الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول الرسالة وعناصر نجاحها
…
الرسالة وعناصر نجاحها:
ما الرسالة؟
لعل أجمل تعريف للرسالة هو ما ذكره Arthur Cole من أنها "تقرير واف يقدمه باحث عن عمل تعهده وأتمه، على ان يشمل التقرير كل مراحل الدراسة، منذ كانت فكرة حتى صارت نتائج مدونة، مرتبة، مؤيدة بالحجج والأسانيد".
وتتوقف قيمة هذا التقرير "الرسالة" على عوامل متعددة، ولكن أهم هذه العوامل هو أن يكون هدف الطالب خلال عمله البحث عن الحقيقة، فإذا ظفر بها أعلنها، اتفقت مع ميوله أو لم تتفق.
ومن هنا يبدو بوضوح الفرق بين المناظرات وبين الرسائل؛ فإذا وضعنا لمناظرة تاريخية عنوانا مثل "الشورى في الإسلام" فإن الجانب الذي يؤيد سيطالعنا بقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ، وسيورد صورا من استشارة
الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، واستشاره الخلفاء الراشدين للصحابة فيما أشكل من أمور؛ وأما الجانب المعارض، فسيبحث عن تأويل لهذه المواقف، وسيعرض لموقف أبي بكر حين خالف الصحابة الذين أشاروا عليه بعدم محاربة مانعي الزكاة وقال قولته المشهورة:"والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه لرسول الله لقاتلهم عليه" وربما رد الفريق المؤيد بأن أبا بكر في موقفه من مانعي الزكاة كان يتبع نصا، وما ورد فيه نص لا اجتهاد فيه ولا استشاره، وربما أجاب الفريق المعارض بتأويل ذلك النص وتوجيهه توجيها خاصا، وهكذا نجد أن كل فريق من المتناظرين يبدأ دراسته متبعا وجهة نظر معينة، ويجمع من المادة ملا يلائم موقفه، ويتلمس التأويل لما قد يدعم رأي الفريق الآخر.
أما إذا كان هذا الموضوع موضوع رسالة، فإن الطالب يبدأ دراسته للبحث عن جوهر الحقيقة دون أن يكون له رأي في بادئ الأمر؛ فيقرأ، ويجمع المادة، ويتفهمها، ويقارن بعضها بالبعض الآخر لتوصله القراءة والدراسة إلى الحقيقة، دون أن تلعب به الأهواء أو توجهه الميول، فهو لهذا يبدأ دراسته لا ليبرهن على شيء بل ليشكف شيئا، وهو لهذا لا يتجاهل وسيلة تساعده على بلوغ هذا الهدف، وهو مستعد أن يغير رأيا قد يكون قد كونه إذا جد ما يستدعي هذا التغيير
مهما استلزم ذلك التغيير من عناء ونصب.
تلك هي الروح العلمية، تجرى وراء الحقيقة، ولا يقودها أو يؤثر فيها هوى أو رغبة.
ومن هنا يتضح أنه لا يجوز أن يختار الطالب لدراسته موضوعا وهو ينوي أن يثبته، أو ينوي أن يعارضه، بل يجب أن يختار الموضوع الذي يمكنه أن يثبته أو يعارضه تبعا للمادة التي سوف يحصل عليها، فالمادة تقود الطالب إلى النتيجة التي يجب ألا يكون لها وجود ثابت في ذهن الباحث عند بدء البحث، فإذا اختار الطالب لدراسة موضوعا وهو يأخذ منه جانبا معينا فهو مناظر وليس بباحث.
دعم الرسالة الناجحة:
للرسالة الناجحة دعائم أهمها:
أولا- القراءة الواسعة: فطالب الماجستير أو الدكتوراه ينبغي أن يقرأ بنهم وعمق، ويجب أن يلم بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، والطالب كما سبق يحدد نتائجه بناء على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجا لو واجهه الممتحنون بمعلومات لم يحصل عليها، ومن شأنها أن تحدث تغييرا فيما وصل إليه من نتائج، أو واجهوه بنتائج أروع من نتائجه، توصل لها سواه.
ثانيا- الدقة التامة في فهم آراء الغير، وفي نقل عباراته، فكثيرا ما يقع الطالب في أخطاء جسيمة بسبب سوء الفهم أو الخطأ في النقل.
ثالثا- ألا يأخذ آراء الغير على أنها حقيقة مسلم بها، فكثير من الآراء بني على أساس غير سليم، فليدرس الطالب آراء غيره ودعائهما، فيقر ما يتضح له صحته، ويرد ما لم يكن قوي الدعائم1.
رابعا- أن تنتج الرسالة ابتكارا، وتضيف جديدا إلى ما هو معروف من العلوم، فالباحث يبدأ من حيث انتهى غيره من الباحثين؛ ليسير بالعلم خطوة أخرى، وليسهم في النهضات العلمية بنصيب، وليس الابتكار المطلوب في الرسائل هو كشف الجديد فحسب؛ بل هناك أشياء أخرى غير الكشف يشملها لفظ الابتكار، وذلك مثل ترتيب المادة المعروفة ترتيبا جديدا مفيدا أو الاهتداء إلى أسباب جديدة لحقائق قديمة، أو تكوين موضوع منظم من مادة متناثرة أو نحو ذلك.
خامسا- إذا وصل الطالب إلى مرحلة كتابة الرسالة كان عليه أن يبذل جهده ليكون قوي التأثير في قارئه، وليورد له
1 سنفصل القول في هذا الموضوع فيما بعد تحت عنوان: "موهبة البحث وشخصية الباحث" ص41.
من الأدلة ما يجعله يشاركه فيما يذهب إليه، وليدرك الطالب أن مهمته الأولى أن يجعل رسالته بحيث تجذب ذهن القارئ بما فيها من مادة مفيدة مرتبة، كتبت بأسلوب طلي، وأن تكون الرسالة بحيث يظل القارئ منجذبا لها متعلقا بها طيلة قراءته لها، لوضوحها وتسلسها، إذ أن الجاذبية ستضعف إذا صادف القارئ استطرادا أو إبهاما مما يشغل ذهنه عن تتبع الفكرة الأساسية التي يعالجها الطالب.
وليعرف الطالب أن القائد الذي يقصد اقتحام حصن ما، عليه أن يعد جنده إعدادا تاما، ثم عليه أن يبرع في إدارة المعركة، وأن يواصل ضغطه حتى يصل إلى هدفه.
وكذلك الطالب إذا كون باطلاعه رأيا فليشحد له من المادة ما يكفي لإبانته وليبرع في عرض هذه المادة بأسلوب جميل وبدقة وإتقان ووضوح، وبدون استطراد أو إبهام؛ وليستمر على ذلك طيلة عمله، فليست مهمة الطالب أن يكشف جديدا فقط، ولكن أن يصوغ ما كشفه في قالب جميل، فيه وضوح وإغراء، وقوة تأثير، فهذا لا ريب جزء متمم لعمله.
بين الماجستير والدكتوراه:
الهدف الأول لدرجة الماجستير هو أن يحصل الطالب على تجارب في البحث تحت إشراف أحد الأساتذة، ليمكنه ذلك من مواصلة البحث للتحضير للدكتوراه التي يلزم فيها أن
تمنح تجارب تضيف جديدا للثقافة الرفيعة.
وتعتبر الماجستير امتحانا يعطي فكرة عن مواهب الطالب ومدى صلاحيته للتحضير للدكتوراه.
والماجستير تساعد الطالب الكفء ليحس متعة البحث ولذة الدراسة، فيدفعه ذلك إلى مداومة البحث والدرس للحصول على الدكتوراه، حتى إذا حصل عليها كان الشغف قد كمل عنده وخالط دمه، فلا يفتأ باحثا طوال حياته، باحثا عن العلم للعلم، وذلك هو الهدف الأسمى.
وإذا كان لابد للماجستير أن تضيف جديدا للثقافة العالية، فالجديد الذي تضيفه رسالة الدكتوراه يجب أن يكون أوضح وأقوى؛ فهي بين إبراز فكرة وشرحها وتنظيمها، أو التعمق برأي والتطور به وتفريعه، ويكون كل ذلك موضوعا في مستوى عال يتناسب مع الدرجة التي سيمنحها الطالب.
وتعتمد رسالة الدكتوراه على مراجع أوسع، وتحتاج إلى براعة في التحليل وتنظيم المادة، ويجب أن تعطي فطرة عن أن مقدمها يستطيع الاستقلال بعدها في البحث؛ فهو بجانب الشغف الذي تربى عنده، تربت عنده المقدرة على أن يخرج أعمالا علمية صحيحة، دون أن يحتاج إلى من يشرف عليه ويوجهه.
موهبة البحث وشخصية الباحث:
نريد أن نقول بصراحة إن البحث موهبة تمنح لبعض الناس ولا تمنح للآخرين، فالبحث خلق وإبداع، وتلك قدرة خاصة تبرز أو تتألق لدى بعض الأفراد، وتتضاءل أو تنعدم عند آخرين.
وإذا أجرينا مقارنة بين الطالب في قسم الليسانس أو البكالوريوس، وبين الطالب في الدراسات العليا، نجد الأول يتبع أستاذه غالبا، يقرأ له أو يقرأ ما يوصي به، وقد يكون فيه بعض الذكاء أو قد يكون مجتهدا، فيستطيع أن يحيط بالمادة كما قدمت له، وينال تقديرا عاليا في الامتحان، أما الطالب في الدراسات العليا فتختلف حاله، لأنه يتحتم عليه أن يبتكر شيئا، وأن تكون فيه قدرة على الخلق، ولا يكتفي فيه بالاتباع.
ومن هنا فإننا نؤكد أن العلاقة ليست مطردة بين التقدم في نتائج الامتحانات بقسم الليسانس أو البكالوريوس وبين عالم البحث والتأليف، فطالما تراجع أوائل الليسانس عن الصفوف الأولى عندما اتجهوا للبحث والتأليف، وعلى العكس من ذلك نجح في صفوف الباحثين جماعة ممن توفرت فيهم موهبة البحث وإن لم يكونوا في الصفوف الأولى إبان دراستهم بقسم الليسانس.
وموهبة البحث عندما توجد يمكن تنميتها بالمعرفة
والمثابرة، فكثرة الاطلاع على الأعمال الجيدة، وعمق التفكير فيها وفي خطواتها الفكرية، ثم الاستمرار على محاولات البحث والدراسة، والتعرف على أخطاء المحاولة كما يبرزها الأساتذة والمشرفون والنقاد، والاتجاه لتحاشي هذه الأخطاء في الأعمال الجديدة.. كل ذلك ينمي موهبة البحث ويبرز شخصية الباحث.
ولكن عندما تكون موهبة البحث ضيئلة أو معدومة يكون من الصعب، وربما من الخطأ السير في طريق البحث، فإن الطالب في هذه الحالة لن يستطيع أن يخلق عملا علميا ذا بال، وكثيرا ما نصادف طلابا يحبون القراءة، ويميلون للجد والاجتهاد، ولكن قدراتهم في عالم البحث ضعيفة أو محدودة، فتكون أعمالهم جسدا لا روح فيه، ومجموعة اقتباسات لم تسيطر عليها عبقرية الدارس، فتبدو كالأشلاء والرقاع، دون جوهر طيب وقوة نفاذة.
وليست موهبة البحث التي نتحدث عنها شيئا غامضا أو مبهما، بل إن هذه الموهبة لها مظاهر ومعالم تدل عليها وتكشف عن وجودها، ومن أهم العلامات التي تبرز موهبة البحث، القدرة على اختيار موضوع الدراسة لم تتضح بعد معالمه، فإذا رأيت الطالب يبهره موضوع مدروس فيقترحه موضعا له، فهذا الطالب جدير بالإشفاق، لأنه تابع وليس
مبتكرا، والطالب الموهوب هو الذي يعمد إلى موضوع غامض فيقترحه ليبحثه ويتدارسه ويحاول أن يزيل غموضه..
ومن علامات هذه الموهبة القدرة على ابتكار خطة مناسبة للبحث، فهذه القدرة دليل على سيطرة الطالب على الموضوع وعلى جوانب الفكر فيه.
ومن هذه العلامات استقلال شخصية الباحث، وعدم استعداده لينجذب بسهولة مع الريح، ومع الآراء هنا وهناك.
ومن هذه العلامات الاستفادة من المقارنات وابتكار فكرة منها لم يسبق الباحث لها.
ومن علامات هذه الموهبة ألا يسلم تسليما مطلقا بالآراء التي سبق بها والتي قررها أسلافه، بل لابد أن يقف عند المقدمات ويتدارسها، فقد تقوده إلى نتائج تخالف ما ذهب إليه السابقون.
ومن علامات هذه الموهبة ألا يقنع بالكلمات المكتوبة أو المقولة، بل يحاول أن يقرأ "ما بين السطور" كما يقولون، وليس تعبير "ما بين السطور" شيئا غامضا، فطالما منعتنا ظروف قاهرة من أن ندون ما نريد، فنتجه لحيل مختلفة في الفكرة أو في التعبير لنضع بين السطور ما نريد أن نقول أن أو أكثره، ونترك للطالب الموهوب أن يتعرف على ذلك، ويكثر
هذا جدا في الكتابات السياسية أو المتصلة بالسياسة.
ومن هذه العلامات أن يشعر الباحث دائما بأنه سيد بحثه وخالقه، بمعنى أن يحاول دائما إدخال بعض التحسينات والإضافات عليه.
ومن هذه العلامات أن تظهر في الباحث اللذة في العمل والرغبة في الاستمرار فيه، وإيثاره على كل شيء، لأن البحث أصبح حياة الباحث وأمله وحبه.
ومن هذه العلامات في الدراسات التجريبية الصبر والدقة والفطنة، وفي الدراسات التاريخية التسلسل التاريخي وعدم التكرار، وفي كل الدراسات عدم التسرع للحصول على الدرجة العلمية التي يعمل لها، لأن الباحث الموهوب يهتم بالبحث وجودته، ويرى فيه شخصيته وأمله، ولهذا فهو يتطلع للكمال فيه أكثر مما يتطلع للإسراع في الحصول على الدرجة التي يسعى لها.
ومن هذه العلامات التأنق في الأداء، فيكون الباحث كالمصور والمثال الذي يتحرك بريشته وأجهزته لجعل الصورة أو التمثال في أروع مظاهره.
وعلى العموم فموهبة البحث تشبه قدرات النحلة، فالنحلة تقف على الزهور كما تقف الحشرات والطيور، ولكن النحلة
وحدها تجعل من الرحيق عسلا شهيا، فهل تستطيع أيها الطالب أن تخرج شيئا مما تقرأ؟ إن كنت تستطيع فأنت جدير أن تدخل دنيا البحث والدراسة، وإن كنت لا تستطيع فلست كالنحلة ولست باحثا، إنما أنت قارئ تستفيد بما فعل الآخرون وتفيد به، وليس من الضروري أن تتجه إلى ما لا تجيده.
بقي بعد ذلك أن أعطي بعض أمثلة عن العلامات التي سبق ذكرها:
فيما يتعلق باستقلال شخصية الباحث نذكر أن المراجع الأساسية للدين الإسلامي وتشريعاته واحدة، ولكن شخصية المجتهدين من العلماء أدت إلى الاختلاف في فهم النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة، فظهرت المذاهب المختلفة نتيجة لاختلاف الفهم واستقلال شخصية الباحثين.
وفيما يتعلق بابتكار بعض المقارنات المفيدة أذكر هنا أنه كان في العراق دولة للمماليك بدأت سنة 1749م إبان الحكم العثماني الذي كان يسيطر على أكثر العالم العربي، وكان بعض باشوات المماليك بالعراق من طبقة الحكام الممتازين، كما كان بعضهم من الحكام العاديين، ومن خيرة باشوات المماليك بالعراق داود باشا الذي تذكر المراجع أنه كان يتمتع بموهبة أدبية ممتازة ومقدرة إدارية عالية، وكفاءة عسكرية
رائعة، ومع هذا فقد حاربته الدولة العثمانية حربا قاسية، وأسقطته، وأزالت دولة المماليك من العراق وكان ذلك سنة 1831م، وقد أوحى هذا التاريخ لي بمقارنة مهمة فسرت إصرار الدولة العثمانية على إسقاط ممالك العراق آنذاك، فكتبت في الجزء السابع من موسوعة التاريخ الإسلامي أوضح أن محمد على باشا بمصر كان يطمع في أن ينال ولاية الشام مكأفأة له على الجهد الذي بذله في حرب اليونان ولما رفض الباب العالي هذا الأمل أعلن محمد علي استقلاله بل اتجه ليحقق أطماعه بالقوة، فاكتسحت الجيوش المصرية بلاد الشام ثم منطقة الأناضول سنة 1831 وخاف الباب العالي أن توجد بالعراق قوة استقلالية تقلد الحركات التي قام بها محمد علي، وإذا كان الباب العالي يحتمل بشكل ما استقلال مصر وقوتها فإن الوضع مختلف بالنسبة للعراق لأن حدود العراق تتاخم حدود تركيا.
وهذا يفسر لنا تحديد الوقت للقضاء على المماليك بالعراق وهو سنة 1831 أي نفس السنة التي بدأ فيها محمد علي باشا زحفه على الشام والأناضول، ولم يشفع لداود باشا أن حكمه كان أحسن العهود فكرا واستقرار.
1 جـ1 ص533.
وفيما يتعلق بعدم التسليم بالآراء التي سبق الباحث بها وبالتزامه أن يعيد التفكير في المقدمات لعله يصل إلى نتائج أحسن مما وصل إليه السابقون، نذكر أن نذكر أن أكثر الباحثين في التاريخ الإسلامي يتحدثون عن نظام تولية العهد لأكثر من واحد في الدولتين الأموية والعباسية على أنه كان من دواعي الاضطراب والضعف في هاتين الدولتين، ومن أهم العوامل التي أدت إلى سقوطها.
يقول الدكتور حسن إبراهيم في كتابه تاريخ الإسلام السياسي1 تحت عنوان "أسباب سقوط الدولة الأموية" ما يلي:
كان من بين الأسباب التي أثرت في اضمحلال البيت الأموي وذهاب ريحه، ولاية العهد لاثنين يلي أحدهما الآخر
…
ولا غرو فإنه لم يكد يتم الأمر لأولهما حتى يعمل على إقصاء الثاني من ولاية العهد وإحلال أحد بنيه مكانه.
وأول من سن هذه السنة مروان بن الحكم فقد ولى عهده ابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، ولم يأبه بما كان في مؤتمر الجابية وما أجمعوا عليه حينذاك من البيعة بعده لخالد بن يزيد ثم
1 تاريخ الأمم الإسلامية ج2 صفحات 863-684.
عمرو بن سعيد، وكان من أثر ذلك خروج عمرو بن سعيد بن العاص على عبد الملك وقضاء الأخير عليه.
ويقول الخضري1 وهو يتحدث عن الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة العباسية وتلاشيها ما يلي:
وحاول العباسيين التخلص مما تقضي به العهود إذا رأوها مخالفة لمصالحهم ولا سيما العهود التي تعقد لتولي الخلافة، فإنهم جعلوها من الأشياء التي يسهل حلها، وإن كان بعضهم يحاول أن يلبس باطله ثوب الحق، فعل ذلك المنصور مع عيسى بن موسى الذي عقد له السفاح الخلافة بعد المنصور فقدم عليه ابنه محمد المهدي، وهذا التقديم وإن كان قد تم بطلب عيسى ورضاه إلا أننا نعرف كيف توصل المنصور إلى الحصول على هذا الرضا من الإساءات المتكررة لعيسى ومن التهديد المتواصل.. وفعل المهدي مثل ذلك فحذف عيسى بن موسى وولى ولديه الهادي والرشيد.
1 تاريخ الإمم الإسلامية ج2 ص863-864.
فهل كانت ولاية العهد لأكثر من واحد مصدر خطر على الدولة الإسلامية؟ وهل كانت من أسباب سقوط الأمويين والعباسيين؟
الجواب عندي بالنفي؛ لقد قرأت رأي هذين المؤرخين الفاضلين ولم أجد أحدا من القدامى أو المحدثين يخالفهما في تقرير هذه النتيجة، غير أن قراءتي لكل هؤلاء كانت بروح مستقلة، وكنت أقرأ الحوادث لأضع أنا نتيجة تتفق أو تختلف مع الآخرين، فتبين لي من استعراض التاريخ الإسلامي أن هذا الجرح لم يكن بعيد الغور، وأن تغيير ولي العهد كان يتم بدون اضطراب يذكر، ولم يكن يستلزم هذا التغيير أكثر من اضطهاد شخص ولي العهد الذي كان يودي بنفسه، أو يطاطئ للعاصفة ويستجيب للقوة، وأنه هو -لا الدولة- الذي كان يقاسي العناء من هذا الإجراء، والوقفة الوحيدة القوية التي وقفها ولي عهد، هي تلك التي أشعل أوارها المأمون في وجه الأمين، وحتى هذه مرت وكان ضحيتها الأمين، أما الدولة العباسية والدولة الإسلامية فقد أفادتا من التعجيل بنقل السلطة من يد الأمين العابث إلى يد المأمون العظيم.
هذا ولا نزاع أن المأمون استطاع أن يقف هذه الوقفة لأن
الرشيد ولاه خراسان بجميع أعمالها وأعد له جيشا كبيرا ومات الرشيد حينما كان المأمون بخراسان، ولم يجعل الرشيد للأمين عليه سلطة فيما وليه من بلاد، وذلك وحده هو الذي ساعد المأمون ليقف في وجه الأمين، ولو كان المأمون وليا للعهد، ولا نفوذ له لطاحت رأسه إذا تمرد كما فعل بعمرو بن سعيد، أو لخضع لرغبة الخليفة كما خضع عيسى بن موسى للمنصور وللمهدي، وكما كان الرشيد على وشك أن يخضع للهادي لولا وفاة الأخير.
فليس في التاريخ ما يحدثنا عن أن تولية العهد لأكثر من واحد أسقطت الدولة أو كانت سببا مهما في اضطرابها، وأما الحرب بين الأمين والمأمون فإنها، وإن كانت حقيقة واقعة إلا أن لي فهما خاصا فيها، وهو أنها وقعت بسبب تولية المأمون خراسان وما حولها.
وقد تدهورت الدولة الفاطمية في مصر بعد مدة قصيرة من قيامها، أي منذ عهد الحاكم، مع أنه لم يكن في نظام هذه الدولة جعل ولاية العهد لأكثر من واحد، وعاشت خلافة العباسيين أكثر من خمسة قرون، مع نظام التعدد اتبع بها منذ عهدها الأول.
هذه الأمثلة وغيرها1 تدعو الطالب أن يفحص بعمق كل ما يقرأ، وألا يسلم بما قرره غيره من نتائج، بل يدرس هو الأحداث والأسباب مع مقارنة النصوص بعضها ببعض، لتبرز شخصيته في كل مراحل البحث، شخصية إيجابية مؤثرة، ولكن حذار أن يبالغ الطالب في ذلك فيجادل بالحق وبالباطل؛ فهذا ما يجب أن يبعد عنه طالب الأبحاث كل البعد.
وأخيرا فالرسالة فرصة ليثبت الطالب سعة إطلاعه، وعمق تفكيره وقوته في النقد، والتبصير فيما يصادفه من أمور.
1 اقرأ ما كتبه المؤلف بعنوان: "أخطاء شاعت ينبغي تصحيحها" بالجزء الأول من موسوعة التاريخ الإسلامي "الطبعة الرابعة عشرة".