المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السادس: كتب المغازي والسير في ميزان العلم - كتاب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

[تقي الدين الندوي]

الفصل: ‌المبحث السادس: كتب المغازي والسير في ميزان العلم

‌المبحث السادس: كتب المغازي والسير في ميزان العلم

ذكر العلامة شبلي قائمة المصادر الأولى للسيرة كما أشرنا إليه قبل ذلك وذكر قائمة كتب المتأخرين أيضا.

وذكر ترجمة لكل مؤلف باختصار.

وقال: "لا شك أن مؤرخي السير لم يلتزموا بقواعد المحدثين، ورب رجل مجروح وهو ثقة عند أهل السير، ولكن يختلف منهج علماء المسلمين عن مؤرخي التاريخ من غير المسلمين"، ويقول: "لما أرادت الأمم الأخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها ورواياتها كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شؤون أمة قد خلت، ولم يميزوا بين غث ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار ولا أسماءهم ولا تواريخ ولادتهم، فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم، ويلائم بيئتهم، وينطبق على مقاييسهم. ثم لم يمض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدونة في الكتب. وعلى هذا المنهج السقيم صُنفت أكثر الكتب الأوربية مما يتعلق بالأمم الخالية وشؤونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السابقة ومذاهبها ورجالها.

وأما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها وأصولاً متقنة يتمسكون بها".

ثم ذكر تدوين أسماء الرجال عند المسلمين وذكر المصادر التي رجع إليها لتحقيق الروايات لتأليف هذا الكتاب منها:

ص: 29

(تهذيب الكمال) للحافظ المزي و (تهذيب التهذيب) و (لسان الميزان) و (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر و (التاريخ الكبير) للبخاري، و (التاريخ الصغير) له، و (الثقات) لابن حبان، و (تذكرة الحفاظ) للإمام الذهبي، و (مشتبه النسبة) له، و (الأنساب) للسمعاني و (تهذيب الأسماء) للنووي، واستفاد منها (1) .

وذكر شبلي أننا ألقينا نظرة عابرة على التاريخ، والآن نتحدث في نواح علمية مختلفة. وقال:"ثمة مئات من كتب التاريخ، ولكنها جميعاً تعتمد على ثلاثة أو أربعة مصادر قديمة فقط، وهي: كتاب ابن إسحاق والواقدي وابن سعد والطبري، أما الكتب الأخرى فقد ألفت فيما بعد، ومعظمها مأخوذ من هذه الأمهات". قال شبلي:" أما كتاب الواقدي فلا يستحق أبداً أن ننظر إليه أو نعطيه أي اهتمام، لقد اتفق المحدِّثون على أنه اخترع الأحداث والوقائع، وكتابه يدل على الكذب والاختراع ".

وأما الكتب الثلاثة فتستحق الدراسة، لقد انتقد الإمام مالك ابنَ إسحاق وجرَّحه، ولكن روى عنه البخاري في رسالته " جزء القراءة " عدة روايات ووثق به، أما ابن سعد والطبري فهما من الثقات، ولكن هذا لا يدل على صحة كتبهم، ونجد كثيراً من رواتهما من الضعفاء.

كتاب ابن إسحاق ليس الآن في الهند، وهناك كتاب ابن هشام الذي رتب كتابه ونسقه تنسيقاً جديداً، لكن ابن هشام روى كتاب ابن إسحاق من طريق البكائي (2)(المتوفى سنة 183?) ، ولا شك أنه رجل عظيم ولكنه ضعيف.

(1) انظر: مقدمة "سيرة النبي"(1/41) .

(2)

هو أبو محمد زياد بن عبد الله البكائي شيخ ابن هشام، روى عنه البخاري في كتاب الجهاد، وخرّج له مسلم في مواضع من كتابه، وكفى بهما مزكيين وموثقين، وذكر البخاري في "التاريخ" عن وكيع قال: زياد أشرف من أن يكذب في الحديث، وقد وهم الترمذي، فنقل عن البخاري أنه قال:"زياد على شرفه يكذب في الحديث" ولو صح ما نقله عنه الترمذي لما خرّج له حديثاً، ولا خرّج له مسلم "الروض الأنف"(1/5) .

قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "الفتح"(ص 401) : "ليس له عند البخاري سوى حديثه عن حميد عن أنس، أورده البخاري مقروناً بغيره"، انظر: ترجمته في: "سير أعلام النبلاء"(9/5) .

ص: 30

أما ابن سعد فنصف رواياته من طريق الواقدي، والواقدي ضعيف، وغير ثقة، ونصف الروايات التي رويت عن غير الواقدي تحتاج إلى فحص وتنقيح.

وفي روايات الطبري بعض كبار شيوخه، وهم من الضعفاء، ولذلك لا نقبل أي كتاب من كتب التاريخ إلا بعد الفحص والتحري.

ولا شك أن هذه الكتب تحتاج إلى بحث وتنقيح وتحقيق على القواعد التي وضعها علماء المسلمين لمعرفة الأخبار، وقد قام العلامة شبلي وتلميذه العلامة السيد الندوي بهذه المهمة في تأليف هذا الكتاب.

إن كتب السيرة كثيرة، ولكن هذه المؤلفات السالفة من أهم المراجع، وكل من ألف بعد هؤلاء اقتبس من كتبهم.

وقد ذكر شبلي ترجمة لكل واحد منهم، لذا فإني أذكر تراجمهم مع حذف وزيادة:

1-

محمد بن إسحاق (1) المتوفى سنة 150هـ.

وهو أكثر الناس شهرة في المغازي والسير، لأنه من التابعين وقد رأى أنس بن مالك رضي الله عنه بالمدينة.

قال علي بن المديني: "مدار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ستة" فذكرهم، ثم قال: "فصار علم الستة عند اثني عشر، أحدهم محمد بن

(1) انظر: ترجمته في "سيرة النبي"(1/24) و"سير أعلام النبلاء"(7/35) و "تهذيب التهذيب"(9/38ـ46) .

ص: 31

إسحاق". سئل ابن شهاب الزهري عن المغازي، فقال: "هذا أعلم الناس بها"، يعني محمد بن إسحاق.

كان الإمام مالك يعارضه، ولكن الآخرين يثقون برواياته في المغازي والسير، قال الذهبي:"والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق"، وذكره ابن حبان في " الثقات ".

قال يعقوب بن شيبة: سألت عليا –يعني ابن المديني-: كيف حديث ابن إسحاق عندك، صحيح؟ فقال: نعم، حديثه عندي صحيح، قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه، وأي شيء حدَّث به ابن إسحاق في المدينة؟

قلت: فهشام بن عروة قد تُكُلم فيه، فقال علي: الذي قال هشام ليس بحجة إلخ. وهو الذي رفع شأن علم المغازي.

وذكر العلامة شبلي أن كتاب ابن اسحاق في "المغازي" ترجم إلى اللغة الفارسية في عصر الشاعر الشهير سعدي الشيرازي بأمر من أبي بكر سعد الزنكي، ومنه نسخة خطية في مكتبة إله آباد في الهند (1) .

2-

ابن هشام

هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المتوفى سنة 218هـ أو 213هـ مؤرخ ونسابة ونحوي، ولد في البصرة وعاش في مصر.

وقال السيوطي: وثقه أبو سعيد بن يونس (2) .

لخص ابن هشام في كتابه السيرة التي صنفها محمد بن إسحاق وهذبها،

(1)"سيرة النبي"(1/24) ، لقد بحثت عن هذه النسخة المخطوطة ولم أوفق في الحصول عليها، وقد أشار إلى وجود قطعة من الكتاب فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي"(2/461) ولكن النسخة الكاملة مفقودة.

(2)

انظر: "بغية الوعاة" ص (315) و"شذرات الذهب"(2/45) و"الأعلام" للزركلي (4/314) و"سير أعلام النبلاء (10/428) .

ص: 32

ونبه على أشياء كثيرة تتضح لمطالع السيرة أنه قد روى عن زياد بن محمد البكائي المتوفى سنة 183هـ، وهو أتقن مَنْ روى السيرة عن ابن إسحاق، وتعد سيرة ابن هشام من أقدم وأجمع ما دون في السيرة، وقد طبع الكتاب عدة مرات.

وقد شرح هذه السيرة الإمام أبو القاسم السهيلي المتوفى سنة (581هـ) في كتابه القيم "الروض الأنف".

ولخص سيرة ابن هشام عدد من العلماء منهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وطبع عدة مرات.

ولا شك أن في هذا الكتاب بعض الروايات الضعيفة والواهية، لكن نجد لكل رواية إسناداً؛ فلذا سهل على الباحث أن ينظر في السند وينقد الرواية.

3-

الواقدي

هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم الواقدي المديني القاضي صاحب التصانيف و"المغازي" العلامة الإمام أبو عبد الله، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه، ولد بعد العشرين ومائة، وتوفي سنة 207هـ.

ذكره البخاري فقال: سكتوا عنه، وتركه أحمد وابن نمير.

وقال مسلم وغيره: متروك الحديث.

وقال النسائي: ليس بثقة.

وكذا العلامة شبلي لا يثق به وقال: لا ينبغي أن نلتفت إلى رواياته لأنه كذاب، وقال الشافعي: كتب الواقدي كذب (1) .

(1) انظر: "سير أعلام النبلاء"(9/457) .

ص: 33

4-

ابن سعد:

هو أبو عبد الله البصري، مولى بني هشام، نزيل بغداد وهو كاتب الواقدي (1) .

وأجلُّ كتبه (الطبقات الكبرى) في ثمانية أجزاء، وقد خصص الجزء الأول للسيرة النبوية الشريفة، والثاني لغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر مرضه ووفاته، ثم ذكر من كان يفتي بالمدينة، ومن جمع القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده وبعده، وذكر من كان يفتي بالمدينة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، كذلك تناول في بقية الأجزاء حياة الصحابة والتابعين، والجزء الأخير خُصَّ بالنساء الصحابيات.

لكن هو أيضا يتناول حياته صلى الله عليه وسلم في ثنايا الحديث.

ويقول شبلي: إن هذا الكتاب يشتمل على جزء كبير من روايات الواقدي وهو غير ثقة.

قلت: جميع روايات هذا الكتاب مروية بالأسانيد، ويسهل على المحقق تمييز روايات الواقدي من غيره.

5-

الإمام محمد بن جرير (2) :

أبو جعفر الطبري المتوفى سنة 310هـ أحد الأعلام، صاحب التصانيف البديعة قال الخطيب: "كان أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، جمع من العلوم مالم يشاركه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها

(1)"الروض الأنف"(1-3-4)"سير أعلام النبلاء"(10/665) .

(2)

انظر: "سير أعلام النبلاء"(14/267) و"الفهرست" لابن النديم ص (234) و"تاريخ بغداد"(2/162) و"الأعلام" للزركلي (6/294) .

ص: 34

صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيراً بأيام الناس وأخبارهم، له تاريخ الإسلام والتفسير الذي لم يصنف مثله".

قال الذهبي: "كان ثقة، صادقاً، حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، عَلَاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة وغير ذلك".

وقد استوعب المجلد الثاني من تاريخه السيرة النبوية، وكتابه جامع للكتب التي أتيحت للطبري والتي ألفت في القرنين السابقين عليه، أي: في الفترة ما بين سنة 50هـ إلى 250هـ على وجه التقريب، وطبع الكتاب أكثر من طبعة بمصر في ثلاثة عشر مجلداً.

ص: 35