الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى مُوسَى، وَقَالُوا: هَذِهِ الْمَرَّةُ نَتُوبُ، وَلَا نَعُودُ فَأَخَذَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الضَّفَادِعَ بَعْدَمَا أَقَامَ سَبْعًا مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ، فَأَقَامُوا شَهْرًا فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَعَادُوا لِكُفْرِهِمْ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَسَالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وَصَارَتْ مِيَاهُهُمْ دَمًا، وَمَا يَسْتَقُونَ مِنَ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ إِلَّا وجدوه دما عبيطا أحمر، فَمَكَثُوا فِي ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لا يشربون إلا الدم. وقال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الدَّمُ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ كَانَ الرُّعَافَ، فَأَتَوْا مُوسَى، وَقَالُوا: يَا مُوسَى ادْعُ لنا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا هَذَا الدَّمَ فَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَعَا رَبَّهُ عز وجل فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} [الأعراف: 133] يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَفْصِيلُهَا أَنَّ كل عذاب كان يَمْتَدُّ أُسْبُوعًا، وَبَيْنَ كُلِّ عَذَابَيْنِ شَهْرًا {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف: 133]
[134]
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} [الأعراف: 134] أي: نزل بهم العذب وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل مِنَ الطُّوفَانِ وَغَيْرِهِ. . . . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الرِّجْزُ الطَّاعُونُ، وَهُوَ الْعَذَابُ السَّادِسُ بَعْدَ الْآيَاتِ الخمس، حتى مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا فِي يَوْمٍ أحد فَأَمْسَوْا وَهُمْ لَا يَتَدَافَنُونَ، {قَالُوا} [الأعراف: 134] لِمُوسَى: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} [الأعراف: 134] أَيْ: بِمَا أَوْصَاكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَا نَبَّأَكَ. وَقِيلَ: بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِكَ {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} [الأعراف: 134] وَهُوَ الطَّاعُونُ، {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 134]
[135]
قوله وَجَلَّ: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ} [الأعراف: 135] يَعْنِي إِلَى الْغَرَقِ فِي الْيَمِّ، {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 135] يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ.
[136]
{فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [الأعراف: 136] يَعْنِي الْبَحْرَ، {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] أَيْ: عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِهَا غَافِلِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ آيَاتِنَا مُعْرِضِينَ.
[137]
{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} [الأعراف: 137] يُقْهَرُونَ، وَيُسْتَذَلُّونَ بِذَبْحِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِخْدَامِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِعْبَادِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: 137] يَعْنِي مِصْرَ وَالشَّامَ، {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] بِالْمَاءِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْخِصْبِ وَالسَّعَةِ، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 137] يَعْنِي: وفَّت كَلِمَةُ اللَّهِ، وَهِيَ وَعْدُهُ إِيَّاهُمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] الآية {بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137] عَلَى دِينِهِمْ وَعَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ، {وَدَمَّرْنَا} [الأعراف: 137] أَهْلَكْنَا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} [الأعراف: 137] فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ الْعِمَارَاتِ، {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] قَالَ مُجَاهِدٌ: يَبْنُونَ مِنَ الْبُيُوتِ وَالْقُصُورِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْرِشُونَ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَعْنَابِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ (يَعْرُشُونَ) بِضَمِّ الراء ها هنا وَفِي النَّحْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا.
[قَوْلُهُ تَعَالَى وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا]
عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أصنام لهم. . . .
[138]
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعراف: 138] قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَبَرَ بِهِمْ مُوسَى الْبَحْرَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَصَامَهُ شُكْرًا لِلَّهِ عز وجل {فَأَتَوْا} [الأعراف: 138] فمروا {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ} [الأعراف: 138] يُقِيمُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وهما لغتان، {عَلَى أَصْنَامٍ} [الأعراف: 138] أوثان {لَهُمْ} [الأعراف: 138] يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ تَمَاثِيلَ بَقَرٍ، وَذَلِكَ أَوَّلُ شَأْنِ الْعِجْلِ. قَالَ قَتَادَةُ. كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ لحم، وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} [الأعراف: 138] أَيْ مِثَالًا نَعْبُدُهُ {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلْ لَنَا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ، وَنَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إِلَى اللَّهِ عز وجل، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الدِّيَانَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ لشدة
جهلهم. {قَالَ} [الأعراف: 138] موسى {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] عَظَمَةَ اللَّهِ.
[139]
{إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ} [الأعراف: 139] مهلك، {مَا هُمْ فِيهِ} [الأعراف: 139] والتتبير الإهلاك، {وَبَاطِلٌ} [الأعراف: 139] مضمحل وزائل، {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]
[140]
{قَالَ} [الأعراف: 140] يَعْنِي مُوسَى {أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ} [الأعراف: 140] أَيْ: أَبْغِي لَكُمْ وَأَطْلُبُ، {إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 140] أي: على عالمي زمانكم.
[141]
قَوْلُهُ عز وجل: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} [الأعراف: 141] قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (أَنْجَاكُمْ) وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ، {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [الأعراف: 141] قرأ نافع (يَقْتُلُونَ) خفيفة التاء مِنَ الْقَتْلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ مِنَ التَّقْتِيلِ، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141]
[142]
{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] ذا القعدة، {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] مِنْ ذِي الْحِجَّةِ {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى} [الأعراف: 142] عِنْدَ انْطِلَاقِهِ إِلَى الْجَبَلِ لِلْمُنَاجَاةِ {لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي} [الأعراف: 142] كُنْ خَلِيفَتِي، {فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] أَيْ: أَصْلِحْهُمْ بِحَمْلِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الرِّفْقَ بِهِمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ {وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] أَيْ: لَا تُطِعْ مَنْ عَصَى اللَّهَ، وَلَا تُوَافِقْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَذَلِكَ أَنْ مُوسَى عليه السلام وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ بِمِصْرَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَهْلَكَ عَدُوَّهُمْ أَتَاهُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا يَأْتُونَ، وَمَا يَذَرُوَنَ! فَلَمَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ الْكِتَابَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عز وجل أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمَّا تَمَّتْ ثَلَاثُونَ أَنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَكَلَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كُنَّا نَشُمُّ مِنْ فِيكَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَصُومَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندي من ريح المسك، وكانت فِتْنَتُهُمْ فِي الْعَشْرِ الَّتِي زَادَهَا.
[143]
قَوْلُهُ عز وجل: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] أَيْ: لِلْوَقْتِ الَّذِي ضَرَبْنَا لَهُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: إِنَّ مُوسَى عليه السلام تَطَهَّرَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ لِمِيعَادِ رَبِّهِ، فلما أتى طور سيناء، وَكَلَّمَهُ اللَّهُ، وَنَاجَاهُ حَتَّى أَسْمَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام مَعَهُ فَلَمْ يَسْمَعْ مَا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، وَأَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيرَ الْقَلَمِ فَاسْتَحْلَى مُوسَى عليه السلام كَلَامَ رَبِّهِ، وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَرِنِي نَفْسَكَ أَنْظُرْ إِلَيْكَ.
قَالَ ابن عباس: أعطني أنظر إِلَيْكَ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَأَلَ الرُّؤْيَةَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ الْحَسَنُ: هَاجَ بِهِ الشَّوْقُ، فَسَأَلَ الرُّؤْيَةَ. وَقِيلَ: سَأَلَ الرُّؤْيَةَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَى في