الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقَدّمَة التَّحقِيق
الحمد لله الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم الكتاب، فقال:{وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42]، فنقلهم من الكفر والعَمَى، إلى الضياء والهدى، وبيَّن فيه ما أحلَّ؛ مَنًّا بالتوسعة على خلقه، وما حرَّم، لِمَا هو أعلم به من حظِّهم في الكف عنه في الآخرة والأولى.
وابتلى طاعتهم بأن تعبَّدهم بقول وعمل، وإمساك عن محارم حَمَاهُمُوها، وأثابهم على طاعته من الخلود في جنته، والنجاة من نقمته، ما عَظُمت به نعمتُه، جلَّ ثناؤه.
وأعلمهم ما أوجب على أهل معصيته من خلاف ما أوجب لأهل طاعته.
ووعظهم بالأخبار عمَّن كان قبلهم، ممن كان أكثرَ منهم أموالًا وأولادًا، وأطولَ أعمارًا، وأحمدَ آثارًا، فاستمتعوا بخَلاقهم في حياة دنياهم، فأذاقهم عند نزول قضائه مناياهم دون آمالهم، ونزلت بهم عقوبته عند انقضاء آجالهم، ليعتبروا في أُنُف الأَوان، ويتفهَّموا بجَلِيَّة التبيان، ويتنبَّهوا قبل رَيْن الغفلة، ويعلموا قبل انقطاع المدة، حين لا يُعْتِبُ مذنبٌ،
ولا تُؤخذ فدية، و {تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].
فكلُّ ما أنزل في كتابه -جل ثناؤه- رحمة وحجة، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، لا يَعْلَم مَنْ جَهِلَه، ولا يَجْهَلُ مَنْ عَلِمَه.
والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به.
فَحُقَّ على طلبة العلم بلوغُ غايةِ جُهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه؛ نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يدرك خير إلا بعونه.
فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضعَ الإمامة.
فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.
قال الله تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1].
وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} [النحل: 44].
وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89].
وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَان
وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52](1).
ولمَّا كانت مقاصدُ القرآن ومعانيه ذاتَ أفانينَ كثيرة، قصد كلُّ واحد من المفسرين بعضَ تلك الأفنان، فنحا بعضُهم إلى آيات الأحكام، وبعضُهم إلى قصص القرآن التي اشتملت على أخبار الأمم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبعضهم قصد نِكات علوم العربية من البلاغة والأدب وغيرهما.
وفي تضاعيف تفاسيرهم تجد ذكرَ مكيِّ القرآن ومدنيِّه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومشكل القرآن ومتشابهه، وذكر مفرداته ومعانيها، وفقه الأئمة واختلافاتهم في تفسير الآيات، وذكر خلاف القراء أصحاب القراءات المشهورة، ودقائق اللغة والبلاغة، وذكر الآداب والقصص والأخبار، وغيرها.
والإمام مجير الدين العُلَيميُّ الحنبليُّ رحمه الله في تفسيره هذا "فتح الرحمن" قد كان له حظ وافر في كل فن من تلك الأفنان المذكورة:
* فقد اعتنى فيه رحمه الله بذكر القراءات، واختلاف القراء فيها، وتوجيهها، وذكر معانيها.
* وذكر فيه عقائدَ أهل السنَّة والجماعة على وجه مختصر مفيد.
* وسَرَد فيه فقهَ الأئمة الأربعة وفق متهج قويم، بعيدٍ عن التعصب والتقليد.
* واعتمد على الصحيح الراجح من أقوال المفسرين.
(1) من أول النص اقتباس من كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: 17 - 20).
إلى غير ذلك مما سيُذْكَرُ في منهج المؤلف رحمه الله.
وبالجملة: فتفسير الإمام العليمي تفسيرٌ جليل يشبه تفسيرَ القاضي البيضاويِّ، كما قال الغَزِّيُّ -رحم الله الجميع-.
ويصفه العلَّامةُ ابنُ بدرانَ الحنبليُّ بأنه "تفسير متوسط، يذكر القراءات، وإذا جاءت مسألة فرعية ذكر أقوال الأئمة الأربعة فيها، وفيه فوائد لطيفة".
فالله يجزي مؤلفه خير الجزاء، ويثيبه أعظمَ النَّوال والعطاء.
هذا، وقد تمَّ لنا بفضل الله تعالى وكرمه الوقوف على أربع نسخ خطية للكتاب، خرج بها النصُّ -بحمد الله- صحيحًا مستقيمًا.
ثم تم التقديم للكتاب بفصلين؛ اشتمل أولهما على ترجمة للإمام العُليمي رحمه الله، وكان الآخر لدراسة الكتاب.
ثم ذُيِّل الكتاب بفهارس علمية متنوعة.
"فنسألُ اللهَ المبتديءَ لنا بنعمه قبلَ استحقاقها، المديمَها علينا، مع تقصيرِنا في الإتيان على ما أَوجب به من شكره بها، الجاعِلَنا في خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس، أن يرزُقَنا فهمًا في كتابه، ثم سنَّة نبيه، وقولًا وعملًا، يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويُوجب لنا نافلةَ مزيدهِ"(1).
هذا وصلى الله على نبيِّنا محمد، وآله وصحبه، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
وَكَتَبَ
نور الدين طالب
دومة الحنابلة/ 1430 هـ
(1) اقتباس من كلام الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"(ص: 19).