المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من محتويات سورة هود على الدعوة إلى الله - مجلة جامعة أم القرى ١٩ - ٢٤ - جـ ١٢

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌من محتويات سورة هود على الدعوة إلى الله

‌من محتويات سورة هود على الدعوة إلى الله

الدكتور محمد ولد سيدي ولد حبيب

الأستاذ المساعد بقسم الدعوة- كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى

ملخص البحث

تعرضت في هذا البحث لأصول دعوة الأنبياء لاشتمال سورة هود على الكثير من ذلك فذكرت عرضاً عن قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم، كما ذكرت من شأن هذه السورة أنها هي وأخواتها: عم يتساءلون، إذا الشمس كورت، والمرسلات شيبت رسول الله (وذكرت في البحث مكانة الاستقامة وعظم أمرها حيث أمر بها رسول الله (وموسى وهارون وبينت أن هذه السورة بدئت بالهدف المقصود من العباد وهو إفراد الله وحده بالعبادة، واختتمت به، كما بينت أن الغيب لا يعلمه إلا الله وإن الملائكة لا يعلمون منه إلا ما علمهم الله، كما أوضحت أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إنما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه.

* * *

مقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أمّا بعد:

فإِنَّه لمّا كانت الرسل عليهم صلوات الله وسلامه هم مصدر الدعوة إلى الله، وكانوا الأسوة الحسنة، والقدوة المتّبعة في شئون الدعوة؛ كان لزامًا على الدعاة أن يقفوا على دعواتهم ويقتدوا بهم في كلّ مراتب دعواتهم ليتعلّموا طريق الدعوة وأساليبها ومناهجها ووسائلها من خلال قصصهم في القرآن الكريم، لأنّ الله ما قصّ علينا قصصهم في كتابه إِلَاّ لنقتفي أثرهم ونعتبر بحالهم فنصبر كما صبروا، وندعو كما دعوا، ونتسلى بما أصابهم.

ولمّا كانت سورة هود (من السور الَّتي ذكر الله فيها جزءًا كبيرًا من قصص الرسل، وكيف صبروا على أذى المدعوين وسخريتهم، وكيف كانت عاقبة مكذّبيهم؛ جعلتها موضوعًا لهذا البحث المتواضع.

ص: 230

فسورة هود تعرّضت لقصص الأنبياء بالتفصيل، فقد تعرّضت لدعوة نوح وهود وصالح وشعيب وموسى عليهم وعلى نبيّنا أتمّ الصلاة والتسليم، وبدأت بقصة نوح (لأَنَّه الأب الثَّاني للبشر من بعد الطوفان، قال تعالى:

(وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ((1) ، وهو أطول الأنبياء عمرًا، وأكثرهم بلاءً وصبرًا، فقد صبر على الدعوة ألف سنة إِلَاّ خمسين عامًا وهو يدعوهم إلى الله، ولم يؤمن به في هذه المدّة إِلَاّ القليل، كما قال تعالى:(وَمَاءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ((2) . ثُمَّ ثنّت بذكر قصّة نبي الله هود، ثُمَّ قصّة صالح، ثُمَّ شعيب، ثُمَّ موسى، وختمت بتوجيه الخطاب لخاتم الرسل محمَّد (بالاستقامة والصبر والثبات على الدعوة إلى الله:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ((3) . وأعقبت ذلك ببيان الحكمة من ذكر قصص الأنبياء ليثبت قلب النَّبي (أمام الصعوبات الَّتي يلاقيها أثناء دعوته: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ((4) . فهي بدأت بتقرير أصول الدين، وإقامة الأدلة والبراهين على وجود الله ووحدانيته، وردّ الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة المحمّدية، حيث تعرّضت لعناصر الدعوة الَّتي هي: التوحيد، والرسالة، والدعوة، وفرّقت بين الأعمى عن دعوة الحقّ وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها، ثُمَّ شرعت تسرد قصص الرسل حتَّى ختمت بما بدأت به من التوحيد: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا

(1) لحواشي والتعليقات

() الآية 77 من سورة الصافات.

(2)

الآية 40 من سورة هود.

(3)

الآية 112 من سورة هود.

(4)

الآية 120 من سورة هود.

ص: 231

تَعْمَلُونَ ((1) .

وكانت هذه السورة من أعظم السور وأشدّها على رسول الله (هي وأخوات لها من سور القرآن، فقد ورد عنه من طرق متعدّدة أَنَّه شيّبته هود وأخواتها، أخرج الحاكم في المستدرك بسنده إلى ابن عبّاس قال: قال أبو بكر الصدّيق (لرسول الله (: أراك قد شبت، قال: ((شيّبتني هود، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت)) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه (2) ، وسكت عليه الذَّهبيّ في التلخيص، وأخرجه التِّرمذيّ في تفسير سورة الواقعة، وزاد: والمرسلات، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إِلَاّ من هذا الوجه (3) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء بعدّة روايات وطرق عن ابن مردويه والبزار وغيرهما، فانظره (4) .

هذا وقد قسّمت الكلام في هذا الموضوع إلى: مقدّمة وتمهيد ومباحث عدّة.

أمّا المقدّمة فقد ذكرت فيها محتويات سورة هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام على الدعوة عن طريق الإجمال.

وأمّا التمهيد فذكرت فيه تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا.

وأمّا المباحث فهي بحسب ما ذكر في السورة الكريمة مما له تعلّق بالدعوة تعلّقًا واضحًا. وقد وصلت إلى ثمان مباحث.

***

التمهيد: تعريف الدعوة لغة

(1) الآية 123 من سورة هود.

(2)

المستدرك: 2/343.

(3)

سنن التِّرمذيّ، تفسير سورة الواقعة.

(4)

كشف الخفاء ومزيل الإلباس: 2/20 21.

ص: 232

الدعوة: المرّة الواحدة من الدعاء، واسم الفاعل منها: داعٍ، تقول: دعاه يدعوه؛ فهو داع له، وقوله تعالى: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ( [الأحزاب/46] معناه: داعيًا إلى توحيد الله وما يقرّب منه، وجمع الداعي: دعاة وداعون، كقضاة وقاضون، والدعاة: قوم يدعون إلى بيعة هدى أو ضلالة، واحدهم داع، ورجل داعية إذا كان يدعو النّاس إلى بدعة أو دين، والهاء للمبالغة، والنبي (داعي الله تعالى، وفي تهذيب اللغة: المؤذّن داعي الله، والنبي داعي الأمّة إلى توحيد الله وطاعته، قال تعالى في شأن الجنّ: (يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ (

[الأحقاف/31] ، ودعوة الحق شهادة أن لا إله إِلَاّ الله، والدعاء إلى الشيء: الحثّ على قصده، ومنه قوله تعالى:(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ( [يوسف/33] (1) .

فتحصّل أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، ودعوة الحق هي شهادة أن لا إله إِلَاّ الله، وأنها تطلق على الدعوة إلى هدى أو ضلالة، وتطلق على الدعاء إلى الشيء والحثّ على قصده.

أمّا في الاصطلاح:

فقد عرّفها بعض المتأخرين مثل محمَّد الرَّاوي في كتابه ((الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية)) بتعريفين:

الأَوَّل، قال: الدعوة الإسلامية هي: دين الله الَّذي بُعث به الأنبياء جميعًا، تجدّد على يد محمَّد (خاتم النبيين كاملاً وافيًا لصلاح الدنيا والآخرة.

وقال أَيضًا: الدعوة الإسلامية: تبليغ رسالة النَّبي ((2) .

(1) طالع لسان العرب لابن منظور: 14/225 229، وتهذيب اللغة لأبي منصور: 3/120 وتاج العروس للزبيدي: 10/128.

(2)

الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية، محمَّد الرَّاوي.

ص: 233

وعرّفها الدكتور أبو بكر زكرى فقال: الدعوة هي: قيام من له أهلية النصح والتوجيه السديد من المسلمين في كلّ زمان ومكان بترغيب النّاس في الإسلام اعتقادًا ومنهجًا، وتحذيرهم من غيره بطرق مخصوصة (1) .

وعرّفها الأستاذ محمَّد الغزالي فقال: هي برنامج كامل يضمّ في أطوائه جميع المعارف الَّتي يحتاج إليها النّاس ليُبصروا الغاية من محياهم، وليستكشفوا معالم الطريق الَّتي يجمعهم راشدين (2) .

وعرّفها آخرون بتعاريف أعرضنا عن ذكرها؛ ففي ما ذكرنا كفاية. وأشمله في رأيي تعريف الغزالي.

المبحث الأَوَّل: حكم الدعوة إلى الله، واختلاف العلماء في ذلك، وسببه

(1) الدعوة إلى الإسلام، للدكتور أَبي بكر زكرى، ص8، مكتبة دار العروبة، القاهرة.

(2)

مع الله، ص17، ط دار الكتب الحديثة بمصر.

ص: 234

إنّ الله (أمر نبيّه محمَّدًا (في غير ما آية من كتابه بالدعوة، كما أمر هذه الأمّة المحمّدية بالدعوة إلى الله، وأخبر تعالى أنّ فضل هذه الأمّة على الأمم السابقة إِنَّما هو بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وذمّ سبحانه وتعالى بني إسرائيل لعدم تناهيهم عن المنكر، وأخبر سبحانه وتعالى عن نفسه أَنَّه يدعو إلى الحقّ وأنّ له دعوة الحقّ، وأَنَّه يدعو إلى دار السلام، وأمر النَّبي (أصحابه أن يبلّغوا عنه ولو آية، كما أمرهم أن يبلّغ الشاهد منهم الغائب، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك موضّحًا، فبان مما ذكر أن للدعوة إلى الله أهميّة بالغة، وأجمعت الأمّة على وجوبها، إِلَاّ أن العلماء اختلفوا هل هذا الوجوب المتّفق عليه على الأعيان بحيث يكون القيام بالدعوة واجبًا على كلّ فرد من أفراد الأمّة الإسلامية، وكلّ من تركه يأثم؟ أم هو وجوب كفاية يكفي في الخروج من عهدة الأمر به قيام بعض الأمّة به دون النظر إلى فاعله، فكل طائفة من المسلمين قامت به سقط الوجوب عن باقي المسلمين؟ وسأذكر كلام العلماء في ذلك إن شاء الله بعد سرد الآيات الَّتي فيها الأمر للنبي (وللأمّة بالدعوة، والآيات الَّتي أخبر فيها سبحانه وتعالى أَنَّه يدعو إلى الجنّة ونحو ذلك اهـ.

أمره (بالدعوة هو وأمّته

قال تعالى مخاطبًا له عليه الصلاة والسلام: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ((1) .

يلاحظ أَنَّه جمع الأمر له ولأمّته في هذه الآية، وإن كان الأمر له أمرًا لها لأنّ أمر القدوة أمر للأتباع، وقال تعالى:(وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ((2)، وقال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ

(1) الآية 108 من سورة يوسف.

(2)

الآية 67 من سورة الحج.

ص: 235

الْمُشْرِكِينَ ((1)، وقال تعالى:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ((2)، وقال تعالى معمّمًا ومخبرًا أَنَّه لا أحد أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إِنَّه من المسلمين فقال:(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ((3)، وقال تعالى آمرًا هذه الأمّة بالدعوة إلى الله:(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((4)، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ

عَنِ الْمُنْكَرِ ((5)، وقال تعالى ذامًّا لبني إسرائيل:(كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((6)، وقال تعالى:(لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((7) .

دعوة الله عبادَه إلى الخير

(1) الآية 87 من سورة القصص.

(2)

الآية 125 من سورة النحل.

(3)

الآية 33 من سورة فصلت.

(4)

الآية 104 من سورة آل عمران.

(5)

الآية 110 من سورة آل عمران.

(6)

الآية 79 من سورة المائدة.

(7)

الآية 63 من سورة المائدة.

ص: 236

قال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ ((1) . يعني الجنّة، وقال تعالى:(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ((2)، وقال تعالى:(يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ((3) .

أمره (الأمّة بالدعوة

أخرج البخاريّ في صحيحه بسنده إلى أَبي بكرة أن النَّبي (قال في حجّة الوداع يوم النحر

((أيّ يوم هذا؟ إلى أن قال: ليبلّغ الشاهد الغائب، فإِنَّ الشاهد عسى أن يبلّغ من هو أوعى منه)) (4)، وقال (:((بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار)) (5) .

المبحث الثاني: في اختلاف العلماء في حكم الدعوة، وسببه

اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في حكم الدعوة إلى الله تعالى، هل هي فرض عين أو فرض كفاية؟ وقد قدّمنا سرد الآيات الَّتي فيها الأمر الصريح للنبي (وللأمّة بالدعوة.

(1) الآية 25 من سورة يونس.

(2)

الآية 122 من سورة البقرة.

(3)

الآية 10 من سورة إبراهيم الخليل (.

(4)

أَخرَجه البخاريّ في كتاب العلم، في باب: ربّ مبلّغ أوعى من سامع، وفي الحج، في باب: الخطبة أيام منى.

(5)

البخاريّ، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. والترمذي في كتاب العلم، باب: ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل.

ص: 237

والمقرّر في علم الأصول والَّذي كان عليه القرون المفضّلة أن الأمر للوجوب إِلَاّ إذا وجدت قرينة تصرف عن ذلك الوجوب وهي هنا معدومة، فحصل الاتفاق على الوجوب، إِلَاّ أن الكثير من العلماء يقول: هي فرض كفاية يسقط بفعل البعض (1) لأنّ الشارع ينظر إلى الفعل دون النظر إلى فاعله في فرض الكفاية، بخلاف فرض العين فإِنَّ الشارع ينظر فيه إلى كلّ عين من أفراد المكلّفين، كالصلاة والصوم والزكاة مثلاً، أمّا إنقاذ الغريق مثلاً فهو فرض كفاية، وأي فرد من أفراد الأمّة أنقذه سقط الإثم عن الباقين، ولو تركوا إنقاذه أثموا جميعًا وهلم جرًّا.

سبب الخلاف

إنّ سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة اختلافهم في فهم المراد ب (مِن) من قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ((2) .

قالوا: إنّ الدعوة إلى الخير تشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدها من باب ذكر الخاص بعد العام إيذانًا بفضلهما، أو المراد ذكر الدعاء إلى الخير مفصّلاً بعد الدعاء إليه مجملاً فلزمت دعوة الأمّة لهذا الخير العظيم الَّذي يشمل مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، ثُمَّ قال بعضهم: إن هذا التبليغ يصحّ من بعضهم دون الجميع، وقال بعضهم: إِنَّه يلزم جميع أفراد المكلّفين أن يكونوا دعاة إلى الله حسب استطاعتهم.

(1) انظر روح المعاني: 3/21، ط دار الطباعة المنيرية.

(2)

الآية 104 من سورة آل عمران.

ص: 238

فالذين قالوا إِنَّها فرض كفاية قالوا: إن (مِن) من قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ

(للتبعيض، وقالوا: إنّ الآمِرين يجب أن يكونوا علماءَ وليس كلّ النّاس علماءَ، والذين قالوا إِنَّها فرض عين قالوا: إن (مِن) لبيان الجنس، وأن المعنى: لتكونوا كلّكم دعاة إلى الخير، والقول الأَوَّل نصره القرطبي في مواضع من تفسيره، وقد قال بعد نقله كلام العلماء في المسألة ما نصّه: قلت: القول الأَوَّل أصح فإِنَّه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عيّنهم الله تعالى بقوله:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ((1) ، وليس كلّ النّاس مُكّنوا (2) .

وقال الآلوسي في روح المعاني: (مِن) هنا قيل: للتبعيض، وقيل: للتبيين وهي تجريدية كما يقال: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، يريد بذلك جميع الأولاد، ومنشأ الخلاف أن العلماء اتفقوا على أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولم يخالف في ذلك إِلَاّ النزر

قالوا إِنَّه من فروض الأعيان (3) .

(1) الآية 41 من سورة الحج.

(2)

القرطبي: 4/165، ط الثانية، دار الكتب بمصر.

(3)

الآلوسي: 2/238، توزيع دار الباز.

ص: 239

ثُمَّ إن الَّذين قالوا بالكفاية اختلفوا هل واجب الكفاية واجب على جميع المكلّفين ويسقط عنهم بفعل بعضهم، أو هو واجب على البعض؟ ذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى الثَّاني للاكتفاء بحصوله من البعض، ولو وجب على الكلّ لم يكتف فيه بفعل البعض إذ يستبعد سقوط الواجب على المكلّف بفعل غيره، وذهب إلى الأَوَّل الجمهور، وهو ظاهر نصّ الإمام الشَّافعيّ في الأمّ، واستدلوا على ذلك بإثم الجميع بتركه، ولو لم يكن واجبًا عليهم كلّهم لما أثموا بتركه، وأجيب من جهة الفريقين بأجوبة يطول ذكرها (1) .

(قلت) جمهور علماء الأمّة على أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية يأثم جميع المكلّفين بترك ذلك، ويسقط عنهم الإثم إذا قام البعض بذلك، ولهذا عدَّ الأصوليون هذا النوع من فروض الكفاية، قال صاحب مراقي السعود:

فروضه القضا كنهيٍ أمرِ

(

ردِّ السلام وجهادِ الكفرِ

(1) انظر روح المعاني للآلوسي: 2/238، توزيع دار الباز.

ص: 240

كنهي أمر يعني بذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قلت: هكذا قرّر الجمهور، لكن مذهبهم يعكر عليه ما ثبت في السنّة الصحيحة مما ظاهره وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كلّ مكلّف، ففي صحيح مسلم في باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من حديث ابن أَبي شيبة ما نصّه: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (يَقُولُ:((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)) ، وفيه أَيضًا من حديث عبد الله بن مسعود (أن رسول الله (قال:((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَاّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ؛ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)) (1) .

(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: كون النهي عن المنكر من الإيمان

إلخ: 1/69 70، دار الفكر، بيروت، تحقيق فؤاد عبد الباقي.

ص: 241

وقد حكى ابن عبد البرِّ الإجماع على وجوب تغيير المنكر على كلّ من قدر عليه، وأَنَّه إذا لم يلحقه بتغييره إِلَاّ اللوم الَّذي لا يتعدى إلى الأذى فإِنَّ ذلك لا يمنعه من تغييره (1) .

وقال ابن العربيّ: إنّ من رجا زوال المنكر وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرجّح زواله فأي فائدة عنده؟ ثُمَّ قال: والَّذي عندي أن النيّة إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي (2) . وقد قال قبل كلامه هذا بأسطر: قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنْ أدّى ذلك إلى قتل الآمر به (3) .

والمراد بالآية الَّتي ذكر قوله تعالى في آل عمران: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ((4) .

(قلت) هذا التصريح من النَّبي (بالأمر الصريح الصحيح بصيغته الصريحة الَّتي هي الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (فليغيره) مرتّبًا ذلك على ما في وسع المكلّف وإخباره أن ترك ذلك ما وراءه شيء من الإيمان، وتعبيره عليه الصلاة والسلام بمَن الدالة على العموم الشامل لجميع أفراد المكلّفين كل هذا يدل على لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين هما أساس الدعوة إلى الله لزومًا عينيًا بالإضافة إلى ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على أنّ تغيير المنكر واجب على كلّ من قدر عليه، ومع هذا فإِنَّ مذهب الجمهور مخالف

(1) بواسطة نقل القرطبي: 4/48.

(2)

أحكام القرآن لابن العربي: 1/266 267، ط دار المعرفة.

(3)

المصدر السابق.

(4)

الآية 21 من سورة آل عمران.

ص: 242

لهذا، ولفظ الآية على أن (مِن) فيه للتبعيض يؤيّد مذهب الجمهور كما يؤيده الفرق الَّذي جعله علماء الأصول بين فرض العين وفرض الكفاية، وهو أن فرض الكفاية يتميّز عن فرض العين بأنه لا تتكرّر مصلحته إذا فعل، فمثلاً يقولون: إنقاذ الغريق واجب كفاية؛ فإذا غرق غريق ووجد من ينقذه من البحر، فلو غمس المنقذ مرّة أخرى في البحر لم يُحصّل فائدة، بخلاف فرض العين فإِنَّ المصلحة تتكرر من فعله دائمًا كما في تكرير الصلوات الخمس من الخشوع والانكسار أمام الخالق فإِنَّ هذه المصلحة تتكرّر بتكرّر الصلاة.

وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:

مزه من العيني بأن قد حظلا

(

تكريرُ مصلحته إن فُعلا

وعلى هذا فيتعذّر كون النهي عن منكر بعينه فرض عين لأنّ ذلك المنكر إذا غيّره أحد وتغيّر بالفعل لم يبق هناك شيء مطالب به ذلك المغيِّر مرّة أخرى ولا غير مطالب به أَيضًا، وعلى هذا فلا بد من تلمّس جمع بين القولين لأنّ إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإلغاء الآخر، والجمع واجب بين الأدلة متى أمكن.

الجمع بين القولين:

الَّذي يظهر لي والله تعالى أعلم أَنَّه يتعيّن الجمع بين القولين المتقدّمين، ووجه الجمع عندي أنّ الأمر بالمعروف الَّذي هو الدعاء إلى الخير والنهي عن المنكر الَّذي هو الزجر عن الشر وهذا أمران أساسيان للدعوة إلى الله ولاسيما في زمننا هذا ينقسمان إلى قسمين: عام وخاص.

ص: 243

فالقسم الخاص هو الَّذي يعنيه القائلون بوجوبهما وجوبًا عينيًا، وبيان ذلك أن كلّ إنسان راع ومسئول عن رعيّته مثل الرَّجل في بيته مع أولاده وزوجاته وجيرانه وزملائه في التّعليم والعمل والسفر فيجب على كلّ مكلّف أن يأمر أهله وجيرته وزملاءه بالخير وينهاهم عن الشر امتثالاً لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ

((1) ، وتطبيقًا للأحاديث الكثيرة الَّتي ورد فيها التوكيد على الأمّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلّ فرد لم يتّصف بهاتين الصفتين لم توجد فيه صفة الإيمان الَّتي وصف الله بها المؤمنين في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

((2) بل اتصف بصفات المنافقين الَّتي وصفهم الله بها في قوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ

((3)، ودخل في الذمّ الَّذي ذمّ الله به بني إسرائيل في قوله:(كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((4)، وفي قوله فيهم أَيضًا:(لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((5) . ولا ريب أن الغالب من المسلمين لا يجهلون وجوب الصلاة والصيام والزكاة ومعنى الشهادتين ومعنى الإسلام في الجملة وذلك كان في القيام بالدعوة على هذا النحو؛ وهو يشمل العالم والمثقّف والعامل والصانع

(1) الآية 6 من سورة التحريم.

(2)

الآية 71 من سورة التوبة.

(3)

الآية 67 من سورة التوبة.

(4)

الآية 79 من سورة المائدة.

(5)

الآية 63 من سورة المائدة.

ص: 244

ومن دونهم ثقافة وعلمًا، فالمدار على معرفة الداعي ما يدعو إليه، ومن هنا تكون الدعوة إلى الله فرض عين، ويؤيّد ذلك ظاهر قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

((1) ، فإذا حملنا هذه الآيات الَّتي فيها التوكيد بالأمر بالمعروف والنهْي عن المنكر على خصوص أفراد في خصوص جماعات وأوقات وأماكن كما ذكرنا وأوجبنا عليهم أن يكونوا في جميع حالاتهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إيجابًا عينيًا في هذه الأوقات وهذه المجتمعات الخاصة بكلّ فرد وجعلنا (مِن) في الآية معناها التبعيض كان المعنى أَنَّه لا بُدّ لمن يلي أمر المسلمين أن يخصص جماعة من علماء الأمّة يعرفون ما يأمرون به ويأتونه، ويعرفون ما ينهون عنه ويبتعدون منه، وأن يجعل في كلّ قطر من الأقطار جماعة بهذا الشكل يدعون إلى دين الله وتوحيده وعبادته والاستقامة على ذلك يعرفون الحلال والحرام ويتخصصون في رسم السبل الَّتي تعيد للأمّة قوّتها ومجدها وللإسلام مكانته في قيادة النّاس إلى الخير، فإذا قامت هذه الطائفة بالدعوة إلى الله كان مَن سواهم من الأمّة غير آثم بتركه هذه المهمة لأَنَّها قام بها من هو أهل لها، لكنَّ بقيّة الأمّة مطالبون بالدعوة في حقّ أهليهم وجيرانهم كما تقدّم، ولا يقول عاقل إن من رأى منكرًا يُرتكب في بيته أو في مقرّ عمله أو في جيرانه يقول لا عليّ لأنّ هناك جماعة ذهبت إلى أوربا وأمريكا دعاة فننتظر قدوم هذه الجماعة ليغيّروا هذا المنكر؛ هذا لا يقوله عاقل، وإن لم يفعل ذلك من يقوم بأمر المسلمين أثم وأثمت الأمّة بسكوتهم على ذلك، إذا فعلنا ما ذكر نكون جمعنا بين القولين، والجمع واجب إذا أمكن، والله تعالى أعلم.

المبحث الثالث: في بيان الهدف من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

(1) الآية 110 من سورة آل عمران.

ص: 245

وذلك ما بدئت به سورة هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه فهذا هو الَّذي بعثت الرسل من أجله، ودارت فيه المعارك بين الحقّ والباطل، واهتم به القرآن الكريم في السور المكيّة اهتمامًا بالغًا فلا تكاد تقرأ سورة من السور المكيّة إِلَاّ وفيها تقرير التوحيد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ((1) .

هذه الآية الَّتي هي قوله: (أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (فيها الدلالة الواضحة على أنّ الحكمة العظمى الَّتي أنزل القرآن من أجلها هي أن يُعبد جَلَّ وَعَلا وحده ولا يشرك به في عبادته شيء لأنّ قوله جلّ وعلا: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ (صريحٌ في أنّ آيات هذا الكتاب فصّلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن يعبد الله وحده سواء قلنا إن (أَنْ) هي المفسَرة، أو أن المصدر المنسبك منها ومن صلتها مفعول من أجله، فمعنى الآية: أن تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء، ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة الأنبياء:(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ((2) ، ومعلوم أن إِنَّما من صيغ الحصر فكأن جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى لا إله إِلَاّ

الله (3) ، وهذا هو أساس الدعوة إلى الله بلا شكّ.

(1) الآيتان 1 2 من سورة هود.

(2)

الآية 108 من سورة الأنبياء.

(3)

انظر أضواء البيان: 3/7 8، ط المدني.

ص: 246

أمّا الآيات الدالة على أنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده فهي كثيرة مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

((1)، وقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ((2)، وقوله تعالى:(وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ((3)، وقد بيّن تعالى هذا المعنى الَّذي هو تحقيق معنى لا إله إِلَاّ الله في سورة الفاتحة بقوله:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ((4)، لأنّ معنى لا إله إِلَاّ الله مركّب من أمرين: نفي وإثبات، فالنفي هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات هو إفراد ربّ السماوات وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، وأشار إلى النفي من لا إله إِلَاّ الله بتقديم المعمول الَّذي هو إياك، وقد تقرّر في علم الأصول وعلم المعاني أن تقديم المعمول من صيغ الحصر، وأشار إلى الإثبات منها بقوله: نعبد، وقد بيّن هذا المعنى المشار إليه هنا في قوله: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ

(، وصرّح بالنفي منها في قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ((5) .

(1) الآية 36 من سورة النحل.

(2)

الآية 5 من سورة الأنبياء.

(3)

الآية 45 من سورة الزخرف.

(4)

الآية 4 من سورة الفاتحة.

(5)

طالع أضواء البيان: 1/34 35، المصدر السابق.

ص: 247

قلت: وهذا هو مضمون آية هود المتقدّمة (أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (فقوله: إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم تعليل لأمره لهم بعبادة الله وحده يحمل في طيّاته التهديد الشديد لمن لم يعبد الله وحده، وهذه هي وظيفة الدعاة، يبشّرونَ وينذرون، فالرسل بعثوا مبشّرين ومنذرين لئلا يكون للنّاس على الله حجّة، كذلك ينبغي للدعاة أن يسلكوا مسلكهم ويقْفوا أثرهم فيقيموا دعوتهم على ما أقام عليه الرسل دعوتهم، وهذا ما أشار إليه آخر آية هو السابقة.

المبحث الرابع: في الفرق بين من استجاب للدعوة وأصغى لها وقبلها وبين من أعرض عنها وصار بمنزلة الأعمى والأصم عن الحق

ص: 248

وهذا ما أشارت إليه الآية من سورة هود (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ ((1) . يعني أن حالة الفريقين المعرضين عن دعوة الرسل المكذبين لها والمؤمنين المستجيبين لها تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من جهة، وقد سبق ما يؤذن بهذين الفريقين في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

(، إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ (ومعنى الفريق هو الجماعة الَّتي تفارق أي يخالف حالهُا حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة كما في قوله تعالى: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ((2) . فالحاصل أن الآية شبّهت حال فريق الكفّار الَّذين أعرضوا عن الدعوة وتركوها وراء أظهرهم في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى، وشبّهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم، وشبهت حال فريق المؤمنين الَّذين استجابوا لدعوة الرسل بحال من كان سليم البصر سليم السمع فهو في هدى ويقين من مُدْرَكاته، ومعلوم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم:(مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (، فهم يشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل الَّتي طريق إدراكها البصر، ويشبهون الأصَمَّ في عدم فهم المواعظ النافعة الَّتي طريق فهمها السمع، فهم في حالتين كلّ منهما مشبه به، فهو تشبيه معقولين بمحسوسين (3) .

(1) الآية 24 من سورة هود.

(2)

الآية 81 من سورة الأنعام.

(3)

طالع التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور: 6/40 42، ط مكتبة ابن تَيْمِيَّة.

ص: 249

قلت: هكذا الأمثال الَّتي يضربها الله للنّاس في القرآن تشتمل على تشبيه أمر أو أمور معقول أو معقولة بأمور محسوسة، فيجعل المعقول في قالب المحسوس فيصير المعنى المعقول كأنه مدرك بإحدى الحواس الخمس.

وقال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: فالكافر أعمى عن وجه الحقّ في الدنيا وفي الآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه أصم عن سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به، وأمّا المؤمن ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق يميّز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجّة يفرّق بينها وبين الشبهة، فلا يرجع إليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ (1) .

قال الآلوسي في روح المعاني عند تفسير هذه الآية ما نصّه: وفي البحر لم يجئ التركيب: كالأعمى والبصير والأصم والسميع ليكون كلّ من المتقابلين على إثر مقابلة لأَنَّه تعالى لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع، ولما ذكر انفتاح البصر أتبعه بانفتاح السمع، وذلك هو الأسلوب في المقابلة، والأتمُّ في الإعجاز، فانظره (2) .

وقيل إن التمثيل بأمر واحد، وعليه يكون تقدير الكلام: كالأعمى الأصمّ والبصير السميع، ودخلت واو العطف كما تقول: جاءني زيد العاقل والكريم؛ وأنت تريده بعينه، فهو على هذا تمثيل بواحد (3) . وذكر هذا المعنى أَيضًا أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير الآية فقال:

وقيل: كالأعمى والأصم، والمعنى: كالأعمى الأصم، وكذلك قيل: والسميع والبصير، والمعنى: البصير السميع، كقول القائل: قام الظريف والعاقل؛ وهو ينعت بذلك شخصًا واحدًا (4) .

(1) طالع تفسير ابن كثير: 2/423، ط دار الجيل، بيروت.

(2)

6/235، المصدر السابق.

(3)

انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي: 7/268.

(4)

ج 7، جزء 22، ص17.

ص: 250

قلت: هذا حال النّاس اليوم مع الدعاة، فبعض النّاس معرض عن سماعه لا يدع فرصة للدعاة حتَّى يبلّغوه، ولا يترك لهم مجالاً، فهو معرض عنهم بقلبه وقالبه، وبعضهم لله الحمد يستجيب ويصغي وينتفع، وهكذا سنّة الله في خلقه، ما من داع يدعو إلى خير إِلَاّ وجد من يقف أمام دعوته منفّرًا منها مبعدًا النّاس عنها، ووجد أَيضًا من يستجيب لدعوته، إِلَاّ أن أكثر من يستجيب للدعوة قديمًا وحديثًا ضعاف النّاس، وأكثر من يقف أمامها أهل الجاه والمكانة، وهذه السنّة جارية في خلق الله إلى يومنا هذا، فأهل الجاه من أهل التّصوّف وغيرهم ممن درجوا على التقليد الأعمى يقفون أمام الدعوة وينفّرون النّاس من حضور مجالس الدعاة والاستماع إلى ما يدعون إليه دون أن يعلموا ما يقولون، (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ

((1) . ويؤيد ما ذكر أنّ دعوة رسولنا محمَّد (غالب من استجاب لها على الفور ضعاف المسلمين كعمّار وسميّة وبلال وابن مسعود ونحوهم، وأوّل من وقف أمامها عظماء قريش كأبي جهل، وأَبي لهب، والوليد بن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة، وغيرهم. وفي الحديث الصحيح الَّذي أَخرَجه البخاريّ في صحيحه في اثنتيْ عشر موضعًا منه ما يدل على ما ذكرنا وهو حديث أَبي سفيان الطويل في شأن كتاب رسول الله (إلى هرقل عظيم الروم، وكان أبو سفيان في ركب من قريش هناك، فأرسل إليهم هرقل وكانوا تجّارًا بالشام فدعاهم فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرَّجل الَّذي يزعم أَنَّه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أَدْنُوه مني وقَرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثُمَّ قال لهم: إني سائل هذا الرَّجل فإن كذبني فكذّبوه

إلى أن قال: فأشراف النّاس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهذا محلّ الشاهد من الحديث، وهو طويل جدًّا

(1) الآية 39 من سورة يونس.

ص: 251

اهـ. (1) .

المبحث الخامس: المبحث الخامس في بعض ما احتوت عليه سورة هود من دعوة نبي الله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

إن نبيّ الله نوحًا قد رسم للدعاة منهجًا حكيمًا في دعوته يسيرون عليه، فقد اشتهر بالصبر على الدعوة وتحمّل الأذى فيها والتغاضي عن زلات قومه والنصح لهم ولين الجانب معهم، وهذا بعينه هو ما يجب على الدعاة أن يقتفوه ويتّصفوا به تأسيًا بهذا الرسول الكريم، كما سلك معهم الأساليب الحكيمة بالحكمة والموعظة الحسنة إلى غير ذلك من أنواع دعوته المتنوعة، وقد ذكر القرآن قصّته في عشر سور منه مطوّلة مبسوطة في بعضها ومختصرة في بعض، فقد ذكرت في سورة الأعراف، وفي يونس، وفي هود، وفي الأنبياء، وفي قد أفلح المؤمنون، وفي سورة الشعراء، وفي العنكبوت، وفي الصافات، وفي الفرقان، وفي سورة نوح، وهذا إِنَّما هو للاعتبار بقصّته والاتعاظ منها، ولاتخاذ منهجه في الدعوة منهجًا متّبعًا لمن يأتي بعده من الدعاة.

منهجه عليه السلام في دعوته

المراد بالمنهج: المبادئ العامة الَّتي تدعو إليها، وبها الرسل لتكون منارات للدعاة في دعوتهم.

أمّا الأسلوب فهو الصور اللغوية والبيانية الَّتي ترد على ألسنة الدعاة من كونها خبرًا أو إنشاء، أمرًا أو نهيًا، حوارًا أو قصصًا، إلى غير ذلك مما هو كثير.

إنّ منهج نوح (هو المنهج العام للرسل في دعوتهم، وذلك المنهج هو الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، ونبذ عامة الشركاء، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا

(1) أَخرَجه البخاريّ في أوّل صحيحه في بدء الوحي، وأخرجه بعد ذلك مطوّلاً ومختصرًا في كتاب الإيمان، وفي كتاب الشهادات، وفي كتاب الجهاد، وغير ذلك مما يطول ذكره.

ص: 252

الطَّاغُوتَ

((1) ، فما من نبي بعثه الله إِلَاّ دعا النّاس لعبادة الله وحده إِلَاّ نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أعطاه الله من الصبر على الدعوة إلى الله ما لم يعطه لأحد من الأنبياء، وذلك بسبب طول عمره ومكثه بين ظهرانَيْ قومه، فقد لبث يدعوهم المدّة الَّتي حدّدها القرآن لنا وهي ألف سنة إِلَاّ خمسين عامًا، فهو أوّل رسول بعث إلى أهل الأرض بعد أن دخلها الشرك، وذلك أن النّاس كانوا من لدن آدم إلى نوح على الحقّ لا يوجد في الأرض شرك بل كانوا أمّة واحدة كما حكى القرآن الكريم عنهم في قوله:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ((2)، وقال تعالى:(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ((3) ، وفي حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أَبي هُرَيْرة (( (

فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أوّل الرسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدًا شكورًا))

إلخ، الحديث الطويل (4)، وروى الحاكم في المستدرك بسنده إلى ابن عبّاس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلّهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين، قال: وكذلك في قراءة عبد الله كان النّاس أمّة واحدة فاختلفوا، وقال هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ولم يخرجاه، وأقرّه الذَّهبيّ في التلخيص (5) . فنوح أعطاه الله طول الباع، ومنحه درجة من الصبر لم يوفّق لها غيره من الأنبياء، فقد لبث المدّة الَّتي تقدّمت يدعو قومه ليلاً ونهارًا، سرًا وعلانية، ومع ذلك لم يزدادوا

(1) الآية 36 من سورة النحل.

(2)

الآية 213 من سورة البقرة.

(3)

الآية 19 من سورة يونس.

(4)

أَخرَجه البخاريّ في كتاب التفسير في سورة الإسراء في باب ذرية من حملنا مع نوح، ومسلم في كتاب الإيمان: 1/185، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي.

(5)

المستدرك: 2/546 547، كتاب التاريخ.

ص: 253

إِلَاّ فرارًا عن الحقّ وإعراضًا عنه وتكذيبًا لنبي الله نوح، ولم يؤمن به طول هذه المدة إِلَاّ القليل كما قال تعالى:(وَمَاءَامَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ ((1) ، هذا مع ما يلاقيه في تلك المدّة من أنواع الأذى كالسخرية والاستهزاء به وبمن آمن به، فينبغي لكل داعية مخلص أن يتأسى بنبي الله نوح في صبره على الدعوة إلى الله وعدم الضجر ولا يستكثر المدّة الَّتي يقضيها وهو يدعو إلى الله فلم يستجب له إِلَاّ القليل حتَّى ولو لم يستجب له أي أحد فليحتسب وليعلم أَنَّه فعل ما في وسعه وخرج من عهدة الأمر المتوجه إليه في قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

(، وفي قوله (: ((بلّغوا عني ولو آية)) (2) .

(1) الآية 40 من سورة هود.

(2)

تقدّمت الإشارة إلى موضع الآية وتخريج الحديث.

ص: 254

وقد رسم نبي الله نوح منهجًا للدعاة في التوكّل على ربّه ينبغي لكل داع أن يقتفيه ويسلكه، فهو رغم انفراده في قومه وقلّة من آمن به منهم لم يثن ذلك عزيمته عن دعوتهم إلى الله وتحدِّيهم بأن يجمعوا أمرهم مع مالهم من الشركاء وأن يُنْهوا أمره ولا يمهلوه ساعة واحدة وما ذاك إِلَاّ من شدّة توكّله على ربّه وعلمه أَنَّهم لا يستطيعون أن يضروه بشيء لم يشأ الله تعالى أن يضروه به، وقد صوّر لنا القرآن الكريم هذا التوكل والتحدي في آية من سورة يونس فقال:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ((1) . فالمعنى: يا قوم إن كان عظم عليكم مقامي فيكم ولُبْثي بين أظهركم وتذكيري إياكم بآيات الله أي بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة فعلى ربي توكلت فإني لا أبالي بكم ولا أكفّ عن دعوتكم عَظُم ذلك عليكم أولا فأجمعوا أمركم مع شركائكم الَّذين تدعونهم من دون الله من أصنام وغيرها ولا تجعلوا أمركم ملتبسًا، بل وضّحوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقّون فاقضوا إليَّ ولا تنظرون واستريحوا مني ولا تؤخرون ساعة واحدة مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أبالي بكم ولا أخاف إذْ لستم على شيء.

(1) الآية 71 من سورة يونس.

ص: 255

فهكذا ينبغي أن يكون الداعية متوكلاً على الله لا يخاف غير الله، لا تأخذه فيه لومة لائم، صبورًا على الأذى، محتسبًا الأجر من الله، عالمًا بأنّ النّاس لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يرد الله أن يضروه به لم يستطيعوا، كما ينبغي له ألا يطلب أجرًا أي مالاً مقابل الدعوة إِلَاّ من الله تعالى تأسيًا بنوح الداعي الأَوَّل ثُمَّ بباقي الرسل صلوات الله وسلامه عليهم فإِنَّ ذلك منهج رسمه نوح (للدعاة مما احتوت عليه سورة هود، وذلك في قول الله جلّ وعلا حاكيًا عنه: (وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ

((1) ، تكرر هذا القول من نبي الله نوح، فقد ذكره الله عنه في سورة يونس حيث قال: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ

((2)، وحكاه عنه أَيضًا في سورة الشعراء فقال:(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((3)، ثُمَّ تتابعت الرسل من بعده مقتفية إثره في ذلك فقال هود (:(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((4)، وقال صالح (:(وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ((5) ، وقال هذه المقالة نفسها لوط وشعيب وغير ما ذكر من الأنبياء إلى أن وصلت الدعوة إلى نبينا محمَّد (فقال هذه المقالة، قال تعالى حكاية عنه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ((6)، وقال تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي

(1) الآية 29 من سورة هود.

(2)

الآية 72 من سورة يونس.

(3)

الآية 109 من سورة الشعراء.

(4)

الآية 127 من سورة الشعراء.

(5)

الآية 145 من سورة الشعراء.

(6)

الآية 86 من سورة ص.

ص: 256

الْقُرْبَى ((1) .

ومن هنا لا بُدّ أن نلمّ ببعض الأحكام الفقهية المستنبطة من هذا المنهج الحكيم الَّذي اتبعه أوّل الدعاة نوح وتتابعت عليه الدعاة من بعده، وهو عدم أخذ العوض مقابل الدعوة، وتعليم العقائد والقرآن، والحلال والحرام.

قلت: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الواجب على أتباع الرسل الَّذي هم العلماء أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا من غير أخذ عوض على ذلك لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر

(2) لأنّ الأنبياء هم الأسوة الحسنة لنا والقدوة المتبعة، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ((3) . ويعتضد ذلك بأحاديث وردت عن النَّبي (، منها ما رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبيّ بن كعب (قال: علّمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوسًا فذكرت ذلك للنبي (فقال: ((إن أخذتها أخذت قوسًا من نار)) فرددتها (4) ، وأخرجه ابن ماجه (5) ، وفي الزوائد إسناده مضطرب، قاله الذَّهبيّ في الميزان في ترجمة عبد الرَّحمن بن سَلْمٍ، وقال العلاء في المراسيل: عطية بن قيس الكلاعي عن أبيّ ابن كعب مرسل، لكن ابن حجر قال في التهذيب: وقال أبو مسهر كان مولده في حياة رسول الله (في سنة سبع، وقال قبل ذلك بقليل: إن أبا حاتم قال: صالح الحديث (6)

(1) الآية 23 من سورة الشورى.

(2)

صحيح البخاريّ، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل. وأبو داود في أوّل باب من كتاب العلم. والترمذي في العلم في باب فضل العلم على العبادة. وابن ماجه، حديث رقم223 في المقدمة.

(3)

الآية 21 من سورة الأحزاب.

(4)

البيهقي في سننه، كتاب الإجارة: 6/207 208.

(5)

انظر سنن ابن ماجه: 2/730، كتاب التجارات، باب الأجر على تعليم القرآن، 2158.

(6)

انظر تهذيب التهذيب: 7/203 204.

ص: 257

ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه عن عبادة بن الصامت (قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال؛ أرمي بها في سبيل الله (، لآتين رسول الله (فلأسألنه، فأتيته فقلت يا رسول الله أهدى إليَّ رجل قوسًا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن وليست بمال؛ أرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: ((إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقًا من النار فاقبلها)) (1) وفي إسناده المغيرة بن زياد

الموصلي، قال الخطابي: وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وتكلّم فيه جماعة (2) ، ورواه أبو داود من طريق أخرى عن عبادة بن الصامت

فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله (، فقال: ((جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها)) (3) . اهـ.

قال الخطابي: بقيّة بن الوليد قد تكلّم فيه غير واحد، وعزاه للمنذري، وقال فيه ابن حجر: بقيّة بن الوليد كثير التدليس عن الضعفاء (4) .

قال الشَّيخ محمَّد الأمين رحمه الله: فهذه الأدلة ونحوها تدل على أنّ تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليها، وممن قال بهذا القول الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة، والضحاك بن قيس، وعطاء، وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر، وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف الَّتي يأخذها المعلمون من السحت، وممن كره أجرة التّعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي، وظاهر كلام أحمد جواز أخذ المعلّم ما أعطيه من غير شرط (5) .

(1) أبو داود، كتاب الإجارة، باب كسب المعلم، رقم3416.

(2)

انظر شرح الخطابي لأبي داود عند الحديث المذكور، وذكر عن الإمام أحمد أَنَّه قال: ضعيف الحديث حدّث بأحاديث مناكير وكلّ حديث رفعه فهو منكر.

(3)

سنن أَبي داود، كتاب الإجارة، الحديث رقم3417، باب في كسب المعلّم.

(4)

التقريب: 1/105.

(5)

أضواء البيان: 3/23 24، ط أولى.

ص: 258

وقال ابن قدامة في المغني ما نصه: ونقل أبو طالب عن أحمد أَنَّه قال: التّعليم أحبّ إليّ من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين ومن أن يتوكل لرجل من عامة النّاس في ضيعة ومن أن يستدين ويتجر لعلّه لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات النّاس، التّعليم أحبّ إليّ، وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم، وممن أجاز ذلك مالك والشافعي، ورخّص في أجور المعلّمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر (1) .

هذه حجج المانعين، أمّا الَّذين أجازوا أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلى الحلال والحرام والعقائد فاستدلوا بأدلة منها:

(1) المغني: 5/410 411.

ص: 259

ما ثبت في الصحيحين عن النَّبي (أَنَّه زوّج رجلاً امرأة بما معه من القرآن، ونصّ الحديث في رواية البخاريّ في كتاب فضائل القرآن بسنده عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله (فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله (، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئا، قال: انظر ولو خاتما من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري قال سهل: ما له رداء فلها نصفه، فقال رسول الله (: ما تصنع بإزارك؟ إن لبِسْتَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء؟ فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله (مولّيا فأمر به فدُعي، فلما جاءه قال: ماذا معك من القرآن؟ قال معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا؛ عدّها، قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (1) .

فمحلّ الشاهد من الحديث قوله (: ((فقد زوجتكها بما معك من القرآن)) ، وفي بعض الروايات ((فعلمها من القرآن)) كما في بعض روايات مسلم في المصدر السابق.

(1) أخرجه البخاريّ في كتاب فضائل القرآن، في باب القراءة عن ظهر قلب، وفي كتاب النكاح، في باب السلطان ولي، لقول النَّبي (إلخ، وفي باب التزويج على القرآن بغير صداق، وفي باب عرض المرأة نفسها على الرَّجل الصالح، وفي باب النظر إلى المرأة قبل التزويج.

ومسلم في كتاب النكاح، في باب الصداق وكونه تعليم قرآن.

ص: 260

قال المجيزون: إذا جاز تعليم القرآن عوضًا في باب النكاح وقام مقام المهر؛ جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة، لأنّ النَّبي (أباح لهذا الرَّجل أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضًا عن صداقها، وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز، وما ردّ به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أَنَّه (زوّجه إياها بغير صداق إكرامًا لحفظه ذلك المقدار من القرآن ولم يجعل التّعليم صداقًا لها مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أَنَّه (قال له: ((انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن)) ، وفي رواية لأبي داود:

((علمها عشرين آية وهي امرأتك)) (1) .

(1) أبو داود في كتاب النكاح، باب في التزويج على العمل بعمل، رقم2112، قال الخطابي: في إسناده عِسْلُ بن سفيان، وهو ضعيف.

ص: 261

واحتج المجيزون أَيضًا بعموم قوله (الثابت في صحيح البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: ((إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)) (1)، قالوا: إنّ الحديث وإن كان واردًا في الجعل على الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المذكور في كتاب الإجارة: واستدل به الجمهور في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخالف الحنفية فمنعوه في التّعليم وأجازوه في الرقى كالدواء، قالوا: لأنّ تعليم القرآن عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياس في الرقى، إِلَاّ أَنَّهم أجازوه فيها لهذا الخبر، وحمل بعضهم الأجر في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة في الحديث يأبى هذا التأويل، وادعى بعضهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد رواها أبو داود وغيره، وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود، وبأنّ الأحاديث الَّتي ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لِتتوافق الأحاديث الصحيحة كحديثي الباب، وبأنّ الأحاديث المذكورة أَيضًا ليس فيها ما تقوم به الحجة فلا تعارِضُ الأحاديث الصحيحة. اهـ (2) .

فتحصّل أن الجمهور على جواز أخذ الأجرة على التّعليم كما صرّح به ابن حجر قريبًا، وأن الحنفية يمنعون قائلين إن ذلك عبادة، والعبادة أجرها على

الله، لكنه لا مجال للاجتهاد مع وجود النصّ الصحيح، فالله جلّ وعلا كريم يعطي لعباده الأجر معجّلاً في الدنيا ويعطيهم الأجر في الآخرة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، لا حرج في ذلك.

(1) أَخرَجه البخاريّ تعليقًا عن ابن عبّاس في كتاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية. وأخرجه عنه موصولاً في كتاب الطب: باب الرقيا بالفاتحة.

(2)

فتح الباري: 4/453 454، ط السلفية.

ص: 262

قال شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين رحمه الله مفصّلاً في هذه المسألة ما نصه: قال مقيّده عفا الله عنه: الَّذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنّ الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن والعقائد والحلال والحرام للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين، لأنّ الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة، والأولى لمن أغناه الله أن يتعفّف عن أخذ شيء في مقابل التّعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام، والعلم عند الله تعالى. اهـ (1) .

هذا وقد حاولت هنا بيان حكم هذه المسألة بحسب ما وقفت عليه من أدلة الفريقين ومن كلام العلماء ليستفيد المطلع عليه حكم هذه المسألة لا سيما الدعاة والمعلّمون ليكونوا على بصيرة مما هم فيه.

المبحث السادس: مما احتوت عليه سورة هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من شئون الدعوة إلى الله

وينقسم الكلام فيه إلى قسمين:

أحدهما: طريق إثبات النبوة، وأنها لا تثبت إِلَاّ عن طريق الوحي من الله جلّ وعلا.

وثانيهما: بيان أن الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله، وأن الرسل لا يعلمون منه إِلَاّ ما علّمهم الله، وهذا الأخير مما يجب على الدعاة التركيز عليه أثناء دعوتهم في هذا الزمن، لأنّ عوام النّاس أضلهم الدجالون والخرافيون ممن يزعمون أَنَّهم يعلمون بعض المغيبات ويخبرون بذلك عامة النّاس فيصدّقونهم ويكذبون القرآن الكريم، وسيتضح لك إن شاء الله كذبهم وتضليلهم عن طريق الاستدلال بكتاب الله تعالى. قال تعالى:(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ((2) .

الكلام على القسم الأَوَّل

(1) أضواء البيان: 3/25، المصدر السابق.

(2)

الآية 49 من سورة هود.

ص: 263

بيّنت هذه الآية الكريمة وأمثالها من القرآن الكريم أن نبوة محمَّد (حقّ لأَنَّه رجل أُمِّي لا يكتب ولا يقرأ، ونشأ في أمّة أميّة لا تكتب ولا تقرأ، ومع ذلك يأتي بخبر الأمم السابقين وما حصل لهم من الهلاك، وما شجر بينهم مع الأنبياء، يأتي هذا مفصّلاً، كما أَنَّه يأتي بقصص أقوام آخرين ليسوا بأنبياء، ويحكيها كما هي، كقصة أصحاب الكهف وأصحاب الأخدود، وقصة ذي القرنين وغير ذلك من القصص الَّتي قصّ القرآن الكريم على نبينا محمَّد (ولم يكن له بها هو ولا قومه علم ما تحكيه لنا آية هود هذه من قصة أوّل نبي بعث إلى أهل الأرض نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا

(، وكذلك قوله في شأن قرعة رجال بني إسرائيل أيهم يكفل مريم في قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ((1) ، ومن ذلك إخباره عن قصة أهل مدين مع نبي الله شعيب وقصة موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله:

(1) الآية 44 من سورة آل عمران.

ص: 264

(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ((1) . ومن ذلك قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ((2)، ومن ذلك قوله تعالى في شأن إخوة يوسف معه:(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ((3)، ومن ذلك قوله تعالى لما ذكر قصص الأنبياء المذكورين في سورة هود:(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ((4)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت مقررًا صدق القرآن وأَنَّه من الله لا كما يزعمه الكفار أَنَّه مفترى من قبل محمَّد (واستعان بقوم آخرين غلمان من اليهود كانوا صاغة بمكة:(وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ((5) ، ونحو ذلك من

الآيات.

(1) الآيات 44 46 من سورة القصص.

(2)

الآية 3 من سورة يوسف.

(3)

الآية 102 من سورة يوسف.

(4)

الآية 100 من سورة هود.

(5)

الآية 48 من سورة العنكبوت.

ص: 265

وبعد عرض هذه الآيات نلم بأقوال العلماء حولها إلمامًا سريعًا دون تطويل لنبين بذلك موضوعيتها في إثبات النبوة الَّتي تشتد الحاجة كثيرًا إلى أدلته القاطعة لدعاة عصرنا الحاضر لأنّ الكثير من سكان المعمورة ينكرون رسالة محمَّد (سواء أكان إنكار جحود أم إنكار جهل، وعليه فلا بُدَّ من إثبات ذلك بالأدلة القطعية النقلية، ويكون الكلام عليها إن شاء الله حسب ذكري لها.

أوّلاً أية هود: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (. قال كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري عند الآية المذكورة بعد أن ساق السند إلى قتادة: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا

القرآن، وما كان علم محمَّد (وقومه ما صنع نوح وقومه لولا ما بيّن الله له في كتابه (1) . ويقول قبل ذلك بقليل: يقول تعالى ذكره لنبيه محمَّد (هذه القصة الَّتي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه من أنباء الغيب يقول: هي من أخبار الغيب الَّتي لم تشهدها فتعلمها نوحيها إليك يقول: نوحيها إليك نحن فتعرفها ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا الوحي الَّذي نوحيه إليك فاصبر على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من مشركي قومك كما صبر نوح إنّ العاقبة للمتقين، يقول: إنّ الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله فأدى فرائضه واجتنب معاصيه فهم الفائزون بما يؤملون من النعيم في الآخرة والظفر في الدنيا بالكلية كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله

(2) .

(1) تفسير الطبري عند الآية المذكورة.

(2)

تفسير الطبري عند الآية المذكورة.

ص: 266

ويقول ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى لنبيه (: هذه القصة وأشباهها من أنباء الغيب يعني من أخبرا الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها أي نعلمك بها وحيًا منا إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا أي لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها حتَّى يقول من يكذبك إنك تعلمتها منه بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك فإنا ننصرك ونحوطك بعنايتنا ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم (1) .

قلت: إنّ في الآية منهجًا عظيمًا من مناهج الدعوة أمر الله نبيه محمَّدًا (إمام الدعاة به ألا وهو الصبر على الأذى من المدعوين فالأمر له (أمر لنا لأنّ الأمر للقدوة أمر للأتباع، والأمر للوجوب إِلَاّ إذا وجدت قرينة صارفة عن الوجوب ولم توجد هنا قرينة فعلى الدعاة إلى الله أن ينتهجوا هذا المنهج امتثالاً لأمرِ الله تعالى واقتداء برسوله (، كما أن في الآية وسيلة من وسائل الدعوة وهي الترغيب: س إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ش، فوظيفة الدعاة هي الترغيب والترهيب لأنّ ذلك هو وظيفة الأنبياء، قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ

وَمُنْذِرِينَ

((2)، وقال تعالى في خصوص نبينا محمَّد (: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

((3) ، فالآية الكريمة اشتملت على منهج أساسي من مناهج الدعوة إلى الله وعلى وسيلة عظمى من وسائلها أَيضًا، فليفرح الدعاة المتقون بأن الله ناصرهم لا محالة وأن العاقبة لهم لأنّ إخبار الله لا يتغير ولا يتبدل ولا يدخله النسخ فهذا الوعد محتم لا محالة.

(1) تفسير ابن كثير: 2/430، ط دار الجيل، بيروت.

(2)

الآية 165 من سورة النساء.

(3)

الآية 45 من سورة الأحزاب.

ص: 267

أمّا آية آل عمران: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ((1) ، فإليك بعض كلام العلماء فيها.

قال ابن كثير في تفسيره: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك أي نقصه عليك، وما كنت لديهم أي ما كنت عندهم يا محمَّد معاينة عما جرى بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها وذلك لرغبتهم في الأجر (2)، ثُمَّ قال: وقال ابن جرير: حدّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين، حدّثني حجّاج عن ابن جريج، عن القاسم بن أَبي بزة أَنَّه أخبره عن عكرمة وأَبي بكر عن عكرمة قال: خرجت بها- يعني مريم - في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى عليهما السلام (3)، قال: وهم يومئذٍ يلون في بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني حرّرتها وهي أنثى، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكرياء: ادفعوها لي فإِنَّ خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بالأقلام الَّتي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكرياء فكلفها. بواسطة نقل ابن كثير (4) . قلت: هكذا ذكر ابن كثير، وبعد مطالعتي لابن جرير عند الآية لم أجد هذه القصة بهذا السياق والسند لكن معناها والكثير من ألفاظها موجود عند تفسير ابن جرير للآية، فلعل هذا السياق ذكره في كتاب التاريخ والله أعلم.

(1) الآية 44 من سورة آل عمران.

(2)

تفسير ابن كثير: 1/343، المصدر السابق.

(3)

قلت: إن كان يعني أن الكاهن ابن هارون مباشرة فهذا بعيد جدًا، وإن كان يريد أَنَّه من ذريته فلا مانع.

(4)

ابن كثير، المصدر السابق.

ص: 268

وقال ابن جرير عند تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (يعني جلّ ثناؤه بقوله: ذلك ك الأخبار الَّتي أخبر بها عباده عن امرأة عمران وابنتها مريم وزكريا وابنه يحيى وسائر ما قصّ في الآيات من قوله:

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىءَادَمَ وَنُوحًا ش، ثُمَّ جمع جميع ذلك بقوله: (ذَلِكَ (، فقال: هذه الأنباء من أنباء الغيب أي من أخبار الغيب، ويعني بالغيب أَنَّهَا من خفِيّ أخبار القوم الَّتي لم تطلع عليها أنت ولا قومك، ولم يعلمها إِلَاّ قليل من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم، ثُمَّ أخبر تعالى ذكره نبيه محمَّدًا (أَنَّه أوحى ذلك إليه حجّة على نبوته وتحقيقًا لصدقه وقطعًا منه به عذر منكري رسالته من كفار أهل الكتابين الَّذين يعلمون أن محمَّدًا (لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إِلَاّ بإعلام الله ذلك إياه إذ كان معلومًا عندهم أن محمَّدًا (أمي لا يكتب فيقرأ الكتب فيصل إلى علم ذلك من قبيل الكتب، ولا صاحَب أهل الكتب فيأخذ علمه من قبلهم

إلى أن

يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم (يعني أهل الكتاب) وأنت تنبئهم هذه الأنباء ولم تشهدها ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور؟ ولست ممن قرأ الكتب فعلم نبأهم ولا جالس أهلها فسمع خبرهم، ثُمَّ ساق سنده إلى محمَّد بن جعفر بن الزبير وما كنت لديهم إذ يختصمون أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها يخبره بخفي ما كتموا منه من العلم عندهم لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخْفَوْه منه. اهـ (1) .

ويقول ابن عطية في المحرر الوجيز: وفي هذه الآية بيان لنبوة محمَّد (إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إِلَاّ من شاهدها وهو لم يكن لديهم أو من قرأها في كتب أهل الكتاب ومحمَّد (أمي من أميين أو من أعلمه الله بها وهو

(1) طالع تفسير ابن جرير: 3/182 185.

ص: 269

ذاك ((1) .

أمّا الكلام على الآيات الَّتي تتعلّق بنبي الله شعيب وموقف قومه من دعوته، وبقصة موسى حين ناداه ربّه لِيُحمّله عبء الرسالة إلى الطاغية فرعون فإليك بعض كلام المفسرين فيها.

(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْءَايَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ((2) . في الآيتين دليل واضح على أن ما فصل في هاتين القصتين من الأحوال لا يتسنى إِلَاّ بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهد وحيث انتفيا كلاهما تبيّن أَنَّه بوحي من علاّم الغيوب لا محالة أي وما كنت بجانب الجبل الغربيّ أو المكان الغربي الَّذي وقع فيه الميقات إذ قضينا إلى موسى الأمر أي عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة، وما كنت من جملة الشاهدين للوحي وهم السبعون المختارون للميقات حتَّى تشاهد ما جرى، وما كنت ثاويًا أي مقيمًا أَيضًا في أهل مدين قوم شعيب تتلو عليهم أي تقرأ عليهم بطريق التعلّم منهم آياتنا الناطقة بالقصة، ولكنا كنا مرسلين إياك وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها وما كنت بجانب الطور إذ نادينا أي وقت نداء الله موسى وقوله له إني أنا الله ربّ العالمين وإرسالنا له إلى فرعون،ولكن رحمة من ربك أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر من هذه القصص وغيرها لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللنّاس (3) .

(1) المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي: 3/117.

(2)

تقدمت الإشارة إليهما.

(3)

انظر أبو السعود بتصرف في النقل: 7/15 16.

ص: 270

والمعنى: وما كنت يا محمَّد حاضرًا بجانب الجبل الغربي الَّذي وقع فيه الميقات وأعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى (فالكلام من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مُقامه وذلك كثير في لغة العرب، وفي القرآن الكريم كما في قوله: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ((1) . أي دروعًا سابغات، وقيل: إن الكلام من باب إضافة الموصوف إلى الصفة الَّتي جوزها الكوفيون كما في قولهم: مسجد الجامع، والأصل على هذا في الجانب الغربي فيتحد الجانب والغربي، فالشاهد هنا إِمّا بمعنى الحضور أو من الشهادة والأمران منتفيان فلم يبق إِلَاّ أن تكون عرفت هذه الحقائق عن طريق الوحي (2) .

وقال القرطبي: ولكنا كنا مرسلين أي أرسلناك في أهل مكة وآتيناك كتابًا فيه هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها

إلى أن قال: قال النحاس: أي لم تشهد قصص الأنبياء، ولا تليت عليك ولكنا بعثناك وأوحيناها إليك للرحمة. اهـ (3) .

الكلام على قوله تعالى:

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ((4)

يخبر تعالى أَنَّه يقص على نبيه محمَّد (أخبار الأنبياء وأممهم وما جرى بينهم وهو لم يكن حاضرًا ولا قرأ عن تلك الأخبار والحوادث لأَنَّه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، فإخباره له بذلك على حاله فيه أمران:

الأمر الأَوَّل: تقرير نبوته (، إذ لا يمكن الاطلاع على هذه الأمور وحكايتها كما هي إِلَاّ عن طريق الوحي.

(1) الآية 11 من سورة سبأ.

(2)

طالع روح المعاني: 10/292.

(3)

تفسير القرطبي: 13/291 292.

(4)

تقدّمت الإشارة إليها.

ص: 271

الثَّاني: تثبيت فؤاده (على الدعوة إذا علم عن طريق الوحي أن إخوانه من الأنبياء السابقين أوذوا كما أوذي وكُذِّبوا كما كُذِّب هان ذلك عليه واستمر في دعوته، فمعنى الآية: وكلّ الأخبار الَّتي نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات وما تحمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين كلّ هذا مما نثبت به فؤادك يا محمَّد ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة (1) .

الكلام على آية يوسف

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ((2)، يقول تعالى لنبيه: إنّ هذا الخبر الَّذي أخبرتك به من خبر يوسف وإخوته وسائر ما في هذه السورة من أنباء الغيب الَّذي لم تشاهده ولم تقرأ عنه في كتب الأولين، ولكننا نوحيه إليك ونعرفكه لنثبت به فؤادك ونشجع به قلبك لتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله وتعلم أن من قبلك من إخوانك المرسلين صبروا على ما نالهم في ذات الله وأخذوا بالعفو وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأعرضوا عن الجاهلين لذلك فازوا بالظفر بالمطلوب وأُيّدوا بالنصر ومُكّنوا في الأرض، فالمعنى: وما كنت يا محمَّد حاضرًا مع إخوة يوسف إذ أجمعوا واتفق رأيهم على أن يلقوه في غيابة الجب، وما هناك، وسيلة يمكن أن تعرف بها ذلك إِلَاّ طريق الوحي من الله إليك فتثبت بذلك نبوتك وصدقك وقامت الحجة على خصومك (3) .

(1) طالع تفسير ابن كثير عند الآية: 2/447، المصدر السابق.

(2)

تقدّمت الإشارة إليها.

(3)

طالع تفسير ابن جرير عند الآية مع حذف وزيادة في كلامه.

ص: 272

ويقول ابن عطيّة في تفسيره: ذلك من أنباء الغيب: ذلك إشارة إلى ما تقدّم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمَّد (وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه (1) .

ويقول المفسّر عبد الرَّحمن بن ناصر السعدي في تفسيره للآية: لما قصّ الله هذه القصة على محمَّد (، قال له: ذلك النبأ الَّذي أخبرناك به من أنباء الغيب نوحيه إليك ولولا إيحاؤنا إليك لما وصل إليك هذا الخبر الجليل وإنك ما كنت حاضرًا لديهم إذ أجمعوا أمرهم أي إخوة يوسف وهم يمكرون به حين تعاقدوا على التفريق بينه وبين أبيه في حالة لا يطّلع عليها إِلَاّ الله تعالى، ولا يمكن لأحد أن يصل إلى علمها إِلَاّ بتعليم الله له إياها كما قال تعالى لما قصّ قصة موسى وما جرى له، ذكر الحال الَّتي لا سبيل للخلق إلى علمها إِلَاّ بوحيه فقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ

(الآيات، فهذا أدل دليل على أن من جاء بها رسول الله حقًّا (2) .

الكلام على آية هود

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ((3)، المعنى: ذلك من أنباء القرى أي من أخبار أهل القرى نقصه عليك لتنذر به، ويكون آية على رسالتك وموعظة وذكرى للمؤمنين (4) .

فالمعنى: أن الَّذي نقصه عليك من أخبار القرى السابقة كقرى قوم لوط وقوم صالح وقرى قوم شعيب وغير ذلك نقصه عليك ليكون عبرة وعظة لقومك الَّذين كذبوك وآذوك فإِنَّ الله أهلك الأولين بسبب تكذيبهم رسل

(1) المحرر الوجيز: 8/89.

(2)

تيسير الكريم الرَّحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرَّحمن بن ناصر السعدي: 34/30.

(3)

تقدّمت الإشارة إليها.

(4)

تفسير السعدي: 3 4/216.

ص: 273

الله، وأنتم يا قريش احذروا أن يحلّ بكم ما حلّ بهؤلاء إذ لا مزية لكم عليهم، وما جاز على المثل يجوز على مماثله، وفي الآية تقرير لنبوته عليه الصلاة والسلام حيث لا يتأتى له أي يقص عليهم قصص الأنبياء والأمم ولم يشاهدها ولم يكن في زمنها ولم يكن يقرأ كتب السابقين لا يتأتى له ذلك إِلَاّ عن طريق وحي من الله سبحانه وتعالى كما هو الواقع.

الكلام على آية العنكبوت

قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ((1) . المعنى: أَنَّه عليه الصلاة والسلام ما كان يتلو قبل هذا القرآن من كتاب ولا يكتب بيمينه ولا بشماله أَيضًا أي لا تقدر على خطه كما لا تقدر على تلاوته أي ما كان من عادتك أن تتلو ولا أن تقرأ قبل إيحائنا إليك بهذا القرآن فلو كنت كاتبًا أو تاليًا ثُمَّ أتيت بهذا القرآن لارتاب قومك في شأنك، أي لكان هناك مجال للريبة، فلمّا لم تكن متّصفًا بتلك الصفتين ولا بإحداهما ثُمَّ أتيت بهذا القرآن لم يكن هناك مجال في الارتياب في شأنك، يقول أبو السعود:

لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما لارتابوا وقالوا: لعلّه التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك لم يبق في شأنك منشأ ريب أصلاً (2) .

القسم الثَّاني من أقسام المبحث السادس

تقدّم لنا أن هذا المبحث ينقسم الكلام فيه إلى قسمين: الأَوَّل: إثبات نبوته (، والثَّاني: الإخبار بأن الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله، وأن الرسل لا يعلمون منه إِلَاّ ما علمهم الله عن طريق الوحي، وتكلمنا على القسم الأَوَّل، والآن سأتكلم على القسم الثَّاني إن شاء الله تعالى، فأقول:

(1) تقدّمت الإشارة إليها.

(2)

تفسير أَبي السعود: 7/29.

ص: 274

دلّت آيات القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية الصريحة الصحيحة أن الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله سبحانه وتعالى، فالغيب كلّ ما غاب عن الحواس، وكلّ ما غاب عنها لا يعلمه إِلَاّ الله جلّ، فكلّ من ادعى علم شيء من الغيب قيل له كَذّبْتَ الآيات القرآنية الصريحة، ومن كذّب القرآن متعمدًا بعدما تبين له ما دلّ عليه بالقاطع فقد كفر والعياذ بالله.

وإليك بعض الآيات الدالة على ما ذكر، قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ

((1) . بيّن تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ((2) . والمفاتح: الخزائن، جمع مَفتح بفتح الميم بمعنى المخزن، وقيل: هي المفاتيح جمع مِفتح بكسر الميم وهو المفتاح، وتدل له قراءة ابن السميع: مفاتيح بياء بعد التاء، فهذه الآية الكريمة تدل على أنّ الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله، وهو كذلك لأنّ الخلق لا يعلمون إِلَاّ ما علّمهم خالقهم جلّ وعلا، وقد أخرج البخاريّ في صحيحه بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله (قال:((مفاتح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير)) (3)، وأَخْرَجَ بسنده إلى أَبي هُرَيْرة (أن رسول الله (كان يوما بارزًا للناس إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ حديث جبريل المشهور إلى أن قال في آخره: وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله س

(1) الآية 59 من سورة الأنعام.

(2)

الآية 34 من سورة لقمان.

(3)

صحيح البخاريّ، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام.

ص: 275

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ

ش (1) .

ثُمَّ أخرج بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النَّبي (: ((مفاتح الغيب خمس، ثُمَّ قرأ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ

()) (2) .

وأَخْرَجَ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (قال: ((مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) (3) .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: من زعم أن رسول الله (يخبرنا بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ

((4)(5) .

(1) صحيح البخاريّ، كتاب التفسير، تفسير سورة لقمان.

(2)

صحيح البخاريّ، كتاب التفسير، تفسير سورة لقمان.

(3)

صحيح البخاريّ، كتاب التفسير، تفسير سورة الرعد.

(4)

الآية 65 من سورة النمل.

(5)

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله (: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (. والترمذي في تفسير سورة الأنعام.

ص: 276

قال الحافظ ابن حجر: وقال الشَّيخ محمَّد بن أَبي جمرة: عبّر بالمفاتح لتقريب الأمر على السامع، لأنّ كلّ شيء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من الباب، فإذا أغلق الباب احتيج إلى المفتاح، فإذا كان الشيء الَّذي لا يطلع على الغيَّب إِلَاّ بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب. انتهى ملخّصًا (1) . يعني أن المفاتح هي الَّتي يتوصل بها لكل غائب عنك، فإذا لم تُعلم فكيف التوصل إلى الغائب؟ وقال ابن حجر: فإِنَّ قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث، أجاب الطيبي بأن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن فهم منه الحصر على سبيل الكناية ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدّعون علم نزول الغيث، فيشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك واختصاصه بالله سبحانه وتعالى (2) .

قلت: في ختام الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (إشعار بأن هذا الأمر عظيم لا يطّلع عليه إِلَاّ من لا يشاركه أحد في ذلك كما دلّت على ذلك صفتا المبالغة: عليم خبير، والله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى لنبيه (: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ

((3) . هكذا أمر نبينا محمَّدًا (، كما أمر بذلك نوحًا (بقوله: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ

((4) .

قلت: إن المتتبع لقصص الرسل يعلم منها علم يقين أن الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله، وأن الرسل والملائكة لا يعلمون إِلَاّ ما علّمهم الله.

(1) فتح الباري: 8/514.

(2)

فتح الباري: 1/124، ط السلفية.

(3)

الآية 50 من سورة الأنعام.

(4)

الآية 31 من سورة هود.

ص: 277

فهذا نبينا محمَّد (لمّا رميت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بما رميت به وهي أحبّ النّاس إليه لم يعلم أهي بريئة أم لا؟ فكان يقول لها: ((يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)) إلخ في الحديث الطويل (1) . فالمتأمل لهذه القصة يعلم أن نبي الله (لا يعلم من الغيب إِلَاّ شيئًا علّمه ربّه عن طريق الوحي فهو يجلس شهرًا كاملاً كما في بعض روايات الحديث متجنّبًا لأحبّ النّاس إليه زوجه عائشة أمّ المؤمنين يجلس بعيدًا منها ويقول: ((كيف تيكم؟)) ولا يدري عنها هل هي بريئة أو لا؟ حتَّى أنزل الله عليه: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا

(1) أَخرَجه البخاريّ في تفسير سورة النور، وفي كتاب الشهادات، وفي كتاب المغازي، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. ومسلم في كتاب التوبة، في باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف

إلخ، والحديث طويل جدًّا.

ص: 278

يَقُولُونَ ((1) . فمن ادعى علم الغيب اليوم أو ادعى شيئًا ما من أنواعه كذّبناه بلا شك وحكمنا بأنه دجال مناقض للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وانظر إلى قوله تعالى مخاطبًا له:(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ((2) . يقول القرطبي رحمه الله: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير: المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته، وقيل: لو كنت أعلم متى يكون النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب، وقال ابن عبّاس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني، إلى غير ذلك مما ذكره من الأقوال الَّتي تدور حول عدم علمه بالغيب (3) .

ويقول (: في الحديث الصحيح: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة))

إلخ الحديث (4) .

(1) الآية 26 من سورة النور.

(2)

الآية 188 من سورة الأعراف.

(3)

تفسير القرطبي: 7/336 337.

(4)

لفظ مسلم في حديث جابر الطويل في حجة النَّبي (، كتاب الحج، باب حجة النَّبي (وأخرجه البخاريّ في كتاب الحج، وفي كتاب العمرة عن جابر أَيضًا، وفي غير ذلك من صحيحه.

ص: 279

ثُمَّ ننتقل إلى نبي الله نوح، وهو من أولي العزم من الرسل، يقول الله عنه أَنَّه يخاطب قومه فيقول:(وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.. ((1) . وكذلك قوله (: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ

((2)، فهو ما كان يدري أن ابنه الَّذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتَّى قال ما قال إلى أن أخبره الله بقوله له:(يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ((3) .

ثُمَّ ننتقل إلى أَبي الأنبياء إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه خليل الرَّحمن فنجده لا يعلم عن الغيب شيئًا إِلَاّ ما علّمه الله، فحين أتته الملائكة في صور رجال من البشر بادر بذبح عجله وشيّه وتهيئة الطعام لهم على عادته في إكرام الضيف، فلو كان يعلم الغيب لعلم أن هؤلاء ملائكة ولم يذبح عجله ويتعب نفسه ويهيئ لهم الطعام ويقول: ألا تأكلون؟ ولم يقع في نفسه منهم خوف حتَّى قالوا له: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ثُمَّ ذهبوا من عند إبراهيم وجاءوا إلى لوط في تلك الصورة فظنّهم رجالاً من بني البشر فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا وقال: هذا يوم عصيب؛ خوفًا عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتَّى قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، ولم يعلم عنهم شيئًا حتَّى أخبروه أَنَّهم رسل الله فقالوا: (يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ

((4) .

(1) الآية 31 من سورة هود.

(2)

الآية 45 من سورة هود.

(3)

الآية 46 من سورة هود.

(4)

الآية 81 من سورة هود.

ص: 280

وهذا يعقوب (ابيضت عيناه من الحزن على ولده يوسف وهو في مصر ما بينه وبينه إِلَاّ مسيرة أيام تحت يده خزائن رزق مصر لا يدري عنه حتَّى أظهر الله خبره، وهذا سليمان (سخّر الله له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتَّى جاءه الهدهد: (فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (الآيات (1) .

ثُمَّ ننتقل من الرسل إلى الملائكة فنجد أن القرآن الكريم أخبر حاكيًا عنهم أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلَاّ ما علّمهم الله، فحين قال لهم الله جلّ وعلا: (

أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ((2) .

ومن هذا العرض يتبيّن أن الغيب لا يعلمه إِلَاّ الله لأنّ أفضل الخلق على الإطلاق الرسل والملائكة وتبين مما تقدّم أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلَاّ ما علّمهم الله تعالى، وهو تعالى يعَلّم رسله وملائكته من غيبه ما شاء كما قال تعالى:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ

((3)، وقال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ

((4)(5) .

(1) الآية 22 من سورة النمل.

(2)

الآية 31 32 من سورة البقرة.

(3)

الآية 179 من سورة آل عمران.

(4)

الآية 26 27 من سورة الجن.

(5)

انظر أضواء البيان: 2/127 فما بعدها، ط المدني.

ص: 281

المعنى أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الَّذي يعلم الغيب وأَنَّه لا يظهر عليه أحدًا من خلقه أي لا يطلعه عليه ولا ينبئه به، ووقوع الفعل (يظهر) في حيز النفي يفيد العموم، أي لا يطلع عليه أي أحد كائنًا من كان، وكذلك وقوع المفعول به:(أحدًا) نكرة في سياق النفي يفيد العموم، ثُمَّ استثنى من هذا النفي من ارتضاهم ليطلعهم على بعض غيبه فقال: إِلَاّ من ارتضى من رسول، إذا أراد الله إطلاعه على غيب أراد إظهاره بالوحي، وكذلك ما أراد أن يؤيد به رسوله (من إخبار بما سيحدث أو اطلاع على ضمائر بعض النّاس، فقوله: ارتضى مستثنى من عموم أحدًا، والمعنى: إِلَاّ أحدًا ارتضاه الله أي اختاره للاطلاع على شيء من الغيب لحكمة أرادها الله تعالى أي يطلع الله بعض رسله لأجل ما أراده الله من الرسالة إلى النّاس، فيعلم من هذا أن الغيب الَّذي يُطلع الله عليه الرسل هو من نوع ماله تعلّق بالرسالة وهو غيب ما أراد الله إبلاغه إلى الخلق أن يعتقدوه أو يفعلوه وما له تعلّق بذلك من الوعد والوعيد من أمور الآخرة أو أمور الدنيا وما يؤيد به الرسل عن الإخبار بأمور مغيّبة كقوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ((1)(2) .

(1) الآيات: 3 4 من سورة الروم.

(2)

طالع التحرير والتنوير: 14/247 248، بتصرّف يسير في النقل.

ص: 282

وقال الشوكاني في تفسير سورة الجن هذه:

أي لا يُطلع على الغيب الَّذي يعلمه وهو ما غاب عن العباد أحدًا منهم، ثُمَّ استثنى فقال: إِلَاّ من ارتضى من رسول، أي إِلَاّ من اصطفاه من الرسل أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته، ثُمَّ قال: قال القرطبي: قال العلماء: لما تمدح سبحانه وتعالى بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل أَنَّه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثُمَّ استثنى من ارتضى من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصا وينظر في الكفّ ويزجر بالطير ممن ارتضاه الله من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، وقال سعيد بن جبير: إِلَاّ من ارتضى من رسول هو جبريل، وفيه بعد، وقيل: المراد بقوله: إِلَاّ من ارتضى من رسول فإِنَّه يطلعه على بعض غيبه وهو ما يتعلّق بالرسالة المعجزة وأحكام التكاليف وجزاء الأعمال وما بيّنه من أحوال الآخرة لا ما لا يتعلّق برسالته من الغيوب كوقت قيام الساعة ونحوه، قال الواحدي: في هذا دليل على أن من ادعى أنّ النجوم تدلّه على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، قال في الكشاف: وفي هذا إبطال للكرامات لأنّ الَّذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال للكهانة والتنجيم لأنّ أصحابها أبد شيء عن الارتضاء وأدخله في السخط (1) .

(1) انظر فتح القدير للشوكاني: 5/310 311، وكلام القرطبي الَّذي ذكره نقله عنه بالحرف في تفسير سورة الجن هذه.

ص: 283

وقال عند تفسير آية آل عمران: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ (حتَّى تُميّزوا بين الطيب والخبيث فإِنَّه المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحدًا إِلَاّ من ارتضى من رسول من رسله يجْتَبيه فيطلعه على شيء من غيبه فيميز بينكم كما وقع من نبينا (من تعيين كثير من المنافقين فإِنَّ ذلك كان بتعليم الله له لا بكونه يعلم الغيب، وقيل: المعنى: وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيمن يستحق الرسالة حتَّى يكون الوحي باختياركم، ولكن الله يجتبي أي يختار من رسله من يشاء (1) .

(1) فتح القدير: 1/404.

ص: 284

فتحصّل من الآيات الَّتي تقدّمت صريحًا في نفي علم الغيب عن جميع المخلوقات إِلَاّ من استثنى الله من رسله أن مدّعي علم الغيب اليوم كاذب. وإِنّما بسطنا الكلام في هذه النقطة لشدّة الحاجة إلى ذلك في زمننا الَّذي نعيش فيه فأردت جمع بعض من الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء وبيان فهمهم لتفسير الآيات الَّتي نفت علم الغيب إِلَاّ عن الله أو من ارتضاه من رسله، أردت جمع ذلك ليطّلع عليه طلبة العلم لا سيما من يتعرّض للدعوة إلى الله، لأنّ الكثير من النّاس فشت فيهم الخرافة والغلو في الصالحين والأولياء والمشايخ، وفشا فيهم اتباع الدجالين ممن هم محسوبون على الإسلام والإسلام منهم بريء براءة الشمس من اللمس، مع العلم أن هناك من طلبة العلم بل من العلماء من يركن إلى هذا النوع من الضلال، ويرى أن علم الغيب المنفي إِنَّما هو الغيب كلّه لا بعضه، وبعضهم يقول: العلم المنفي هو ما ذكر في آية لقمان من المسائل الخمس حتَّى إن الرازي قال: إن قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا

((1) ليست فيه صيغة عموم، وخفي عليه أو جهل أو تجاهل أن في الآية صيغتي عموم إحداها في قوله: (غَيْبِهِ (فإِنَّه مصدر أضيف إلى الضمير، وإضافة المصدر واسم الجنس إلى المعارف من صيغ العموم، والأخرى في قوله: (أَحَدًا (فإِنَّه نكرة في سياق النفي وتلك من صيغ العموم باتفاق، وهناك صيغة عموم ثالثة وهي وقوع الفعل س يُظْهِرُ ش في حيّز النفي، لأنّ الفعل الصناعي ينحل عن مصدر لا محالة وهذا المصدر هنا نكرة في سياق النفي أي لا يظهر إظهارًا كائنًا ما كان على غيبه أي أحد إِلَاّ من استثناهم من رسله. يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ

((2) . يقول تعالى آمرًا رسوله محمَّدًا (أن يقول معلّمًا

(1) تقدّمت الإشارة إليها.

(2)

الآية 65 من سورة النمل.

ص: 285

جميع الخلائق أَنَّه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إِلَاّ الله، وقوله تعالى: (إِلا اللَّهُ (استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إِلَاّ الله (فإِنَّه المنفرد بذلك وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ (، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ

(إلى آخر السورة (1) . قال ابن كثير: قال ابن أَبي حاتم: حدّثنا عليّ بن الجعد، حدّثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أَبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: من زعم أَنَّه يعلم يعني النبي (ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، لأنّ الله تعالى يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ

(. وقال قتادة: إِنَّما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم له به، وإن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا من هذه النجوم كهنة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إِلَاّ يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير من الغيب وقضى الله تعالى أَنَّه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إِلَاّ الله وما يشعرون أيان يبعثون، ثُمَّ قال: رواه ابن أَبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جليل متين صحيح (2) .

المبحث السابع: من محتويات الدعوة في سورة هود (

(1) تقدّمت الإشارة إليها.

(2)

طالع تفسير ابن كثير: 3/360، ط دار الجيل، بيروت.

ص: 286

وهو يشتمل على منهج نبي الله هو وصالح وشعيب في الدعوة إلى الله تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ، يَاقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ ((1) ، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ((2) ، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ((3) ، (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((4) . (وَإِلَى

(1) الآيات 50 51 من سورة هود.

(2)

الآية 61 من سورة هود.

(3)

الآيات 84 85 من سورة هود.

(4)

الآيات 88 90 من سورة هود.

ص: 287

عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا (الآية

نبي الله هود

نسبه:

هو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن غوص بن إرم بن سام بن نوح، ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودًا هو: عابر بن شالح بن رفخد بن سام بن نوح.

وكان قومه أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لأحدها: صداء، وللثاني: صمود، وللثالث: الهباء، فدعاهم هود إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره وترك ظلم النّاس فكذّبوه وقالوا: من أشدّ منّا قوّة؟ فلم يؤمن به منهم إِلَاّ القليل، فاستمر في دعوتهم يعظهم وهم متمادون في طغيانهم إلى أن قالوا: (

سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ((1)(2) .

وقال ابن كثير: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وذكر النسب الَّذي ذكره الطبري، فانظره (3) .

(1) الآية 136 من سورة الشعراء.

(2)

انظر تاريخ ابن جرير: 1/216 217، ط الثانية، تحقيق محمَّد أبو الفضل إبراهيم.

(3)

البداية والنهاية لابن كثير: 1/120، ط الثانية، مكتبة المعارف، بيروت.

ص: 288

إنّ منهج نبي الله هود لا يختلف عن منهج أخيه نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والتسليم، لأنّ جميع الرسل متّفقون في المبدأ على الدعوة إلى توحيد الله تعالى، فذلك هو المنهج الأساسي للرسل في دعوتهم الأمم، وقد أخذ نبي الله هو بحظه من ذلك المنهج فدعا قومه إلى توحيد الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، وكان (ينذرهم بأس الله ويضرب لهم المثل بقوم نوح، ويذكرهم بنعم الله تعالى عليهم حيث زادهم في الخلق بسطة وجعلهم خلفاء في الأرض من بعد قوم نوح، وبوأهم أرضًا مثمرة تدر عليهم الخير الكثير تنبت لهم الزرع الَّذي يعيشون به والكلأ الَّذي تعيش به دوابهم، وكان يخبرهم أن الواجب عليهم أن يستعملوا هذه القوّة الَّتي أعطاهم الله ولم يعطها لأحد سواهم في طاعة الله، وأن يستعملوا عقولهم ويفكّروا بها ليتبيّنوا بها أنّ ما يعبدونه من دون الله لا يضرّهم ولا ينفعهم، وأن الَّذي ينفع ويضر هو الله وحده الَّذي خلقهم وأعطاهم القوّة الَّتي يفتخرون بها، وهو الَّذي بيده إحياؤهم وإماتتهم، وأنهم إذا تابوا إليه مما سلف من الكفر تاب الله عليهم وأغدق عليهم نعمه بإنزال المطر وإمدادهم بقوة إلى قوّتهم وبزيادتهم عزًا إلى عزّهم، كما كان يخبرهم أَنَّه لا يطلب منهم أجرًا مقابل التبليغ، وإِنّما يطلب أجر ذلك من ربّه سبحانه وتعالى، فهو لا يطلب منهم مالاً ولا زعامة يتزعمها، ولكنهم سفهوه وكذّبوه وتجاهلوا الحجج الَّتي جاء بها من ربّه والبراهين القاطعة الَّتي أقامها على صدقه فقالوا: (قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيءَالِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ((1)(2)، وقد بيّن الله هذا المنهج متكاملاً في سورة الأعراف فقال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا

(1) الآية 53 من سورة هود.

(2)

طالع قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار: 51 52.

ص: 289

لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواءَالاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ((1) .

هذا نموذج من منهج نبي الله هود في دعوته، فيجب على كلّ داع أن يقتدي بهود (في منهجه في دعوته وسلوكه مع قومه في الصبر على دعوتهم ونصحه لهم والتوكل على الله وتبليغه لهم رسالة ربه، كما يجب على المدعوين أن يعتبروا بحال قوم هود لما أعرضوا عن دعوته وكذّبوه ولم يستجيبوا لما سمعوه من الحق والنصيحة، وأنّ الله أهلكهم بسبب ذلك بالعذاب الشديد في الدنيا؛ ولعذاب الآخرة أشدّ وأشق.

فنتيجة العقل الاعتبار بالغير، والنظر في عواقب الأمور، وإلاّ لم تكن للإنسان الَّذي خصّه الله بالعقل مزية على غيره من الحيوانات.

ومن هذا العرض السريع يتبيّن لنا أن نبي الله هودًا رسم للدعاة منهجًا يجب عليهم أن يسلكوه، بأن يأمروا المدعوين أوّلاً بعبادة الله وحده وعدم إشراك أيّ مخلوق كائنًا من كان معه في العبادة، وأن يبتعدوا من ظلم النّاس، وأن يحذّروهم بأس الله، وأن يضربوا لهم الأمثال بمن مضى، ويذكّروهم بنعم الله، وأن يبيّنوا لهم أَنَّه لا ضارّ ولا نافع إِلَاّ الله وحده، وأن لا يطلبوا أجرًا على القيام بالدعوة إِلَاّ عند الضرورة كما تقدّم. ولنرجع إلى الآية الَّتي نحن بصددها، ونذكر بعض أقوال المفسرين فيها.

(1) الآيات 65 69 من سورة الأعراف.

ص: 290

يقول ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن الأوثان الَّتي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أَنَّه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إِنَّما يبغي ثوابه من الله الَّذي فطره، أفلا تعقلون من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة، ثُمَّ أمرهم بالاستغفار الَّذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسّر الله عليه رزقه وسهّل عليه أمره، وحفظ شأنه، ولهذا قال:(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (، وفي الحديث: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجًا، ومن كلّ ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)) (1) . قلت: الحديث الَّذي ذكره ابن كثير غير معزو، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 3/490 بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنهما بلفظه (2)، ويقول أبو السعود: قال يا قوم اعبدوا الله أي وحدّوه كما ينبئ عنه قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (فإِنَّه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بالعبادة كأنه قيل: خصُّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئًا إذ ليس لكم من إله سواه إن أنتم أي ما أنتم باتخاذكم الأصنام شركاء له أو بقولكم إن الله أمرنا بعبادتها إِلَاّ مفترون عليه، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (3) .

(1) تفسير ابن كثير: 2/430 440، المصدر السابق.

(2)

وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب برقم3819. وأبو داود في كتاب الصلاة برقم1518. وأحمد في المسند برقم2234، وإسناده صحيح، أفاده الشَّيخ شاكر في تعليقه على أَبي داود.

(3)

تفسير أَبي السعود: 4/216.

ص: 291

فتبيّن مما تقدّم من قصة نوح وهود أن الهدف الأساسي للدعوة الَّذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل الكتب هو توحيد الله جلّ وعلا بالعبادة، فهذا تتّفق فيه دعوات الرسل جميعًا، أمّا شرائعهم فإِنَّهَا تختلف؛ كما قال

تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا

((1) . أمّا في أصول الدين فإِنَّهَا تتفق تمامًا، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ

((2) . وفي الحديث المتّفق عليه: أنّ الأنبياء إخوة لعَلاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وفي رواية البخاريّ: أولاد عَلات (3) .

ومعنى الحديث: أن الرسل متّفقون في أصول الدين، وعبّر عن ذلك بأنهم أولاد عَلات، وأولاد العَلات الإخوة من الأب، وأصله أنّ من تزوج امرأة ثُمَّ تزوج أخرى كأنه عَلَّ منها، والعلَلُ: الشرب بعد الشرب، فأولاد العَلات الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وفي بعض الروايات: أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فكنى عن توحيد دينهم باشتراكهم في الأبوة، فأصل الدين الَّذي هو التوحيد واحد وإن اختلفت فروع الشرائع (4) .

(1) الآية 48 من سورة المائدة.

(2)

الآية 3 من سورة الشورى.

(3)

أَخرَجه البخاريّ في كتاب الأنبياء، باب قول الله: واذكر في الكتاب مريم.

ومسلم في كتاب الفضائل، باب فضل عيسى (.

(4)

انظر فتح الباري: 6/489.

ص: 292

أمّا منهج النبي صالح فإِنَّه لا يختلف عن منهج أخويْهِ نوح وهود؛ فقد دعا قومه لتنفيذ مضمون ما بعث من أجله وهو إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه، ثُمَّ شرع يذكرهم بنعم الله جلّ وعلا عليهم بأنه أنشأ أباهم من آدم من التراب، واستعمرهم في الأرض أي جعلهم عمارها بعد من كانوا فيها وأبيدوا، وأطال أعمارهم فيها حيث كانت أعمارهم تتراوح ما بين ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، لذلك عدلوا عن بناء الطين ونحتوا البيوت في الجبال، ثُمَّ أمرهم بالاستغفار أي طلب غفران الذنوب من الله جلّ وعلا والتوبة إلى الله لأَنَّه تواب رحيم قريب مجيب.

نبي الله صالح

من هو صالح؟

ص: 293

هو صالح بن عبد الله بن ملسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح (1)، أرسله الله إلى قومه: ثمود، وهم قبيلة مشهورة، سُمُّوا باسم جدهم ثمود أخي جديس من ذرية سام بن نوح، ومساكنهم بمدائن الحجر بين تبوك والمدينة (2)، وكان هؤلاء بعد عاد قوم هود كما بيّن ذلك القرآن حيث يقول حاكيًا عن صالح يخاطب قومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ

((3) ، وكان منهجه (في دعوته أَنَّه لما بعثه الله رسولاً إلى قومه دعاهم إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وطرح عبادة الأوثان، لكن الكثير منهم رفض هذه الدعوة فآذوا نبي الله صالحًا وهمّوا بقتله وعقروا الناقة الَّتي جعلها الله آية على صدقه، وقد كان حذّرهم من قتلها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ((4) . وخلاصة القول أنّ نبي الله صالحًا عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده، ونصح لهم وذكّرهم بآيات الله، وأقام لهم الأدلة القاطعة على صدقه في دعوته، وهذا ما ينبغي لكلّ داع إلى الله تعالى أن يسلكه في دعوته حيث يركّز على عدم الشرك بالله لأنّ الشرك أخفى من دبيب النمل، ويقع فيه الكثير من النّاس دون أن يشعر، ويذكّر المدعوين بآيات الله أي بوقائعه الَّتي أهلكت الأمم السابقة المكذّبة للدعاة وأن يقيم الأدلة القاطعة من كتاب الله وسنّة نبيّه (على ما يدعو النّاس إليه، ولا يضرّه عدم استجابة المدعوين إذ في الرسل أسوة حسنة، فالعاقل

(1) البداية والنهاية لابن كثير: 1/130 131، المصدر السابق.

(2)

قصص الأنبياء لابن كثير: 1/145.

(3)

الآية 74 من سورة الأعراف.

(4)

الآية 61 من سورة هود.

ص: 294

من يعتبر بغيره.

يقول رشيد رضا في المنار: وقد علمنا من سنّة القرآن وأساليبه في قصص الأنبياء مع أقوامهم أنّ المراد بها العبرة والموعظة ببيان سنّة الله تعالى في البشر وهداية الرسل عليهم الصلاة والسلام لا حوادث الأمم وضوابط التاريخ مرتبة بحسب الزمان أو أنواع الأعمال، وقد حكى هنا عن صالح (أَنَّه ذكر الآية الَّتي أيّده الله بها عقب تبليغ الدعوة، وفي قصّته من سورة هود أَنَّه ذكر لهم الآية بعد ردّهم لدعوته وتصريحهم بالشك في صدقه، وزاد في سورة الشعراء طلبهم الآية منه، وكلّ ذلك صحيح ومراد، وهو المسنون المعتاد.اهـ (1) . لكن نبي الله صالحًا كان ينادي أقوامًا عميًا عن رؤية الحق صمًا عن سماعه غلبت عليهم الشقوة فأنكروا عليه نهيه لهم عن عبادة ما كان آباؤهم يعبدونه من الأصنام، وأخبروه أَنَّهم في شك موقع لهم في الريبة من دعوته الَّتي قدّمها

إليهم، وقالوا:(قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ((2) ، أي كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك فلمّا نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا منك وعلمنا أن لا خير فيك، وقيل: المعنى: كنا نرجوك أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه (3) . ولما قالوا مقالتهم هذه كان جوابه في غاية الروعة ولين الجانب، فقال: (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَءَاتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ

(1) تفسير المنار: 8/105.

(2)

الآية 62 من سورة هود.

(3)

طالع الكشاف: 2/27.

ص: 295

تَخْسِيرٍ ((1) . أي يا قوم أرأيتم إن اتبعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني عذابه؟ فما تزيدونني غير تخسير أي تضليل وإبعاد من الخير، وقد ذكر الله كيفية هلاك قوم صالح في سور من القرآن كثيرة كسورة هود والأعراف والحاقة والذاريات وغير ذلك، ولشهرتها لم نتتبع الكلام عليها، فالناظر في منهج صالح وأساليبه في الدعوة يستفيد من ذلك كيف يدعو بحكمة وموعظة حسنة ومجادلة بالحسنى، فالله جلّ وعلا ما ذكر لنا قصص الأنبياء وأحوال الأمم وكيف أهلكوا، وكيف صبر الدعاة على ما يلاقونه من الأذى في سبيل الدعوة إِلَاّ لنقتفي أثر الدعاة ونتعظ بحال من دعوهم، س لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ ش (2) .

نبي الله شعيب

من هو شعيب؟

قال ابن كثير: قال محمَّد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن إبراهيم، وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر، قال: واسمه بالشَريانية: يثَرون، ثُمَّ قال: قلت: مدين تطلق على القبيلة وعلى المدينة

وهم أصحاب الأيكة، قال: يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أي قد أقام الله الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثُمَّ وعظهم في معاملتهم النّاس بأن يوفوا المكيال والميزان ولا يبْخسوا النّاس أشياءهم في أموالهم ويأخذوها على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا كما في قوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.. (إلى قوله:

(1) الآية 63 من سورة هود.

(2)

الآية 111 من سورة يوسف.

ص: 296

(لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ((1) . وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وهذا ما تصوّره آيتا هود:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ((2) . فنبيُّ الله شعيب نهج منهج إخوانه السابقين في البدء بالدعوة إلى التوحيد لأنّ ذلك هو الأمر المهم الأساسيّ للدعوة، وشعيب قرن ذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والترهيب من عاقبة ما هم مشتهرون به من تطفيف الكيل والوزن: س وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ش (3) ؛ فإني أخاف أن تُسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله يعني: إني أراكم بخير في معاشكم ورزقكم فأخاف أن تُسلبوا ذلك، ومع ذلك أخاف عليكم عذاب الآخرة الَّذي هو العذاب المحيط بكم من جميع النواحي، ثُمَّ بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر س وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ

ش (4) . فنهاهم عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا النّاس، ثُمَّ أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العثو في الأرض بالفساد (5) .

(1) تفسير ابن كثير: 2/221، المصدر السابق.

(2)

الآيات 1 6 من سورة المطففين.

(3)

الآيات 84 85 من سورة هود.

(4)

تقدّمت الإشارة إليها.

(5)

انظر ابن كثير بتصرف في النقل.

ص: 297

وفي سورة الأعراف أشار القرآن إلى نموذج من منهجه في الدعوة فقال عنه: (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ((1)، فجمع في هذه الآية بين ثلاثة أمور: النهي عن ظلم النّاس وترصدهم على الطرق لأخذ أموالهم وتوعدهم بالقتل وغيره من أنواع الأذى، الأمر الثَّاني: تذكيرهم بنعمة الله عليهم حيث كانوا قلّة ضعفاء فكثروا وقووا، الأمر الثَّالث: أمره لهم بالنظر في عاقبة من سبقهم من الأمم المكذبة للرسل ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصابهم إذ لا مزية لهم على غيرهم وعلّة الهلاك موجودة فكأنه يقول لهم: تأمّلوا في حال من سبقكم من الأمم، واعتبروا بها فما هي منكم ببعيد.

(1) الآية 86 من سورة الأعراف.

ص: 298

وتمثّل لنا ثلاث آيات متوالية من سورة هود ثلاثة نماذج من منهج نبي الله شعيب ينبغي لكل داع إلى الله أن يتّصف بها ويجعلها منهجًا يسلكه: النموذج الأَوَّل: إخباره لهم بأنه لا ينهاهم عن منكر ثُمَّ يخالف ويأتي ذلك المنكر حيث إِنَّه لا يريد إِلَاّ الإصلاح، وفعل المنكر ليس فيه إِلَاّ الفساد، الثَّاني: تحذيره لهم مما حلّ بقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط من العذاب، فقد استعمل أسلوب الترهيب لأنّ الرسل إِنَّما بعثوا مبشّرين ومنذرين، الثَّالث: أمره لهم بالاستغفار والتوبة إلى الله وإخباره لهم بأنّ الله رحيم ودود، أي عظيم الرحمة للتائبين، ودود أي محبّ لهم، فهو بمعنى فاعل، أي يود عباده ويرحمهم، وقيل بمعنى مفعول، بمعنى أنّ عباده يحبونه (1) ، وإليك نصّ الآيات، (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((2) .

(1) انظر الفتوحات الإلهية للجمل.

(2)

الآيات 88 90 من سورة هود.

ص: 299

النموذج الأَوَّل من مناهج نبي الله شعيب هو التزام الداعية بما يدعو إليه وابتعاده عما ينهى عنه فلا يُرى حيث نهاه الله ولا يفقد حيث أمره؛ فإذا كان كذلك كان قدوة حسنة وإلا كان متّخذًا دعوته هزؤًا بالدين وسخرية ودخل في الوعيد الشديد كما في الحديث الصحيح الَّذي أخبر به رسول الله (عن أسامة ابن زيد أنّ رسول الله (قال: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه (1) فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه)) (2) .

(1) قال النووي: قال أبو عبيد: الأقتاب: الأمعاء، قال الأصمعي: واحدها قتبة، وقال غيره: قِتْب، وقال ابن عيينة: هي ما استدار في البطن، وهي الحوايا والأمعاء، وهي: الأقصاب، واحدها قصب، والاندلاق: خروج الشيء من مكانه. شرح النووي لمسلم: 18/118 119، ط دار الفكر، بيروت، لبنان.

(2)

أَخرَجه البخاريّ في كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، ومسلم في كتاب الزهد والرقاق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله.

ص: 300

قال الحافظ ابن حجر بعد نقله كلامًا للطبري في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه ضررًا منه ولو كان الآمر متلبّسًا بالمعصية لأَنَّه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولاسيما إن كان مطاوعًا، وأمّا إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذ به، وأمّا من قال: لا يأمر بالمعروف إِلَاّ من ليست فيه وصمة فإن أراد أَنَّه الأولى فجيّد وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره (1)، وقال أَيضًا: قال الطبري: فإن قيل: كيف صار المأمورون في حديث أسامة المذكور في النار؟ والجواب: أَنَّهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذّبوا بمعصيتهم وعذّب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه (2) . فظهر مما نقل عن ابن حجر أن آتي المنكر لا يمنعه ذلك من النهي عنه وأنّ الأمر بالمعروف لا يمنع منه كون الآمر تاركًا له لأنّ له من فعل الخير وعليه ما عليه من فعل الشر كمن سرق في صلاته يكون له ثواب القربة إلى الله وعليه وزر السرقة، ولهذا نظائر كثيرة كمن لبس من الرجال حريرًا أو ذهبًا وصلّى فيه أو توضأ بماء مغصوب وصلّى، وهذه مسألة فيها بحوث ومناقشات للعلماء حول انفكاك الجهة وعدمه مع اتفاقهم على أن الجهة إذا انفكت صحّت العبادة وأثيب المكلّف عليها لكنهم اختلفوا في تحقيق مناط انفكاك الجهة، وليس هذا موضع بسط لذلك وإِنّما هو في الفقه وأصوله. قلت: لا شكّ أَنَّه من واجب الداعي أن يكون قدوة حسنة وأن يكون ملتزمًا شرع الله مستقيمًا في دينه وسلوكه وخلقه ومعاملته لأنّ ذلك أدْعَى إلى قبول دعوته، فإن لم يوجد ذلك وكان عالمًا بما يدعو إليه وبما ينهى عنه، وكان في حال يحتاج أهلها إلى الدعوة لا نقول إِنَّه يترك الدعوة من أجل معصية ارتكبها، ولعلّه باستمراره في الدعوة إلى ما لا يأتيه يلهمه

(1) فتح الباري: 13/53، ط السلفية.

(2)

الفتح، المصدر السابق نفسه.

ص: 301

الله رشده فيستقيم على الحق فيعمل وفق ما يدعو، والله أعلم.

أمّا الأمر الثَّاني الَّذي هو أسلوب الترهيب في قوله: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ((1)، فقد استعمل فيه شعيب أسلوب الترهيب فحذّرهم بأس الله قائلاً لهم: لا يجرمنكم شقاقي أي لا يحملنكم شقاقي أي خلافي، قاله الحسن وقتادة، وقيل: لا يكسبنكم، قاله الزجاج (2) أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قوم نوح من الغرق أو قوم هود من الريح، أو قوم صالح من الرجفة والصيحة. وما قوم لوط منكم ببعيد مكانًا أو زمانًا، فعلى الأَوَّل يكون المعنى: أن مكان قوم لوط قريب من مكان قوم شعيب في المسافة لأنّ مدين وقرى قوم لوط متقاربتان جدًّا لأنّ مدين قريبة من معان الَّتي في أطراف الأردن، وقرى قوم لوط حول ما يسمى بالبحر الميت الآن في الأردن، وعلى الثَّاني وهو قول قتادة أن زمان قوم لوط كان قريبًا من زمان قوم شعيب، وفي كل داع إلى الاعتبار بحالهم.

أمّا النموذج الثَّالث هو أن نبي الله شعيبًا استعمل فيه أسلوب الترغيب، حيث قال:(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ((3) . قدّم لهم أوّلاً النصيحة الكاملة حيث أمرهم بالاستغفار والتوبة إلى الله مما سلف منهم من الكفر والمعاصي ورغّبهم في ذلك قائلاً: إنّ ربّي رحيم بعباده التوابين، ودود محبّ لهم، فمن تاب إلى الله توبة نصوحًا رحمه بأن يقبل توبته ويحبه هكذا ظهر من حال شعيب أَنَّه مخلص في دعوته ناصح لأمّته، باذل كلّ ما في وسعه لإنقاذهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، لكن الهداية بيد الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.

(1) تقدّمت الإشارة إليها.

(2)

انظر النكت والعيون للماوردي.

(3)

تقدّمت الإشارة إليها.

ص: 302

قال الآلوسي في روح المعاني: وفي أنوار التنزيل أن لأجوبته (الثلاثة يعني: (يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ (

إلخ، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ (

إلخ، و (إِنْ أُرِيدُ (

إلخ على هذا النسق شأنًا وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كلّ ما يأتيه ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حقّ الله تعالى فإِنَّ الجواب الأَوَّل متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته، وثانيها حقّ النفس فإِنَّ الجواب الثَّاني متضمن بيان حقّ نفسه من كفّها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره، وثالثها حق النّاس فإِنَّ الجواب الثَّالث متضمن للإشارة إلى أنّ حقّ الغير عليه إصلاحه وإرشاده

وقال غير واحد إِنَّه قد اشتمل كلامه (على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عزّ شأنه في أموره وحَسْمِ أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم

(1) .

(1) انظر روح المعاني للآلوسي: 6/316.

ص: 303

قلت: كلّ هذه الأمور الَّتي ذكرها الآلوسي يحتاج إليها الداعي دون استثناء، فكلّ ما حوته هذه الآيات من سورة هود من المعاني الَّتي تتعلّق بالداعي والمدعوين لا غنى للدعاة عنها اليوم، فلا ينبغي لداع أن يخالف ما يدعو إليه من البرّ ولا ينبغي له أن يريد إِلَاّ إصلاح نفسه وإصلاح من يدعوهم حسب استطاعته وليكن في ذهنه أنّ التوفيق بيد الله وأَنَّه هو لا يملك إِلَاّ مجرد الإرشاد والتوجيه وبيان طريق الخير وطريق الشر، أمّا الهداية الخاصة فلا يملكها إِلَاّ الله (، كما يجب عليه التوكل على الله وحده، والإنابة إليه بالتوبة النصوح، ويحذرهم من أن يحملهم خلافه إلى أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم المكذبة للدعاة، ثُمَّ يأمرهم بالاستغفار من الذنوب، والتوبة إلى الله جلّ وعلا، ويرغبهم في ذلك بأن يخبرهم بأن الله رحيم بعباده يقبل توبة من تاب إليه، ودود كثير الود والمحبة فيحب من يتوب ويرجع إليه.

المبحث الثامن: ما احتوت عليه الآيات الآتية من سورة هود

(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ((1) .

(1) الآيات 112 115 من سورة هود.

ص: 304

لا شكّ أن هذا تعليم من الله جلّ وعلا لنبيه سيّد الدعاة أمره في هذه الآيات بالاستقامة هو ومن تاب معه من المؤمنين، ونهاهم عن الطغيان، وأخبرهم أَنَّه جلّ وعلا عليم بما يعملونه محذّرًا لهم من أن يعملوا عملاً يخالف شرعه تعالى، ثُمَّ نهاهم عن الركون إلى الظلمة وأخبرهم أن ذلك سبب في مساس النار لهم، ثُمَّ أمره تعالى بإقامة الصلاة طرفي النهار، يعني الصبح في أوّله والظهر والعصر في آخره، وزلفًا من الليل أي من ساعات من الليل أي المغرب والعشاء، وعليه تكون الآية اشتملت على التوقيت للصلوات الخمس، ثُمَّ أخبر أن الحسنات أي فعل الطاعات يكون سببًا في تكفير السيئات، ثُمَّ أمره بالصبر على تحمّل المشاق في سبيل دعوته وأخبره أَنَّه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فالله جلّ وعلا في هذه الآيات تارة يخاطب النَّبي (بصيغة الإفراد، وتارة يخاطبه مع الأمّة مع أن الخطاب له (خطاب لأمّته بلا شكّ ولا عبرة بخلاف الشافعية في ذلك وقولهم إن خطابه (لا يتناول الأمّة لاختصاص الصيغة به، أمّا الأئمة الثلاثة الآخرون فإِنَّ خطابه عليه الصلاة خطاب لأمّته عندهم مع خلاف عند المالكية في المسألة لكنه قول مرجوح، أمّا الحنابلة والحنفية فهو خطاب لهم بلا خلاف عندهم، قالوا: لأنّ أمر القدوة أمر لأتباعه عرفًا. قال صاحب مراقي السعود في أصول فقه مالك:

وما به قد خوطب النبيُّ

(

تعميمه في المذهب السنّي

فقوله: تعميمه في المذهب السني يشير إلى الخلاف الَّذي ذكرنا وأن السني هو التعميم. وتحرير المسألة في كتب أصول الفقه.

ص: 305

والحاصل أنّ الناظر في هذه الآيات يتمثل الدعوة أمامه واضحة، فلو لم يوجد لمناهج الدعوة وأساليبها إِلَاّ هذه الآيات لكانت وافية بالمقصود، فكل داع دعا إلى الاستقامة وعدم الطغيان وحذّر المدعوين عذاب الله بأن الله مراقب أعمالهم بصير بها، ثُمَّ حذّرهم من الركون إلى الظلمة والرضا بفعلهم، وأخبرهم أن فاعل ذلك مستحق لدخول النار وأَنَّه لا ولي له من دون الله وأن الله لا ينصره، ثُمَّ أمر بإقامة الصلاة كما أمر (بأن تصلى كما كان يصليها ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) (1) ، وصبر على ما يلاقيه من الأذى في سبيل دعوته إذا التزم بهذه المناهج والأساليب كفته لدعوته طيلة حياته، وإليك بعض الكلام حول الآيات:

بدأت الآيات بالأمر بالاستقامة مخاطبًا فيها ربّ العزة والجلال أفضل خلق الله وأعظمه استقامة وأتقاه لله، فلمّا أمره بالاستقامة مع علمه تعالى أَنَّه (لن ينحرف عن الطريق المستقيم علمنا أن للاستقامة شأنًا عظيمًا فينبغي للدعاة التركيز على هذه النقطة في حالة دعوتهم للمسلمين المتّقين ليعلم كلّ النّاس أَنَّه لا غنى لأحد عن الدعوة، فالعاصي يؤمر بترك المعصية، والجاهل يؤمر بالتعلم، والعاق يؤمر بالتوبة والبرور، والقاطع للرحم يؤمر بوصلها، وهكذا، والمؤمن المتقي يؤمر بالاستقامة على ما هو عليه.

ومن هنا يتبيّن لنا أن الدعوة عامة لجميع النّاس، وأن العصاة لم يكونوا أحوج إليها من الأبرار، ومما يدلك على ذلك أنك لو تتبعت آيات الاستقامة في القرآن وجدت غالبها موجّهًا للرسل عليهم صلوات الله وسلامه.

قال تعالى في آية هود: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

((2)، وقال تعالى:

(1) أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب الأذان عن مالك بن الحويرث في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة

(2)

تقدّمت الإشارة إليها.

ص: 306

(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ

((1)، وقال تعالى مخاطبًا موسى وهارون:(قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ((2)، وقال تعالى في شأن عباده المؤمنين:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ((3)، وقال تعالى في شأنهم أَيضًا:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ((4)، وقال تعالى مخبرًا عن الإنس والجن:(وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ((5) . فاتضح من استقراء القرآن أن الاستقامة على الحق مطلوبة من الأنبياء أكمل النّاس استقامة، ومطلوبة من عباد الله المؤمنين، ومطلوبة من الإنس والجن على العموم.

(1) الآية 15 من سورة الشورى.

(2)

الآية 89 من سورة يونس.

(3)

الآية 30 من سورة فصلت.

(4)

الآية 13 من سورة الأحقاف.

(5)

الآية 6 من سورة الجن.

ص: 307

فيا دعاة العصر لا تنسوا عباد الله المؤمنين من دعوتكم، واعلموا أَنَّهم محتاجون إليها، فالله جلّ وعلا يخاطب أصحاب محمَّد (الَّذين هم أكمل النّاس إيمانًا فيقول: (ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

((1)، ويقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

((2) . وهذا الأمر للمؤمنين بالإيمان هو الاستقامة بعينها، لأنّ الله حكم عليهم بالإيمان ثُمَّ أمرهم به، فمعنى ذلك: دوموا على ما أنتم عليه من الإيمان واستقيموا. قال الآلوسي عند تفسيره لآية هود هذه (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

(: والظاهر أن هذا أمر بالدوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم، وهو المتوسط بين الإفراط والتفريط، وهي كلمة جامعة لكلّ ما يتعلّق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق، فتشمل العقائد والأعمال المشتركة بينه (وبين سائر المؤمنين، والأمور الخاصة به (من تبليغ الأحكام والقيام بوظائف النبوة وتحمّل أعباء الرسالة وغير ذلك، ثُمَّ تكلّم عن شأن سورة هود ولِم ورد في الحديث أَنَّهَا شيّبته دون ذكر السور الَّتي ذكرت في أحاديث أخر معها، فقال: وذلك أن مبنى هذه السورة على إرشاده تعالى شأنه نبيّه (إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها، ولما يعتري مَن تصدّى لهذه المرتبة السَّنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه من الفوائد

) (3) .

وسأذكر إن شاء الله طرفًا من هذا في خاتمة هذا البحث.

(1) الآية 7 من سورة الحديد.

(2)

الآية 136 من سورة النساء.

(3)

انظر تفسير الآلوسي: روح المعاني: 6/345 346، المصدر السابق.

ص: 308

وفي تفسير القرطبي قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

(، الخطاب للنبي (ولغيره، وقيل: له، والمراد أمّته، قاله السُّدي، وقيل: استقم: اطلب الإقامة على الدين من الله واسْأله ذلك فتكون السين سين السؤال كما تقول: أستغفر الله: أطلب الغفران منه، والاستقامة: الاسْتمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله

، ومن تاب معك: أي استقم أنت وهم، يريد أصحابه الَّذي تابوا من الشرك ومن بعده ممّن اتبعه من أمته، قال ابن عبّاس: ما نزل على رسول الله (آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، قال: ((شيّبتني هود وأخواتها)) (1) .

وقد روي عن أَبي عبد الرَّحمن السلمي قال: سمعت أبا عليّ السَّري يقول: رأيت النَّبي (في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت: شيّبتني هود وأخواتها؟ فقال: نعم، فقلت له: ما الَّذي شيّبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله: فاستقم كما أمرت.

ولا تطغوا، نهي عن الطغيان، والطغيان: مجاوزة الحدّ، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ

((2) . وقيل: أي لا تتجبروا على أحد. اهـ (3) .

وقال ابن عطيّة: أمر النَّبي (بالاستقامة وهو عليها إِنَّما هو أمر بالدوام والثبات، وهذا كما تأمر إنسانًا بالمشي والأكل ونحوه وهو متلبّس به، والخطاب في هذه الآية للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الَّذين تابوا من الكفر، ولسائر أمّته بالمعنى (4) .

فظهر من جميع الأقوال المتقدّمة أن الاستقامة مأمور بها (، وأصحابه مأمورون، وأمّته كذلك مأمورة بها حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها.

(1) تقدّم تخريجه أوّل البحث.

(2)

الآية 11 من سورة الحاقة.

(3)

القرطبي: 9/71.

(4)

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 7/414.

ص: 309

قلت: ثبت في صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك، وفي رواية: غيرك، قال:((قل آمنت بالله فاستقم)) (1)، وفي مسند الإمام أحمد عنه أَيضًا:((قل آمنت بالله ثُمَّ استقم)) (2)، وأخرج السيوطي في الدر المنثور عن ابن أَبي حاتم وأَبي الشَّيخ عن الحسن (قال: لمّا نزلت هذه الآية: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ (، قال: شمّروا شمّروا، فما رؤي ضاحكًا. وأَخْرَجَ عنه أَيضًا قال: خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره: الطغيان في النعمة، والركون إلى الظلم، ثُمَّ تلا هذه الآية: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا

((3) .

ولنلق ضوءًا على آية الشورى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ

(. يقول أبو السعود: فلذلك أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب، أو فلأجل أَنَّه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، فادع أي النّاس كافة إلى إقامة ذلك الدين والعمل بموجبه، فإِنَّ كلاً من كفرهم وكونهم في شكّ مريب ومن شرْع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله (سببٌ للدعوة إليه والأمر بها

أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم عليه وعلى الدعوة إليه كما أمرت وأوحي إليك (4) .

(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام.

(2)

المسند: 3/413.

(3)

الدر المنثور: 3/636 637.

(4)

تفسير أَبي السعود: 8/27.

ص: 310

وقال القرطبي: قوله تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ

(أي فتبينت شكهم فادع إلى الله أي إلى ذلك الدين الَّذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به، فاللام بمعنى إلى، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ((1) أي إليها، وذلك بمعنى: هذا، والمعنى: فلهذا القرآن فادع، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع

، وقال ابن عبّاس: أي إلى القرآن فادع الخلق واستقم على أمر الله، قاله قتادة، وقيل: استقم على القرآن، قاله سفيان، وقيل: استقم على تبليغ الرسالة، قاله الضحاك (2) .

وعلى كلّ حال فالواجب على الداعي أن يدعو إلى الاستقامة على الدين، وإلى الاستقامة على القرآن، وإلى الاستقامة على شرع الله، وإلى الاستقامة على تبليغ الرسالة وإن كانت هذه الأمور متقاربة في المعنى لكنها تحتاج إلى توضيح وبيان وخصوص كلّ واحد منها بعينه لشدّة الحاجة إلى ذلك في زمننا هذا الَّذي تتنازعه الأفكار الهدامة للدين ما بين ملحد وشيوعي ويهودي ونصراني ومجوسي، ولا سلاح يقف أمام هذه التيارات المعادية للإسلام والمسلمين إِلَاّ دعوة المسلمين للتسلح بكتاب الله وسنّة رسوله (والتمسك بمبادئ الدين، والثبات عليه والاستقامة، والعض عليه بالنواجذ، وتحكيم شرع الله في أرضه وبين عباده، وعليه ينبغي أن يكون تركيز الدعوة اليوم على هذه الناحية لما لها من الأهمية البالغة. أمّا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ

(1) الآية 5 من سورة الزلزلة.

(2)

تفسير القرطبي: 16/10.

ص: 311

اسْتَقَامُوا

((1) في فصّلت والأحقاف ففيه وعد عظيم من الله جلّ وعلا بدخول الجنة وبتنزل الملائكة عليهم وبشارتها لهم بالأمن وعدم الحزن، وهذا هو غاية كلّ مؤمن، إذ كلّ مؤمن يسعى إلى أن يكون مصيره الجنّة والأمن من أهوال يوم القيامة، فيجب على الدعاة أن يجمعوا بين الترغيب والترهيب، وفي الآيتين المذكورتين من الترغيب ما لا يعلمه إِلَاّ الله (، فالرسل بعثوا مبشّرين ومنذرين، كذلك ينبغي أن يكون الدعاة يحذون حذوهم في كلّ خطوة من خطوات الدعوة. يقول الإمام الشوكاني: إنّ الَّذين قالوا ربّنا الله، أي: وحده لا شريك له، ثُمَّ استقاموا على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، قال جماعة من الصَّحابة والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله، وقال قتادة وابن زيد: استقاموا على طاعة الله، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إِلَاّ الله حتَّى ماتوا، وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله

تتنزل عليهم الملائكة من عند الله سبحانه وتعالى بالبشرى الَّتي يريدونها من جلب نفع أو دفع ضرّ أو رفع حزن. قال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث

(2) .

وفي بقيّة الآيات الَّتي ذكرنا مما تجب الدعوة إليه: إقامة الصلوات الخمس المفروضة لأنّ أقامتها هي أساس الدين، وتاركها منسلخ من الإيمان بإجماع إذا كان ذلك جحودًا، وعند الإمام أحمد ولو كان تكاسلاً مع اعترافه بوجوبها، فمن ضيّع الصلاة فهو لما سواها أضيع، لأَنَّها عمود الدين.

(1) تقدّمت الإشارة إليها.

(2)

فتح القدير: 4/515.

ص: 312

وفيها الحثّ على الصبر بأنواعه: كالصبر على الطاعات، ومن أعظمه الصبر على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، لأنّ الله يقول: (

فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ((1) ، والصبر عن المعاصي، والصبر على المصائب.

وختام الآيات قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (، فيه الترغيب في فعل الخير، فالوعد من الله لا يخلف، فهو لن يضيع لعبد من عباده أجر أي عمل ولا ينقصه من ثوابه فلن يهلك على الله إِلَاّ هالك، والكلام حول هذه الآيات كثير، وفيما ذكرنا كفاية للمنصف.

* * *

خاتمة:

نسأل الله حسنها

(1) الآية 195 من سورة آل عمران.

ص: 313

اشتمل هذا البحث المتواضع على دعوة بعض الرسل كنوح وهود وصالح وشعيب إضافة إلى دعوة نبينا محمَّد (وذلك لأنّ هذه السورة الكريمة اشتملت على مناهج وأساليب للدعوة إلى الله جلّ وعلا، فقد بدأت بتقرير أصول الدين وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، فأثبتت وجود الله ووحدانيته، وردت الشبه الَّتي كان أعداء الإسلام يثيرونها حول القرآن والرسالة والدعوة، ففرقت بين الأعمى عن دعوة الحق وبين من بصّره الله فأنار بصيرته فاستجاب لها، وقرّرت أَنَّه لا يعلم الغيب إِلَاّ الله (ومن استثناهم من رسله حيث أطلع بعض رسله على بعض غيبه، وقد ذكرت في هذا البحث تعريف الدعوة لغة واصطلاحًا، وبيّنت أن الدعوة إلى الله هي دعوة الحقّ، وأن دعوة الحقّ هي شهادة أن لا إله إِلَاّ الله، وأنّ الدعوة تطلق على الدعوة إلى هدى وإلى ضلالة، ثُمَّ بيّنت حكم الدعوة، وهل هي فرض عين أو فرض كفاية، وذكرت الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، وذكرت اختلاف العلماء في ذلك وسببه، وجمعت بين الأقوال في ذلك، وذكرت نماذج من الآيات الدالة على أن إرسال الرسل وإنزال الكتب إِنَّما هو من أجل إقامة توحيد الله في أرضه، وبيّنت أن غالب ما يستجيب لدعوة الرسل ضعاف النّاس، وأن وجهاءهم وعظماءهم يقفون أمام الدعوة، وهذه سنّة الله الَّتي لا تتغير، وذكرنا مثالاً لذلك في حديث أَبي سفيان مع هرقل ملك الروم، ثُمَّ ذكرت نبذة عن دعوة نوح وهود وصالح وشعيب، أمّا إبراهيم ولوط فإِنَّهُما ذكرا في السورة لا لبيان الدعوة وإِنّما ذكر البشارة إبراهيم بإهلاك قوم لوط أو بولده إسحاق أو بهما معًا، وأمّا لوط فإنما ذكر في السورة من أجل إخباره بإهلاك قومه وأمره بما يفعل من وسائل النجاة من العذاب، وبيّنت أَنَّه من واجب الدعاة الصبر على الأذى في تحمّل الدعوة أسوة برسل الله وأنهم لا يضرّهم عدم الاستجابة لدعوتهم لأنّ الرسل كانوا كذلك ولم يثن ذلك عزائمهم عن الاستمرار

ص: 314

في الدعوة، وبيّنت شدّة توكّل الرسل على ربهم وذكرت مثالاً لذلك وهو تحدِّي نبي الله هود لقومه، كما بيّنت أن الرسل جميعًا أخبروا أممهم بأنهم لا يطلبون منهم أجرًا مقابل تبليغ الدعوة إلى الله، وذكرت خلاف العلماء في جواز أخذ العالم الأجرة على تعليم العقائد والحلال والحرام والقرآن الكريم وذكرت أدلة الفريقين والتفصيل الَّذي ذكره شيخنا الشَّيخ محمَّد الأمين في أضواء البيان، وأثبت رسالة محمَّد (عن طريق إخبار القرآن بأنه ما كان حاضرًا نداء الله لموسى بجانب الطور ولا كان حاضرًا عندما كان زكريا وقومه يقتسمون على كفالة مريم، ولا كان حاضرًا في أهل مدين لما بعث فيهم شعيب ولكن الله أرسله وأوحى إليه ذلك كلّه، وبيّنت أن هذا النوع مما تشتد الحاجة إليه في زمننا هذا، وبيّنت أن الأوامر لرسول الله (في القرآن بالدعوة أوامر لأمّته إِمّا أن يكون الخطاب له والمراد الأمّة أو يكونوا داخلين معه في الخطاب لأنّ خطاب القدوة خطاب للأتباع إِلَاّ ما دلّ الدليل على خصوصه به كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ((1) ، كما بينت أن نبي الله شعيبًا رسم للدعاة منهجًا يسيرون عليه إلى يوم القيامة وهو أن الداعي لا ينبغي له أن يأمر بأمر إِلَاّ ويأتيه ولا ينهى عن منكر ويأتيه، وذكرت حديث الصحيحين المشتمل على الوعيد على ذلك، وذكرت نماذج واقعية من حال الرسل دلّت على أَنَّهم لا يعلمون من الغيب إِلَاّ ما علّمهم الله مثل قضية الإفك الَّتي ما كان (يعلم براءة أمّ المؤمنين منها شهرًا كاملاً حتَّى أتاه الوحي، ومثل ذبح إبراهيم العجل للملائكة يظنّهم رجالاً، وكضيق ذرع لوط بمجيئهم له يظنّهم بشرًا، وكقصة يعقوب الَّذي ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وليس بينه وبينه إِلَاّ مسافة قصيرة، ونحو ذلك، كما بيّنت أن الملائكة كذلك لا يعلمون من الغيب إِلَاّ ما علّمهم الله (قَالُوا

(1) الآية 50 من سورة الأحزاب.

ص: 315

سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ((1) ، وبيّنت أن المنهج الأساسي لدعوة الرسل واحد وهو الدعوة إلى توحيد الله وأن شرائعهم تختلف، ثُمَّ تكلّمت على الاستقامة وأنها أمر مُهِمٌّ وأن المسلمين في حاجة إلى الدعوة إلى الاستقامة لأنّ الله أمر نبيه محمَّدًا (أشد النّاس استقامة أمره بها وأمر بها موسى وهارون وبينت أن الإنس والجن لو استقاموا على الطريقة لفتح الله عليهم من بركاته وخيراته إلى غير ذلك مما احتوى عليه هذا البحث من أمور الدعوة إلى الله.

ثُمَّ إني قد وعدت أثناء البحث بالرجوع إلى علّة كون سورة هود شيّبت رسول الله (مع أني قدّمت بعض الأحاديث الَّتي نصّت على ذلك أي على أَنَّهَا شيّبته هي وأخواتها: عمّ، وإذا الشمس كوّرت، والمرسلات، إلى غير ذلك.

(1) الآية 32 من سورة البقرة.

ص: 316

قال القرطبي في مقدّمة تفسير سورة هود: قال أبو عبد الله: فالفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد وتحت كلّ شعرة منبع ومنه يعرق فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع فيبس الشعر وابيض كما ترى الزرع الأخضر بسقائه فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض، وإِنّما يبيض شعر الشَّيخ لذهاب رطوبته ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله وأهوال ما جاء به الخبر عن الله فتذبل وينشِفُ ماءَها ذلك الوعيد والهول الَّذي جاء به، فمنه تشيب، قال الله تعالى: س يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ش (1) ، فإنما شابوا من الفزع، وأمّا سورة هود فلمّا ذكر الأمم وما حلّ بهم من عاجل بأس الله تعالى فأهل اليقين إذا تلوها تراءى على قلوبهم من ملكه وسلطانه ولحظاته البطش بأعدائه فلو ماتوا من الفزع لحقّ لهم ولكن الله تبارك وتعالى اسمه يلطف بهم في تلك الأحايين حتَّى يقرؤوا كلامه، وأمّا أخواتها فما أشبهها من السور مثل الحاقة، وسأل سائل المعارج، وإذا الشمس كوّرت، والقارعة، ففي تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطانه وبطشه فتذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس، قلت: وقد قيل: إنّ الَّذي شيّب النَّبي (من سورة هود قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ((2) .

وقيل: إن سبب شيبه من سورة هود ذكر ما حلّ بالأمم السابقة فيها من العذاب فكأنّ حذره على هذه الأمّة مثل ذلك شيّبه عليه الصلاة والسلام (3)

(1) الآية 17 من سورة المزمل.

(2)

القرطبي: 9/3.

(3)

طالع المحرر الوجيز: 7/413.

المصادر والمراجع

1 -

أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق: محمد البجاوي، ط دار المعرفة، بيروت - لبنان، ت 543 هـ، 1407 هـ / 1987 م.

2 -

أضواء البيان، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ط المدني المؤسسة السعودية بمصر، 1382 هـ، ت 1393 هـ.

3 -

البداية والنهاية، لأبي الفداء الحافظ ابن كثير، ت 774 هـ، ط مكتبة المعارف، الناشر: دار ابن حزم، بيروت.

4 -

تاريخ الأمم والملوك، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت 310 هـ، ط الاستقامة.

5 -

تاج العروس من جواهر القاموس، للسيد محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق: محمود محمد الطناحي، ط حكومة الكويت.

6 -

التحرير والتنوير، تفسير محمد بن الطاهر بن عاشور التونسي، ط الدار التونسية للنشر، ت 1982 م.

7 -

تفسير ابن جرير الطبري المعروف بجامع البيان في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت 310 هـ، ط دار الحديث، القاهرة 1407 هـ / 1987 م.

8 -

تفسير أبي السعود المسمّى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لقاضي القضاة أبي السعود محمد بن محمد الحمادي، ت 951 هـ، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.

9 -

تفسير القرآن العظيم، للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، ت 774 هـ، ط دار الجيل، بيروت.

10 -

تفسير المنار، تأليف محمد رشيد رضا، ط دار المعرفة للطباعة والنشر.

11 -

تقريب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، ط دار المعرفة، بيروت.

12 -

تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، ط دار الفكر.

13 -

تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ت 370 هـ، ط الدار المصرية للتأليف والترجمة.

14 -

جمع الجوامع، لتاج الدين عبد الوهاب بن السبكي مع شرحه الضياء اللامع لابن حلولو، ت 898 هـ، تحقيق الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النمله، ط مكتبة الرشد، الرياض.

15 -

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، من مطبوعات الجامعة الإسلامية.

16 -

الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

17 -

الدعوة إلى الإسلام، للدكتور أبو زكري معاصر.

18 -

الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام جلال الدين السيوطي، ت 910 هـ، ط دار الكتب العلمية، بيروت.

19 -

الدعوة إلى الإسلام دعوة عالمية، محمد الراوي معاصر، ط دار الرشد، الرياض.

20 -

روح المعاني، تفسير العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي، ت 1227 هـ، ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، توزيع دار الباز عباس أحمد الباز.

21 -

سنن الترمذي: الجامع الصحيح، للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ت 279 هـ.

22 -

سنن أبي داود، للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن أشعث السجستاني، ت 275 هـ، تعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، ط دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.

23 -

السنن الكبرى، للإمام أبي أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ت 458 هـ.

24 -

سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي ط دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ت 275 هـ.

25 -

شرح الإمام النووي لصحيح مسلم هو الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ت 676 هـ.

26 -

صحيح الإمام البخاري، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ت 256 هـ.

27 -

صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت 261 هـ.

28 -

فتح الباري شرح صحيح البخاري، لشيخ الإسلام قاضي القضاة أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، ت 852 هـ، ط دار إحياء التراث الإسلامي.

29 -

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، ط المصطفى البابي الحلبي وأبناؤه، مصر.

30 -

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، تأليف سليمان بن عمر الشهير بالجمل، ط دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ت 1204 هـ.

31 -

قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار.

32 -

كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للمفسر المحدث إسماعيل محمد العجلوني، تحقيق: أحمد القلاش، ط مؤسسة الرسالة، ت 1162 هـ.

33 -

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود الزمخشري، ت 538 هـ، ط دار الباز عباس أحمد الباز.

34 -

لسان العرب، للإمام العلامة أبي الفضل جمال بن محمد بن مكرم الافريقي المصري، ت 711 هـ، ط دار صادر، بيروت - لبنان.

35 -

متن مراقي السعود، لعبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي في أصول الفقه، ت 1230 هـ، ط دار المنار للنشر والتوزيع.

36 -

مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، ت 241 هـ.

37 -

المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، ت 541 هـ، ط صاحب السمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر.

38 -

المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، ط دار المعرفة - بيروت - لبنان.

39 -

مع الله، لمحمد الغزالي، دراسات في الدعوة والدعاة، ط دار الكتب الحديثة بمصر.

40 -

المغني، لابن قدامة محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، تحقيق: طه بن محمد الزيني، الناشر: مكتبة القاهرة، لصاحبها علي يوسف سليمان، ت 620هـ.

41 -

المحلّى، الجلال شمس الدين محمد بن أحمد المحلى على متن جمع الجوامع لتاج الدين السبكي.

42 -

معالم السنن، للخطابي، شرح سنن أبي داود للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي، ت 388 هـ، تخريج الأستاذ عبد السلام عبد الشافي محمد، ط دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.

ص: 317

وعلى كلٍّ سورة هود ذكرت فيها أحوال الآخرة من الجنّة والنار والخلود فيهما وذُكرت فيها أحوال الأمم السابقة وما حلّ بها من الهلاك، وأمر فيها (بالاستقامة في جميع أموره، وهذا كلّه من دواعي الحزن والفزع، وذلك تشيب منه الرؤوس فهو (أرقّ النّاس فؤادًا وأخوفهم من عذابه ووعيده، وجعله الله رحيمًا بأمّته فحذره عليهم ما أصاب الأمم السابقة من الهلاك وتذكره يوم القيامة وثباته على الاستقامة كلّ ذلك من دواعي الشيب، ولا داعي لتخصيص شيبه ببعضها دون بعض والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلّم على محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ص: 318