الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمرو بن مسعدة الصولي
(السيرة، والتراث النثري)
دراسة أدبية
د. عبد الرحمن بن عثمان بن عبد العزيز الهليّل
الأستاذ المشارك في قسم الأدب بكلية اللغة العربية
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض
ملخّص البحث
يدور البحث حول دراسة حياة عمرو بن مسعدة وكذا دراسة أدبه النثريّ، الذي حاز به قَصَب السبق في تاريخ الأمة الأدبي.
ويتكوّن هذا البحث بعد المقدمة من:
الفصل الأول: سيرة ابن مسعدة، وفيه تحدثت عن: أسرته، واسمه، ومراحل حياته، وصفاته وأخلاقه، وعقيدته، وبلاغته، ووفاته.
الفصل الثاني: تراث ابن مسعدة النثري ّ (فنونه، وخصائصه الفنية) .
مهّد الباحث لذلك بحديث موجز عن ضياع كثير من نثره، ثم تناول بالدراسة، والتحليل، والنقد الفنونَ النثرية التي كتب فيها ابن مسعدة، وهي: الرسائل بقسميها (الديوانية، والإخوانية) والحِكَم، والتوقيعات، كما تحدّث بالتفصيل أيضاً عن أبرز خصائص نثره الفنية، سواء منها ما يتعلق بالشكل، أو ما يتعلق بالمضمون. ثم ختم البحث بخاتمة ضمّنها خلاصته، وأبرز النتائج التي توصل إليها من خلاله، ومنها:
1-
مكانة ابن مسعدة المرموقة بين كُتّاب عصره.
2-
ضياع كثير من نثره.
3-
لغته الأدبية لغة راقية، ويمثّل الإيجاز سمةً بارزة فيها.
وقد ذيّل البحث بالهوامش والتعليقات، فبثَبَت المصادر والمراجع.
• • •
المقدّمة:
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم. أما بعد:
فقد شهد العصر العباسي بمراحله المختلفة أكبر حركة أدبيّة، كان للنثر الفنّي نصيبه الواضح منها، يظهر ذلك في تنوّع فنونه، وكثرة أعلامه، وتعدّد موضوعاته، وتميّزه بسمات وخصائص فنية أهّلته لأن يكون من أرقى ما أبدعته خواطر الكتاب، وجادت به مواهبهم، وخطّته أقلامهم.
كما يُعدّ أعلامه أساتذة لهذا الفن، ورواداً له، فأصبح ما أبدعوه مَثَلاً يُحتذى، وهدفاً يُرتجى لكل من أراد لنفسه الإبداع والتفوّق، ولنثره البقاء والخلود.
ويُعدّ عمرو بن مسعدة الصولي علماً من أعلام العصر العباسي، وبلغائه، وأستاذاً من أساتذة الكتابة الفنيّة، وأحد روّادها الأجلاء، الذين كان لهم قَصَب السبق إلى ترسّم أصولها، وقواعدها الفنيّة؛ مما جعل نثره، وما سطّره يراعه من النصوص العربية البليغة، والأساليب الفصيحة موضع تقدير، وعناية، واهتمام من لدن علماء البلاغة، وأساتذة النقد الأوائل، وقد دفعهم ذلك إلى الاستشهاد ببعض نصوصه؛ رغبة في ضرب المثل للناشئة والمتعلمين، ومن كان فوقهم بنماذج من أروع وأبلغ النصوص الأدبية النثرية.
من أجل هذه المكانة لعمرو بن مسعدة لقي شيئًا من العناية من بعض الدارسين والنقاد في عصرنا الحاضر، فقلّما نجد دراسة تناولت النثر العربي بعامة، أو النثر العباسي بخاصّة، خَلَتْ من ذِكرٍ له ولو يسير، وإشارة إلى نثره ولو عابرة.
غير أن ذلك كله لم يفِ في نظري بحقه وهو الكاتب الذي اختصّه الخليفة المأمون (السياسي الأديب) من بين كتابه ووزرائه، فقلّده الكثير من المهام، وأناط به عدداً من الدواوين ثقة ببلاغته، وقناعة بأدبه وبَيانه، واطمئناناً إلى رجاحة عقله؛ فقد وقف كثير من تلك الدراسات عند ذِكرِه فقط، وبعضها أشار إلى حياته، وأورد بعض نثره، وحكم عليه ببعض الأحكام النقديّة غير المعلّلة، وتُعدّ دراسة الأستاذ محمد كرد علي في كتابه أمراء البيان أوفى هذه الدراسات، بل إن بعضاً مما جاء بعدها يُعدّ تابعاً لها، فهي دراسة رائدة عن هذا العَلَم من أعلام النثر الفني، غير أنها بقيت قاصرة عن الوفاء ببيان القيم والسمات الفنية لهذا النثر الذي من أجله اشتُهِر صاحبه، كما افتقدت هذه الدراسة التوثيق العلمي للنصوص التي اعتمد عليها، مما يُعدّ ضرورة في البحث العلمي بعامة وفي دراسة مثل هذه الشخصية، ونثره الذي ضاع أكثره بخاصّة.
لهذا كله توجّهت همّتي إلى دراسة هذا الموضوع ((عمرو بن مسعدة الصوليّ (السيرة، والتراث النثريّ) دراسة أدبيّة)) ،إذ لا يزال بحاجة إلى دراسة علمية مستقلة، تفصّل حياته، وتكشف عن فنون نثره وموضوعاته، وتُميط اللثام عن خصائصه وسماته الفنية، وتُبرِز أسرار تفوّقه، مما قصرت عنه تلك الدراسات، والإلماحات من لدن بعض دارسي الأدب، ونقاده، كما تضم شتات أخباره، وتلمّ ما بقي من نثره متفرقاً في المصادر، والإفادة من ذلك كله في هذه الدراسة التي أطمح أن تَفِيَ هذا الموضوع حقه من البحث العلمي الجادّ.
وقد جاء هذا البحث في فصلين:
الفصل الأول: سيرة ابن مسعدة، وفيه تحدثت عن: أسرته، واسمه، ومراحل حياته، وصفاته وأخلاقه، وعقيدته، وبلاغته، ووفاته.
أما الفصل الثاني: فهو عن تراث ابن مسعدة النثريّ (فنونه، وخصائصه الفنية) .
وقد مهدت لذلك بحديث موجز عن ضياع كثير من نثره، ثم تناولت بالدراسة، والتحليل، والنقد الفنونَ النثرية التي كتب فيها ابن مسعدة، وهي: الرسائل بقسميها (الديوانية، والإخوانية) والحِكَم، والتوقيعات، كما تحدّثتُ بالتفصيل أيضاً عن أبرز خصائص نثره الفنية، سواء منها ما يتعلق بالشكل، أو ما يتعلق بالمضمون.
ثم ختمت البحث بخاتمة ضمّنتها خلاصته، وأبرز النتائج التي توصلت إليها من خلاله، وذيّلتُ البحث بثَبَت المصادر والمراجع.
ولست أزعم أن هذا الجهد هو آخر ما يمكن أن يُبذَل، ولكن حسبي أني بذلت كل ما في وسعي، وأرجو أن أكون قد وُفِّقتُ فيه إلى الحق، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلتُ وإليه أنيب.
الفصل الأول: سيرة ابن مسعدة:
أسرتُه:
أسرة بني صول من الأسر التاريخيّة المشهورة التي كان لها إسهام بارز في بناء الحضارة الإسلامية في العصر العباسي. وتنتمي هذه الأسرة إلى صول (الجد الأكبر لها)((وكان أحد ملوك جُرْجَان، وأسلم على يد يزيد بن المهلّب بن أبي صُفْرة (1)) ) و ((انتسب إلى ولائه (2)) ) .
وكان صول هذا وفيروز ((أخوين، مَلَكا جُرْجَان، تركيان، تمجّسا، وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن أبي صُفرة جرجان أمّنَهُما، فلم يزل صول معه، وأسلم على يده حتى قُتِل معه يوم العَقْر (3)) ) .
وقد كان لهذه الأسرة شأن عظيم في تاريخ الدولة العباسية؛ وذلك بما قدّمته شخصياتها البارزة من جهود ومشاركات في شتى نواحي العلم والمعرفة، وفي بعض شؤون الحياة الأخرى. وكان من أشهر رجالاتها: عمرو بن مسعدة (ت:217هـ) وإبراهيم بن العباس (ت:243هـ) وأخوه عبد الله بن العباس، وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي (ت:335هـ) وغيرهم كثير.
وقد عقد أحد الدارسين مقارنة بين هذه الأسرة وبين أسرة البرامكة؛ لما لكل منهما من إسهامِ بارز، وشأن عظيم في تاريخ الدولة العباسية، فذكر أن ((أسرة الصوليين تشبه أسرة البرامكة في أكثر جوانب الشبه مع فروق بسيطة، ذلك أن الأسرة الأولى (ونعني بها أسرة الصوليين) تركيّة الأصل، بينما البرامكة فُرس الأصول، والأسرة الأولى غلبت عليها صفة الأدب والكتابة إذ إن جانبها الأدبي يرجح جانبها السياسي، أما الأسرة الثانية (ونعني بها البرامكة) فجانبها السياسي يرجح تاريخياً جانبها الأدبي (1) ، والأسرة الأولى كانت أسعد حظاً من حيث ختام حياة أفرادها من الأسرة الثانية التي حلّت بها النكبة المعروفة (2)) ) .
هذا بالنسبة لأسرة الصوليين بعامة، أما عائلة ابن مسعدة الخاصة فمنها أبوه مسعدة، وقد ذكر الجهشياري (ت:331هـ) ((أنه كان مولى خالد بن عبد الله القَسْري، وأنه كان يكتب لخالد، وكان بليغاً كاتباً، مات في سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل في سنة سبع (3)[217هـ] في أيام المأمون. وكان مسعدة من كتاب خالد بن برمك، ثم كتب بعده لأبي أيوب (4)(وزير المنصور) على ديوان الرسائل (5)) ) .
ويُذكَر أيضاً أن مسعدة هذا كان من الكتاب الذين حظوا بإعجاب الخليفة المنصور، وذلك حين أمر كتابه أن يكتبوا له تعظيم (6) الإسلام، فكتب مسعدة كتاباً أجاد فيه، فقال له المنصور:((حسبك يا مسعدة، اجعل هذا صدر الكتاب إلى أهل الجزيرة بالإعذار (7) والإنذار (8)) ) .
وكان لمسعدة هذا أربعة بنين: مجاشع، ومسعود، وعمرو، ومحمد (9) ، وكان عمرو أشهرهم بفضل بلاغته، وإجادته الكتابة في عصر حَظِي الكتاب فيه بكل احترام وتقدير من العامة والخاصة.
وأما مجاشع فقد عُرِفت عنه علاقته الحميمة مع الشاعر أبي العتاهية، فقد كان مجاشع صديقاً له، وكان يقوم بحوائجه كلها، ويخلص مودته، وفي مجاشع هذا يقول أبو العتاهية (10) :
علمتَ يا مُجاَشِعُ بن مَسْعدة
أنّ الشبابَ والفراغَ والجِدَة
مفْسَدةٌ للمرء أيُّ مفسَدَة
وكان مجاشع هذا مع حماد عَجْرد (الشاعر)(1) على نقيض ماكان عليه مع أبي العتاهية، قال الأصبهاني ((أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل، عن إسحاق الموصلي: أن مجاشع بن مسعدة (أخا عمرو بن مسعدة) هجا حماد عَجْرد وهو صبيّ حينئذٍ؛ ليرتفع بهجائه حماداً، فتركه حمّاد وشبّب بأمه، فقال:
رَاعتْك أُمُّ مُجاشِعٍ
بالصّدِّ بَعْدَ وِصَالِها
واستبدلتْ بكَ والبلا
ءُ عَليكَ في استبدالِها
جِنّيّةٌ من بَربَرٍ
مشهورةٌ بجمالِها
فحرامُها أَشْهى لنا
ولها مِن اسْتِحْلالِها
فبلغ الشعر عمراً بن مسعدة، فبعث إلى حماد صِلَةٍ، وسأله الصفح عن أخيه، ونال أخاه بكل مكروه، وقال له: ثَكِلَتْكَ أمُّك، أتتعرّض لحماد وهو يناقف (2) بشاراً ويقاومه! والله لو قاومته لما كان لك في ذلك فخر، ولئن تعرّضت له ليهتكنّك وسائر أهلك، وليفضَحَنَا فضيحةً لا نغسلها أبداً (3)) ) .
وأما مسعود ومحمد فلم تسعفني المصادر التي اطلعت عليها بشيء من أخبارهما؛ ولعل ذلك راجع إلى ضعف شأنهما، وعدم خطرهما.
ولعمرو ابنٌ اسمه محمد، وقد ذكر أن أباه لم يقل من الشعر إلا بيتاً واحداً (4) .
اسمه:
هو أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن صول بن صول، وهو ابن عم إبراهيم ابن العباس بن محمد بن صول بن صول (5) .
وفي الوفيات (6) : هو عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صُول
…
وقد ذكر الذهبي أنه عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول
…
(7) .
والاختلاف بين هذه الروايات في اسم جدّه واضح، وقد وقفت عند هذه الروايات محاولاً الترجيح بينها، فلم يتوفر لديّ من الأدلة المقنعة ما يدفعني إلى ذلك.
ويقال له: الصولي نسبة إلى جدّه صول وهو جرجاني الأصل، وأصل ((صول من بعض ضِياع جرجان، ويقال لها:جُول (8)) ) .
حياته:
لا أعلم على وجه التحديد سنة ولادة ابن مسعدة، شأننا في ذلك شأننا مع كثير من الأعلام؛ لعدم توفر المعلومات الخاصّة بهذا الموضوع، إذ يبقى الشخص كغيره من الناس مجهولاً أو مغموراً أول ما يفتح عينيه على الدنيا، ثم يعلو شأنه، وينبه أمره، فتتجه إليه الأنظار وقد تجاوز مرحلة من مراحل العمر، لم تحظ في الغالب بالاهتمام والتسجيل من لدن مؤرخي عصره، وشهوده.
كما أنني لم أقف على شيء من تفاصيل حياته المبكّرة، وعلى الرغم من ذلك فمن المرجّح أنه عاش في كنَف والده (مسعدة بن صول) الكاتب المعروف ببلاغته وقوة بيانه، وأنه حظي منه بتربية حسنة، ورعاية جيدة لمواهبه وقدراته الفنية؛ مما كان له أثر بيّن في إعداده وتهيئته؛ ليكون في قائمة كتاب الدواوين البارزين، الذين حظوا بإعجاب العامة والخاصة، وتقديرهم.
وأول ماظهر لنا ابن مسعدة في زمن البرامكة، حيث كانت لهم صولة وجولة في عهد الرشيد (170هـ=193هـ) ، قبل أن يقلب لهم ظهر المجن، فقد كان عمرو من المقرّبين لدى جعفر بن يحيى البرمكي (1) ، ومن الكُتّاب بين يديه، كما يحدّثنا عن ذلك بقوله: ((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي
…
(2)) ) .
وبعد أن أَفَلَتْ شمس البرامكة، وبَزَغتْ شمس بني سهل في ظل الخليفة المأمون، نرى ابن مسعدة متصلاً بالفضل بن سهل، المدبّر لشؤون المأمون حين كان يحكم من مرو الولايات الشرقية، وظلا جميعاً في مرو حتى سنة: 202هـ، ثم غادراها إلى بغداد وفي الطريق قُتِل الفضل (3) ، ومضى عمرو إلى بغداد، لينعم فيها بأفضل عيش، وأكرم مقام في ظل الخليفة المأمون، الذي أدناه منه، وقربه إليه.
ويتقدّم به العمر فَيَلي فارس وكرمان للمأمون (1) ، ويستخدمه في بعض شؤون دولته ومن بينها ديوان الخاتم والتوقيع والأزمّة، وهكذا يعظم شأنه ويزداد خطره في هذا العصر، ويصبح له من الأمر والنهي ما جعل الرواة يختلفون في تبيّن أمره، فمنهم من يرى أنه كان وزيراً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ومنهم من ينفي ذلك ويرى أنه لم يتجاوز أن يكون كاتباً.
فالمسعودي (ت:346هـ) يذكر ((أن المأمون استوزر الفضل بن سهل ثم أخاه الحسن بن سهل. فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل ولزِم منزله، عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم، فاستوزرهم واحداً بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد (2) ، ثم أحمد بن يوسف (3) ، ثم أبو عباد ثابت بن يحي (4) ، وعمرو بن مسعدة بن صول، وكان يجري مجراهم ولا يعدّه كثير من الناس في الوزراء، قال: ولم يكن يسمى بين يديْ المأمون أحد من كتابه وزيراً، ولا يكاتب بذلك (5)) ) .
ويرى ياقوت (6) أن بعض الشعراء سماه وزيراً؛ لعظم منزلته لا لأنه كان وزيراً، وهو قوله:
لَقدْ أَسْعَدَ اللهُ الوزيرَ ابنَ مَسْعدهْ وَبَثَّ لَهُ في النّاسِ شُكْراً ومَحْمَدَهْ وقد صرّح ابن مسعدة نفسه في ((خبره مع حائك الكلام)) أنه وزير، وتعاظم من المأمون أن يبعثه إلى ما يصلح أن يبعث إليه من هو دونه في المنزلة، فقال: ((وقلت في نفسي: أنا في موضع الوزارة، وقد جعلني مُستحثاً إلى عامل، ومستخرجاً، ولكن أمر الخليفة لا بد من سماعه وامتثال مرسومه
…
(7)) ) .
((ومهما كان فالرتبة التي بلغها عمرو بن مسعدة وزارة وزيادة، وكان إليه ديوان الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزمة، وسواء تقلد الوزارة أَمْ لم يتقلدها فإن العظائم التي كان يندب إليها تدل على درجة الثقة به (8)) ) .
فقد كان من شأنه ما تناقلته كتب الأدب من أخباره ومنها خبره الطويل مع حائك الكلام، وفيه أن ((عمرو بن مسعدة قال: كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم، حتى إذا نزل الرقة قال لي: يا عمرو، أما ترى الرخّجي (1) ، قد احتوى على الأهواز، وهي سلة الخبز، وجميع الأموال قبله وقد طمع فيها، وكتبي متصلة في حملها، وهو يتعلل، ويتربص بنا الدوائر.
فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأُنفِذ من يضطره إلى حمل ما عليه.
فقال: ما يقنعني هذا.
قلتُ: فيأمر أمير المؤمنين بأمره.
قال: تخرج إليه بنفسك، حتى تصفده بالحديد، وتحمله إليّ، بعد أن تقبض جميع ما في يده من أموالنا، وتنظرفي ذلك، وترتب فيه عمالاً
…
(2)) ) .
صفاته وأخلاقه:
كان عمرو هذا أبيض الوجه، أحمره؛ ولذا كان المأمون يسميه الرومي لبياضه (3) .
وإلى جانب ما تميّز به من البلاغة والفصاحة التي جعلته في مصافّ الكتاب الكبار في عصره كان على قَدْرٍ كبيرمن كريم الصفات والأخلاق الفاضلة التي أهّلته لأن يكون أحد أصفياء الخليفة (المأمون) المقربين إليه.
وكثير من هذه الشمائل والصفات لم تكن وقفاً على ابن مسعدة بل كانت شركة بين الكتاب الوزراء جميعاً، بل إنها من آكد ما اشتُرِط في وزير الخليفة وكاتبه، وقد أوضح ذلك المأمون فيما كتبه في اختيار وزير له، وفيه يقول ((إني التمستُ لأموري رجلاً جامعاً لخصال الخير، ذا عفة في خلائقه، واستقامة في طرائقه، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قُلِّد مهمات الأمور نهض فيها، يُسكته الحلم، ويُنطِقه العلم، وتكفيه اللحظة، وتغنيه اللمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أُحسِن إليه شكر، وإن ابتُلِي بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، ويسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه، وحسن بيانه (4)) ) .
وهذه الأوصاف التي أشار إليها المأمون في كتابه جمعها أحد الشعراء في وصفه بعض وزراء الدولة العباسية بها فقال
…
:
بَدِيهَتُه وفِكْرَتُهُ سَوَاءٌ
إِذَا اشتَبهتْ عَلَى النّاسِ الأمورُ
وَأَحزَمُ ما يَكونُ الدّهرَ يوماً
إِذَا أَعْيا المُشَاوِرُ والمُشِيرُ
وَصَدْرٌ فيهِ للهَمِّ اتّساعٌ
إِذا ضَاقَتْ من الهمِّ الصُّدورُ (1)
وإلى بعض هذه الصفات أشار المسعودي بقوله: ((فلم يكن الخلفاء والملوك تستوزر إلا الكامل من كتابها، والأمين العفيف من خاصّتها، والناصح الصدوق من رجالها، ومن تأمنه على أسرارها وأموالها، وتثق بحزمه، وفضل رأيه، وصحة تدبيره في أمورها (2)) ) .
وكان ابن مسعدة حسن السياسة مع وليّ نعمته الخليفة المأمون، حسن الصحبة له، لبقاً في معاملته ومداخلته، يظهر ذلك جلياً في قصة إهدائه فرساً رائعًا لما علم إعجابه به، ورغبته فيه، وذلك حين رآه ينظر إليه نظر مستحسن له، فما كان من عمروٍ إلا أن قاد الفرس إليه، وكتب إليه أبياتاً قال فيها:
هِ إِذَا عُدَّ إِمَامُ
يَا إِماماً لا يُداني
ضُلُ نقصاناً تَمَامُ
يَفضُلُ الناسَ كما يف
مِثْلُه ليس يُرامُ
قَدْ بَعَثْنَا بِجَوَادٍ
حسن سَرجٌ وَلِجَامُ
فََرسٌ يزهى به لل
ك في الفَضلِ الأنامُ
دَونَهُ الخَيلُ كَما دون
سََائرُ الجِسْمِ ظَلامُ
وَجْهُهُ صُبْحٌ ولكنْ
لى عَلَى العَبدِ حَرَامُ (3)
وكان لذكائه، وحسن سياسته للخلفاء، ولباقته في التلطف معهم، ثم لما له من حظوة عندهم ملاذاً لبعض الرجال الذين ضاقت بهم الأرض، حين غضب عليهم الخليفة، فحُرِموا من العيش في ظله الوارف، وظلوا في ترقَبٍ دائم لسطوته، وعقابه.
فقد غضب المأمون غضباً شديداً على الشاعر الخليع (الحسين بن الضحاك) وذلك لوقوفه ضدّه مع أخيه الأمين، فحاول بشتى الوسائل والسبل كسب ودّه ورضاه، فلما أعيته الحيلة، ولم يجد له إلى ذلك سبيلاً ((رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه:
أَنْتَ طَودِي مِن بين هذي الهضابِ
وَشِهَابي مِنْ دُونِ كُلّ شِهَاب
أنت ياعمرو قُوّتي وَحَياتي
ولِساني، وأنت ظُفري ونابي
أتُراني أنسى أياديَكَ البي
ضَ إذِ اْسودّ نائلُ الأصحابِ
أين عطف الكرامِ في مأقِطِ (1) الحا
جةِ يحْمُونَ حَوْزةَ الآدابِ
أين أخلاقُك الرضيَّة حالت
فيّ أم ْ أين رِقّة الكُتّابِ
أنا في ذِمّة السحابِ وأظما!
إنّ هذا لوصمةٌ في السحابِ
قُم إلى سيِّدِ البريّة عني
قَوْمةً تَسْتَجِرُّ حُْسنَ خِطَابِ
فَلَعَلَّ الإلهَ يُطفئُ عَنّي
بك ناراً عليَّ ذات التهابِ
قال: فلم يزل عمرو يلطُف للمأمون حتى أوصله إليه، وأدرَّ أرزاقه (2)) ) .
وكان الحسين هذا قد لاذ بالحسن بن سهل، وطمع في أن يصلح المأمون له، وقال قصيدة ((فاستحسنها الحسن بن سهل، ودعا بالحسين فقرّبه، وآنسه، ووصله، وخلع عليه، ووعده إصلاح المأمون له، فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه ولِما عاجل الحسن من العلة (3)) ) .
وكان ابن مسعدة ذا ذوق رفيع فقد ((كان في مجلس المأمون يقرأ عليه الرّقاع، فجاءته عطسة فردّها، ولوى عنقه، فرآه المأمون، فقال: يا عمرو، لا تفعل؛ فإن ردّ العطسة، وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعاً في العنق. فشكر له ذلك بعض ولد المهدي، وقال: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمامٍ لرعيته! فقال المأمون: وما في هذا! إن هشاماً بن عبد الملك اضطربت عمامته، فأهوى إليها الأبرش الكلبيّ؛ ليصلحها، فقال هشام: إنا لا نتخذ الإخوان خَوَلاً! فالذي فعل هشام أحسن مما فعلتُ.
فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إن هشاماً يتكلف ما طُبِعتَ عليه، ويظلم فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك كما قال النابغة الذبياني (4) :
أَلَمْ ترَ أنّ الله أعطاكَ سورَةً
تَرى كُلَّ مَلكٍ دونها يتذبذبُ
فَإِنّك شَمْسٌ والملوكُ كَوَاكِبٌ
إِذَاطلَعتْ لم يَبْدُ منهنّ كوكبُ (5)) )
هذا وغيره قد دفع المأمون إلى الاقتناع به والثقة فيه، فدل الحسن بن سهل ليتعلم منه المروءة في خبر جاء فيه: أن الحسن دخل على المأمون ((فقال له: كيف علمك بالمروءة؟ قال: ما أعلم ما يريد أمير المؤمنين فأجيبه. قال: عليك بعمرو ابن مسعدة، قال: فوافيت عمراً (وفي داره صُنّاع، وهو جالس على آجرة ينظر إليهم) فقلت: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تعلمني المروءة. فدعا بآجرة فأجلسني عليها، وتحدثنا مليّاً. وقد امتلأتُ غيظاً من تقصيره بي، ثم قال: يا غلام عندك شيء يؤكل؟ قال: فقدّم طبقاًَ لطيفاً عليه رغيفان وثلاث سكرجات (1) ،في إحداهن خل، وفي الأخرى مُرّي (2) ، وفي الأخرى ملح، فأكلنا، وجاء الفراش فوضأنا، ثم قال: إذا شئت، فنهضتُ محفظاً ولم أودّعه، فقال لي: إن رأيت أن تعود إليّ في يوم مثله. فلم أذكر للمأمون شيئاً مما جرى. فلما كان في اليوم الذي وعدني لقياه، سِرتُ إليه فاستُؤذِنَ لي عليه فتلقاني على باب الدار فعانقني، وقبّل بين عينيّ، وقدمني أمامه، ومشى خلفي حتى أقعدني في الدست (3) ، وجلس بين يديّ، وقد فُرِشت الدار، وزُيّنت بأنواع الزينة، وأقبل يحدثني، ويتنادر معي إلى أن حضر وقت الطعام، فأمر فقُدّمت أطباق الفاكهة، فأصبنا منها، ونُصِبت الموائد، فقُدِم عليها أنواع الأطعمة من حارّها وقارّها، وحلوها، وحامضها، ثم قال: أيّ الشراب أعجب إليك؟ فاقترحت عليه. وحضر الوصائف للخدمة، فلما أردت الانصراف حمل معي جميع ما أحضر من ذهب، وفضة، وفرش، وكسوة، وقُدِّم إلى البساط فرس بمركب ثقيل فركبته، وأمر من بحضرته من الغلمان الروم والوصائف حتى سعوا بين يديّ، وقال: عليك بهم فهم لك، ثم قال: إذا زارك أخوك فلا تتكلف له، واقتصر على ما يحضرك، وإذا دعوته فاحتفِل، واحتشِد، ولا تدعنّ ممكناً، كفعلنا بك عند زيارتك إيانا، وفعلنا يوم دعوناك (4)) ) .
ففي الخبر السابق دلالة واضحة على مروءة ابن مسعدة، وتعمّقها في سلوكه، وأخلاقه، كما أن فيه دلالة على عمق فهمه لأصولها وقواعدها؛ مما دفع المأمون إلى أن يرشّحه أستاذاً معلماً إياها للحسن بن سهل على فضله، وجلالة قدره.
وعلى الرغم من الثقة الكاملة التي منحه إياها المأمون، فقد ظل معتداّ بنفسه، شديد الحِفاظ على عِرضه وسُمعته، حريصاً على كرامته من أن تُنال بسوء، أو أن يُهان من أيّ كائن كان، فيُذكر أن المأمون أرسل إليه من يستقرّه، ويحاسبه على أموال كثيرة اقتطعها من أموال الدولة، فلما اعترف بها، وحُصِّلت عليه وهبه المأمون إياها، فقال ابن مسعدة:((أما إذ تفضّل أمير المؤمنين عليّ به، فإنه واجب على أحمد بن عروة، وأشهِدُكَ أنّي قد وهبتُه له (1)) ) .
وكان من أهل الشهرة في عصره الذين سُمِّيت بعض شوارع بغداد بأسمائهم تخليداً لذكراهم، فقد سُمي أحد شوارعها باسم شارع عمرو بن مسعدة (2) .
وكان ذا يسار وغنىً، شأنه في ذلك شأن كثير من الوزراء والكتاب المحظيين لدى الخلفاء والأمراء والولاة، فقد ذُكِر له ((منزلان بمدينة السلام، أحدهما بحضرة طاق الحرّاني (والحراني هو إبراهيم بن ذكوان) ومنزل آخر فوق الجسر، وهو المعروف بساباط عمرو بن مسعدة (3)) ) .
كما عُرِف عنه أنه لما مات ((رُفِع إلى المأمون أنه خلف ثمانين ألف ألف درهم فوقّع على الرقعة: هذا قليل لِمَن اتّصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه (4)) ) .
وقد دفعه ذلك وغيره إلى أن يكون كريماً سخياً على أصحابه، وأصدقائه، ومحبيه، وقاصديه، فقد كان بينه وبين ((إبراهيم بن العباس الصولي مودة، فحصل لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة في بعض الأوقات، فبعث له عمرو مالاً، فكتب إليه إبراهيم:
أياديَ لم تُمْنن وإن هيَ جَلَّتِ
سأشكر عَمراً ما تراختْ مَنِيّتي
ولا مظهِرِ الشكوى إذا النعل زلّتِ
فتى غير محجوبِ الغِنى عن صَدِيقِه
فكانت قَذَى عَيْنَيهِ حَتى تجلَّتِ (5)) )
رأى خَلتي من حيث يخفى مكانُها
وكان حريصاً على حفظ ماء وجه سائله، رافعاً عنه الحرج، وذُلّ السؤال ((قال حميد بن بلال: وَلِيَ عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال بعض أصحابه: أيها الأمير، لو كان الحياء يظهر سؤالاً لدعاك حيائي من كرمك في جميع أهليك إلى الإقبال عليّ بما يكثر به حسد عدوي، دون أن أسألك، فقال عمرو: لا تبغِ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ونحن نغنيك عن إراقته في خوض السؤال، فارفع ما تريده في رقعة يصل إليك سراً. ففعل (1)) ) .
وهكذا يعلو ابن مسعدة ببره، وإحسانه، ويرتفع بسائل نواله وعطائه عن الذل الذي كثيراً ما لازم المسألة، وطلب الرفد من الآخرين، فيرشد سائله إلى أسلوب المسألة الذي يحقّق الغرض، دون أن يُخدَش قدر السائل، أو أن تداس كرامته.
وكان حريصاً على حسن العلاقة مع الآخرين، واصلاً لهم ((قال الحسن بن وهب: بلغ العتّابي (2) أن عمراً بن مسعدة ذكَرَه عند المأمون بسوء فقال:
قدْ كُنْتُ أَرجو أن تكون نصيري
وعلى الذي يبْغي عليَّ ظهيري
وَطَفِقْتُ آملُ ما يُرجّى سَيْبُهُ
حتّى رأيتُ تَعلُّقي بغُرورِ
فَحَفرتُ قبركَ ثُمّ قُلتُ دفنتُهُ
ونَفضتُ كفّي مِن ثَرى المقبورِ
وَرَجعتُ مُفترياً على الأملِ الذي
قد كان يَشْهَدُ لي عليكَ بِزُورِ (3)) )
كذلك عُرِف عمرو بن مسعدة بالبشاشة، وانبساط أسارير الوجه، حتى صار مضرِب المثل في ذلك، فقد ((حكى الجاحظ: أن بعض الكتاب سأل
عبد الله بن طاهر حاجة، فوعده قضاءها، وطالت أيام مطاله الإنجاز، فكتب إليه: أما بعد، فقد كان وعدك تلقاني مكتسياً بشاشة عمرو بن مسعدة، وأرى إنجازه تأخَّر تأخُّر من خُلِع عليه عُبوس أحمد بن أبي خالد
…
(4)) ) .
لهذه الصفات والخِلال الحميدة التي اتّصف بها ابن مسعدة كان محل إعجاب الخليفة كما كان محل إعجاب الأصدقاء، وغيرهم، لذا وجدنا مَنْ يشارِكه الهمّ، فيُحسّ بشِكاته حين ألمّت به، فيتمنّى بصدق، وإخلاصً لو أن العلة كانت فيه بدلا عنه:
قالوا: أبو الفضلِ مُعْتَلٌ، فَقُلتُ لهم:
نفسي الفِداءُ لهُ مِن كُلِّ مَحْذورِ
يا ليت عِلّتَهُ بي، ثُمّ إِنّ لَهُ
أجرَ العَليلِ وَأَنّي غَيرُ مَأجُورِ (1))
وتُلِمّ بأبي محمد عبد الله بن أيوب التّيْميّ (2) بعض الظروف الحَرِجة، فييمّم وجهه نحو ابن مسعدة طامعاً في نواله، مستشرفاً عونه ومساعدته له في محنته، ويهزّ أريحيّته بقصيدة تفيض بكل مشاعر الأمل، وتسيطر عليها عاطفة جياشة صادقة، مشيداً فيها بكثيرً من خلاله وصفاته، تلك القصيدة هي البائية التي يقول فيها (3) :
أَعِنِّي على بارقٍ ناضبِ
خفيٍّ كوحيِكَ بالحاجبِ
كأن تألّقه في السماء
يدا كاتبٍ أو يدا حاسِبِ
فروّى منازل تَذكارُها
يُهيّج من شوقكَ الغالبِ
غَريب يَحِنُّ لأوطانِهِ
ويبكي على عصرِه الذاهبِ
كفاك أبو الفضل عمرو الندى
مُطالَعة الأمل الكاذبِ
وصِدق الرجاءِ، وحسنِ الوفاءِ
لعمرو بن مسعدة الكاتبِ
عريض الفِناءِ، طويل البنا
ءِ، في العزِّ والشرَفِ الثّاقِبِ
بنى المُلكَ طودٌ له بيتهُ
وأهل الخلافة من غالبِ
هو المُرتَجَى لِصُروفِ الزمانِ
ومُعتَصَم الراغبِ الرّاهِبِ
جَوادٌ بما مَلَكَتْ كفّهُ
على الضيفِ والجار والصاحبِ
بِأُدم الرّكاب، ووشيِ الثّيا
بِ، والطِّرْفِ، والطَّفلةِ الكاعبِ (4)
نُؤمِّلُه لِجِسامِ الأمورِ
ونرجوه للجَلَلِ الكارِبِ
خَصيب الجِنابِ مطيرُالسحابِ
بِشِيمتهِ ليّن الجانبِ
يُروّي القَنَا من نُحورِ العِدا
ويُغرِق في الجود كاللاعبِ
إليك تبدّت بأكوارها
حراجيجُ في مهمهٍ لاحِبِ (5)
كأنّ نعاماً تَبَارى بنا
بَوَابِلِ من بَرَدٍ عاصِبِ (6)
يَرِدْنَ نَدَى كفِّكَ المُرْتَجَى
ويقضِين من حقّك الواجِبِ
ولله ما أنت من خابرٍ
بسَجلِ لقومٍ ومن خاربِ
فتسقي العدا بكؤوس الردى
وتسبق مسألة الطالبِ
وكم راغِبٍ نِلتَه بالعطا
وكم نِلتَ بالعطف من هاربِ
وتلك الخلائق أعطيتها
وفضل من المانع الواجبِ
كَسَبتَ الثناء، وكسبُ الثنا
ءِ، أفضلُ مَكسبةِ الكاسبِ
يقينُكَ يجلو سُتورَ الدُّجى
وظنّكَ يُخْبرُ بالغائبِ
فالتيميّ في قصيدته تلك يُبرِز ممدوحه (ابن مسعدة) في صورة الرجل العظيم بأخلاقه، وشمائله الفاضلة، فيذكر أنه كريم، يصدق الوعد، ويحقّق الأمل، لذا قصَدَه القاصدون، وانتجعه السائلون، وَوَرد حِياضه الطامعون في الرّفد والعطاء، وعمّ فضله الضيف والجار والصاحب، فكان لكل واحد من هؤلاء نصيبه من رعايته وفضله.
إلى جانب ذلك فهو شجاع، طالما ارتوت القنا بدماء أعدائه؛ حيث أعملها فيهم دون رحمة ولا مواربة، كما أنه صاحب رحمة وعطف على الخائفين الهاربين.
ولم أقف فيما اطّلعت عليه من أخباره عدا ما سيرد في عقيدته، على ما يسيء إلى سُمعته، أو يشنّع بخُلُق من أخلاقه إلا ما جاء عنه في رسالة ((ذم أخلاق الكتاب)) للجاحظ، حيث قال:((وسُئل ثُمامة بن أشرس (1) يوماً (وقد خرج من عند عمرو بن مسعدة) فقيل له: يا أبا معن، ما رأيت من معرفة هذا الرجل، وبلوت من فهمه؟ فقال: ما رأيت قوماً نفرت طبائعهم عن قبول العلوم، وصغُرت هِممهم عن احتمال لطائف التمييز، فصار العلم سبب جهلهم، والبيان عَلَم ضلالتهم، والفحص والنظر قائد غيّهم، والحكمة مَعدِن شُبَههم أكثر من الكتاب (2)) ) .
وهذا الحكم وإن تناول في ظاهره الكتّاب جميعهم فإن لابن مسعدة النصيب الأوفى منه؛ إذ إنه جاء مُحصّلة جلوس ثمامة عنده، ونتيجة استماعه إليه.
ولا يخفى ما في هذا القول من التحامل على الكُتّاب بعامّة، والمبالغة في ذمّهم بغير حُجّة مقنعة.
عقيدته:
إلى جانب هذه الصفات الحسنة فإننا نجد أن ابن مسعدة كان يعتقد عقيدة أهل الاعتزال، ويذهب مذهبهم في القول عن القرآن: إنه مخلوق، وهو القول الباطل الذي امتُحِن به كثير من العلماء في عصره، وكانت فتنة عظيمة لكثير من الناس، ففي رسالة الحيدة ورد ذكر عمرو، وفيها يقول لعبد العزيز بن يحيى المكّيّ (1) الذي ناظر بشر بن غياث المريسي (2) بحضرة المأمون في مسألة خلق القرآن التي قال بها بعض المعتزلة الضُّلال:((يا أيّها الرجل قد حمَلتَ نفسك على أمر عظيم، وبلغت الغاية في مكروهها، وتعرّضتَ لما لا قوام لك به من مخالفة أمير المؤمنين، وادّعيتَ ما لا يثبت لك به حُجّة على مخالفيك، وليس إلا السيف بعد ظهور الحُجة عليك. فانظر لنفسك، وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحُجّة، فلا تنفعك الندامة، ولا تُقَال لك عثرة؛ فقد رحمتك، وأشفقت عليك مما هو بك نازل، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين، وأسأله الصفح عن جرمك، وعظيم ما كان منك، إن أظهرت الرجوع عنه والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه أيده الله والجائزة، وإن كان بك مظلمة أزلتها عنك، وإن كان لك حاجة قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك فيه (3)) ) .
ويطول الحوار بين عبد العزيز هذا وبين عمرو بن مسعدة في محاولة من الأخير أن يثنيه عن عقيدته الصحيحة، ويتبع أهل الغواية والضلالة.
ففي كلام ابن مسعدة المتقدّم وغيره ممالم أورده (4) لعدم الحاجة إليه إشارة صريحة إلى ما كان يعتقده في هذه المسألة، وهو اعتقاد أهل الاعتزال، الذي استطاعوا أن يلقوه في روع الخليفة المأمون، وأن يستعدوه به على أهل السنة الذين خالفوهم في هذا الرأي.
بلاغته:
من أبرز الموضوعات الجديرة بالبحث والدراسة ما تميّز به أسلوب ابن مسعدة من بلاغة وفصاحة، حتى صار مضرِب المَثَل فيهما (1) ، وهو ما جعله بحق علماً من أعلام الكتابة في العصر العباسي.
وما من شك في أن ما اتّصف به ابن مسعدة من الفصاحة والبلاغة قد هيّأته أمور، من أبرزها ما يلي:
أولاً: ما عُرِف به أبوه مسعدة بن صول من أنه ((كان مولى لخالد بن
عبد الله القسريّ، وكان كاتباً بليغاً، ولِيَ الكتابة لخالد هذا، ثم كتب لخالد بن برمك، وكتب بعده لأبي أيوب المورياني وزير المنصور على ديوان الرسائل (2)) ) . وقد ذكر ابن النديم (3) لمسعدة كتاباً في الآداب سماه ((أدب مسعدة الكاتب)) وعدّه في بلغاء الناس العشرة (4) ، فليس غريباً على من كان أبوه كذلك أن يكون له شأو في الكتابة، وشأن في البلاغة ومن شَابَه أباه فما ظلم.
ثانياً: ثقافته الواسعة، فقد تثقّف ابن مسعدة ((ثقافة عربية وإسلامية واسعة حتى غدا لسناً فصيحاً، بل لقد غدا شاعراً ينظم الشعر، كما غدا يحسن شؤون الفقه مما يتصل بالخراج، ووقف على العلوم الرياضية وما يتصل بها من الحساب مما كان يثقفه الكُتّاب، كما وقف على آداب الفرس وكتاباتهم في السياسة والأخلاق وتدبير الحكم، وربما وقف أيضاً على شيء من الفلسفة اليونانية والحكمة الهندية (5)) ) وهي ثقافة كان يأخذ بها نفسه كل من يطمح إلى تسنّم ذروة منصب الوزارة والكتابة في هذا العصر، كما أنها ((أدوات ترشِّح الشخص لكي يعمل في الدواوين لعصره، ويتقن العمل فيها، ويظفر بما يريد من الإعجاب والترقّي في المراتب السَّنيّة (6)) ) .
ومما توفر لديَّ من أخبار ابن مسعدة يتبيّن أنه كان يجمع إلى ثقافته الأدبية ثقافة إسلامية، فقد أسند الحديث عن المأمون، كما ذكر ذلك الخطيب البغداديّ (ت:463هـ) بقوله: ((أخبرنا عبيد الله بن عبد العزيز بن جعفر البرذعي وعلي ابن أبي علي البصري والحسن بن علي الجوهري، قالوا: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق الملحمي حدثني عمارة بن وثيمة أبو رفاعة حدثنا علي بن محمد بن شبيب عن عمرو بن مسعدة قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يقول: حدثني أبي عن أبيه عن عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((علقوا السوط حيث يراه أهل البيت فإنه آدب لهم (1)) ) .
لهذين السببين وغيرهما صار ابن مسعدة ذا بلاغة وفصاحة، وقد أشاد ببلاغته كثير من، والأدباء، والوزراء، والكتاب، فقال عنه الفضل ابن سهل:((هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه (2)) ) .
وقد تحدّث عن نفسه، فقال:((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليّ، وقال: أجب عنها، فكتبت: قليل دائم خير من كثير منقطع، فضرب بيده على ظهري، وقال: أيُّ وزير في جِلدِك (3)) ) . وهذه الشهادة لعمرو بالبروز والإجادة شهادة لها قيمتها، لأن المدلي بها وهو جعفر بن يحيى صاحب خبرة ودراية، وتجربة طويلة في هذا المجال، وقد عُرِف بهذا الفن (أعني التوقيعات) وعُرف الفن به فقد كان ((يوقّع القصص بين يديْ الرشيد، ويرمي بالقصة إلى صاحبها، فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها، حتى قيل: إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار (4)) ) .
وكان الخليفة المأمون على رأس أولئك الذين أُعجبوا ببلاغة ابن مسعدة، وأشادوا ببيانه ((قال حمدون بن إسماعيل: دخلت على المأمون يوماً (وهو في بعض صحون بساتينه يمشي حافياً، وفي يده كتاب يصعّد بصره فيه، ويصوّبه) فالتفت إليّ وقال: أحسبك راعك ما رأيته! قلت: وأيّ شيء أروع لي من نظري إلى سيدي يمشي حافياً، ويقرأ كتاباً قد شغله، وأذهله، فقال لي: إنّي سمعت الرشيد يقول شيئاًلم أتوهمه يَنْسَبِكُ على حقيقته، وهو أنه قيل لبعض البلغاء: ما البلاغة؟ قال: التقرّب من المعنى البعيد، والتباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير، وهذا كتاب عمرو بن مسعدة، قد أتى في حرفين بما كان يأتي به غيره في طومار، وصف حال الجند وطاعتهم. ثم دفعه إليّ، فإذا فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومَنْ قِبَلي من أجناده وقواده من الانقياد للطاعة على أحسن ما تكون طاعة جند تأخّرت أرزاقهم، واختلّت أحوالهم، والسلام (1)) ) ، وكان من نتيجة ذلك أن ((قال المأمون: والله، لأقضيّنّ حق هذا الكلام، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر (2)) ) ، وفي بعض المصادر أن المأمون ((جعل يردّد فيه النظر ثم قال لأحمد ابن يوسف: لعلك يا أحمد فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال ألم تر يا أحمد إلى إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاء سلطانه من الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر (3)) ) .
وعدّه ابن الأبّار (4) من جملة أولئك الكتّاب الفرسان مثل ابن المقفع (ت:143هـ تقريباً) وسهل بن هارون (ت:215هـ)، والحسن بن سهل (ت:236هـ) ، وإبراهيم بن العباس (ت:243هـ) وغيرهم من الفصحاء والبلغاء ممّن اقتفوا أثر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وساروا على طريقته في القول.
هذه الطريقة هي الطريقة التي نهجها الكتاب المتقدّمون الذين كانوا ((لايحفلون بالسجع ولا يقصدونه بتّة، إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتّفق عن غير قصد ولا اكتساب، وإنما كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متناسبة، ومعانيهم ناصعة، وعبارتهم رائقة، وفصولهم متقابلة، وجمل كلامهم متماثلة (1)) ) .
وفي تولّي ابن مسعدة ديوان التوقيع، وتقليد المأمون له إياه دليل واضح على ما تميّز به على غيره من البلاغة، والفصاحة، وسعة العلم، بالإضافة إلى صفات أخرى لا بدّ من توفّرها فيمن يتولّى مثل هذا المنصب في الدولة، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون بقوله:((واعلم أن صاحب هذه الخطة (يعني التوقيع) لا بد أن يُتخيَّر من أرفع طبقات الناس وأهل المروءة والحشمة منهم، وزيادة العلم وعارضة البلاغة؛ فإنه معرّض للنظر في أصول العلم لما يعرض في مجالس الملوك، ومقاصد أحكامهم من أمثال ذلك مع ما تدعو إليه عِشرة الملوك من القيام على الآداب والتخلق بالفضائل، مع ما يُضطر إليه في الترسيل وتطبيق مقاصد الكلام من البلاغة وأسرارها (2)) ) .
وفاته:
يذكر ابن عساكر تاريخ وفاة ابن مسعدة، فيقول:((أخبرني الأزهري، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: ومات عمرو بن مسعدة في هذه السنة بأًذنة – يعني سنة سبع عشرة ومائتين (3)) ) .
وقد ذكر الذهبيّ: أنه ((توفّي سنة سبع عشرة ومائتين، وقيل: سنة خمس عشرة (4)) ) .
ومن استقراء النصوص يبدو أن ابن مسعدة كان مع المأمون في بلاد الروم حين غزاها، وأن المنية أدركته في أَذَنة (5)، وذلك في ربيع الآخر من سنة: 217هـ (6) .
وهنا تغيب عن سماء الأدب، والفكر، والسياسة، شخصية من الشخصيات البارزة في تاريخ الحركة العلمية، والأدبية في أمتنا الإسلامية العربية، بعد أن أُدرِج اسمه في قائمة الكتاب الروّاد، الذين أسهموا بشكل كبير في تطوّر النثر العربي، وتوفير العناصر والمقوّمات الفنية اللازمة لنموّه، وازدهاره.
الفصل الثاني: تراث ابن مسعدة النثري (فنونه وخصائصه)
مدخل (ضياع أدبه) :
عُرِف ابن مسعدة أديباً كاتباً كان له حظ من الشعر كما كان له حظ من النثر، فقد ذكر ابن النديم (1) أن له ولأخيه مجاشع ديواناً يبلغ خمسين ورقة، وذكر الذهبي (2) أن له نظماً جيداً، وعدّه بعضهم من أصحاب الأبيات المفردة (3) ، في حين رأى الجهشياري على ماينقل عنه الصيرفيّ (4) أنه لم يقل إلا بيتاً واحداً، وقد ورد هذا البيت في موضوع التوقيعات.
ورأي الجهشياري هذا يدفعه ما وجدت لابن مسعدة من أبيات تنقض القول: بأنه ليس له إلا بيت واحد، ثم إن هذا القول الذي ينسبه الصيرفي للجهشياري غير مذكور في كتابه ((الوزراء والكتاب)) الموجود بين أيدينا مما يدفعني إلى الشك بعض الشيء فيه؛ وحتى لو كان الصيرفيّ صادقًا فيما نسبه إلى الجهشياري، ولكنه في نسخة أخرى للكتاب لم تصلنا بعد، فإني أرجِّح ما ذكره ابن النديم، والذهبي سابقاً؛ حيث وجدت له من الشعر وإن كان قليلا ما ينقض القول: بأنه ليس له إلا بيت واحد.
ولكن للأسف لا يزال هذا الديوان وهذا النظم طيّ الضياع إلى يومنا هذا، وهو مصير آل إليه جُلّ نثره الذي حاز به قصَب السبق في الكتابة العربية، كما نال به وصف البراعة والبلاغة ممن كتب عنه قديماً وحديثاً، وسطّر اسمه في سجل الكتاب النابهين الذين نهجوا في الكتابة نهجاً، ظل سلوكه وترسُّم أصوله وقواعده هدفاً لكل من أراد التفوّق والإبداع.
وأكبر دليل على هذا الضّياع أن الدارس لا يكاد يعثر له في المصادر إلا على نُتَف يسيرة لو لم يكن له سواها لما نال هذه المنزلة وتلك الشهرة الرفيعة في مسيرة الحركة الأدبية في عصره، وما ذكره الزركلي (1) من أن لابن مسعدة في كتب الأدب كثيرًا من الرسائل والتوقيعات، رأي في نظري ليس له ما يؤيده من الواقع؛ إذ إن الباحث عن هذه الرسائل والتوقيعات له في كتب الأدب لا يعثر على ما يثبت قول الزركلي آنف الذكر.
وثَمّة أمر آخر يدفعني إلى الجزم بضياع كثير من نثره هو ما وقفت عليه من بعض حديثه عن نفسه قائلاً: ((كتبت إلى عامل دَسْتبى (2) كتاباً أطلته، فأخذه المأمون من يدي وكتب: قد كثر شاكوك فإمّا عدلتَ وإما اعتزلتَ (3)) ) .
فأين هذا الكتاب الطويل الذي كتبه فلم يعجب المأمون! قد يكون ابن مسعدة نفسه أتلفه، أو لم يظهره طالما أنه لم يحظ بإعجاب الخليفة، والنتيجة أنه قد ضاع بلا شك مع ما ضاع من تراثه.
هذا بالإضافة إلى ما ذكره ابن عبد ربه (ت:327هـ) من أن عمرًا بن مسعدة كتب إلى ضَمرة الحَروري كتاباً، فنظر فيه جعفر بن يحيى، فوقّع في ظهره: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز مقصّراً (4) . ولا زال هذا الكتاب في عداد المفقود من نثر ابن مسعدة.
إن الناظر في ما بقي بين أيدينا من أدب عمرو بن مسعدة يجزم جزماً قاطعاً بأنه قد ضاع كثيرٌ منه مع ما ضاع من تراثنا الأدبي ((والمظنون أن لو كانت جُمِعتْ له رسائله على إيجازها لكان منها ديوان كبير؛ لأنه صرف أعواماً طويلة وهو قابض على يراعته يعالج بها الموضوعات المهمة في ذاك المجتمع العظيم (5)) ) .
ولا أشك أن انشغاله بخدمة الخليفة والعمل في بلاطه كاتباً، وتحمَّله أعباء كثيرة من أعباء الدولة ((لم تترك له وقتاً يصرفه في درس خاص، أو وضع كتاب أو رسالة، وما تلقطه العلماء والأدباء من كلامه هو مما رواه له المعجبون به (1)) ) . هذا بالإضافة إلى ما نال بعض تراث الأمة بعامة من الضياع، من جرّاء ما مُنيت به من المصائب والنكبات على مدى تاريخها الطويل، وعلى وجه الخصوص من عدو دينها، وعروبتها الصليبيين الحاقدين، الذين بلغ بهم الحقد، وحب الفساد في الأرض إلى أن يرموا في البحركثيراً من التراث الفكري والعلمي والأدبي لهذه الأمة المنكوبة، حتى تغيّر لون ماء البحر الغزير بمدادِ هذا التراث الزاخر.
وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكننا من خلال ما احتفظت به بعض المصادر من نثره على قلّته أن نتبيّن بعض فنونه النثرية، والموضوعات التي تناولها، والمعاني والأفكار التي عبّر عنها.
كما يمكننا أن نتبيّن بصدق وموضوعيّة بعض السمات والخصائص والقِيَم الفنيّة التي اتسم بها نثره، من حيث المضمون والشكل.
أولاً: فنونه النثريّة:
أولاً: الرسائل:
وتنقسم قسمين هما:
1 الرسائل الديوانية:
فقد كان عمرو بن مسعدة كاتب المأمون، ولسانه إلى ولاته، وأفراد شعبه، والناطق الرسمي المتحدّث باسمه فيما يجد في الدولة من شؤون، وأحوال؛ وقد وقفت على بعض الرسائل التي كتبها على لسان أميره، ووليّ نعمته (الخليفة المأمون) .
وخير ما يمثّل لنا هذا اللون من الرسائل ما كتبه على لسان المأمون إلى نصر ابن شَبَث (2)(وكان أحد الخوارج عليه) :
((أما بعد فإنك يا نصر بن شَبَث قد عرفت الطاعة وعزها، وبرد ظلها، وطيب مرتعها، وما في خلافها من الندم والخسارة، وإن طالت مدة الله بك فإنه يُملي لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه؛ لتقع عبرة بأهلها على قدر إصرارهم واستحثاثهم. وقد رأيت إذكارك وتبصيرك لما رجوت بما أكتب إليك موقعاً منك، فإن الصدق صدق، والباطل باطل، وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يُعنَون به، ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطئك مني، فبأي أول أو آخر أو واسطة أو إمرة، إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاه الله؟ وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعاً أو ساكناً أو هادئاً فواعالم السر والجهر، لئن لم تكن للطاعة مراجعاً، وبها خانعاً لتستوبلن وخم العاقبة (1) ، ثم لأبدأنّ بك قبل كل عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تُقطَع كانت في الأرض فتنة وفساداً كبيراً، لأطأنّ بمن معي من أنصار الدولة كواهل الرعاع أصحابك، ومن تأشب من أدنى البلدان وأقاصيها وطغامها (2) وأوباشها (3) ، ومن انضوى إلى حوزتك من خُرّاب الناس، ومن لَفَظَهُ بلدُه، ونَفَتْهُ عشيرتُه لسوء موضعهم فيهم، وقد أعذر من أنذر والسلام (4)) ) .
هنا نرى الكاتب يتدرّج في خطابه لذلك الخارج عن الطاعة، فيذكِّره قيمتها، وما فيها من أمن واستقرار يحسّه الإنسان في نفسه، وما في خلافها من المصائب والويلات، ويظهر لنا من خلال تقرير هذا الحقيقة التظاهر باحترام رأي الخصم، طمعاً في إنابته ورجوعه وخضوعه دون اللجوء إلى القوة لإرجاعه.
ثم يذكّره بما امتنّ به عليه أمير المؤمنين، مما لم يحظ به من غيره، وهي منّة فيها حفظ لماله ولدينه ولنفسه من أن ينال شيئاً منها الفساد والإضرار.
ويسأله في دهشة، واستغراب، واستنكار شديد: كيف يقدم على الخروج عن طاعته، والاستقلال بالولاية عنه! ثم يتوعده وعيداً لا هوادة فيه أنه سيبدأ به، وأنه سيقضي عليه وعلى أعوانه المارقين.
من ذلك أيضاً ما ورد من أن المأمون خرج ((يوماً من باب البستان ببغداد، فصاح به رجل بَصْريّ: يا أمير المؤمنين، إني تزوجت بامرأة من آل زياد، وإن أبا الرازي (1) فرق بيننا، وقال: هي امرأة من قريش، فأمر المأمون عمرًا بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزياديّة وخلعك إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها؟ ومتى وكلتك قريش يا ابن اللخناء (2) بأن تلصِقَ بها من ليس منها؟ فخل بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سُميّة، بغيّ عاهر لا يفتخر بقرابتها، ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد الله لقد باء بأمر عظيم، إذ ادّعى إلى غير أبيه لِحَظٍّ تعجّله، ومُلكٍ قهره (3)) ) .
والموضوع هنا إنكار موقف يرى الخليفة فظاعته، وشناعته فلا يقره، ولذا فإن الرسالة جاءت قوية في عباراتها، مُرعبة للمنكَر عليه، آخذة عليه قلبه وعقله، أشبه ما تكون بسابقتها من حيث قوة الأسلوب، وبلاغة العبارة، مع ما في هذا النص من الميل السياسي، والتحامل على الأمويين ابتغاء التقرّب من العباسيين.
ويولد للحسن بن سهل مولود فيكتب عمرو بن مسعدة على لسان المأمون كتاباً (4) يهنئه فيه بمولوده الجديد فيقول:
((أما بعد: فإن هبة الله لك هبة لأمير المؤمنين، وزيادته إياك في عددك زيادة له في عدده لمحلك عنده، ومكانك من دولته، وقد بلغ أمير المؤمنين أن الله وهب لك غلاماً سرياً، فبارك الله لك فيه، وجعله باراً تقياً، مباركاً سعيداً زكياً (5)) ) .
في هذا النص يحتفل الكاتب بموضوع هذه الرسالة، فيضمنها كل معاني الغبطة، والمشاركة الصادقة في الفرحة بميلاد القادم الجديد، داعياً المولى عز وجل أن يجعله من مواليد السعادة، وأن يبارك فيه، ويرزقه البر والتقوى.
تحفل هاتان الرسالتان بكثير من عبارات الوعيد والتهديد، وقد سيطرت عليهما العاطفة الغاضبة المتأجّجة، والمشاعر الطافحة بالكره، والعزيمة على الانتقام، أما الرسالة الثالثة فقد جاءت مختلفة تماماً عن سابقتيها، فهي حديث قلب إلى قلب، وهاجس وُدّ إلى مودود، فلم يكن لابن مسعدة وهو الرجل الحصيف أن ينسى أو يغفل طبيعة العلاقة بين المأمون والحسن بن سهل، إذ كان الود بينهما على أشده، والعلاقة وثيقة، بلغت قمّتها بإصهار المأمون إلى الحسن، وزواجه بابنته بوران، فمن الطبعي إذن أن تأخذ الرسائل بينهما سبيلاً مختلفاً عما سلكته بين غيرهما.
وهكذا وبأدنى نظر فيما سبق يتبين لنا أن هذه الرسائل تتميّز بما يأتي:
أولاً: تعدّد موضوعاتها بتعدّد مَنْ وُجِّهتْ إليه، واختلاف أقدارهم عند المُرسِل، فمنها ما كان وعيداً وتهديداً، ومنها ما كان رفع مظلمة وجواب شكوى، ومنها ما كان تهنئة.
ثانياً: إحساس ابن مسعدة الصادق بأحوال الدولة، ومصالحها؛ مما جعله ينزّل نفسه منزلة من يكتب عنه وهو هنا أمير المؤمنين، فيحس إحساسه، ويشعر شعوره، فينطلق فيما يكتبه من قلبه وعقله، على الرغم من أن بعض الكتاب ((حين يخط رسالة ينفذ فيها أمر الديوان يتحدث بلسان غيره، ويتقمص شخصية أكبر منه أو مختلفة عنه، وربما كان في هذه الأوامر السلطانية ما يتنافى وطبع الكاتب، ومن الصفات ما لا يأنس له، ولا يحتفي به، ولكنه يطيع ما يؤمر به (1)) ) .
ثالثاً: البلاغة، وقوّة البيان؛ مما أكسب هذه الرسائل القدرة على التأثير، ففعلت فعلها في المتلقي والمستمع، نحو ما مرّ بنا من تعاطف المأمون مع الجند الذين تأخرت أرزاقهم، فشفع لهم الكاتب بكتاب استطاع به أن يستصدر أمراً من الخليفة، يأمر فيه بتعجيل أرزاقهم.
رابعاً: ما يحسه القارئ من التنويع في أسلوب هذه الرسائل حسب موضوعها، والموقف الذي كُتِبت فيه، فقد كان ابن مسعدة ((يكتب في شؤون الدولة بقلم كأنه السيف ما دعت الحاجة إلى الحزم، والشدة، وبقلم كأنه أنسام الصباح ما كانت المناسبة تدعو إلى الرقة والدعة (1)) ) .يظهر ذلك جلياً فيما كتبه عمرو بن مسعدة على لسان المأمون إلى نصر بن شبَث، وفيما كتبه أيضاً إلى أبي الرازي، وفيما كتبه على لسان المأمون إلى الحسن بن سهل يهنئه بمولود.
2 الرسائل الإخوانيّة:
وهي تدور حول ((مخاطبة الغائب بلسان القلم، وفائدتها أوسع من أن تُحصر من حيث إنها ترجمان الجنان، ونائب الغائب في قضاء أوطاره، ورباط الوداد مع تباعد البلاد، وطريقة المكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما (2)) ) .
وقد تناول الكُتَّاب في العصر العباسي كثيراً من الموضوعات التي تناولها الشعراء مثل النسيب، والهجاء، والمديح، والعتاب، وغيرها، وفاقوا أحياناً الشعراء في ذلك ((لأنهم نقلوا إلى النثر محاسن الشعر من الاستعارة، والتشبيه، والخيال (3)) ) هذا مع خلوّه من قيد الوزن والقافية، الذي يكبح من جماح الشاعر، ويقيّده عن الاسترسال.
وكان للمنزلة التي تبوّأها الكتاب في العصر العباسي، وما حظوا به من تقدير العامة والخاصة أثر في مزاحمة النثر الشعر في التعبير عن الموضوعات الشعرية والخواطر النفسية.
فليس غريباً إذن أن ينهج ابن مسعدة هذا المنهج، فيعبّر نثراً عن أحاسيسه، ومشاعره تجاه من تربطه بهم أواصر وُدٍّ، أو وشائج قربى.
من هذا اللون من الرسائل كتاب عمرو بن مسعدة إلى صديق له، وفيه يقول:
((وصل إليّ كتابك على ظمأ منّي إليه، وتطلّع شديد، وبعد عهد بعيد، ولوم مني على ما مسني به من جفائك على كثرة ما تابعت من الكتب، وعدمت من الجواب، فكان أول ما سبق إليّ من كتابك السرور بالنظر إليه، أنساً بما تجدد لي من رأيك في المواصلة بالمكاتبة، ثم تضاعُف المسرة بخبر السلامة، وعلم الحال في الهيئة، ورأيتك بما تظاهرت من الاحتجاج في ترك الكتاب سالكاً سبيل التخلص مما أنا مخلصك منه بالإغضاء عن إلزامك الحجة في ترك الابتداء والإجابة، وذكرت شغلك بوجوه من الأشغال كثيرة متظاهرة مملة لا أجشّمك متابعة الكتب، ولا أحمل عليك المشاكلة بالجواب، ويقنعني منك في كل شهر كتاب، ولن تُلزِم نفسك في البر قليلاً إلا ألزمت نفسي عنه كثيراً، وإن كنت لا أستكثر شيئاً منك، أدام الله مودتك، وثبّت إخاءك، واستماح (1) لي منك، فرأيك في متابعة الكتب ومحادثتي فيها بخبرك، موفّقاً إن شاء الله (2)) ) .
وهذه الرسالة من ابن مسعدة يُفهَم منها أنها جواب لرسالة وردت إليه من صاحب له، عزيزٍ عليه، وهنا يأتي حديثه عن كتاب صديقه إليه، وتعبيره عن شعوره به، حديث الغَزِل الذي يرى في وصوله إلى محبوبه غاية مُناه وآماله، والذي حظي بلقاء مالك وُدِّه بفارغ الصبر بعد طول البعاد والغياب.
وفي هذه الرسالة تمتزج أحاسيس الشوق، بأنّات الشكوى، مع رقيق العتاب على التقصير في مواصلة المكاتبة والمراسلة.
فالكاتب كما يظهر للقارئ تتنازعه مجموعة من الأفكار، التي يرى نفسه نهباً بينها، فكل واحد منها حريص على أن يظفر باهتمامه فيستولي على مجامع قلبه، ويمسك بزمام قلمه؛ ليوجّه ريشته فتخطّ ما تزاحم عليه من الهموم والأشجان، أو الأشواق والأفراح، بعد أن جاءته رسالة صاحبه، فأراد أن يجيب عليها بعميق حسّه، وصادق شعوره.
وكتب إلى أحد أصحابه المكرمين عنده: ((وأنا أحب أن يتقرّر عندك، أنّ أَمَلي فيك أبعد من أن أختلس الأمور اختلاس من يرى أن في عاجلك عوضاً من آجلك، وفي الذاهب من يومك بدلاً من المأمول في غدك (1)) ) .
وفي هذا الرسالة يؤكّد ابن مسعدة لصاحب من أصحابه ذوي الحظوة عنده طول أمله فيه، ويطمئنه علىالصلة القوية بينهما، فهو لا يتعجّل أموره ولا يبادرها مبادرة من يخاف على حاضره، أو يخشى على مستقبله.
وهكذا تظهر شخصية ابن مسعدة في رسائله الإخوانية كما ظهرت شخصية غيره من الكتاب في هذا النوع من الرسائل؛ ولا غرو في ذلك فهذا النوع من الرسائل أقدر على نقل أحاسيس الكاتب، والإفصاح عن قَسَماته النفسيّة، والكشف عن مكنونات نفسه، ولواعج قلبه. ذلك لأن الكاتب في رسائله الإخوانية ((يطلق العنان للأقلام، ويتجافى عن الكلفة، ويعدل عن الانقباض، وقد قيل: إن الأنس يُذهب المهابة، والانقباض يضيع المودّة (2)) ) .
ثانياً: الحِكَم:
الحِكم فن بارز من فنون نثر ابن مسعدة، فقد تضمنت معظم النصوص فلسفته ورأيه في الكون، والحياة، والإنسان، وجاءت في مجملها نظرات صائبة، نتيجة ثقافة، وخبرة، ونُضج تجربة ((ولعل العصر وطبيعة العصر، وما يموج فيه من أحداث، وصراع بين المتناقضات، ولعل في قرب الكاتب من الحاكم، وما يراه مفروضاً ويرفضه، وما يتمناه كائناً وهو غير كائن، وما يحلم به ولا يزال وهماً، يجعله أقرب ما يكون إلى الواعظ، أو الناصح الذي يوجّه بالقلم، ويرشد بالفكر، ويقرب الكلمة من صياغة الحكمة وشكلها (3)) ) .
وقد ساق الكاتب حِكمه في قوالب تعبيريّة موجزة أشبه بالتوقيعات، ولا غرو في ذلك فالحكمة ((أشد قرباً من فن التوقيعات، فهي أشبه ماتكون توقيعاً تمده التجربة، ويبعثه الوازع إلى النصح، والإفادة من الخبرة، وتكثيف المشورة في كلم قليل، وعبارات رصينة معبّرة، تفيد الأجيال التالية من خبرات الجيل الذي سبق وجرّب، وخبِر الحياة وشؤونها (4)) ) .
وقد جاءت حِكمه في موضوعات مهمة يأتي في مقدمتها موضوع الصداقة والصديق، والعداوة والعدو، وما يتصل بكل منهما من المعاني، والأفكار.
أما موضوع الصداقة والصديق فقد أولاه ابن مسعدة جُلّ اهتمامه؛ إيماناً منه بالأثر الكبير للقرين والمصاحب على المرء في أخلاقه، وسلوكه وفي مختلف شؤون حياته.
وهنا نراه يحثّ على اتخاذ الأصدقاء الذين يكونون في منزلة الإخوان ((عليكم بالإخوان فإنهم زينة في الرخاء وعدة للبلاء (1)) ) .
ويرى أن مايحدث للنفس بالصديق من طمأنينة، وسكينة، وأنس، وسعادة، أكثر مما يحدث لها مع معشوقها. وعبارات الود، والمحبة، والإخاء، أرقّ، وأبلغ من حديث الغزل، والصبابة، والهوى، على الرغم من رقّته البالغة، يقول ابن مسعدة في ذلك:((النفس بالصديق آنس منها بالعشيق، وغزل المودة أرقّ من غزل الصبابة (2)) ) ذلك؛ لأن الإخاء القائم على التعقل، وكرم النفس أقوى من الحب المبني على الشهوة واللذة العارضة.
ويرى أن لا بد للمرأ قبل الثقة فيمن ينوي مصاحبته، والأنس بمجالسته من امتحانه، وابتلائه، فيقول:((من لم يقدّم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندماً (3)) ) .
ولعلم الكاتب بما يعترض الصحبة والصداقة من فتور نتيجة الملل والسآمة أحياناً، وحصول بعض ما لا يرضاه أحد الصاحبين بوجه من الوجوه، وضع الكاتب جملة من التعاليم والوصايا التي تساعد على استمرار المودة والصفا بين المتآخيين، فدعا دعوة الحكيم المجرّب إلى قلة الزيارة، فقال:((قلة الزيارة أمان من الملالة (4)) ) مؤيّداً بذلك قولهم: زُرْ غبًا تزدد حباً. كما دعا إلى العتاب كدواء ناجع لما يحدث في رباط المودة والإخاء من وهن وعلل قد تودي به إلى الانقطاع، فقال:((العتاب حياة المودة (5)) ) وقال: ((ظاهر العتاب خير من باطن الحقد (6)) ) .
وفي المقابل يحذّر الكاتب من مصاحبة الأشرار، ويرى حبهم ومودتهم من أسرع الأشياء انقطاعاً ((أسرع الأشياء انقطاعاً مودة الأشرار (1)) ) وذلك؛ لأنها مبنية على شفير هارٍ، لا تثبت أمام المصاعب والشدائد؛ لأن المودّة القائمة على المصالح والمنافع العاجلة لا تدوم أبداً، ولهذا يرى أن ((إخوان السوء كشجر في النار يحرق بعضه بعضاً (2)) ) .
وهكذا نجد الكاتب يلحّ على موضوع الصداقة، والصحبة، وما يبتعد بهما عن أن ينقلبا عداوة وهجراناً، متأثراً في ذلك كغيره من الكتاب بثقافة الفرس التي أولتْ هذا الموضوع حقه من العناية والاهتمام؛ فحظي من الفلاسفة والحكماء الفرس بالنقد والدراسة، فأفسحوا له مكانًا فيما كتبوه في الفلسفة والأخلاق.
وإلى جانب هذا الموضوع نجد ابن مسعدة في حِكَمِه الموجزة، يهتم بموضوع العداوة والعدو كجزء رئيس من اهتمامه بالموضوع الأول.
وهنا يبين مابين الموضوعين من اختلاف فالعداوة تقضي على آصرة القربى، في حين تقرّب المودة بين الناس، وإن تباعدت أنسابهم ((القريب بعيد بعداوته، والبعيد قريب بمودته (3)) ) .
ويظهرالصديق في نُصحِه مؤدباً، في حين يبقى نصح العدو تأنيباً محضاً ((نصح الصديق تأديب، ونُصح العدو تأنيب (4)) ) .
وقد حثّ الكاتب في أكثر من موضع على الحذر من العدو، وأَخْذ الحيطة من مكره، وأذاه، فقال:((لا تأمنن عدوك وإن كان مقهوراً، واحذره وإن كان مفقوداً؛ فإن حد السيف فيه وإن كان مغموداً (5)) ) وقال: ((لا تتعرض لعدوك في دولته؛ فإنها إذا زالت كفتك مؤونته (6)) ) .
وقد جاءت حِكَمُه أحياناً في شكل وصية يوجهها إلى شخص معيّن، أو إلى عامة الناس، تتضمّن رأيه الصريح في موضوع من الموضوعات المهمة، من مثل ما نجد في قوليه السابقين، وفي قوله أيضاً:((لا يفسدنك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له (7)) ) .
ثالثاً: التوقيعات:
للتوقيع في اللغة معانٍ كثيرة، وهو هنا مأخوذ من قولهم: ظهر موقّع أي أصابه التوقيع وهو الدَّبَر (1) ، وبعير موقّع الظهر به آثار الدَّبَر، فكأن الموقّع في الكتاب يؤثّر في الأمر الذي كُتِب الكتاب فيه ما يؤكّده ويوجِبُه (2) .
أما في الاصطلاح فهو ((الكتابة على حواشي الرقاع والقصص بما يعتمده الكاتب من أمر الولايات، والمكاتبات في الأمور المتعلقة بالمملكة، والتحدّث في المظالم (3)) ) .وقال الأزهري: ((توقيع الكاتب في الكتاب المكتوب: أن يجمِل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة، ويحذف الفضول (4)) ) .
ويعرف الأستاذ شوقي ضيف التوقيعات بأنها: ((عبارات موجزة بليغة، تعوّد ملوك الفرس ووزراؤهم أن يوقّعوا بها على ما يقدّم إليهم من تظلمات الأفراد في الرعية وشكاواهم، وحاكاهم خلفاء بني العباس ووزراؤهم في هذا الصنيع (5)) ) .
وقد ازدهر هذا الفن في العصر الأموي، وزادت عناية الكتاب به في العصر العباسي حتى أُثِر عن جعفر بن يحيى البرمكي (ت:187هـ) قوله موصياً الكُتّابَ: ((إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا (6)) ) .
وقد أورد بعض الدارسين (7) عدداً من العوامل التي رآها سبباً في ازدهار هذا الفن في الأدب العربي، فكان مما أورده ما يأتي:
1 انتشار الكتابة، والتعلم، والتعليم.
2 حاجة الولاة إلى الردود السريعة على مكاتباتهم أو رسائلهم؛ لأهميتها، وكثرتها مع كثرة الأعباء الملقاة على عواتقهم؛ لتنوع إدارات الدولة، وشؤونها.
3 ظهور كثير من الكتاب في بلاط الخلفاء والحكام، وقدرتهم على التأنُّق في كتاباتهم.
4 اهتمام الناس بالتوقيعات، وولعهم بها، والتنافس الشديد بينهم في إجادتها.
وقد كان هذا الفن محل عناية واهتمام ابن مسعدة، وكان له في بعض نماذجه رأي ونقد، فقد قال الجاحظ ((وخبّرني جعفر بن سعيد (رضيع أيوب بن جعفر) قال: ذُكِرَتْ لعمرو بن مسعدة توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأتُ لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها، فوجدتها أجود اختصاراً، وأجمع للمعاني (1)) ) .
فكان للتوقيع نصيب مما سطّره يراعه، بل لقد سيطر بخصائصه الفنية على جلّ ما بين أيدينا من نثره، فجاء كثير من نصوصه على شكل توقيعات بليغة موجزة، وإن لم تجرِ مجراها، منها على سبيل المثال قوله:(وكان يوقِّع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليه، وقال: أجب عنها، فكتب ((قليل دائم خير من كثير منقطع (2)) ) ، وقد كان هذا التوقيع موضع إعجاب شديد من جعفر؛ مما دفعه إلى أن يضرب بيده على ظهر عمرو ويقول له:((أي وزير في جلدك؟ (3)) ) .
وقد يأتي توقيعه بيتاً من الشعر، فقد وقّع في ظهر رقعة لرجل:
أَعْزِز عَلَيَّ بأمرٍ أنتَ طَالِبُهُ
لم يمكنِ النّجْحُ فيهِ وانقضى أَمَدُه (4)
ومثل ذلك كثير في توقيعات أهل العصر وغيرهم.
ثانياً: الخصائص الفنيّة:
اللّغة:
إن القيمة الفنية لنثر ابن مسعدة تكمن في لغته، وفيما عبّر عنه من أفكار، ومضامين ذات علاقة وثيقة بالحياة. وهو ما يعني التوازن بين الشكل والمضمون الذي يُعدّ شرطاً أساساً لكل أدب يُراد له البقاء، والخلود. وهذا ما أشار إليه الجاحظ في قوله: ((
…
لا يكون الكلام يستحقّ اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك (5)) ) .
وأعان الكاتب على تحقيق هذا التوازن بعدُه عن التكلف، موفّراً بذلك قدراً كبيراً من المطابقة بين اللفظ والمعنى، تتحقّق ((بالتعبير الطبيعي الذي يترك فيه الأديب نفسه على سجيّتها السمحة دون أن يعمد إلى صنعة شاذة، أو تكلّف ممقوت، فيكون من ذلك المساواة، وصدق الأداء، وتنوّع العبارة حسب الموضوع والشخصيّة (1)) ) .
وقد أشاد الجاحظ بعناية عامة الكتاب، ورواة الأخبار، وحذاق الشعر، بالألفاظ والمعاني على حد سواء، فيما أبدعوه من أدب في قوله عنهم: إنهم ((لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيّرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكّن، وعلى السبك الجيّد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عَمَرتْها، وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحتْ للسان باب البلاغة، ودلّت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني (2)) ) .
وقد كان لعمرو بن مسعدة نصيب من الاهتمام بألفاظه، ومعانيه في ضوء الاهتمام بهذه الظاهرة عند جمهرة الكتاب.
وفي رأيي أن ما أحرزه ابن مسعدة من الظهور والتفوّق في مجال الأدب والنثر منه بخاصّة، كان مردّه في الدرجة الأولى إلى تفوّق لغته الأدبية، وامتلاكه ناصية البيان، وهو ما هيّأ له عيشة رضيّة داخل أسوار الخلافة، ومكّنه من مجالسة الخليفة نفسه، والكتابة على لسانه، والتحدّث باسمه.
وهذا أيضاً هو الذي دفعني إلى أن أخصّ لغة هذا النثر بحديث مفصّل؛ طمعاً في كشف الّلثام عن بعض خصائصه الفنية، وأسرار نُضجه، وإبداعه.
فقد اتّسمت هذه اللغة من حيث ألفاظها، وأساليبها بقيم فنيّة رفيعة، جعلت ما سطّره يراع ذلك الكاتب في قائمة الأدب البليغ الرصين، الذي دعا إلى النظر فيه بعض دارسي الأدب، ونقاده ((لِمَا في ذلك من تنقيح القريحة، وإرشاد الخاطر، وتسهيل الطرق، والنسج على منوال المُجيد، والاقتداء بطريقة المحسن، واستدراك ما فات، والاحتراز مما أظهره النقد، وردّ ما بهرجه السبك (1)) ) .
وأول ما يلفت النظر في لغة ابن مسعدة تلك الكلمات المفردة التي تألف منها نثره المسماة الألفاظ.
فقد تميّزت ألفاظه بالدّقة والوضوح، والبعد عن الغموض، مما أعطى معانيه قدراً كبيراً من الوضوح والبساطة، وعدم الإبهام، فما من شك في أن من صفات الأسلوب الجيّد الوضوح بصرف النظر عن جنس الأدب، ونوعه، عكس ما يرى الرمزيون من أن الجمال في الإبهام أكثر منه في الوضوح، وهو ما عبّر عنه بودلير بقوله: ((
…
والشعر الزائف هو الذي يتضمن إفراطاً في التعبير عن المعنى، بدلاً من عرضه بصورة مبرقعة، وبهذا يتحوّل الشعر إلى نثر (2)) ) .
ويمكننا أن نقف على هذا في كثير مما كتب نحو قوله: ((من حقوق المودة عفو الإخوان، والإغضاء عن تقصير إن كان (3)) ) وقوله وقد ذكر رجل رجلا: ((حسبك أنه خلق كما تشتهي إخوانه (4)) ) . فلا نجد وضوحاً أكثر من ذلك التعبير.
كما اتّسمت ألفاظه بالفصاحة والجزالة، مع البعد عن الغرابة، متفقة مع ما أوضحه ابن الأثير بقوله ((ولستُ أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشياً متوعّراً عليه عنجهيّة البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متيناً على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع. وكذلك لست أعني بالرقيق أن يكون سفسفاً، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية، الناعم الملمس (5)) ) .
ومن خير ما يمثّل ذلك قوله في الرسالة التي وجهها على لسان المأمون إلى نصر بن شبَث (وقد خرج عليه) : ((لأطأنّ بمن معي من أنصار الدولة كواهل الرعاع أصحابك، ومن تأشّب من أدنى البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى إلى حوزتك من خُرّاب الناس
…
(1)) ) . فهي ألفاظ كما ترى جزلة قوية، رصينة متينة، كأنما قُدّت من الحجارة، أو قِطَعِ الحديد الثقيلة، تثير في نفس المتلقي الرعب والوجل، وهما مقصودان هنا لذاتهما، فالموقف يتطلب حرباً نفسية قوية، تهزم العدو من داخله؛ ليتراجع عن المواجهة، ويستجيب وينصاع لأمر الخليفة.
هكذا حرص ابن مسعدة في جملة كتاب العصر على أن تكون ألفاظه جزلة رصينة، وهذا هو شأن معظم الكتاب الذين أشاد الجاحظ بطريقتهم في الكتابة بقوله: ((أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب؛ فإنهم قد التمسوا من الألفاظ مالم يكن متوّعراً وحشيّاً، ولا ساقطاً سوقيّاً
…
(2)) ) .
وعلى الرغم مما اتّصفت به الألفاظ من الجزالة والفخامة أحياناً، فقد كانت سهلة بعيدة عن الابتذال أحيان أخرى، وهذا ما دعا إليه الجاحظ (وهو من أرباب القلم، والبيان، والبلاغة) بقوله: ((فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقيّ والوحشيّ، ولا تجعل همّك في تهذيب الألفاظ، وشُغلَكَ في التخلّص إلى غرائب المعاني، وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسّط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه (3)) ) .
وهو أيضاً ما وصفه القاضي الجرجانيّ (ت:366هـ) وهو يحثّ على عدم التكلف، ويحض على تسهيل الأسلوب بقوله: ((فلا تظننّ أني أريد بالسمح السهل الضعيف الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخَنِث المؤنّث، بل أريد النمط الأوسط، ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدويّ الوحشيّ
…
(4)) ) .
والسهولة مع عدم الابتذال في أدب المبدعين ومنهم ابن مسعدة عنصر مهم، وقيمة من القيم الفنية، فهي الركن الرابع من أركان الكتابة، على ما ذكره ابن الأثير بقوله:((أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال، ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظاً غريبة؛ فإن ذلك عيب فاحش. بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكاً غريباً يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس (1)) ) .
وغاية ما في الأمر أن ابن مسعدة لم يلتزم نهجاً واحداً في اختيار ألفاظه، وإنما راعى مقتضى الحال، فجاءت ألفاظه على أقدار معانيه، وكانت مناسبة لموضوعات نثره، فهي ترِقُّ حيناً، وتجزل حيناً آخر، وهي في الأحوال كلها بعيدة عن الابتذال، والإغراب، والتعقيد.
وأخيراً فهي ألفاظ موحية مشعّة، تحوي في كثير منها عنصر التصوير، من مثل قوله:((العبوديّة عبودية الإخاء لا عبودية الرق (2)) ) . وهو إنما يعني ما يجب أن تكون عليه الصداقة والأخوّة من التزام بالوفاء بحق الأخوّة التزاماً يقيّد تصرّف المرء، تقييداً يشبه تقييد حرية تصرّف العبد مع سيّده، وفي ذلك قوة ومتانة، يصبح المرء معها قوي الارتباط بمن آخاه، فهو كالأسير له، لا ينفك عنه، ولا يترفّع عليه.
ومن أمثلة الألفاظ الموحية أيضاً قوله في رسالة ديوانية معبراً عن بعض صفات أتباع الخصم: ((ومن لَفَظَهُ بلدُه، ونَفَتْهُ عشيرتُه (3)) ) . ففي قوله: ((لفَظَه)) وقوله: ((نَفَتْهُ)) دلالة كبيرة على مدى الانحطاط والإسفاف الذي اتصف به أتباع ذلك الخارجي، فيكفي أنهم أفراد مطرودون من بلدانهم، منفيّون من عشائرهم، وفي ذلك أكبر ذم لهم، وتشنيع على من آزرهم وأيّدهم، أواستعان بهم.
وفي إطار اهتمام ابن مسعدة بموضوع الصداقة، ونقيضها العداوة، نجده يُعنى بموضوع الحقد، في محاولة جادة للتحذير منه، فهو مرض خطير فتّاك، ينبت من العداوة، ويقضي على كل أواصر المودة، والمحبة، ومن هنا فإن اختفاءه بين حنايا الضلوع، أشبه ما يكون بالنار الكامنة في الزناد، تنتظر أدنى قدح له لتنطلق مشتعلة ملتهبة محرقة ((كُمون الحقد في الفؤاد كَكُمون النار في الزناد (1)) ) .
هنا يتوسّل الكاتب أسلوب التصوير الفني في بيان فظاعة هذا الخُلُق، وخطورته البالغة على العلاقات الإنسانية.
وجاء البديع بأنواعه المختلفة عفوياً بعيداً عن التكلف وكان من مقومات لغة ابن مسعدة الفنية كما مر بنا في الحديث عن بلاغته وهو أمر طبعي وجدناه في كتابات ابن مسعدة، كما وجدناه في كتابات غيره من كتاب العصر، وسابقيهم ولاحقيهم، ولكن مما يُحمد لابن مسعدة هنا أن تعامله مع البديع جاء نتيجة تفاعل عفويّ مع ما يملكه من مخزون لغوي ومعرفي، أبعده عن التكلف المشين، والتصنّع المقيت، الذي يذهب برونق الكتابة، ويخلع عليها جلباب الغموض، مما جعلنا نحس على هذا النثر مسحة من الوضوح، والجمال.
ومن خير ما يمثّل لنا هذه السمة في تراث ابن مسعدة النثريّ ما جاء في رسالته إلى الحسن بن سهل، وفيها يقول:((أما بعد: فإنك ممن إذا غَرَسَ سَقى، وإِذا أَسّس بنى؛ ليستتم تشييد اُسُّه، ويجتني ثمار غرسه. وثناؤك عندي قد شارف الدروس (2) ، وغرسك مشف (3) على اليبوس، فتدارك بناءَ ما أسّستَ، وسَقْيَ ما غَرَستَ، إن شاء الله (4)) ) .فأنت تجد هنا السجع العفويّ الجميل، الذي ازدادت به هذه الرسالة جمالاً ووضوحاً. ومما يدل على عفوية هذا السجع أن الكاتب لم يقصد إلى اتفاق أكثر من فاصلتين، وأن هذا الاتفاق قد زاد المعنى وضوحًا وجلاءً، أضف إلى ذلك أنك تقرؤه فلا يمجه السمع ولا ينفر منه الذوق.
ومن البديع في كتابته أيضاً قوله في كتابٍ له (وقد أهدى فرساً) : ((بعثتُ إليكَ بِطِرْف (1) يتصرّف بالشابِ مع هواه، ويجري تحت الشيخِ على رِضاه، لم يبعثهُ (2) سوطٌ، ولم يُتعبهُ شَوطٌ (3)) ) .
فأنت ترى في هذا النص الطباق بين كل من: الشاب، والشيخ. كما ترى الجناس في كل من: يبعثه ويتعبه، وبين: سوط وشوط. كل ذلك في انسجام، وعدم تكلّف.
وقد كونت هذه الألفاظ في مجموعها أسلوباً واضحاً، رصيناً، جميلاً، يمكن أن أطلق عليه ما يسمى ب ((الأسلوب السهل الممتنع)) وهو ما عبّر عنه التوحيدي بقوله:((وفي الجملة أحسن الكلام ما رقّ لفظه، ولَطُف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم، يُطمع مشهوده بالسمع، ويمتنع مقصوده على الطبع، حتى إذا رامه مُريغ (4) حلّق، وإذا حلّق أسفّ، أعني: يبعد على المحاول بعنف، ويقرب من المتناول بلطف (5)) ) .
وينطبق هذا الوصف على أسلوب ابن مسعدة، فأنت تجد ألفاظاً واضحة المعنى، قريبة التناول، لا تستعصي في ظاهرها على أحد، وتركيبه، ونسجه ((أيسر تركيب يجري مع الطبع، كأنه في إيراده يتكلم كلامه المعتاد معرباً، ويسطره في الورق (6)) ) .
بالإضافة إلى ما تقدّّم فقد تميّزت لغة هذا النثر ببعض الظواهر الفنية البارزة، التي رأيت من الواجب الوقوف عندها بالدرس والتحليل، ومن أبرزها:
الإيجاز:
الإيجاز من أبرز سمات النثر الفني، التي حظيت باهتمام البلغاء المشهورين، والكتاب النابهين، كما حظيت باهتمام النقاد والدارسين في القديم والحديث.
وقد بيّن الجاحظ مفهوم الإيجاز مبتعداً به عن ذلك المفهوم الذي فهمه بعض النقاد والدارسين، وهو أن الإيجاز الاختصار فقال:((والإيجاز ليس يُعنى به قلة عدد الحروف واللفظ، وقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يَسَع بطن طومار (1) فقد أوجز، وكذلك الإطالة، وإنما ينبغي له أن يحذف بقدر ما لا يكون سبباً لإغلاقه، ولا يردّد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل (2)) ) .
ويرى السكاكي (ت:626هـ) أن الإيجاز ((أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط (3)) ) .
وإلى هذا المعنى ذهب ابن الأثير (ت:637هـ) منوّهاً بأهمية الإيجاز وقيمته الفنية فهو ((حذف زيادات الألفاظ وهذا نوع من الكلام شريف لا يتعلق به إلا فرسان البلاغة من سبَق إلى غايتها وما صلى، وضرب في أعلى درجاتها بالقدح المعلّى وذلك لعلو مكانه، وتعذّر إمكانه
…
فربّ لفظ قليل يدلّ على معنى كثير، وربّ لفظ كثير يدل على معنى قليل (4)) ) .
وبهذا المعنى الدقيق للإيجاز أصبح سمة بارزة على ما كتبه عمرو بن مسعدة وظاهرة من ظواهر نثره الفنية، مما حدا بالزركلي (5) أن يقول عنه:((وكان مذهبه في الإنشاء الإيجاز واختيار الجزل من الألفاظ)) .
ومن المؤكد أن هذه الظاهرة لم تأت في نثره بهذا الشكل الواضح البارز من فراغ، بل لم تكن عن عجز وعدم قدرة على الاسترسال في التعبير عن المضامين والأفكار، بل كانت سمةً مميِّزة لقدرة الكاتب الفائقة على التعبير، وسبر أغوار المعاني بقليل من الألفاظ والتراكيب، وكانت لذلك عوامل وأسباب، منها ما هو عام مشترك في كتابة عامة الكتاب الموجزين، ومنها ما هو أشبه بالخاص بابن مسعدة.
أما العوامل العامة المؤدّية للإيجاز عند ابن مسعدة وغيره فقد لخّصها أحد الدارسين (6) في ثلاثة عوامل:
1 طبيعة اللغة.
2 طبيعة الفنّ ذاته.
3 طبيعة الحياة.
ويمكنني أن أضيف إلى العوامل السابقة طبيعة الموضوع أيضاً.
أما عن طبيعة اللغة، فمن المعلوم أن المعاني والمضامين واسعة كثيرة، في حين أن الألفاظ التي نحتاجها للتعبير عن هذه المعاني محدودة معدودة، إذا قورنت بالمعاني، وفي ذلك يقول الجاحظ: ((
…
ثم اعلم حفظك الله أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ؛ لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة (1)) ) .
وابن مسعدة كغيره من الناس يتكلم، ويعبر، ويكتب عن أفكار كثيرة تمليها عليه طبيعة الحياة العامة والخاصة التي يعيشها، فهو مضطر أن يفيد من طبيعة اللغة، وما تتميّز به من خصائص، وما فيها من أسرار، أشار التوحيديّ إلىكثير منها في معرض حديثه عن الكلام البليغ بقوله:((فإن الكلام صَلِف تيّاه لا يستجيب لكل إنسان، ولا يصحب كل لسان، وخطره كثير ومتعاطيه مغرور، وله أَرَن (2) كأرَن المُهر، وإباء كإباء الحرون، وزهو كزهو الملك، وخفق كخفق البرق، وهو يتسهّل مرّة، ويتعسّر مراراً، ويذل طوراً ويعز أطواراً، ومادته من العقل، والعقل سريع الحؤول (3) ، خفيّ الخداع، وطريقه على الوهم، والوهم شديد السيلان، ومجراه على اللسان، واللسان كثير الطغيان، وهو مركب من اللفظ اللغوي والصوغ الطباعي، والتأليف الصناعي، والاستعمال الاصطلاحي، ومستملاه من الحجا ودَرْيُه (4) بالتمييز، ونسجه بالرقة والحجا في غاية النشاط (5)) ) .
أما العامل الثاني من عوامل الإيجاز فهو طبيعة الفن ذاته، فالفن ((ليس إعادةً للواقع، نسخة منه، مطابقاً له، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لزهدنا فيه، ونفرنا منه، واجتويناه، فالواقع الأصلي يغنينا خير غنى عن هذه الصورة المسخ الفاقدة المعنى الخالية من الحياة (6)) ) .
وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نستطيع أن نعدّ كل إيجاز محمود مرغوب إذ له أحوال ومواضع يحسن فيها، وله غيرها يقبح فيها، وإلى هذا أشار جعفر بن يحيى البرمكي في توقيع له إلى عمرو بن مسعدة قال فيه:((إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عِيّاً (1)) ) .
أما عن طبيعة الحياة (العامل الثالث) فما من شك في أن البيئة بطبيعتها وجوانبها المختلفة (المكانية، الزمانية، العلمية والأدبية، الاجتماعية والسياسيّة) وما تخلعه تلك على الحياة التي يعيشها الأديب، وما تصبغ به حياته من أفكار، وتدفعه إليه من سلوك، وما تشغل به وقته من أعمال وحوائج يلزمه قضاؤها، فإن لذلك كله أثره الواضح أحياناً في جذب الكاتب إلى الإيجاز، وعدم التطويل.
وأما عن طبيعة الموضوع، فما من شك في أن الموضوع يفرض نفسه على الكاتب، وتحدّد طبيعته الطريقةَ المناسبة لتناوله، وعرض أفكاره العامة، والجزئية؛ لذا أرى من أسباب الإيجاز عند ابن مسعدة وغيره ممن سار على نهجه طبيعة الموضوعات النثرية التي طرقها.
فالرسائل الإخوانية بخاصة سلكت أسلوب المراجعات، والمجاوبات، أي أنها تكون أحياناً ردّاً أو جواباً، فمطلوب فيها الإيجاز، والحِكَم أساساً تقوم على الإيجاز، وكذلك التوقيعات.
وإلى جانب هذه العوامل العامة المؤثّرة في بروز ظاهرة الإيجاز في كتابات الكتاب الموجزين والتي كان لابن مسعدة نصيب منها نجد عوامل صريحة مباشرة كان لها تأثيرها البيّن في دفعه إلى الإيجاز فيما كتبه.
فمع ما كان يذهب إليه أساطين البلاغة، وأمراء البيان في العصر من إشادة بهذا المسلك، ومن بين هؤلاء الخليفة المأمون الذي عُرِف ببيانه وبلاغته، فقد كان له تأثير كبير على ابن مسعدة فكان يحب الإيجاز، ويعجب به كما جاء في بعض مقولاته عنه، ولم يقف أثره على الإعجاب به فقط، بل كان يدعو صراحة إلى نبذ الاستطراد فقد جاء في خبر سبق (1) أن المأمون طلب منه أن يكتب إلى عامل دَسْتبى كتاباً فأطاله ابن مسعدة، فأخذه المأمون من يده، وكتب:((قد كثر شاكوك فإمّا عدلتَ، وإما اعتزلتَ (2)) ) .
كما جاء في خبر آخر عنه أن المأمون قد أمره أن يكتب لشخص كتاباً إلى بعض العمال بالوصية عليه والاعتناء بأمره وأن يكون ذلك في سطر واحد فقط (3)، فكتب له:((كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبتُ إليه، معنيّ بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله، والسلام (4)) ) .
فالمأمون فيما تقدم يحثّ ابن مسعدة، ويحضّه على الإيجاز ما أمكنه ذلك، ولم يكن عمرو (وهو الكاتب الفَطِن) بالذي يعصي لخليفته وولي نعمته أمراً، بل كان أشد التزاماً بما أُمِر به.
ومن المؤكّد أن غير المأمون من الأدباء، والبلغاء، والكتاب النابهين، من يرى هذا الرأي، ويسير على نهجه فيما تبدعه قريحته، ويخطه يراعه، وما كان إعجاب جعفر البرمكي بأحد توقيعاته، وإشادته به إلا واحداً من ذلك.
ويعدّ الإيجاز في نثر ابن مسعدة كما في نثر غيره ((من أبرز آثار التوازن بين اللفظ والمعنى، وأفضل حسناته
…
وهو توازن دقيق وحدّ وسط بين الإفصاح البالغ المسرف في ثرثرته وفضوله، وبين الغموض الكزّ الضنين بأسراره وكنوزه، ولا يلين ولا يستجيب وإن جهد الذهن في استنطاقه (5)) ) .
هكذا نجد هذه العوامل والأسباب كلها، بالإضافة إلى التزام كتاب العصر في جملتهم بالإيجاز تدفع بابن مسعدة كغيره من بلغاء عصره إلى أن يوجز في كتابته إيجازاً أصبح أبرز سمة من سمات فنّه الذي أبدع فيه، وأصبح إماماً له، وكان من أجله موضع تقدير من لدن أرباب البيان والبلاغة في عصره وبعده، فقد قال عن نفسه:((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليَّ، وقال: أجب عنها. فكتبت: قليل دائم خير من كثير منقطع. فضرب بيده على ظهري، وقال: أي وزير في جلدك؟ (1)) ) .
ويروع المأمون بيانه، ويعجبه إيجازه، وتسحره بلاغته في خبر جاء فيه: أنه ((قدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لِعِدَةٍ سلفت منه فطال على الرجل انتظار خروج أمير المؤمنين، فقال لعمرو بن مسعدة: توصل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها تكون لك عليَّ نعمتان. فكتب: إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته ويأذن له في الانصراف إلى بلده فعل إن شاء الله.
فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمراً فجعل يعجبه من حسن لفظها وإيجاز المراد.
فقال عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟
قال: الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه وبجائزة ألف درهم صلة على دناءة المطل، وسماجة الإغفال، ففعل ذلك له (2)) ) .
وقد شاع تفوقه في الإيجاز، وشهرته به، حتى صارت بعض نصوصه شواهد صالحة، وأمثلة يمثَّل بها في الدرس الأدبي والبلاغي، فقد وجدنا الخفاجي (ت:466هـ) (3) مثلاً يعدّ من ((إيجاز القصر)) ما كتبه ابن مسعدة عن المأمون إلى بعض عماله: ((كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنّى بمن كُتِب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله، والسلام (4)) ) .
وهذا الكتاب على قِصَرِه ((يصوّر المهارة العقلية التي كان يحتاجها كاتب الديوان في العصر العباسي، فهو يحتال في كتاباته، وهل في هذا الخطاب سوى الاحتيال بصورة طريفة عن الفكرة التي يريد الكاتب أن يؤديها؟ (1)) ) .
وذكر الجرجاني (ت:729هـ) أن إيجاز القصر على نوعين وكلام ابن مسعدة هذا من النوع الثاني منه ((وهو أن يؤتى بألفاظ دالّة على معنى أو معانٍ محملة إذا فُصِل أو فُصِلت صارت معانيَ كثيرة (2)) ) .
وكلام ابن مسعدة المتقدم من الإيجاز المحمود الذي عرّفه ابن خفاجة بقوله: ((هو إيضاح المعنى بأقلّ ما يمكن من اللفظ (3)) ) .
وعندما ننظر فيما بقي بين أيدينا من نثر ابن مسعدة نجده لم يخرج في إيجازه عن سَنَن الفصحاء والبلغاء، الذين استحسنوا الإيجاز في بعض المواضع مثل الاعتذار، والشكر، ومخاطبة الخاصة، ونحو ذلك، فقد عرفناه حسن السياسة للأمراء والولاة، حسن الصحبة لهم، أديباً في مخاطبتهم، موجزاً في حديثه إليهم، ولم يكن ذلك خافياً عليهم، يظهر ذلك فيما روي عن عمرو بن مسعدة أنه كتب إلى المأمون:((كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قِبَلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. فقال المأمون: والله، لأقضين حق هذا الكلام، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر. فجعل يردّد فيه النظر ثم قال لأحمد بن يوسف: لعلك يا أحمد فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال ألم تر يا أحمد إلى إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاء سلطانه من الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر (4)) ) .
وقد بيّن المأمون فيما تقدّم سرّ إعجابه بالتفوّق الفنيّ الذي أحرزه كتاب ابن مسعدة إليه في شأن رجل من دهاقين قريش وكذا في شأن الجند، وهو يرجع إلى أمرين:
أولهما: قدرته الفنية على سؤال الحاجة من الخليفة بأسلوب الإخبار، وفي ذلك لطافة من جهة التعريض والتلميح بالحاجة دون التصريح بها.
ثانيهما: مخاطبته الخليفة بكلام موجز، بعيد عن الإطالة، وفي ذلك راحة لمن وُجِّه له.
وقد وُفّق الكاتب في هذا الصنيع، إذ إنّ الإيجاز ((ينبغي أن يستعمل في مخاطبة الخاصّة، وذوي الأفهام الثاقبة الذين يجتزئون بيسير القول عن كثيره، وبجُمَلِه عن تفسيره
…
وفي الجوامع التي تُعْرض على الرؤساء فيقفون على معانيها، ولا يشغلون بالإكثار فيها (1)) ) . والمأمون من جملة أولئك بل على رأسهم؛ فقد عُرِف بعلمه، وأدبه، وبلاغته، وبيانه.
فيما سبق يتبين لنا أثر واحد من آثار بلاغة ابن مسعدة، إذ كان كلامه سبباً في التعجيل بالهبة، فلم يقف أثر هذه البلاغة عند حد الإعجاب، فقط بل تجاوز ذلك لتفعل تأثيرها في المستمع، وهو هنا من عِلْية القوم.
وهكذا يظل الإيجاز سمة غالبة على نثر عمرو، لم يتجاوزه في جميع ما تبقّى بين أيدينا من نثره.
ثانياً: قِصر الجُمَل:
جاءت النصوص الباقية بين أيدينا من نثر ابن مسعدة في مجملها جملاً قصيرة متوازنة، قد لا تتجاوز الواحدة منها كلمتين أو ثلاث، نتبيّن ذلك كثيراً فيما كتبه جواباً لكتاب وصله من صديق له، وقد أوردت هذا الرسالة كاملة في موضوع الرسائل الإخوانية، فلا ضرورة للتكرار هنا.
كما نتبين ذلك أيضاً في قوله ((أعظم الناس أجراً، وأنبههم ذكراً، من لم يرض بموت العدل في دولته، ويتوخى ظهور الحُجّة في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته في حياته. وأسعد الرعاة من دامت سعادة الحق في أيامه، وبعد وفاته وانقراضه (2)) ) .
ومثل ذلك كثير عند ابن مسعدة، غالب على نثره، وقد مرّ بنا في ثنايا البحث نماذج كثيرة لا ضرورة لتكرارها، تدل دلالة قاطعة علىشيوع الجمل القصيرة في كتابات ابن مسعدة ((حتى تحوّلت الكتب عنده إلى كلمات قصار، ككلمات التوقيعات، بل لعلها أشد قِصراً، وأقوى منها حدّة. وما نشك في أنه تأثر في هذا الاتجاه بالحِكم الكثيرة التي تُرجِمت في عصره، على نحو ما نرى في الأدب الصغير والكبير لابن المقفّع، وكأنه أراد أن يجعل كتبه أو على الأقل طائفة منها حِكماً وأمثالاً تدور على ألسنة الكتاب والأدباء (1)) ) .
كل ذلك قد أسهم في تحقيق بعض القيم الفنية المهمة للمضمون والشكل على حد سواء. ومن ذلك:
1 وضوح المعنى؛ إذ يتيح قِصَر الجمل الفرصة للقارئ، والمستمع؛ لاستحضار قواه الذهنية، مما يمكّنه من استيعاب ما يعبّر عنه من معانٍ جزئية، في قوالب تعبيريّة مقطّعة، موجزة.
2 قوّة الأسلوب، مما ينتج عنه قدرة الكاتب على التأثير في المتلقي، وهذا في حد ذاته هدف أساس للكتابة الأدبية بعامة.
3 توفير قدرٍ لا بأس به من الجرس والإيقاع الصوتي؛ إذ تكوّن هذه الجمل القصيرة مقاطع إيقاعية متعادلة ومتوازنة ومتناغمة، تمنح النص قدراً من إيقاع النثر وجَرْسه الموسيقيّ الجميل.
• • •
الخاتمة:
في هذا البحث تناولت بالدراسة سيرة عمرو بن مسعدة العامة، والخاصة، ذلك العَلَم الذي حظِي بمكانة مرموقة في الدولة العباسية في عصرها الأول.
كما تناولت بالدراسة والتحليل إبداعه النثري، محاولاً بذلك تجلية أبرز جوانبه وقِيمه الفنية التي كانت سبباً في تفوّقه وخلوده.
وقد توصّلت من خلال هذه الدراسة إلى عدد من النتائج من أبرزها:
أولاً: ضياع كثير من نثر ابن مسعدة، فقد كشفت هذه الدراسة بما لا يدع مجالاً للشك أن ما بقي بين أيدينا من هذا النثر لا يمثّل إلا النزر اليسير مما أبدعه فكره، وخطّه يراعه.
ثانياً: تعدّد فنون هذا النثر، فقد كتب ابن مسعدة في فن الرسائل (الديوانية، والإخوانية) ، وفن الحِكم، وفن التوقيعات.
ثالثاً: صاغ ابن مسعدة نثره في لغة أدبية راقية، ذات خصائص فنية رفيعة، يأتي في مقدمتها: وضوح الفكرة، وفصاحة الكلمة، وجزالة اللفظة، وقِصَر الجمل، وجودة التراكيب، مؤلفة من مجموع ذلك أسلوباً يعد في إطار ((الأسلوب السهل الممتنع)) بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى.
رابعاً: يُعدّ الإيجاز أبرز خصائص نثر ابن مسعدة الفنية، وهو اللون المُميِّز لهذا النثر. وقد دفع إليه، ومكّن منه أسباب عامة، وخاصة، عرضتها بالتفصيل في موضعها من البحث.
أخيراً فإني على يقين من أن ما قدمته هذه الدراسة عن هذا العَلَم من أعلام النثر الفني العربي، وما كشفت عنه من تفاصيل حياته، وخصائص نثره الفنية لا يعدو جهد المقل، حاولت به إضافة رؤية جديدة إلى جهود بعض الدارسين السابقين، وأملي أن أكون قد وُفّقتُ لذلك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الحواشي والتعليقات
وفيات الأعيان: 1 / 45. ويزيد هذا هو أبو خالد، أمير، قائد، شجاع، جواد، ولِيَ خراسان بعد وفاة أبيه (سنة:83هـ) ثم عزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج، ولما استُخلِف سليمان بن عبد الملك ولاّه العراق، ثم خراسان، وأخيراً نابذ بني أمية الخلافة فقتِل بعد حروب كثيرة. انظر: الوزراء والكتاب، الصفحات:41،49،50،52، وفيات الأعيان:6/278-309.
ياقوت الحموي، معجم البلدان: 3 / 435 (صول) .
وفيات الأعيان:1/45-46. والعقر:اسم لعدة مواضع، والمقصود منها هنا عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة، وفي يوم العقر المشهور الذي نازل فيه يزيد بن المهلب بن أبي صُفرة جيش يزيد بن عبد الملك بقيادة أخيه مسلمة عام: 102هـ، وذلك بعد أن خلع طاعة بني مروان، ودعا إلى نفسه، وأطاعه أهل البصرة والأهواز وفارس وغيرهم، فأجلت الحرب عن قتل ابن المهلب. انظر: معجم البلدان (العقر) .
هذا رأي يحتاج إلى إعادة النظر، فمن المعروف أن المكانة العلمية والأدبية لهذه الأسرة، وهي مكانة لاتقل خطراً عن مكانتهم السياسية إن لم تتفوّق عليها.
الأدب في موكب الحضارة الإسلامية: 393.
هكذا ورد، والمراد سبع عشرة.
سليمان بن مخْلَد الموريانيّ، من قرية من قُرى الأهواز يقال لها: الموريَان، كان ظريفاً خفيفاً على القلب، مقرباً من المنصور، مكيناً عنده، ولذا قلده الدواوين مع الوزارة. انظر: الوزراء والكتاب:97-100.
معجم الأدباء: 16/127.
أي: عظمته، وما جاء في إجلاله وتعظيمه.
الإعذار: مصدر أعذر ومعناه: اعتذر عذراً يُعْذَر به، وصار ذا عذر منه. (اللسان: عذر)
معجم الأدباء:16/128.
معجم الأدباء: 16/129.
الأغاني: 1234.
…
ابن عمر بن يونس، أبو عمرو، شاعر كوفي من الموالي، ومن مخضرمي الدولتين (الأموية والعباسية) كان ماجناً، ظريفاً، خليعاً، متهماً في دينه بالزندقةانظر: تاريخ بغداد: 8/148، وفيات الأعيان:2/210-214.
يناقف: يجالد ويصارع، والمقصود هنا: ما دار بينهما من مهاجاة شديدة.
الأغاني: 5226، 5227.
انظر: أمراء البيان:184.
انظر: تاريخ بغداد: 12 /203
3/475.
انظر: سير أعلام النبلاء: 10/181.
وفيات الأعيان: 1/45.
…
وزير الرشيد، كان عظيم القدر، جواداً كريماً، سمِح الأخلاق، وكان كاتباً بليغاً، من ذوي الفصاحة والبيان. قتله الرشيد سنة: 187هـ. انظر: تاريخ الطبري:4/657، الوزراء والكتاب: 204، وفيات الأعيان: 1/328، وما بعدها.
وفيات الأعيان: 3/476.
انظر: تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) لشوقي ضيف:553.
انظر: زهر الآداب:960،961.
…
الأحول (ت:210هـ) من وزراء المأمون المشهورين بالبلاغة، والفصاحة، وسداد الرأي. انظر: الفخري:224.
…
بن القاسم بن صَبيح العجليّ ولاءً، وزير كاتب، شاعر، مشهور بفصاحته وبلاغته، وقوة بديهته، ولِيَ ديوان الرسائل للمأمون، وتوفي ببغداد سنة:213هـ. انظر: تاريخ بغداد:5/216، معجم الأدباء:5/161-183.
…
بن يسار، من وزراء المأمون المشهورين، كان كاتباً حاسباً، وكان أهوج حاداً، سريع الغضب. انظر: الفخري:226، الهفوات النادرة:246-250.
أمراء البيان: 177.
معجم الأدباء: 16/129.
العقد الفريد:4/175-179 الفرج بعد الشدة:3/306-313، صبح الأعشى: 1/177،180.
أمراء البيان: 177.
هو عمرو بن فرج، كان أبوه من أعيان الكتاب في أيام المأمون إلى أيام المتوكل، والرخّجي: نسبة إلى ((رُخَّج)) كورة ومدينة من نواحي كابل. انظر: معجم البلدان (رخج) .
العقد الفريد:4/175-179، الفرج بعد الشدة:3/306-313، صبح الأعشى:1/177-180.
انظر: معجم الأدباء: 16/129.
الأحكام السلطانية: 22.
الأحكام السلطانية: 22 -23.
التنبيه والاشراف: 294.
معجم الشعراء: 219. آداب الملوك: 39.
المأقِط: في الأصل المضيق في الحرب، والمراد به هنا ضيق الحاجة وكربها.
الأغاني: 2606-2607.
الأغاني: 2617-2618.
ديوان النابغة الذبياني: 42.
إعتاب الكتاب: 117.
جمع سكرجة: وهي القصعة الصغيرة التي يؤكل فيها.
المري: رب مملوح.
الدست: صدر البيت.
أمراء البيان: 187-188.
الفرج بعد الشدة: 1/385.
تحفة الأمراء: 162.
تاريخ بغداد: 12/203-204.
معجم الأدباء: 16/131. وانظر: كتاب الذّخائر والتحف: 225.
وفيات الأعيان: 3 / 477،478. وانظر الشعر في الطرائف الأدبية:130.
زهر الآداب: 960-961.
كلثوم بن عمرو بن أيوب
…
بن عتاب التغلبي (ت:220هـ) شاعر عباسي، اتصل بهارون الرشيد، والمأمون، كما اتصل بالبرامكة،وآل طاهر.انظر: الأغاني:4623-4639، تاريخ بغداد:12/488، معجم الأدباء:17/26-31.
معجم الأدباء: 17/29.
إعتاب الكتاب: 112.
لمحمد البيدق النصيبي في عمرو بن مسعدة وقد اشتكى، في وفيات الأعيان: 3/477.
مولى بني تميم، شاعر من شعراء الدولة العباسية، وأحد الخلعاء المجان، الوصّافين للخمر، اتصل بالبرامكة، ومدحهم، واتصل بيزيد بن مزيد، وانقطع إليه حتى مات يزيد، مدح الأمين، والمأمون، وعمرو بن مسعدة وغيرهم. انظر: الأغاني: 7676وما بعدها، تاريخ بغداد: 9/411-413.
عصر المأمون: 3/70، 71.
أدم الّركاب: الإبل التي لونها مشرّب سواداً أو بياضاً. الطِّرف هنا: الكريم العتيق من الخيل. الطَّفلة: ناعمة البَنان. الكاعب: ناهدة الثديين.
أكوار: جمع كَور، وهو ما يُحمل على ظهر الدابة. حراجيج: جمع حُرجوج، وهي الناقة الشديدة، أو الضامرة. مهمه: صحراء بعيدة. لاحب: واضح.
عاصب: شديد.
…
النميري (ت:213هـ) أبو معن، من كبار المعتزلة، وله أتباع منهم يسمون الثمامية، ومن تلاميذه الجاحظ، وهو فصيح بليغ من المقدمين في البلاغة، كان ذا صلة بالرشيد، ثم بالمأمون، وكان ذا نوادر وملح. انظر: البيان والتبيين:1/105، تاريخ بغداد:7/145-148، طبقات المعتزلة:62.
كتاب ذم أخلاق الكتاب، ضمن رسائل الجاحظ: 2/195.
…
الكنانيّ، فقيه من أهل الجدل والمناظرة، وهو من تلاميذ الشافعي، الذين طالت صحبتهم له، قدم بغداد في أيام المأمون، فجرت بينه وبين بشر المريسي مناظرة في قوله بخلق القرآن، توفي سنة:240هـ. انظر: ميزان الاعتدال:2/639
بشر بن غياث بن أبي كريمة (عبد الرحمن) المريسي، فقيه معتزليّ عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة، وإليه تنسب الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، وهو من أهل بغداد ينسَب إلى ((درب المريس)) توفي سنة:218هـ. انظر: تاريخ بغداد:7/56، وفيات الأعيان:1/277،278، سير النبلاء:10/199وما بعدها.
الحيدة: 24،25. وهذه الرسالة قد نفى الذهبي نسبتها إلى عبد العزيز المكي في ميزان الاعتدال:2/639.
انظر كلام ابن مسعدة هذا بتمامه في القسم الثاني من البحث، بعنوان خبره مع عبد العزيز المكيّ.
انظر: صُبح الأعشى: 1/127.
تأثير الحِكم الفارسية: 312.
انظر الفهرست: 439.
انظر الفهرست: 182.
تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) : 552-553.
تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) : 553.
تاريخ بغداد:12/203.
الصناعتين: 61.وانظر: معجم الأدباء: 16/129، صبح الأعشى: 2/235،2/357.
وفيات الأعيان: 3/476.
مقدمة ابن خلدون:681.
التذكرة الحمدونية: 6/321.وانظر: المحاسن والأضداد للجاحظ: 28، زهر الآداب: 837.
المحاسن والأضداد للجاحظ: 28. وانطر: زهر الآداب: 837.
زهر الآداب: 837. كفاية الطالب: 217، وانظر: الإعجاز والإيجاز للثعالبي:112، وعدّه من بدائع الكتاب والبلغاء. آداب الملوك:143-144 سر الفصاحة: 212، وانظر:الوفيات 3/478.
انظر: تحرير التحبير: 415.
تحرير التحبير: 415.
مقدمة ابن خلدون:681.
تاريخ بغداد:12/203، وانظر: الوفيات:3/476
سير أعلام النبلاء:10/181.
وييقال لها: أدَنة وهي اليوم مدينة من مدن تركيا المشهورة.
تاريخ الأدب العربي، لعمر فروخ:2/216.
انظر: الفهرست: 239.
انظر: سير أعلام النبلاء: 10/182.
الأفضليات: 257.
الأفضليّات: 257.
انظر: الأعلام:5/86.
كورة كبيرة في بلاد فارس بين الري وهَمَذان. انظر: معجم البلدان: دستبى (2/454) .
المحاسن والمساوئ للبيهقي: 559.
انظر: العقد الفريد: 4/156.
أمراء البيان: 176.
أمراء البيان: 176.
هو نصر بن سيّار بن شَبَث العقيليّ، كان يسكن كيسوم (ناحية شمالي حلب) وكان محبا للأمين، وله فيه هوى، فلما قُتِل أظهر الغضب لذلك، وأعلن الخلاف على المأمون، واجتمع معه خلق كثير من الأعراب، ووقف بهم في وجه المأمون، فأرسل إليه عبد الله بن طاهر في جيش فشدد الحصار عليه، فانتهى أمره بالاستسلام سنة:210. انظر: الكامل لابن الأثير (حوادث عام:199هـ:5/171وما بعدها) .
المراد هنا: لتطعم، ولتتجرّع مرارة عصيانك وتمردك، وعواقبه الفاسدة.
الطغام: الأرذال.
الأوباش: الأخلاط المتفرقون من الناس.
أمراء البيان:179-180.
محمد بن عبد الحميد، والٍ كان من رجال المأمون، وقد ولاه اليمن سنة:212هـ، وذلك بعد أن ثار واليها أحمد بن محمد العمري المعروف ب ((أحمر العين)) وخَلَع طاعة العباسيين. انظر الكامل لابن الأثير:5/216.
اللخن: القبح أو النَّتَن.
جمهرة رسائل العرب:3/29.
يندرج هذا الكتاب تحت مفهوم الرسائل الإخوانية، وقد أثبته هنا لصدوره عن ديوان الخليفة.
اختيار المنظوم والمنثور: 13/303.
رسائل ابن الشخباء: 33.
الأدب في موكب الحضارة الإسلامية: 399.
جواهر الأدب:1/44.
النثر الفني في القرن الرابع الهجري: 1/130.
أي طلب من أن يشفع له.
اختيار المنظوم والمنثور: 12/262.
نثر الدُّر: 5/121.
جواهر الأدب: 1/45.
أحمد بن يوسف: 83.
أحمد بن يوسف: 82.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
مجمع الأمثال: 1/445.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
الدَّبَر: قروح تصيب ظهر البعير ونحوه لكثرة ما حُمِل عليه، ورُكِب. (انظر: اللسان: وقع) .
اللسان: (وقع) .
صبح الأعشى: 1/110.
السان: (وقع) .
تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) : 489.
البيان والتبيين:1/115، زهر الآداب:1/157.
انظر: النثر في العصر العباسي، وأشهر أعلامه:220،221.
البيان والتبيين: 1/106،107.
وفيات الأعيان: 3/476.
وفيات الأعيان: 3/476.
أمراء البيان:184.
البيان والتبيين: 1/115.
الأسلوب: 166.
البيان والتبيين: 4/24.
صبح الأعشى: 1/273.
النقد الجمالي، وأثره في النقد العربي:107.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
عصر المأمون:3/62، أمراء البيان:180.
المثل السائر: 1/275.
أمراء البيان:179-180.
البيان والتبيين: 1/137.
البيان والتبيين: 1/255.
الوساطة: 24.
المثل السائر: 1/152.
التمثيل والمحاضرة: 462.
أمراء البيان:179-180.
عصر المأمون: 3/63، أمراء البيان:180.
شارف الدروس: أشرف، وأوشك على الامحّاء والزوال.
مُشفٍ: مقبل.
معجم الأدباء: 16/130،131.
الطِّرف: الجواد الأصيل الكريم.
يبعثه: يدفعه ويحثه على السرعة في الجري، وهو إنما يريد هنا أن سرعة هذا الفرس طبيعة وعادة له.
لُمَح المُلَح: 392. والشوط: مرّة الجري إلى غاية.
المريغ: الطالب.
الإمتاع والمؤانسة: 2/145.
أمراء البيان: 182.
الطومار: الصحيفة.
الحيوان: 1/91.
مفتاح العلوم: 277.
المثل السائر: 2/303.
الأعلام: 5/86.
انظر: حول مفهوم النثر:53-55.
البيان والتبيين: 1/76.
الأرن: النشاط.
الحؤول: التحول والتغيّر.
دريه:درايته والعلم به.
الإمتاع والمؤانسة: 1/9-10.
حول مفهوم النثر: 55.
الأمالي: 1/222. نقد النثر: 96-97.
ص: 38.
المحاسن والمساوئ للبيهقي: 559.
انظر: نهاية الأرب:7/260.
وفيات الأعيان: 3/475.وانظر: نهاية الأرب:7/260.
حول مفهوم النثر: 51.
وفيات الأعيان: 3/476.
المحاسن والأضداد للجاحظ:28-29.زهر الآداب:1023.
انظر: سر الفصاحة: 212.
سر الفصاحة:212نثر الدر: 5 / 102 وفيات الأعيان: 3 / 475. الإشارات والتنبيهات: 148.
الفن ومذاهبه:197-198.
الإشارات والتنبيهات: 146.
سر الفصاحة: 211.
المحاسن والأضداد: 28،زهر الآداب: 837، كفاية الطالب: 217، وانظر الإعجاز والإيجاز للثعالبي: 12،وقد عدّ قول ابن مسعدة هذا من بدائع الكتاب والبلغاء، آداب الملوك:143-144، سر الفصاحة: 212، الوفيات 3/478.
نقد النثر: 97.
عصر المأمون: 3/61، أمراء البيان:178.
تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) لشوقي ضيف:558.
المصادر والمراجع
آداب الملوك، لأبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي (ت:429هـ) تحقيق د. جليل العطية، ط:1،دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان
الأحكام السلطانية، والولايات الدينية، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي (ت:450هـ) ، دار الكتب العلمية بيروت، 1398هـ=1978م.
أحمد بن يوسف (الكاتب الوزير) ، تأليف د. علي إبراهيم أبو زيد، ط:1، دار المعارف- القاهرة، 1997م.
اختيار المنثور والمنظوم (مخطوط) ، لابن طيفور، صورة، عن نسخة مكتبة الأزهر، محفوظة في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم:9914/ف، أدب.
الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، تأليف د. مصطفى الشكعة، مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة، 1968م.
الأسلوب، تأليف أحمد الشايب، ط:8، مكتبة النهضة المصرية القاهرة،1988م.
الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة، لمحمد بن علي بن محمد الجرجاني (ت:729هـ) تحقيق د. عبد القادر حسين، دار النهضة مصر، د. ت.
إعتاب الكتاب، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الأبار (ت:658هـ) ، تحقيق وتعليق: د. صالح الأشتر، ط:1، مجمع اللغة العربية دمشق،1380هـ=1961م.
الإعجاز والإيجاز، لأبي منصور الثعالبي (ت: 429هـ) شرح إسكندر آصاف، ط:1، المطبعة العمومية مصر
1897م.
الأعلام، لخير الدين الزركلي، ج:5، ط:9، دار العلم للملايين بيروت، 1990م.
الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني (ت:356هـ) تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الشعب، د. ت.
الأفضليات، لأبي القاسم علي بن منجب الصيرفي (ت:542هـ) تحقيق د. وليد قصاب، ود. عبد العزيز المانع، مجمع اللغة العربية دمشق،1402هـ.
الأمالي، لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي (ت:356هـ) ، دار الكتاب العربي بيروت، د. ت.
الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيّان علي بن محمد بن العباس التوحيدي (ت:414هـ) تصحيح وضبط أحمد أمين، وأحمد الزين، المكتبة العصرية بيروت، مصورة عن طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، 1373هـ = 1953م.
أمراء البيان، تأليف الأستاذ محمد كرد علي، ط:3، دار الأمانة بيروت، 1388هـ=1969م.
البصائر والذخائر، لأبي حيان التوحيدي (ت:414هـ) ، تحقيق د. وداد القاضي، ط:1، دار صادر بيروت، 1408هـ = 1988م.
البيان والتبيين، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) ، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط:5، مكتبة الخانجي القاهرة، 1405هـ = 1985م.
تأثير الحِكم الفارسية في الأدب العربي في العصر العباسي الأول، تأليف د. عيسى العاكوب، ط:1، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر دمشق، 1989م.
تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر الطبري (ت:310هـ) ط:2، دار الكتب العلمية بيروت 1408هـ = 1988م.
تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت:463هـ) دار الكتاب العربي بيروت، د. ت.
تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول) ، لشوقي ضيف، ط:4، دار المعارف مصر، 1966م.
تاريخ الأدب العربي، تأليف د. عمر فروخ، ج/2،ط:5، دار العلم للملايين بيروت، 1985م.
تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر، وبيان إعجاز القرآن، لابن أبي الإصبع المصري (ت:654هـ) ، تحقيق: د. حفني محمد شرف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة،1383هـ.
تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء، لأبي الحسن هلال بن المحسّن الصابئ (ت:448هـ) ، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، دار إحياء الكتب العربية القاهرة، 1958م.
التذكرة الحمدونية، لابن حمدون (محمد الحسن بن محمد بن علي (ت:562هـ) الأجزاء:1،4،6،8، تحقيق: إحسان عباس، وبكر عباس، ط:1، دار صادر بيروت،1996م.
التمثيل والمحاضرة، لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت:429هـ) تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، الدار العربية للكتاب، 1983م.
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة، تأليف أحمد زكي صفوت، الجزء:3، ط:2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، 1391هـ= 1971م.
جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تأليف: السيد أحمد الهاشمي، الجزآن:1،2، ط:27، المكتبة التجارية الكبرى مصر،1389هـ=1969م.
جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تأليف: السيد أحمد الهاشمي، ط:12، دار إحياء التراث العربي بيروت، د. ت.
حول مفهوم النثر الفني عند العرب القدامى، تأليف: البشير المجدوب، الدار العربية للكتاب تونس،1982م.
الحيوان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) ، ج/1، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط:2، مكتبة ومطبعة البابي الحلبي القاهرة، د. ت.
الحيدة، للإمام عبد العزيز بن يحيى المكي (ت:240هـ) ، ط:2،دار الفتح للطباعة والنشر بيروت،1405هـ=1985م.
خاص الخاص، لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت:429هـ) ، قدم له حسن الأمين، دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ت.
ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، دار المطبوعات الحديثة، جدة، د، ت.
رسائل ابن أبي الشخباء الإخوانية، تأليف د. علي إبراهيم أبو زيد، ط:1، دار القلم للنشر والتوزيع دبي الإمارات العربية المتحدة، 1409هـ=1989م.
زهر الآداب وثمر الألباب، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني (ت:453هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الثانية، طبع عيسى البابي الحلبي مصر، د.
سر الفصاحة، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي (ت:466هـ) ،ط:1، دار الكتب العلمية بيروت
1402هـ=1982م.
سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت:74هـ) الجزء:10، ط:1، مؤسسة الرسالة بيروت، 1402هـ = 1982م.
صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، لأحمد بن علي القلقشندي (ت:821هـ) شرح: محمد حسين شمس الدين، ط:1، دار الكتب العلمية، 1407هـ=1987م.
الطرائف الأدبية، تصحيح وإخراج: عبد العزيز الراجكوتي، دار الكتب العلمية بيروت، د. ت.
عصر المأمون، تأليف د. أحمد فريد رفاعي، المجلد:3،ط:4،مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة، 1346هـ = 1928م.
العقد الفريد، لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربّه الأندلسي (ت:32هـ) ، تصحيح: أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر لقاهرة، 1375هـ.
عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري (ت:276هـ) دار الكتاب العربي بيروت، د. ت.
الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، لابن الطَّقْطَقَى (أبو جعفر محمد بن علي ابن طباطبا العلوي، ت:709هـ) دار صادر بيروت.
الفرج بعد الشدة، لأبي علي المحسِّن بن علي التنوخي (ت:384هـ) تحقيق: عبود الشالجي، دار صادر بيروت، 1398هـ = 1978م.
الفن ومذاهبه في النثر العربي، تأليف د. شوقي ضيف، ط:5،دار المعارف مصر، د. ت.
الفهرست، لابن النديم أبي الفرج محمد بن إسحاق (ت:385هـ) ، دار المعرفة بيروت، 1398هـ= 1978م.
الكامل في التاريخ، لابن الأثير (ت:630هـ) دار الفكر بيروت،1398هـ = 1978م.
الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرّد (ت:285هـ) تحقيق: محمد أحمد الدالي. ط:1، مؤسسة الرسالة بيروت، 1406هـ.
كتاب الذخائر والتحف، للقاضي الرشيد بن الزبير (ق:5هـ) ، تحقيق: د. محمد حميد الله، تقديم ومراجعة: د. صلاح الدين المنجد، دائرة المطبوعات للتوزيع والنشر الكويت، 1959م.
كتاب ذم أخلاق الكتاب، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) ، ج:2، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي القاهرة، د، ت.
كتاب الصناعتين، لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري (ت:395هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية بيروت، 1406هـ.
كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب، لضياء الدين بن الأثير الجزري (ت:637هـ) دراسة وشرح وتحقيق د. النبوي عبد الواحد شعلان، ط:1، الزهراء للإعلام العربي القاهرة، 1415هـ=1994م.
لطائف الأخبار وتذكرة أولي الأبصار، للقاضي أبي القاسم علي بن المحسّن التنوخي (ت:447هـ) ، تحقيق د. علي حسين البوّاب، دار عالم الكتب الرياض، 1413هـ = 1993م.
لُمَح المُلَح، لسعد بن علي الحظيري (ت:568هـ) دراسة وتحقيق شادن بنت عبد القدوس أبو صالح، رسالة دكتوراة محفوظة في كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض.
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لضياء الدين بن الأثير (ت:637هـ) ، تحقيق: د. أحمد الحوفي، ود. بدوي طبانة، ط:2، دار الرفاعي الرياض، 1403هـ.
مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني (ت:518هـ) ، تحقيق محمد محيي الدين ابن عبد الحميد، دار القلم بيروت، د. ت.
المحاسن والأضداد، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت:255هـ) تحقيق الشيخ محمد سويد، ط:1، دار إحياء العلوم بيروت،1412هـ = 1991م.
المحاسن والمساوئ، لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت:320هـ) تحقيق محمد سويد، ط:1، دار إحياء العلوم بيروت، 1408هـ.
المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لعبد الرحمن (جلال الدين) السيوطيّ (ت:911هـ) تحقيق: محمد جاد المولى، وعلي البجاوي، ومحمد أبي الفضل إبراهيم، ط:4، طبع عيسى البابي مصر،1378هـ = 1985م.
معجم الأدباء، لياقوت الحموي (ت:626هـ) ، ط:3، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت.
معجم الشعراء، لأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني (ت:384هـ) تصحيح د. ف. كرنكو، تصوير دار الكتب العلمية بيروت، عن الطبعة الأولى في مكتبة القدسي،1403هـ.
معجم البلدان، لأبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي البغدادي (ت:626هـ) دار صادر بيروت، 1404هـ.
معجم المراكب والسفن في الإسلام، للعلامة حبيب زيات، مجلة المشرق، آب_كانون الأول، 1949م، السنة 43.
مفتاح العلوم، لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (ت:626هـ) ضبط وشرح: نعيم زرزور، ط:1، دار الكتب العلمية بيروت، 1403هـ=1983م.
مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت:808هـ) ، تحقيق وشرح: د. علي عبد الواحد وافي، ط:3، دار نهضة مصر للطبع والنشر القاهرة، د. ت.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت:748هـ) ، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت، د. ت.
نثر الدُّر، لأبي سعد منصور بن الحسين الآبي (ت:421هـ) الجزء الخامس. تحقيق محمد إبراهيم عبد الرحمن، مراجعة علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة، 1987م.
نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري (ت:577هـ) ، تحقيق د. إبراهيم السامرائي، ط:3، مكتبة المنار الأردن، 1405هـ = 1985م.
النثر الفني في القرن الرابع الهجري، تأليف زكي مبارك، دار الجيل بيروت،1395هـ=1975م.
نقد النثر، المنسوب إلى أبي الفرج قدامة بن جعفر (ت:337هـ) ، دار الكتب العلمية بيروت، 1402هـ= 1982م.
النقد الجمالي وأثره في النقد العربي، تأليف الأستاذة روز غريب، ط:1، دار العلم للملايين بيروت، 1934م.
نهاية الأرب في فنون الأدب، لأحمد بن عبد الوهاب النويري (ت:733هـ) وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة، د. ت.
الهفوات النادرة، لأبي الحسن محمد (غرس النعمة) بن هلال الصابي (ت:480هـ) تحقيق: د. صالح الأشتر، دمشق، 1967م.
الوزراء والكتاب، لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري (ت:331هـ) تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، ط:2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده مصر،1401هـ = 1980م.
الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت:366هـ) ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية صيدا لبنان، 1386هـ=1966م.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن خلّكان (ت:681هـ) ، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر بيروت، د. ت.