المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحجج البينات في تفسير بعض الآيات - مجلة جامعة أم القرى ١٩ - ٢٤ - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌الحجج البينات في تفسير بعض الآيات

‌الحجج البيّنات في تفسير بعض الآيات

د. فريد مصطفى السلمان

الأستاذ المشارك في كلية الشريعة - الجامعة الأردنية - عمّان

ملخّص البحث

لقد استقيت هذا البحث من خلال قراءتي لكتب التفسير وغيرها، فوقفت عند بعض المسائل المهمّة في تفسير الآيات القرآنية، وخاصّة ما كان فيها موضع خلاف بين العلماء، في قضايا العقيدة أو مسائل الأحكام.

ونجد في هذه المسائل علماً غزيراً، إذ يدلي كلّ عالم بما لديه من قوة الحجّة والبرهان مستدلاًّ من العقل والنقل.

ففي مجال العقيدة جاءت مسألة الخلاف في القدر، وبيان وجه الحقّ فيها، وحكم مرتكب الكبيرة بين أهل السنّة والمعتزلة، ومسألة انشقاق القمر مع بيان الأدلة الدامغة القائمة بالحقّ.

وفي مجال الأحكام نجد مسألة القتال في الحرم، والخلاف بين الحنفية والشافعية في ذلك، ومسألة قتل المسلم بالكافر مع بيان أدلّة كل فريق، وردوده على الطرف الآخر، وحكم الوقف في الحيوان، وحكم القراءة خلف الإمام.

ونجد في كلّ مسألة من هذه المسائل منهجاً متكاملاً لأسلوب البحث العلمي، وطريقاً واضحاً بيّناً لكل مذهب في استدلاله على ما يعتقده ويذهب إليه.

وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

مقدمة:

لقد بيّنت الآيات الكريمة أهمية الدليل والحجة في بيان الحق وإزهاق الباطل ومن ذلك قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] .

وقد اعتمد علماء هذه الأمة الحجة والدليل في توجيه آرائهم المستنبطة من الكتاب والسنة، وقد استدل كل فريق لما ذهب إليه بما يرى أنه الحجة الدامغة وفق رأيه ومنهجه.

وكنت قبل إيراد حجة كلّ فريق أذكر محلّ الخلاف في فهم الآية القرآنية، وآراء العلماء في المسألة، ثم أعقّب على هذه الآراء ببيان الراجح منها، من خلال قوّة الحجّة والبرهان.

ص: 489

وقد كانت كل مسألة من هذه المسائل نموذجاً لطلبة العلم في طريقة فهمهم واستنباطهم، حتى يتضح وجه الحقّ جليّاً، دون اتباع للهوى أو التقليد.

تمهيد:

الحجج: جمع حجّة وهي الدليل والبرهان، وقيل ما دفع به الخصم.

وقال الأزهري: الحجّة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وإنّما سميت حجّة لأنها تحجّ، أي تُقصد. لأن القصد لها وإليها.

قال الأزهري: ومن أمثال العرب لجّ فحجّ معناه: لجّ فغلب من لاجّه بحججه. يقال: حاججته حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها (1) .

وقال الراغب الأصفهاني: الحجّة: الدلالة المبيّنة للمحَجّة أي المقصد المستقيم (2) .

قال الله تعالى: {قل فلله الحجة البالغة ( [الأنعام: 149] .

وقال تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة ( [البقرة: 150] .

ويجوز أن تطلق الحجة على ما يحتج به الخصم وإن كان باطلاً كما في قوله تعالى: {والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ( [الشورى: 16] . فسمّى الداحضة حجة.

وقال سبحانه وتعالى: {لا حجّة بيننا وبينكم ( [الشورى: 15] . أي لا احتجاج لظهور البرهان.

والمحاجّة: أن يطلب كل واحد أن يردّ الآخر عن حجته ومحجته.

قال الله عز وجل: {وحاجّه قومه قال أتحاجونّي في الله وقد هدان ( [الأنعام: 80] .

وقال سبحانه وتعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم ( [آل عمران: 66] .

وقد أكّد القرآن والسنة مشروعية المجادلة وإقامة الحجة، ومن ذلك قوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ( [البقرة: 111] .

وقد قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام: {قالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ( [هود: 33] .

وقد ذكر الله تعالى تلك المحاجّة العظيمة بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبين ذلك الكافر الذي آتاه الله الملك فقال سبحانه:) ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ( [البقرة: 258] .

ص: 490

وتحاجّ آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام فحجّ آدمُ موسى كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك بيده، أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحجّ آدم موسى"(3) .

وقد قال المزني (4) : من حقّ المناظرة أن يراد بها الله عز وجل، وأن يقبل منها ما تبيّن.

وقالوا: لا تصحّ المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة (5) .

ونلاحظ فيما سنذكره من المسائل أنّ الهدف من ذلك الوصول إلى الحق بطريق الحجة الشرعية، باعتماد الأصول المتفق عليها سواء كانت من جهة الشرع أم النقل.

وقد ضرب علماء الإسلام أروع الأمثلة في المنهجية العلمية واتباع الحق بالدليل والبرهان حتى ذكر العلماء أنه يجب على المسلم أن يكون اعتقاده عن دليل وبرهان، وإن كان لا يلزم أن يكون دليله كما هو الحال عند أهل المنطق وأصحاب علم الكلام (6) .

وقد سار الإمام فخر الدين الرازي على هذا المنهج في تفسيره فنجده يقرر مذهب الخصم تقريراً لو أراد الخصم نفسه أن يقرره لما استطاع ذلك (7) .

ثم يشرع الرازي في الردّ على هذه الأدلة بالحجة الدامغة القوية وقد عاب عليه بعض المغاربة هذا السلوك بدعوى أنّ ردوده تأتي أحياناً أضعف من الشبه التي يوردها، فقالوا: إنه يورد الشبه نقداً ويحلّها نسيئة (8) .

ويظهر لكل عاقل منصف أثر الاعتماد على الحجة والبرهان في إحقاق الحقّ، فيتم إثراء العقل والقلب بتلك الحجج النيّرة، كما يتم إحياء روح البحث العلمي بالمدارسة والمذاكرة وتلاقح الأفكار والمفاهيم.

وبالتالي فإن هذه التّهم تصبّ أخيراً في مصلحة هذا المفسّر النحرير.

أولاً: حكم القتال في الحرم

ص: 491

في قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: 191] .

وقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: 97] .

ذهب الحنفية إلى عدم جواز القتال في الحرم، وذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك منسوخ بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ( [التوبة:5] . وبقوله تعالى:) وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافّة ( [التوبة: 36] .

وذكر القاضي ابن العربي في تفسيره مناظرة في هذه المسألة فيما يلي نصّها، قال ابن العربي: وقد حضرت في بيت المقدس طهّره الله بمدرسة أبي عتبة الحنفيّ (9) والقاضي الرّيحاني (10) يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلّم سلام العلماء، وتصدّر في صدر المجلس بمدارع (11) الرّعاء، فقال له الرّيحاني: من السيّد؟ فقال له: رجل سلبه الشطّار (12) أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدّس، وأنا رجل من أهل صاغان (13) من طلبة العلم، فقال القاضي مبادرا: سلوه، على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم. ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل فيه أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال:) ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: 119] قرئ) ولا تقتلوهم ((14) ،) ولا تقاتلوهم (، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نصّ، وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلاً بيّناً ظاهراً على النهي عن القتل.

ص: 492

فاعترض عليه القاضي الرّيحاني منتصراً للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ( [التوبة: 6] ، فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عليّ عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الريحاني، وهذا من بديع الكلام (15) .

ووجه الغرابة في هذه المناظرة أن الرجل ذهب إلى موافقة الحنفية في الحكم واستدل بنقيض دليلهم. فالحنفية يرون حرمة قتل الجاني إذا دخل الحرم، ولا يجيزون القتال في الحرم إلا إذا بدأ الكفار القتال فيه (16)، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى:) ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: 97] ،وبقوله تعالى:) ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: 191] .

والحنفية يخالفون الجمهور في فهمهم لتخصيص العام فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصاً للعام أن يكون مستقلاً عن جملة العام مقارناً له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (17)، وذلك كقوله تعالى:) وأحلّ الله البيع وحرّم الربا ( [البقرة: 275] ، فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن.

ولذلك فالحنفية يعرّفون التخصيص بقولهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن (18) ، وإذا كان الدليل مستقلاً، ولكنه لم يكن مقارناً للعام، بل متراخياً عنه، فلا يسمى ذلك تخصيصاً، بل نسخاً أي رفعاً للحكم. فإذا تراخى دليل التخصيص فإنه يكون نسخاً لا تخصيصاً خلافاً لمذهب الجمهور في المسألة.

فهذا الرجل استدل برأي الجمهور في تخصيص العام (19) ووافق الحنفية في الحكم، فهو وإن وافق سائله في الحكم إلا أنه قلب عليه الاستدلال، وهذا ما دعى الإمام ابن العربي للقول: فأبهت القاضي الريحاني، لأن الريحاني كان حنفي المذهب الفقهي.

ص: 493

وقد جاء ذكر هذه المناظرة في قانون التأويل (20) لابن العربي بشكل أتمّ، حيث قال: قال مجلّي (21) في أوّل مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحلّ.

فقال له خصمه وهو حنفي المذهب لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحرمته، وقد قال سبحانه وتعالى:} ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: 97] ، وإذا قتل فيه فقد هتك حرمته وضيّع أمنته، فكيف يعصمه؟ فقال له مجلّي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يلزمني، لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احترم بحرمة الله I.

وأما قوله سبحانه وتعالى {ومن دخله كان آمنا (فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به، ودار الكلام على هذا النحو، ثم دخل علينا بمدرسة أبي عقبة الحنفي ببيت المقدس رجل ثم ذكر المناظرة كما جاءت في تفسيره أحكام القرآن.

ثم علّق على هذه المناظرة بقوله: وأعجب لبعض المغاربة (22) ، ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة أن العام ينسخ الخاص (23) إذا كان متأخراً عنه، وهذا ما قال به قطّ ولولا أن أبا حنيفة ناقض (24)، فقال: لا يبايع في الحرم ولا يكلّم ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ولا بملبس حتى يخرج منه، فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد.

ثانياً: حكم الوقوف والأحباس

في قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ( [المائدة: 103] .

ص: 494

والبحيرة: هي الناقة يشقون أذنها لتكون معلومة للناس أنها على هذه الصفة، فكانت تخلّى دون راع فلا تطرد من مرعى ولا يركبها أحد ولا تذبح ولا تباع، وقيل: إن البحيرة هي ابنة السائبة، وقيل غير ذلك. أما السائبة فتطلق على البعير أو الناقة التي تسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزلاً في سفر فتصبح مخلاة لا قيد عليها ولها نفس أحكام البحيرة.

والوصيلة: كانت في الغنم إذا ولدت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولد منها بعد ذلك للذكور دون الإناث إلا إذا كان ميتة فهم فيه شركاء.

والحام: هو الفحل من الإبل إذا انقضى ضرابه، أو إذا ركب ولد ولده، وسمّي بهذا الاسم لأنه حمى ظهره من الركوب والذبح (هذه بعض الوجوه في تفسيرها، وهناك وجوه أخرى لم نر الإطالة بذكرها)(25) .

هذا وقد ذهب الحنفية استدلالاً بالآية إلى عدم جواز الوقف إلى غير جهة معينة تقوم عليه وترعاه.

فلو سيّب حيواناً أو عقاراً فجعله سبيلا، فإن هذا يدخل فيما عابه الله على العرب، فيما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تسييب البهائم وحبس البهائم والزروع، وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأوقاف وقاسوا تسييب البهائم على عتق العبيد، ولكن الحنفية لم يسلّموا بهذا القياس، وقالوا لا معنى لأن يملك الحيوان الأعجم نفسه، لأن إهمالها يترتب عليه عدم جواز منفعتها، وهي لا تستطيع تدبير شؤون نفسها.

وأجاب الجمهور عن ذلك بأن وقف المنافع المترتبة على هذه الحيوانات قربة من القربات.

ومن صور السائبة إرسال الطيور ووضع البيض قرب طرقات المسافرين، وترك البساتين لينتفع بها الناس كافّة، ولكل من الفريقين أدلته في المسألة، وقد وقعت مناظرة بين الإمام مالك من جهة وبين القاضي أبي يوسف أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة بحضرة هارون الرشيد (26) .

ويقال إن القاضي أبا يوسف قد رجع عن موافقة صاحبه بعد وقوع هذه المناظرة.

ص: 495

وخلاصة هذه المناظرة أنه اجتمع كل من الإمام مالك والقاضي أبي يوسف بحضرة هارون الرشيد. فتكلّموا في الوقوف (27) وما يحبسه الناس، فقال القاضي أبو يوسف: هذا باطل مستدلاً بقوله تعالى:) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( [المائدة: 103] .

فقال مالك: إنما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائبة.

فأما الوقوف: فهذا وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها (28) .

وهذا وقف الزبير بن العوام رضي الله عنه حيث وقف داره بمكة ومصر وأمواله بالمدينة على أولاده (29) فأعجب الخليفة بذلك، ورجع القاضي أبو يوسف إلى رأي الجمهور.

وممّا يؤكد رأي جمهور العلماء ما جاء في بعض الروايات (30) أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: (تصدّق بثمره وحبّس أصله) وفي رواية: (احبس أصلها وسبّل ثمرتها) .

ويعقّب ابن حجر على هذه الروايات فيقول: " وأصرح من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: تصدّق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره) (31) .

وقال الترمذي: (لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين، وجاء عن شريح أنّه أنكر الحبس، وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه في ذلك جميع أصحابه إلاّ زفر.

وممّا روي عن أبي يوسف قوله: لو بلغ الحديث أبا حنيفة لرجع عن قوله في الوقف) (32) .

وذكر القرطبي إجماع الصحابة رضي الله عنهم على جواز الوقف، وقال:

(لا حجّة في قول شريح، ولا في قول أحد يخالف السنّة، وما رواه ابن لهيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما في عدم جواز ذلك فهو ضعيف لا تقوم به حجة)(33) .

ثالثاً: إثبات القدر

ص: 496

لقد ضلت بعض الفرق الإسلامية في القدر (34) فذهبوا إلى أنه لا قدر (35) وأن الإنسان يخلق فعله وفي مقدمة هؤلاء المعتزلة والرافضة، وقد أنكر عليهم بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أدركوا هذه الفتنة وقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قوله: القدرية مجوس هذه الأمة (36) . والذي عليه جمهور المسلمين إثبات القدر وأن الإيمان بالقدر خيره وشرّه من أركان الإيمان.

وسبب هذا الضلال هو سوء فهم بعض الآيات القرآنية الواردة في القدر ومن ذلك قوله تعالى:) إنّا كل شئ خلقناه بقدر ( [القمر: 49] (37) .

وقد وردت عدة آثار في ذم القائلين بالقدر منها ما أخرجه ابن ماجه في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلّموا عليهم)(38) .

وأخرج أبو داود عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. من مات منهم فلا تشهدوا جنازتهم، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، هم شيعة الدجال، وحقّ على الله أن يلحقهم بالدجال)(39) .

وهناك عدّة مناظرات في القدر، نذكر منها هذه المناظرة التي ذكرها القرطبي في تفسيره حيث قال: أحضر عمر بن عبد العزيز غيلان القدريّ (40) فقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون عليّ يا أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين: أرأيت قول الله تعالى:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ( [الإنسان: 2،3] . فقال عمر بن عبد العزيز: اقرأ يا غيلان، فقرأ حتى انتهى إلى قوله:) فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ( [الإنسان: 29] .

فقال عمر: اقرأ فقال:) وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( [الإنسان: 30] فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت – أي ما شعرت - أنّ هذا في كتاب الله قطّ.

ص: 497

فقال له عمر: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ حتى بلغ {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( [يس: 10]، فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قطّ قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب.

فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبّته، وإن كان كاذباً فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام بن عبد الملك بعدما تولّى الحكم، فقطع يديه ورجليه وصلبه.

وكان مصلوباً على باب دمشق وإذا سئل ما شأنك؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز (41) .

واختلف العلماء في سبب قتل هشام بن عبد الملك لغيلان، فيرى (ابن المرتضى الرافضي) أن هشاماً قتله، لأنه قد رآه ينادي على بيع ما في خزائنهم أيام ولاّه عليها عمر بن عبد العزيز وأنه يسبّ بني أمية، فأقسم ليقتلنّه إذا ولي هذا الأمر، فلما وليه نفّذ ما أقسم عليه وقتله، فيكون قتل هشام لغيلان سياسيّاً لا دينياً (42) . وأما بقية المؤرخين فيرون أن هشاماً قتله لقوله بالقدر. وأنه أحضر له الأوزاعي فسأله في ثلاث مسائل لم يجب غيلان على واحدة منها، فأخذه هشام وأمر به فقطعت يداه ورجلاه فمات، وقيل صُلب حيّا على باب (كيسان) بدمشق.

ويذكر ابن نباته هذه المناظرة فيقول (43) : لمّا بلغ هشام بن عبد الملك مقالة غيلان في القدر (44) أرسل إليه وسأله: يا غيلان ما هذه المقالة التي بلغتني عنك في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هو ما بلغك، فأحضر من أحببت يحاجّني، فإن غلبني ضربت رقبتي.

فأحضر الأوزاعي، فقال له الأوزاعي: يا غيلان، إن شئت ألقيت سبعاً، وإن شئت خمساً، وإن شئت ثلاثاً. فقال غيلان: ألق ثلاثاً، - أي ثلاثة أسئلة- فقال له الأوزاعي: أقضى الله على عبد ما نهى عنه؟.

قال غيلان: ما أدري ما تقول. فقال الأوزاعي: (فأمَر الله بأمر حال دونه؟) . قال غيلان: هذه أشدّ من الأولى. فقال الأوزاعي: (فحرّم الله حراماً ثم أحلّه؟) . قال غيلان: ما أدري ما تقول؟

ص: 498

فأمر به هشام فقطعت يداه ورجلاه فمات.

وهناك مناظرتان جاء ذكرهما في شرح العقيدة الطحاوية (45) . جاء في الأولى عن عمر بن الهيثم (46) . قال: خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدريّ ومجوسيّ، فقال القدريّ للمجوسيّ: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله. فقال القدريّ: إن الله يريد، ولكن الشيطان لا يريد، قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان قويّ، وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما.

أما الثانية فجاء فيها: أن أعرابياً وقف على حلقة فيها عمرو بن عبيد (47) من شيوخ المعتزلة فقال: يا هؤلاء إن ناقتي قد سرقت، فادعوا الله أن يردّها عليّ، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك، قال: ولمَ؟ قال: أخاف كما أراد أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردّها فلا تردّ.

ويروى في هذا المقام أن علياً رضي الله عنه مرّ بقدريّ، وهو يتكلم في القدر، فقال له:(أبا الله تقدر، أم مع الله أم دون الله؟) . فسكت الرجل ولم يعلم بماذا يجيب. فقال له t: (إن قلت دون الله كفرت، وإن قلت مع الله أشركت، وإن قلت بالله أصبت فقال الرجل: بالله أقدر، فقال له: لو قلت غيرها ضربت عنقك (48) .

فبهذا القول تتم البراءة من القدرية والجبرية كذلك، لأن الجبري لا يقول أقدر بالله ولا بغيره فيؤديه مذهبه إلى تعطيل الاكتساب والعبادات، ومذهب أهل الحق التوسط، يشتمل على التوحيد في الأفعال والأدب مع الفعّال (49) .

ويروى كذلك في هذا الشأن عن عليّ رضي الله عنه أن قائلاً قال له عند انصرافه من صفين: أرأيت مسيرنا إلى صفين أبقضاء وقدر؟

فقال علي رضي الله عنه: والله ما علونا جبلا ولا هبطنا واديا ولا خطونا خطوة إلا بقضاء وقدر.

فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي إذن مالي أجر.

ص: 499

فقال له علي: يا شيخ فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن قدرية هذه الأمة ومجوسها. فإن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً لم يُعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً.

فضحك الشيخ ونهض مسرورا ثم قال (50) :

يوم القيامة من ذي العرش رضوانا

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته

جزاك ربك عنّا فيه إحسانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا

ومن المناظرات في القدر ما يروى أن غيلان القدري دخل مجلساً فقال على وجه التحرش للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فأجابه ربيعة بن أبي عبد الرحمن (51) وقد فهم قصده: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

فقال غيلان القدري: أيحب ربنا أن يعصى؟

فأجابه ربيعة: أيعصى ربنا كرها (52) ؟

وتروى هذه المناظرة كذلك على أنها وقعت بين أبي اسحق الإسفراييني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكان رئيس المعتزلة في وقته حيث دخل مجلساً رأى فيه الإسفراييني فقال متحرشاً للمناظرة: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الإسفراييني: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

فقال القاضي عبد الجبار: أيريد ربنا أن يعصى؟!

فقال الإسفراييني: أيعصى ربنا كرها؟!

فقال القاضي عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟

فأجابه الإسفراييني: إن كان قد منعك ما هو لك فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فقطعه بذلك (53) .

رابعاً: معجزة انشقاق القمر

في قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ( [القمر: 1-2] .

ص: 500