المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: دراسة مفصلة لنماذج كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - كتابة السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأثرها في حفظ السنة النبوية

[رفعت بن فوزي عبد المطلب]

الفصل: ‌الفصل الثاني: دراسة مفصلة لنماذج كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

‌الفصل الثاني: دراسة مفصلة لنماذج كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

أولا: صحيفة علي رضى الله عنه.

هناك دلالة قوية من نصوص الصحيفة على أنها كتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قررت في دراسة سابقة (1) .

فعلي رضى الله عنه قال: "ما عندنا شيء من الوحي، أو قال: كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما في كتاب الله وهذه الصحيفة.

وفي رواية ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كتاب الله الذي أنزل إلا وقد بَلَّغْتُهُ غير هذا:

"بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله قال: لكل نبي حرم، وحرمي المدينة".

فالصحيفة كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاها لعلي، وهذا هو الذي يمكن أن يفهم من الخصوصية لعلي رضى الله عنه، إذ الذي في الصحيفة ليس خاصاً به، ولا بآل البيت، فقد نقله كثير من الصحابة رضوان الله عليهم - كما سنذكر - إن شاء الله تعالى - بل هناك ما يثبت أن شيئاً ما في الصحيفة كان مكتوباً عند بعض الصحابة رضوان الله عليهم.

(1) صحيفة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه: (ص 39) .

ص: 17

فقد روى مسلم بسنده عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها؟ وقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خَوْلاني، إن شئت أَقْرَأتكه (1) .

وفي بعض الروايات تصريح بأنه أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .

محتويات هذه الصحيفة:

عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال علي رضى الله عنه ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة. قال: فأخرجها، فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل.

قال: وفيها: المدينة حرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمة المسلمين واحدة يفي بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صَرْفٌ ولا عدْل.

(1) المصدر السابق (ص40) .

(2)

حم (1/119)

عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن مخارق عن طارق بن شهاب، عن علي:"وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فرائض الصدقة".

وفي رواية أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواها المحاملي في أماليه بالسند المذكور (ص155) رقم:(124) .

ص: 18

وفي حديث آخر: إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة؛ حَرَمٌ ما بين حرتيها، وحماها كله، لا يُخْتَلىَ خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها، ولا تقطع شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتالٍ.

وفي هذه الرواية: ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده.

وفي حديث منها: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.

وفي حديث آخر: ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً.

وفي حديث: "وفيها فرائض الصدقات".

وفي حديث: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى مُحْدِثا".

وهكذا حفلت الصحيفة بموضوعات شتى.

1-

حرم المدينة.

2-

ذمة المسلمين وأمانتهم.

3-

تكافؤ دماء المسلمين.

4-

قتل المسلم بالكافر.

5-

فكاك الأسير.

6-

بعض الكبائر وعقابها.

ص: 19

7-

المعاقل (الديات والجراحات) .

8-

فرائض الصدقة.

وجدير بالذكر أن في هذه الصحيفة إشارات إلى موضوعات كبيرة، ولم يرد في الصحيفة منها إلا هذه الإشارات.

وذلك كالديات، وتفصيلها يطول في الروايات والأحاديث، بل ويطول في صحف أخرى كما سنرى، وكما في صحيفة عمرو بن حزم.

وكذلك فرائض الصدقة كما سنرى تفصيلها في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عند أبي بكر، ثم عند عمر.

ويحتمل أن هناك أموراً أخرى في هذه الصحيفة.

وقد رُوي أنها كانت في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روت السيدة عائشة أجزاء من هذه الصحيفة وقالت: إنها كانت في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: وجدت في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً:

إن أشدَّ الناس عتوًّا مَنْ ضرب غير ضاربه، ورجل قَتَلَ غيرَ قاتله، ورجل تولىَّ غيرَ أهلِ نعمته.

فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً.

وفي الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا

ص: 20

تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا صلاة بعد العصر حتى تَغرب الشمس، ولا تسافر المرأة ثلاث ليالٍ مع غير ذي محرم (1) .

وكما ترى، في هذه الصحيفة ما يلتقي مع صحيفة علي، وما هو زائد عليها مما يجعلنا نرجح أن عليًّا رضى الله عنه لم يذكر كل ما في الصحيفة، وكذلك السيدة عائشة رضي الله عنها.

أما متابعات الصحيفة وشواهدها فسنعرض لها في فصل قادم.

ثانياً: الصحيفة الصادقة.

وهي صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كتبها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرنا.

والإجماع على أنها نقلت كتابة عن عبد الله بن عمرو، والخلاف إنما هو في اتصالها أو عدم اتصالها.

ولا نريد أن نخوض في تفصيلات ذلك، فهو مفصل في مصادر عدة، ولا تحتمله عجالتنا هذه.

ولكننا نجتزئ بشهادة إمامين جليلين، أحدهما متقدم والآخر متأخر، وهما الإمام الترمذي والإمام ابن تيمية، وقد لخصا في كلمات معدودات ما قيل في هذه الصحيفة والحكم الأرجح عليها.

(1) مسند أبي يعلى 8/197 رقم 401/4757

وقال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح غير مالك بن أبي الرجال، وقد وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد (6/292 – 293)

وانظر السنن الكبرى للبيهقي (8/30)

وفيها: وُجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابان. وسياق حديث أبي يعلى يقتضي ذلك.

ص: 21

قال الإمام الترمذي: وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو.

وقد تكلم يحيى بن سعيد في حديث عمرو بن شعيب، وقال: هو عندنا واهٍ.

ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث عن جده عبد الله بن عمرو، وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب ويثبتونه، منهم أحمد وإسحاق وغيرهما (1) .

وقال ابن تيمية:

"وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب، عن جده، وقالوا: هي نسخة، وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقالوا: عن جدِّه الأدنى محمد، فهو مرسل، فإنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع، فإن شعيباً لم يدركه.

وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه، مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم قالوا: الجد هو عبد الله، فإنه يجيء مسمى، ومحمد أدركه.

(1) جامع الترمذي (2/26) .

ص: 22

قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هذا أوكد لها وأدلَّ على صحتها.

ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام" (1) .

ونوافق الإمام ابن تيمية في كون صحيفة عمرو بن شعيب يحتج بها أئمة الإسلام وجمهور العلماء، وأنها متصلة في الرواية مع كونها مكتوبة.

ولكن العلماء فسروا الإسناد على نحو آخر، وهو أن شعيباً روى عن جده عبد الله بن عمرو، فالضمير في "جده" يرجع إلى شعيب لا إلى عمرو.

قال الذهبي: "الرجل لا يعني بجده إلا جده الأعلى عبد الله رضى الله عنه، وقد جاء كذلك مصرحاً به في غير حديث، يقول: "عن جده عبد الله"، فهذا ليس بمرسل، وقد ثبت سماع شعيب والده من جده عبد الله بن عمرو (2)

(1) الفتاوى الكبرى: (18/8-9) .

(2)

نقل الذهبي روايات فيها تصريح بأن الجد عبد الله بن عمرو، قال:

الدارقطني في "سننه" حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثنا مخرمة ابن بكير، سمعت عمرو بن شعيب، يقول: سمعت شعيبًا، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في البَيِّعين بالْخِيَار"(الدارقطني 3/50)

(د: 3456 س: 7/251 – 252 ت 1247)

أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن شعيب: عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أيما امرأة نكحت على صداق أو عدة أو حباء قبل عصمة النكاح، فهو لها ".

(حم 2/182: جه 1955 س 6/120)

حرملة: حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله:"مثل الذي يسترد ما وهب، كمثل الكلب يقيء". (د. 354 ت 2133 وقال: حسن صحيح) .

ثم قال:

وعندي عدة أحاديث سوى ما مرَّ يقول: عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فالمطلق محمول على المقيَّد المفسر بعبد الله، والله أعلم.

سير أعلام النبلاء: (5/172-173) .

ص: 23

ومن معاوية وابن عباس وابن عمر، وغيرهم، وما علمنا بشعيب بأسًا، رُبِّي يتيماً في حجر جده عبد الله، وسمع منه، وسافر معه، ولعله ولد في خلافة علي أو قبل ذلك، ثم لم نجد صريحاً لعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده محمد بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ورد نحو من عشرة أحاديث هيئتها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، وبعضها:"عن عمرو عن أبيه، عن جده عبد الله، ولا أدري هل حفظ شعيب شيئاً من أبيه أم لا؟ وأنا عارف بأنه لازم جده، وسمع منه"(1) .

وأما تعليل بعضهم بأنها صحيفة وروايتها وجادة بلا سماع، فمن جهة أن الصحف يدخل في روايتها التصحيف، لا سيما في ذلك العصر، إذ لا شكل بَعْدُ في الصحف ولا نقط، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال (2) .

وقد أثبت الحاكم سماع شعيب من جده عبد الله، قال في المستدرك: وقد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن

(1) المصدر السابق (5/173)

(2)

المصدر السابق: (5/174) .

ص: 24

شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة، وكنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، فلم أصل إليها إلا في هذا الوقت.

ثم روى من الحديث ما يثبت ذلك، ثم قال بعده: هذا حديث ثقات رواته حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو (1) .

وعدَّ الحاكم صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من القسم الخامس من الصحيح المتفق على هذه الأقسام (2) .

وجعل الذهبي في "الموقظة" حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أعلى مراتب الحسن (3) .

يقول: وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإنَّ عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق وينعتونها بأنها أدنى من مراتب الصحيح (4) .

ومهما يكن من أمر فقد كان لهذه الصحيفة الأثر الكبير في حفظ السنة مدونة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على نطاق واسع.

كما سيتبين لنا ذلك في فصل تالٍ.

محتويات الصحيفة

في هذه النسخة ما عرفناه منها أكثر من مائتي حديث:

(1) المستدرك: (2/65) كتاب البيوع.

(2)

المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل (ص 64) .

(3)

الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي: (ص:32) .

(4)

المصدر السابق: (ص: 33) .

ص: 25

في الأدب، والأدعية، وأشراط الساعة، والأشربة والأطعمة والأضحية والعقيقة، والأقضية، والإيمان بالقدر، والأيمان والنذور، والبيعة والبيوع، والترجل، والجزية، والجنائز، والجهاد، والحج والعمرة، والحجر، والحدود، والحضانة، والحلف، وخصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، والديات، والردة، والزكاة، والسفر، والشهادات، والصلاة، والصيد، والطب، والطلاق، والطهارة، والغنائم، والفتن، وفضائل عبد الله بن عمرو، والقتل في الحرم، والقذف، والقضاء، والكفارات، وفي كتابة الحديث، وفي اللباس، واللقطة، والمراء، والمكاتبة، والنسب، والمواريث، والنكاح، والنهي عن المثلة، والهبات والصدقات، والوديعة، والوصايا، ويوم القيامة.

وهذه - كما ترى - موضوعات متعددة وكثيرة، ولهذا احتاج إليها كثير من الفقهاء، وأودعها كثير من المحدثين في مصنفاتهم.

والسنن الأربع فيها الكثير منها؛ في أبي داود (73) حديثاً، والترمذي (32) والنسائي (59) وابن ماجه (69) . ومنها في مسند أحمد (199) حديثاً وفي المحلى لابن حزم (115) والمستدرك للحاكم (90) وسنن البيهقي (121) وسنن الدارقطني (127) ومصنف ابن أبي شيبة (122) ومصنف عبد الرزاق (69) . (1)

(1) صحيفة عمرو بن شعيب لمحمد بن على بن الصديق (ص 133) .

ص: 26

وإذا كانت أحاديث أبي هريرة كثيرة فصحيفة عبد الله بن عمرو فيها أكثر، فقد قال أبو هريرة: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. (1)

ثالثا: صحيفة عمرو بن حزم.

كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم له - كما سبق أن ذكرنا - وهذا الكتاب رواه جمع من الأئمة، وإن كان بعضهم صححه وبعضهم ضعفه، وهذا من ناحية إسناده، ولكنه اشتهر بين العلماء وتناولوه بالقبول، وهذا كافٍ عندهم في صحته. بل قد صححه من حيث إسناده ابن حبان والحاكم.

فإذا كان الذين ضعفوه قالوا: إن في إسناده سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. فقد قال ابن حبان بعد أن رواه: "سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخَولاني من أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي لا شيء، وجميعاً يرويان عن الزهري. (2)

وقال الحاكم بعد روايته: هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وإمام العلماء في عصره محمد ابن مسلم الزهري بالصحة، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عَدَّله غيرُه

عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي، وسئل عن حديث عمرو بن

(1) خ: (1/57 رقم 113) .

(2)

صحيح ابن حبان (الإحسان 14/515) .

ص: 27

حزم في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه له في الصدقات فقال: سليمان بن داود الخولاني عندنا لا بأس به. قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك.

ووافقه الذهبي (1) .

وإذا كان بعض العلماء لم يسلم للحاكم وابن حبان قبله بهذا فقد وثقت الصحيفة من حيث شهرتها وقبول العلماء لها:

قال ابن حجر: "وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: "لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عن أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه بالتواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنَّا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري.

وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه، ويَدَعون رأيهم". (2)

(1) المستدرك (1/395 – 397) .

(2)

التلخيص الحبير (4/35-36) .

ص: 28

ويصح هذا الحديث أيضا بشواهده ومتابعاته، كما سنبين بعض ذلك في فصل قادم إن شاء الله عز وجل (1) .

ما في الصحيفة:

رواها الحاكم (2) وابن حبان (3) كاملة، ونورد نصها كما رواها الحاكم:

عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث مع عمرو بن حزم، فقرأت على أهل اليمن وهذه نسختها:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شُرَحْبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال قِيل ذي رُعَيْن، ومعافر، وهمدان أما بعد.. فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العُشْرِ في العقار، ما سقت السماء، أو كان سيحاً أو كان بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقِيَ بالرشاء والدَّاِلية ففيه نصف العشر، إذا بلغ خمسة أوسق.

وفي كل خمس من الإبل السائمة شاة، إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد

(1) وانظر شواهد الحديث في تحقيق صحيح ابن حبان (الإحسان 14/502 - 510) وقد اجتهد المحقق اجتهادًا محمودًا، ومأجورًا عليه إن شاء الله عز وجل أن يبين شواهد كل جزء من أجزاء هذا الكتاب في هذه الصفحات.

(2)

المستدرك (1/395 - 397)(14) كتاب الزكاة.

(3)

الإحسان (14/502 - 511)(60) كتاب التاريخ (7) باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر كِتْبَة المصطفى إلى أهل اليمن.

ص: 29

فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسة وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابنة لبون، إلى أن تبلغ خمسة وأربعين. فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حِقةٌ طروقةُ الفَحْل، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها جَذَعة، إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة على خمسة وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة على تسعين ففيها حِقَّتَان طَرُوقَتا الجَمَل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لَبون، وفي كل خمسين حِقَّة طَرُوقة الجمل.

وفي كل ثلاثين بَاقُورَة تبيع جَذَع وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاة شاة.

ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمَة، ولا عَجْفَاء، ولا ذات عُوَار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المُصَدَّق، ولا يُجْمَع بين مُتَفَرَّق ولا يُفَرَّق بين مُجْتَمِع خِيفَة الصدقة، وما أخذ من الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسَّوِيَّة.

وفي كل خمس أواقٍ من الوَرِق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ديناراً دينار.

إن الصدقة لا تَحِلُّ لمحمد، ولا لأهل بيت محمد، إنما هي الزكاة تُزَكَّى بها أنفسهم، ولفقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.

ص: 30

وليس في رقيق، ولا في مزرعة، ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر.

وأنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء.

قال: وكان في الكتاب: إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلينَّ أحد منكم في ثوب واحد وشقه بادٍ، ولا يصلين أحد منكم عاقصاً شعره، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء.

وكان في الكتاب: أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بَيِّنَةٍ فله قَوَد، إلا أن يرضى أولياء المقتول.

وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف الذي أوعب جَدْعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذَّكَر الدية، وفي الصُّلْب الدَّيَة، وفي العينين الدَّيَة، وفي الرَّجْل الواحدة نصف الدَّيَة، وفي المأمومةِ ثلث الدَّيَة، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرَّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي المُوضِحَة خمس من الإبل، وأن الرَّجلَ يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار (1) .

(1) انظر تخريج هذه الصحيفة في تحقيقي للعمدة الكبرى لعبد الغني المقدسي (ص 572 – 597) .

كما فيه أيضاً تفسير غريبه ومفرداته.

ص: 31

والحق أن هذا ليس كل ما في الصحيفة، فكما في صحيفة

علي رضى الله عنه هنا وهناك إشارات إلى موضوعات، والروايات يكمل بعضها بعضاً.

وها هي رواية البيهقي في دلائل النبوة مما ليس في رواية الحاكم، أو فيها ولكن بتوضيح هنا:

هذا كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعَمْرِو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يُفّقِهُ أهلها ويعلمهم السُّنَّةَ، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعَهْداً، وأمره فيه أمْرَه فَكَتبَ:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من الله ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} ، عهدٌ من رَسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزْم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره، فإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق كما أَمَرَهُ، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم، ويُعلِّم الناسَ القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، ولا يمسَّ أحدٌ القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشدُّ عليهم في الظلم؛ فإنَّ الله عز وجل كَرِهَ الظلم ونهى عنه، وقال:{أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ويبشِّرُ الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعمَلَها، ويستألِف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج، وسننه وفرائضه، وما أمر الله به والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرةُ.

ص: 32

وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغيرٍ، إلا أن يكون واسعاً فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحدٍ ويفضي إلى السماء بفرجه، ولا يعقد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى الناس إذا كان بينهم هَيْجٌ أن يدعوا إلى القبائِل والعشائِر، وليكن دعاؤهم الى الله عز وجل وحده لا شريك له، فمن لم يَدْعُ إلى الله عز وجل، ودعا إلى العشائِر والقبائل، فليعطفوا فيه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله عز وجل وحده لا شريك له.

ويأمُرُ الناس بإِسباغ الوضوءِ وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله.

وأُمِروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلّس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض، والمغرب حين يُقبل الليل، ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماءِ، والعشاءُ أول الليل، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها.

وأمَرَهُ أن يأخذ من المغانم خُمس الله عز وجل.

وما كُتبَ على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى العين، وفيما سقت السماء العُشْرُ، وما سقت القِرَبُ فنصف العشر.

وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربعٌ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيعٌ أو تبيعة، جَذَعٌ أو جَذَعَة، وفي كل أربعين من الغنم سائِمة وحدها شاة؛ فإنها فريضة الله عز وجل التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد فهو خيرٌ له.

ص: 33

وإنَّه من أسلم مِنْ يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه فَدَان دين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مالهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيةٍ أو يهوديَّةٍ فإنَّهُ لا يغيَّر عنها.

وعلى كل حالمٍ، ذكرٍ أو أنثى حُرٍ أو عبدٍ دينار وافٍ أو عِوَضه من الثياب، فَمَنْ أدى ذلك فإن له ذمَّة الله عز وجل، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن منع ذلك فإنَّه عدُوُّ الله ورسوله والمؤمنين جميعاً.

صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثم قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حَزمٍ، عن أبيه، عن جده هذا الحديث موصولاً بزياداتٍ كثيرة وفي الزكاة والدياتِ وغير ذلك ونقصان عن بعض ما ذكرناه، وقد ذكرناه في كتاب السنن (1) .

وهكذا نرى في الصحيفة موضوعات شتى: في الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج والعمرة، والديات، وبيان الكبائر، والجزية، والعتق.

هذا ونكتفي بهذه الصحف الثلاث، وصحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند أبي بكر، وصحيفة أبي بكر التي أرسلها إلى أنس ليعمل بها داخلتان ضمناً في صحيفة عمرو بن حزم، وإن كانا أصحَّ منها من حيث الإسناد. وسنتعرض لهما في الفصل التالي كشواهد لصحيفة عمرو بن حزم.

(1) دلائل النبوة للبيهقي (5/413 – 415) .

ص: 34