الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الأحقاف
(وهي أربع أو خمس وثلاثون آية)
وهذا الاختلاف مبني على أن حم آية أو لا وهي مكية، قال القرطبي: في قول جميعهم، قال ابن عباس وابن الزبير: نزلت بمكة، وقال المحلي: إلا (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية وإلا (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ) وإلا (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) الثلاث آيات، يعني آخرها قوله (إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وعن ابن مسعود قال: " أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الأحقاف وأقرأها آخر فخالف قراءته، فقلت من أقرأكها؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذا فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال بلى، وقال الآخر ألم تقرئني كذا وكذا قال بلى فتعمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، والأحقاف واد باليمن كانت فيه منازل عاد وقيل جمع حقف وهو التل من الرمل.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(حم) الله أعلم بمراده به، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، وبيان ما هو الحق من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله
(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) من المخلوقات بأسرها (إلا بالحق) ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا هو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي إلا خلقاً متلبساً بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية.
(وأجل) أي وبتقدير أجل (مسمى) وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنها تنتهي فيه السموات والأرض وما بينهما، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات، وقيل المراد به هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات، والأول أولى، وهذا إشارة إلى قيام الساعة وانقضاء مدة الدنيا، وأن الله لم يخلق خلقه باطلاً وعبثاً لغير الله، بل خلقه للثواب والعقاب.
(والذين كفروا عما أنذروا) وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء والعذاب (معرضون) والجملة في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهم مولُّون غير مستعدين له ولا مؤمنين به
(قل أرأيتم) أخبروني (ما تدعون) وتعبدون (من دون الله) من الأصنام وغيرها.
(أروني) يحتمل أن يكون تأكيداً لقوله: قل أرأيتم أي أخبروني أروني والمفعول الثاني لأرأيتم قوله: (ماذا) أي أيُّ شيء (خلقوا من الأرض)؟ ويحتمل أن لا يكون تأكيداً بل يكون هذا من باب التنازع، لأن أرأيتم يطلب مفعولاً ثانياً وأروني كذلك.
(أم لهم شرك في السموات) أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة والمعنى بل ألهم شركة مع الله فيها؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع وتخصيص الشرك بالسموات دون أن يعمم بالأرض أيضاً احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية.
(ائْتُونِي بِكِتَابٍ) منزل، هذا من جملة المقول والأمر تبكيت لهم وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك، وإشارة إلى نفي الدليل المنقول بعد الإشارة إلى نفي الدليل المعقول (من قبل هذا) أي القرآن فإنه صرح ببطلان الشرك، وأن الله واحد لا شريك له، وأن الساعة حق لا ريب فيها، فهل للمشركين كتاب يخالف هذا الكتاب؟ أو حجة تنافي هذه الحجة؟.
(أو أثارة من علم) قال في الصحاح أي بقية منه وكذا الأثَرَة بالتحريك قال ابن قتيبة: أي بقية من علم الأولين، وقال الفراء والمبرد، يعني: ما يؤثر عن كتب الأولين قال الواحدي: وهو معنى قول المفسرين. قال عطاء، أو
شيء تأثرونه عن نبي كان قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قال مقاتل أو رواية من علم عن الأنبياء، وقال الزجاج: أو أثارة أي علامة والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية يقال: أثرت الحديث أثره أثرة وأثاره وأثراً إذا ذكرتَه عن غيرك، قرأ الجمهور " آثارة " على المصدر كالسماحة والغواية.
وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وغيرهما بفتح الهمزة والثاء أَثرَة من غير ألف وقرىء أثْرة بضم الهمزة وسكون الثاء، قال ابن عباس:" أو أثارة من علم أي خط " وأخرجه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم قال سفيان لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن هذا الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم " أخرجه عبد بن حميد، وابن مردويه، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة، ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك النبي؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم إن هذا الخط هو على صورة كذا فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات.
وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أو أثارة من علم قال: حسن الخط " أخرجه ابن مردويه، وعن ابن عباس قال:" خط كان تخطه العرب في الأرض " وعنه قال بينة من العلم (إن كنتم صادقين) في دعواكم التي تدعونها وهي قولكم: إن لله شريكاً، أو إن الله أمركم بعبادة الأوثان ولم يأتوا بشيء من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي والنقلي على خلافه.
(ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له)؟ أي لا أحد
أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع فكيف يطمع في الإجابة فضلاً عن جلب نفع أو دفع ضر، فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين. وأضل الضالين والإستفهام للتوبيخ والتقريع.
(إلى يوم القيامة) غاية لعدم الإستجابة والمراد بها التأييد كقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) قاله الشهاب، وقال في الانتصاف في هذه الغاية نكتة، وهي أنه تعالى جعل عدم الاستجابة مُغياً بيوم القيامة، فأشعرت الغاية بانتفاء الاستجابة في يوم القيامة على وجه أبلغ وأتم وأوضح وضوحاً ألحقه بالبين الذي لا يتعرض لذكره، إذ هناك تتجدد العداوة والمباينة بينها وبين عابديها.
(وهم عن دعائهم غافلون) الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها، والمعنى، الأصنام التي يدعونها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات، فالغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم والجمع في الضميرين باعتبار معنى من، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء، لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل.
(وإذا حشر الناس) العابدون للأصنام (كانوا) أي كان الأصنام (لهم) أي لعابديهم (أعداء) يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم، وقيل: المراد إنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال، وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرأون ممن عبدهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى:(تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون).
(وكانوا بعبادتهم كافرين) أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله:(والله ربنا ما كنا مشركين) والأول أولى.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
(وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي آيات القرآن حال كونها (بينات) واضحات المعاني ظاهرات الدلالات (وقال الذين كفروا للحق) أي لأجله وفي شأنه، وهو عبارة عن الآيات كما قاله القاضي في الكشاف، وإليه أشار في التقرير، ووضعه موضع ضميرها، ووضع الذين كفروا موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق، وعليهم بالكفر، والانهماك في الضلالة كما يؤخذ ذلك من تقريره.
وإيضاحه: أنه هنا اقام ظاهرين مقام مضمرين إذ الأصل قالوا لها أي للآيات ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين المذكورين أفاده الكرخي (لما جاءهم) أي وقت أن جاءهم قالوا من غير نظر وتأمل (هذا سحر مبين) أي ظاهر السحرية بين البطلان.
(أم يقولون افتراه)؟ أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي بل أيقولون؟ والإستفهام للإنكار، والتعجب من صنيعهم وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحراً إلى قولهم: إن رسول الله افترى ما جاء به، والظاهر أن الافتراء على الله أشنع من السحر، لا يحتاج إلى البيان، وإن كان كلاهما
كفراً، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال:
(قل إن افتريته) على سبيل الفرض والتقدير كما تدعون (فلا تملكون لي من الله شيئاًً) أي فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله فكيف أفترى على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني.
(هو أعلم بما تفيضون فيه) أي تخوضون فيه من التكذيب، والإفاضة في الشيء الخوض والاندفاع فيه، يقال: أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه، وأفاض البعير إذا دفع جرته من كرشه، والمعنى الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له والقول بأنه سحر وكهانة.
(كفى به شهيداً بيني وبينكم) فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده، وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود، وفي هذا وعيد شديد بجزاء إفاضتهم (وهو الغفور الرحيم) لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه، أي كثير الرحمة والمغفرة بليغهما، وفيه إشعار بحلم الله عنهم، مع عظيم جرمهم.
(قل ما كنت بدعاً من الرسل) البدع من كل شيء المبدأ أي ما أنا بأول رسول كذا قال ابن عباس يعني قد بعث الله قبلي كثيراً من الرسل، وقيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف، والبديع ما لم ير له مثل من الابتداع وهو الاختراع، وشيء بدع بالكسر أي مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع كذا قال الأخفش، وقرىء بدعاً بفتح الدال مصدراً على تقدير حذف مضاف، أي ما كنت ذا بدع قاله أبو البقاء. وقرىء بفتح الباء وكسر الدال على الوصف كحذر.
(وما أدري ما يفعل بي) فيما يستقبل من الزمان، هل أبقى في مكة؟
أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي؟ قرىء يفعل مبنياً للمفعول وللفاعل وما استفهامية كما جرى عليه المحلِّي، أو موصولة كما قال الزمخشري.
(ولا) أدري ما يفعل (بكم) يعني هل تعجل لكم العقوبة كالمكذبين قبلكم؟ أم تمهلون وهذا إنما هو في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة، وأن الكافرين في النار، وقيل إن المعنى ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وأنها لما نزلت قدح المشركون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ وأنه لا فضل له علينا، فنزل قوله تعالى:(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، والأول أولى.
قال ابن عباس رضي الله عنه: " فأنزل الله تعالى بعد هذا (ليغفر لك الله) الخ، وقوله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات) الآية فأعلم الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبالمؤمنين جميعاً وأرغم الله أنف الكفار وأخرج أبو داود في ناسخه أن هذه الآية منسوخة بقوله: (ليغفر لك الله) وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت: " لما مات عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه قلت رحمك الله يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، وما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحداً ".
(إن أتبع إلا ما يوحى إلي) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئاًً والمعنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على الوحي، لاقصر اتباعه على الوحي (وما أنا إلا نذير مبين) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني ماذا حالكم (إن كان) ما يوحى إليّ من القرآن (من عند الله) وقيل المراد محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى إن كان مرسلاً من عند الله في الحقيقة.
(و) الحال أنكم قد (كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل) العالمين بما أنزل الله في التوراة (على مثله فآمن) أي على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ، قال الجرجاني: مثل صلة، والمعنى وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي: فآمن الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ينزله على رسله.
وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد بالشاهد رجلاً من
أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة، وصدقه واختار هذا ابن جرير والراجح أنه عبد الله بن سلام وأن هذه الآية مدنية لا مكية، وروي عن مسروق أن المراد بالرجل موسى عليه السلام وشهادته ما في التوراة من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: " ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ".
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: " نزل فيّ آيات من كتاب الله نزلت في (وشهد شاهد من بني إسرائيل) ونزل فيّ (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب).
وعن ابن عباس قال هو عبد الله بن سلام وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية، وإياه ذكر الكواشي وكونه إخباراً قبل الوقوع خلاف الظاهر، ولذا قيل لم يذهب أحد إلى أن الآية مكية إذا فسر الشاهد بابن سلام، وفيه بحث لأن قوله وشهد شاهد معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلاً فلا ضرر في شهادة الشاهد بعد نزولها وادعاء أنه لم يقل به أحد من السلف مع ذكره في شروح الكشاف لا وجه له إلا أن يراد من السلف المفسرون، قاله الشهاب.
(واستكبرتم) أي آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وقد اختلف في جواب الشرط ما هو؟ فقال الزجاج محذوف تقديره أتؤمنون؟ وقيل تقديره فقد ظلمتم لدلالة أن الله لا يهدي الخ عليه، وقيل تقديره فمن أضل منكم؟ وقيل: قوله فآمن واستكبرتم، وقال أبو علي الفارسي تقديره أتأمنون
عقوبة الله؟ وقيل التقدير ألستم ظالمين.
(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) فحرمهم الله سبحانه الهداية بظلمهم لأنفسهم بالكفر، بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان ومن فقد هداية الله له ضل، عن عوف بن مالك الأشجعي قال " انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثلاثاً، فقال أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى، آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف، وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك، ولا من أبيك، ولا من جدك، فقال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا شراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم لن يقبل منكم قولكم، فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله:(قل أرأيتم إن كان من عند الله) إلى قوله: (إن الله لا يهدي القوم الظالين) أخرجه أبو يعلى وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، وصححه السيوطي.
ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به فقال:
(وقال الذين كفروا) أي كفار مكة (للذين آمنوا) أي لأجلهم، وفي حقهم، وقيل: هي لام التبليغ: (لو كان) ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والنبوة (خيراً ما سبقونا إليه) فإن معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل وهم سقاط، عامتهم فقراء وموال ورعاة، قالوه زعماً منهم
أنهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، وأن الرياسة الدينية مما ينال بأسباب دنيوية، وزل عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية، مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية والإقبال على الآخرة بالكلية، وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ومن حرمها فما له منها من خلاق ولم يعلموا أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويصطفي لدينه من يشاء عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزلت هذه الآية.
وعن عون بن أبي شداد: " كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة. وكان عمر يضربها على الإسلام وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة فأنزل الله في شأنها هذه الآية " وعن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه ".
(وإذ لم يهتدوا به) أي بالقرآن وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل بالإيمان (فسيقولون) غير مكتفين بنفي خيريته: (هذا إفك قديم) فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم كما قالوا أساطير الأولين.
(ومن قبله كتاب موسى) قرأ الجمهور بكسر الميم من (من) على أنها حرف جر وهي مع مجرورها خبر مقدم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب علي الحال، أو مستأنفة، والكلام مسوق لرد قولهم:(هذا إفك قديم) فإن كونه قد تقدم القرآن كتاب موسى وهو التوراة، وتوافقا في أصول الشرائع يدل على أنه حق، ويقتضي بطلان قولهم. وقرىء بفتح الميم على أنها موصولة ونصب كتاب أي وآتينا من قبله كتاب موسى.
(إماماً) أي يقتدى به في الدين (ورحمة) من الله لمن آمن به وهما منتصبان على الحال، قاله الزجاج وغيره، وقال الأخفش على القطع وقال أبو عبيدة أي جعلناه إماماً ورحمة.
(وهذا كتاب مصدق) يعني القرآن فإنه مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة ولغيره من كتب الله، وقيل: مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصاب (لساناً عربياً) على الحال الموطئة، وصاحبها الضمير في مصدق العائدة إلى كتاب الله وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لمصدق، والأول أولى وقيل: على حذف مضاف أي ذا لسان عربي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل بلسان على إسقاط حرف الجر وهو ضعيف (لينذر الذين ظلموا) أي لينذر الكتاب أو لينذر الله وقيل الرسول والأول أولى قرأ الجمهور بالتحتية وقرىء " لتنذر " بالفوقية على أن فاعله النبي صلى الله عليه وسلم.
(وبشرى) في محل نصب عطفاً على محل لتنذر، لأنه مفعول به، قاله الزمخشري وتبعه أبو البقاء وتقديره للإنذار والبشرى، وقيل منصوب على المصدرية لفعل محذوف أي وبشر بشرى، وقال الزجاج الأجود أن يكون في محل رفع أي وهو بشرى وقيل: إنه معطوف على مصدق فهو في محل رفع وقوله: (للمحسنين) متعلق ببشرى.
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة على الشريعة التي هي منتهى العلم، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد وقد تقدم تفسير هذا في سورة السجدة.
(فلا خوف عليهم) أي من لحوق مكروه في الآخرة والفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط ولم تمنع أن من ذلك لبقاء معنى الابتداء بخلاف ليت ولعل وكان (ولا هم يحزنون) على فوات محبوب في الدنيا وإن ذلك دائم مستمر.
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
(أولئك) الموصوفون بما ذكر (أصحاب الجنة) التي هي دار المؤمنين حال كونهم (خالدين فيها) وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام والاستقرار في الجنة على الأبد مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوق الأرواح إلى ما عداه.
(جزاء بما كانوا يعملون) أي يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله، وترك معاصيه في الدنيا ولما كان رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به الحديث حث الله تعالى عليه بقوله:
(ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) قرأ الجمهور بضم الحاء وسكون السين وقرىء بفتحهما، وقرىء إحساناً. وقد تقدم في سورة العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) من غير اختلاف بين القراء، وقد تقدم في سورة الأنعام وسورة بني إسرائيل (وبالوالدين إحساناً) فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء هنا، وعلى جميعها فانتصابه على المصدرية، أي وصيناه أن يحسن إليهما حسناً أو إحساناً، وقيل يتضمن وصينا معنى ألزمنا، وقيل على أنه مفعول له والحسن خلاف القبح، والإحسان خلاف الإساءة والتوصية الأمر.
(حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً) تعليل للتوصية المذكورة، واقتصر في التعليل على الأم لأن حقها أعظم ولذلك كان لها ثلثا البر قاله الخطيب، قرأ الجمهور كرهاً بضم الكاف في الموضعين، وقرىء بفتحها، قال الكسائي وهما لغتان بمعنى واحد، قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيدة الفتح، وقال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة البقرة (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وقيل: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره، ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال:
(وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) أي عدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع أي يفطم عنه؛ وقد استدل بهذه الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع سنتان أي مدة الرضاع الكامل في قوله: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع، وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب. ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك.
قرأ الجمهور فصاله بالألف، وقرىء فصله بفتح الفاء وسكون الصاد والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف، عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال:" إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر، فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر لم تظلم؟ قال كيف؟ قلت اقرأ (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) كم الحول؟ قال: سنة، قلت: كم السنة؟ قال اثنا عشر شهراً، قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان، ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم ما شاء فاستراح عمر إلى قوله "، وعنه أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من
الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان لأن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهراً.
(حتى إذا بلغ أشده) أي بلغ استحكام قوته وعقله، وغاية شبابه واستوائه، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل، ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته ولبه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بد من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي عاش واستمرت حياته، وقيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة. وقيل: الأشد الحلم، قاله الشعبي وابن زيد، وقال الحسن: وهو بلوغ الأربعين والأول أولى لقوله: (وبلغ أربعين سنة) فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد، قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلا بعد أربعين سنة إلا ابني الخالة.
(قال رب أوزعني) أي ألهمني ورغبني ووفقني، قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني أي استلهمته فألهمني (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) أي ألهمني شكر ما أنعمت علي من الهداية (وعلى والدي) من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً وقيل أنعمت عليَّ بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة (وأن أعمل) عملاً (صالحا ترضاه) مني.
(وأصلح لي في ذريتي) أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح، متمكنين منه، وعدي بفي لتضمنه معنى اللطف أو هو نزل منزلة اللازم، ثم عدي ليفيد سريان الصلاح فيم، وإلا فالإصلاح متعد كما في قوله تعالى:(وأصلحنا له زوجه) وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات (إني تبت إليك) من ذنوبي (وإني من المسلمين) أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك.
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)
(أولئك) إشارة إلى الإنسان المذكور والجمع لأنه يراد به الجنس (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) من أعمال الخير في الدنيا. والمراد بالأحسن الحسن كقوله: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) فالقبول ليس قصراً على أفضل عباداتهم وأحسنها، بل يعم كل طاعاتهم فاضلها ومفضولها، والقبول هو الرضا بالعمل والإتابة عليه، وقيل: إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لا ما لا يثاب عليه، كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن.
(ونتجاوز عن سيئاتهم) فلا نعاقبهم عليها، قرأ الجمهور: يتقبل ويتجاوز على بناء الفعلين للمفعول، وقرىء بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه.
(في أصحاب الجنة) أي أنهم كائنون في عدادهم، منتظمون في سلكهم، فالجار والمجرور في مجال النصب على الحال، كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي كائناً في جملتهم، وقيل: إن في بمعنى مع، أي: مع أصحاب
الجنة، وقيل: إنهما خبر مبتدأ محذوف أي هم في أصحاب الجنة.
(وعد الصدق) مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأن قوله (أولئك الذين نتقبل عنهم) في معنى الوعد بالتقبل، والتجاوز، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي ووعدهم الله وعد الصدق.
(الذي كانوا يوعدون) به على ألسن الرسل في الدنيا، عن ابن عباس قال:" أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم "، ونزلت فيه أيضاًً:(فأما من أعطى واتقى) آخر السورة ".
وقال النسفي: قيل: نزلت في أبي بكر الصديق في أبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
ولما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله عليه وعلى والديه، ذكر من قال لهما قولاً يدل على التضجر منهما، عند دعوتهما له إلى الإيمان فقال:
(والذي قال لوالديه أفٍ لكما) الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول، ولهذا أخبر عنه بالجمع، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه، قرىء أف بكسر الفاء مع التنوين، وقرىء بفتحها من غير تنوين وقرىء بكسرها من غير تنوين فالقراآت ثلاثة سبعية والهمزة في الكل مضمومة وقد مضى بيان الكلام على هذا في سورة بني إسرائيل واللام في لكما لبيان المؤفف له كما في قوله:(هيت لك).
وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز
استعمله معاوية بن أبي سفيان فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية عليه ما عليه لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاًً، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه. فقال مروان إن هذا أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما)، فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئاًً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري ".
وعن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر، فقال مروان هذا الذي قال الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما الآية فبلغ ذلك عائشة كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان من لعنه الله " أخرجه النسائي، وعبد بن حميد وابن المنذر، والحاكم وصححه.
وعن ابن عباس في الآية قال هذا ابن لأبي بكر، ونحوه عن السدي، ولا يصح هذا، ويرده ما سيأتي من قوله تعالى:
(أولئك الذين حق عليهم القول في أمم)، والصحيح أنه ليس المراد من الآية شخصاً معيناً، بل المراد كل شخص كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الصحيح والإيمان بالبعث، فأبى وأنكر وقيل نزلت في كل كافر عاق لوالديه.
(أتعدانني)؟ بنونين مخففتين وفتح ياءه أهل المدينة ومكة، وأسكنها الباقون، وقرىء بإدغام إحدى النونين في الأخرى. وقرىء بفتح النون الأولى فراراً من توالي مثلين مكسورين (أن أخرج) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، والمعنى أتعدانني أن أبعث بعد الموت، وهذا هو الموعود به.
(وقد خلت القرون من قبلي) أي والحال أن قد مضت القرون فماتوا
ولم يبعث منهم أحد (وهما يستغيثان الله) له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان واستغاث يتعدى بنفسه تارة وبالباء أخرى، يقال استغاث الله واستغاث به.
وقال الرازي معناه يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل وقيل الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء، وزعم ابن مالك أنه يتعدى بنفسه فقط، وعاب قول النحاة مستغاث به، قلت لكنه لم يرد في القرآن إلا متعدياً بنفسه (إذ تستغيثون ربكم)(فاستغاثه الذي من شيعته)(وإن يستغيثوا يغاثوا) قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغواثه.
(ويلك) أي: يقولان له ويلك. وليس المراد به الدعاء عليه بل الحث له على الإيمان ولهذا قالا له (آمن) بالبعث واعترف وصدق (إن وعد الله حق) قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف أو التعليل، وقرىء بفتحهما أي آمن بأن وعد الله حق لا خلف فيه، وهو من جملة مقولهما.
(فيقول) عند ذلك مكذباً لما قالاه (ما هذا) الذي تقولانه من البعث (إلا أساطير الأولين) أي: أحاديثهم وأباطيلهم التي يسطرونها في الكتب من غير أن تكون في حقيقة.
(أولئك) القائلون هذه المقالات هم (الذين حق عليهم القول) أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) كما يفيده قوله:
(في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) وجملة (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لما قبلها، وهذا يدفع كون سبب النزول عبد الرحمن ابن أبي بكر، وأنه الذي قال لوالديه ما قال. فإنه من أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب.
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
(ولكل) أي لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار من الجن والإنس (درجات مما عملوا) أي مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم قال ابن زيد درجات أهل النار تذهب سفلاً، ودرجات أهل الجنة تذهب علواً، ومراتب أهل النار يقال لها دركات بالكاف، كما في الحديث لا درجات، والجواب أن ذلك على جهة التغليب أو المراد المراتب مطلقاً.
(وليوفيهم أعمالهم) أي جزاء أعمالهم، ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات، قرأ الجمهور بالنون، وقرىء بالتحتية، واختار أبو عبيدة الأولى، وأبو حاتم الثانية (وهم لا يظلمون) أي لا يزاد مسيء ولا ينقص محسن، بل يوفي كل فريق ما يستحقه من خير وشر والجملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة مقررة لما قبلها.
(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) أي اذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم عرضه على السيف وعرض الشخص على النار أشد في إهانته من عرض النار عليه إذ عرضه عليها يفيد أنه كالحطب المخلوق للاحتراق، وقيل: في الكلام قلب والمعنى تعرض النار عليهم.
(أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي يقال لهم ذلك، قرأ الجمهور: أذهبتم بهمزة واحدة، وقرىء بهمزتين محققتين، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ، قال الفراء والزجاج: العرب توبخ بالإستفهام وبغيره، فالتوبيخ كائن على القراءتين، قال الكلبي: المراد بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش والمعنى أن كل ما قدر لكم من اللذات والطيبات فقد ذهبتم به وأخذتموه وتمتعتم به فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم منها شيء، وقيل: المعنى أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة، مأخوذة من قولهم: ذهب أطيباه أي شبابه وقوته، قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضاًً، قلت: القول الأول أظهر، والثاني فيه بعد.
(واستمتعتم بها) أي بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيباً منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب.
(فاليوم تجزون عذاب الهون) أي العذاب الذي فيه ذلكم، وخزي عليكم، قال مجاهد وقتادة الهون الهوان بلغة قريش (بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده.
(وبما كنتم تفسقون) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه، فجعل السبب في عذابهم أمرين: التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه، وهذا شأن الكفرة فإنهم جمعوا بينهما، قيل لما وبخ الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة وفي الباب أخبار وآثار تدل على ذم التمتع.