وصوروا فيه تلك الصورْ أَولئك شِرارُ الخلقِ عند اللهِ)) ولهما عن عائشة رضي الله عنها أَيضًا قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فاذا اغتتم بها كشفها، فقال وهو كذلك:((لعنةُ الله على الْيهود والنصارى اتَّخذوا قبورَ أَنبيائهمْ مساجدَ. يحذرُ مَا صنعوا، ولولا ذلكَ أُبرزَ قبره غير أَنه خُشيَ أَن يتخذَ مسجدا)) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرج)) رواه أَهل السنن، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تؤخذ منها العبرة العظيمة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في النهي والتحذير من الوقوع في الغلو الذي وقعت فيه الأمم السابقة، كما قال صلى الله عليه وسلم:((لا تُطْرُونيْ كما أَطرتِ النصارى ابنَ مريم، إِنَّما أَنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللهِ ورسوله)) (1) وكما قال أيضًا: ((إياكم والغلو فإنما أَهلك
(1) متفق عليه.
من كان قبلكم الغلوُّ)) (1) . وما هذه المبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التحذير والتنفير من الغلو والاطراءِ إلا حماية منه لجانب توحيد الله تعالى، وسدًا لكل ذريعة أَو وسيلة توصل إلى الشرك بالله وصدق الله تعالى إذ يقول:(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(2) .
4-
ان تغشية قبور الأَنبياء والصالحين وتعليق هذه الستور على حيطانها هو بدعة شنيعة منكرة باتفاق الأَئمة، لم تكن موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد خلفائه الراشدين ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولم يؤثر فيها شيء عن أئمة المسلمين لا الأَئمة الأَربعة ولا غيرهم. وهم على كشفها كانوا أَقوى، وبالفضل لو كان فيها أَحرى، وإنما وجدت هذه البدعة أَول ما وجدت في أَثناء القرن السادس من فعل بعض السلاطين، وقد نص أَهل العلم على انكارها وتحريمها حالما وجدت.
5-
قال في ((الاقناع)) : وتغشية قبور الأَنبياءِ والصالحين - أَي سترها بغاشية - ليس مشروعًا في الدين. قاله الشيخ. وقال في موضع آخر في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أَن هذا منكر إذا فعل بقبور الأَنبياءِ والصالحين فكيف بغيرهم. ويعني بقوله قاله الشيخ. شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله المتوفى سنة 728هـ.
وقال محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه المسمى ((تطهير الاعتقاد)) : فان هذه القباب والمشاهد التي صارت أَعظم
(1) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
(2)
سورة التوبة 128.
ذريعة إلى الشرك والالحاد، وأَكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة أَما على قريب لهم أَو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أَو عالم أَو صوفي أَو فقير أَو شيخ كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأَموات من دون توسل ولا هتف باسمه بل يدعون له ويستغفرون حتى ينقرض من يعرفه أَو أَكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شيد عليه البناءُ، واسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وارخيت عليه الستور، والقيت عليه الأَوراد والزهور فيعتقد أَن ذلك لنفع أَو دفع ضرر، وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وانزل بفلان الضر وبفلان النفع حتى يغرسوا في جبلته كل باطل، والأَمر ما ثبت في الأَحاديث النبوية من لعن من أَسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فان ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة.
وحيث الأَمر ما ذكر عاليه فاننا نقرر بالاتفاق أَن وضع الستائر على الشبابيك المحيطة بالحجرة الشريفة غير سائغ شرعًا، لما تقدم ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((مَن أَحدَثَ في أَمرِنَا هَذَا مَا ليسَ منه فهوَ ردٌ)) (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثاتِ الأُمور فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالة)) (2)
وعلى هذا حصل التوقيع والله حسبنا هو مولانا نعم المولى ونعم النصير.
تحريرًا في 12-1381هـ
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2)
رواه أَبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
عبد الله بن حميد
…
عبد العزيز بن باز
…
عبد الملك بن إبراهيم
عبد اللطيف بن إبراهيم
…
محمد بن إبراهيم
…
محضار عقيل
محمد الحركان
…
عبد العزيز بن صالح
…
عبد الله بن دهيش
عبد الله بن جاسر
…
يحي أَمان. (1)
(72- فتوى ثانية)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز
…
حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
بلغني الأَمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد سرور الصبان استفتاءَكم حول الاقتراح المرفق الذي يتضمن التماس صاحب الاقتراح المذكور تركيب الستائر الجديدة للحجرة النبوية على ساكنها أَفضل الصلاة والسلام بدلاً من الستائر القديمة التي قد نزعت (منذ سنوات) .
وتعلمون حفظكم الله أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وانزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأنه يجب على كل مسلم ومسلمة طاعة هذا الرسول الكريم ظاهرًا وباطنًا، ومحبته صلى الله عليه وسلم محبة كاملة حتى يكون أَحب إلى المسلم من أَهله وماله وولده ووالده والناس أَجمعين، وأن يعلم أنه لا طريق إلى الله الا بمتابعته، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أَحدكم حتى يكونَ هواهُ
(1) هذه الفتوى والتي بعدها وجدتها في ملفات دار الافتاء.
تبعًا لما جئت بهِ)) وان محبته عليه الصلاة والسلام إنما تكون باتباع ما شرع لا بالأهواءِ والبدع كما قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)(1)
وهو صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته الحق والباطل وطريق الهدى والضلال، وترك أُمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك.
وأنتم إن شاء الله أَولى الناس بنصر دين الإسلام، وإزالة ما يخالف ما جاءَ به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأنتم خير من نعلق عليه الآمال بعد الله فلي رفع راية السنة المطهرة والجهاد في سبيل اعلاء كلمة الدين حتى تكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ويكون الدين كله لله.
يا جلالة الملك: ان الغلو في قبور الأَنبياء والصالحين واتخاذها مساجد وتشييد القباب والأَبنية واقامة الأَضرحة وتعليق الستور المزركشة عليها وإسراجها بالشموع والأَضواء كل ذلك من مظاهر الشرك وآثار الجاهلية التي لا يقرها الاسلام ولا تتفق مع أَحكام شريعته المطهرة، ولذلك بالغ رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في انكار ذلك والتحذير منه أَشد المبالغة، لئلا يفضي الأَمر بهذه الأُمة إلى اتخاذ قبور الأَنبياءِ والصالحين أَوثانًا تعبد من دون الله.
فروى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهمَّ لا تَجْعلْ قبري وثنًا يُعبدُ. اشْتدَّ غضب اللهِ على قومٍ اتَّخذوا قُبورَ أَنْبيائهمْ مَسَاجِدَ)) وفي الصحيحين
(1) سورة آل عمران 31.
عن عائشة رضي الله عنها أن أَم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأَتها بأَرض الحبشة وما فيها من الصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أُولئك إذا ماتَ فيهمُ الرَّجلُ الصَّالحُ أَوْ الْعبدُ الصَّالحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تلكَ الصُّور أُولئكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِندَ اللهِ)) . ولهما عن عائشة رضي الله عنها أَيضًا قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتنم بها كشفها فقال وهو كذلك: ((لَعْنَةُ اللهِ على الْيَهُودِ والنَّصارى اتَّخذُوا قُبورَ أَنبيائهمْ مَسَاجِدَ)) يحذر ما صنعوا ولولا ذلك ابرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ((لعَنَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَائراتِ الْقبور والْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ والسُّرُجَ)) رواه أَهل السنن، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تؤخذ منها العبرة العظيمة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في النهي والتحذير من الوقوع في الغلو الذي وقعت فيه الأمم السابقة كما قال صلى الله عليه وسلم:((لا تُطْرُوني كَمَا أَطرَتِ النَّصارى ابنَ مَرْيَم إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُه)) وكما قال أيضًا: ((إِيَّاكُمْ والْغُلُوَّ فإنَّمَا أَهلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ)) ..
وهذه المبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التحذير والتنفير من الغلو والاطراء حماية منه لجناب التوحيد وسدًا لكل ذريعة أَو وسيلة توصل إلى الشرك بالله، وصدق الله اذ يقول:(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) .
يا جلالة الملك ان تغشية قبور الأَنبياء والصالحين وتعليق الستور على حيطانها بدعة شنيعة منكرة باتفاق الأَئمة، ولم تكن موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولم يؤثر فيها شيءٌ عن أَئمة المسلمين لا الأَئمة الأَربعة ولا غيرهم، وهم على كشفها كانوا أَقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنما وجدت هذه البدعة أَول ما وجدت في أَثناءِ القرن السادس من فعل بعض السلاطين، وقد نص أَهل العلم على انكارها وتحريمها حال ما وجدت.
قال في ((الاقناع)) : وتغشية قبور الأَنبياء والصالحين -أَي سترها بغاشية- ليس مشروعًا في الدين قاله الشيخ - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقال في موضع آخر في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأَئمة على أَن هذا منكر إذا فعل بقبور الأَنبياء والصالحين فكيف بغيرهم.
وقال محمد إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه ((تطهير الاعتقاد)) : فان هذه القباب والمشاهد التي صارت أَعظم ذريعة إلى الشرك والالحاد، وأَكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه غالبًا بل كل من يعمرها هم الملوك أَو السلاطين أَو الرؤساءُ والولاة، إما على قريب لهم، أَو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أَو عالم أَو صوفي أَو فقير أَو شيخ كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأَموات من دون توسل ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أَو أَكثرهم، فيأْتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شيد عليه البناءُ واسرجت عليه الشموع وفرش بالفراش الفاخر، وارخيت عليه الستور، والقيت عليه الأَوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أَو دفع ضرر، وتأْتيه
السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وانزل بفلان النفع وبفلان الضر حتى يغرسوا في جبلته كل باطل. والأمر ما ثبت في الأَحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأَحاديث ذلك واسعة معروفة، فان ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة. اهـ.
وحيث أَن الأَمر ما ذكر فإننا نرى أَن وضع الستائر على الشبابيك المحيطة بالحجرة الشريفة غير سائغ شرعًا، لما تقدم، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((مَنْ أَحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فَهُوَ رَدٌّ)) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وإياكُم ومُحْدَثَاتِ الأُمورِ فإِنَّ كُلَّ محدثة بِدْعَة وكلَّ بدعةٍ ضلالَةٌ)) .
هذا وقد استفتي علماءُ هذه البلاد في عام (1) واصدروا فيها فتوى بمعنى ما ذكرنا. والله يحفظكم. (1385هـ) .
(سؤال أخير)
أَدام الله وجودك
من قبل الستارة التي في الحجرة النبوية، هذه كثر علينا الاعتراضات والانتقادات في وضعها الحالي، ولا شك أَن بقاءَها بهذه الصورة مخجل، وتركها بدون وضع بدلها تحدث ضجة ومفسدة نحن في غنى عنها، ونحن محتارين في وضع ستارة بدلها وهي موجودة. فنرجو امعان النظر فيما يسد علينا باب الاعتراض ويمنع المضرة عن سمعة الحكومة.
أَجاب الشيخ محمد بن إبراهيم على هذا بما خلاصته: -
(1) بياض بالأصل. والاستفتاء المشار إليه هو الذي قبلها في 12/1381هـ.
بعد تأمل قليل، قال: ليس لدينا في هذا الأَمر إلا المنع، وأن الدلائل عن الله وعن رسوله لا تجيز ذلك، ولقد سبق أَن سأَل الملك عبد العزيز عليه رحمة الله عن هذا فأَجبناه بهذا الجواب. ولا يمكن أَن يرد على هذا سكوت العلماء أيام الدرعية عن الستارة التي كانت موجودة، وذلك كان شيئًا موجودًا وعارضًا، ولكن رفع شيء موجود واحداث شيء جديد هذا لا نرى له مسوغًا شرعيًا. (1)
(ضمن ملف الديوان) .
(التوسل)
س: - توسل بني إسرائيل بالتابوت؟
ج:0 أَولاً يحتاج لثبوت ذلك. إن كان غير ثابت فرغنا من مؤونته. وإن كان ثابتًا فيمكن أَن يكون في شرعهم وشرعنا جاءَ بجنس خلاف ذلك، بل جاء شرعنا من تحقيق التوحيد بأَبلغ من ذلك، فإِن الشريعة المحمدية هي الحنيفية، ففيها من البعد عن وسائل الشرك ما ليس في غيرها، فكان في شرع من قبلنا سجود التحية وهذا ليس في شريعتنا. فإذا ثبت أَن الذي يذكره المفسرون في قصة التابوت أنهم يحملون التابوت لينصروا - فليس حجة لنا.
…
(تقرير) .
(75- ص: بحق صلاة على النبي ونحو ذلك)
ج: - هذا ليس دعاءً شرعيًا ولا يجوز ولا يصلح، وكذلك بحق صلاة على محمد. ليس مشروعًا بكل حال.
وأبلغ منه: بحق صلاة جامعة وملائكة سامعة. وهذا حق مخلوق في ملائكته. (تقرير على التوسل والوسيلة لابن تيمية) .
(1) قلت: ويأتي جواب اقتراح تغطية الحاجز الحديدي لمقام إبراهيم بالسلك النايلون في (باب دخول مكة) برقم (841 في 18/10/67) .