المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ولكن ايتوا عيسى فيقول انى عبدت من دون الله ولكن - التفسير المظهري - جـ ٥

[المظهري، محمد ثناء الله]

الفصل: ولكن ايتوا عيسى فيقول انى عبدت من دون الله ولكن

ولكن ايتوا عيسى فيقول انى عبدت من دون الله ولكن ايتوا محمّدا فيأتون فانطلق معهم فاخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال من هذا فأقول محمّد فيفتح لى ويقولون مرحبا فاخرّ ساجدا فيلهمنى الله من الثناء والحمد والمجد فيقال ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع وقل تسمع فذلك هو المقام المحمود- قال القرطبي رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم فيفزع الناس ثلاث فزعات انما ذلك والله اعلم حين يؤتى بالنار تجربا زمّتها فاذا رات الخلائق تمحلت وسبقت- واخرج ابن خزيمة والطبراني بسند صحيح عن سلمان قال تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس- قال فذكر الحديث قال فيلقون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون اشفع لنا فيقول انا صاحبكم فيخرج حتّى ينتهى الى باب الجنة فيأخذ بحلقة فى الباب فيقرع الباب فيقال من هذا فيقول محمّد فيفتح له حتّى يقوم بين يدى الله فيسجد فنادى ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فذلك المقام المحمود- أورده غير تام وأخرجه ابن ابى حاتم فى السنّة وابن ابى شيبة بتمامه فذكر الحديث بطوله وفى آخره فيشفع فى كل من كان فى قلبه مثقال حبة من حنطة من ايمان او مثقال شعيرة من ايمان او مثقال حبة من خردلة من ايمان فذاك المقام المحمود- واخرج الطبراني عن كعب بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الناس يوم القيامة فاكون وأمتي على تل يوم القيامة فيكسونى ربى حلة خضراء ثم يؤذن لى فاثنى عليه بما هو اهله فذلك المقام المحمود-

‌فائدة

ورد فى الشفاعة العظمى فى فصل القضاء والاراحة فى طول الموقف مطولا من حديث ابى بكر الصديق رواه البزار وابو يعلى وابو عوانة وابن حبان فى صحيحهما وحديث ابى هريرة رواه الشيخان وغيرهما وحديث ابن عباس رواه احمد وأبو يعلى وحديث حذيفة وابى هريرة رواه مسلم والحاكم وحديث عقبة ابن عامر رواه الطبراني وابن المبارك وابن جرير وغيرهم وقد مر ذلك فى سورة ابراهيم فى تفسير قوله تعالى وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ قال القرطبي هذه الشفاعة

ص: 474

العامة الّتي خص بها نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء عليهم السلام هى المرادة بقوله صلى الله عليه وسلم لكل نبىّ دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وانا اختبأت دعوتى شفاعة لامتى وهذه الشفاعة لاهل الموقف وقال وانما هى ليعجل حسابهم ويراحوا من هول الموقف قلت عندى ان المراد بقوله صلى الله عليه وسلم اختبأت دعوتى شفاعة لامتى الشفاعة الثالثة لاجل إخراج المذنبين من النار ويكون للنبى صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات كما يدل عليه ما اخرج ابن جرير فى تفسيره والطبراني فى المطولات وابو يعلى فى مسنده والبيهقي فى البعث وابو موسى المديني فى المطولات وعلى بن معبد فى كتاب الطاعة والعصيان وعبد بن حميد وابو الشيخ فى كتاب العظمة عن ابى هريرة حديثا طويلا فى خلق الصور ونفخه نفخة الفزع والصعق والبعث الى ان يدخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار وان يخرج المؤمنون من النار مكتوبا فى رقابهم الجهنّميون عتقاء الله وانا اذكره منتخبا قد ذكر فى ذلك الحديث ان الناس يقفون موقفا واحد الا يقضى بينهم فيصيحون ويقولون من يشفع لنا فيأتون آدم ويقول ما انا بصاحب ذلك فيأتون الأنبياء نبيا نبيا فلما جاءوا نبيا يأبى عليهم حتّى يأتونى فأنطلق معهم حتّى اتى الفحص اى قدام العرش فاخرّ ساجدا فيقول الله ما شأنك وهو اعلم فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعنى فى خلقك فاقض بينهم فيقول شفعتك اتيكم فاقضى بينكم فذكر الحديث بطوله فذكر القضاء فى البهائم والوحش ثم يقضى فى العباد فى الدماء والمظالم ثم يقول ليلحق كل قوم بآلهتهم فيلحقون ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيكشف لهم عن ساق فيخر المؤمنون ساجدين ويخر كل منافق على قفاه يجعل أصلابهم كصياصى البقر ثم يضرب الصراط فيمرون عليه الى قوله فناج سالم وناج مخدوش- ومكدوش على وجهه فى جهنم- فاذا مضى اهل الجنة الى الجنة قالوا من يشفع لنا الى ربنا فندخل الجنة- فيقول من أحق من أبيكم آدم فيأتونه فيذكر ذنبا فيقول ما انا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فيأتونه فيقول نحو ذلك فيأتون ابراهيم وموسى وعيسى كل يقول

ص: 475

نحو ذلك فيأتونى ولى عند ربى ثلاث شفاعات وعدنيهن فانطلق الى الجنة فاخذ بحلقة الباب ثم استفتح فيفتح لى فاذا نظرت الى ربى خررت ساجدا فيأذن لى فى حمده وتمجيده مالم يؤذن لاحد من خلقه ثم يقول ارفع رأسك يا محمّد اشفع تشفع سل تعطه فاقول رب وعدتني الشفاعة فشفعنى فى اهل الجنة ان يدخلوا الجنة فيشفعنى فذكر الحديث بطوله الى ان قال فاذا وقع اهل النار فى النار وقع فيها خلق كثير ممن خلق ربك قد أوثقهم أعمالهم فمنهم من تأخذه الى قدميه ولا تجاوز ذلك ومنهم من تأخذه الى نصف ساقيه ومنهم من تأخذه الى ركبتيه ومنهم من تأخذه الى حقويه ومنهم من تأخذ جسده كله الا وجهه حرم الله صورتهم عليها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقول يا رب من وقع فى النار من أمتي فيقول اخرجوا من النار من عرفتم فيخرج أولئك حتّى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله فى الشفاعة فلا يبقى نبى ولا شهيد الا شفع فيقول اخرجوا من وجدتم فى قلبه زنة الدينار ايمانا ثم يقول اخرجوا من وجدتم فى قلبه ايمانا ثلثى دينار نصف دينار ثلث دينار ربع دينار قيراط حبة من خردل حتّى لا يبقى فى النار من عمل لله خيرا قط- ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع ثم يقول الله بقيت انا وانا ارحم الراحمين فيدخل الله يده فى جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه كثرة كانهم الحمم الحديث- قال الحافظ مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رافع قاضى اهل المدينة قد تكلم فيه بسبب هذا الحديث

وفى بعض سياقه نكارة- وقد قيل انه جمع من طرق وأماكن متفرقة فسأقه سياقا واحدا- قال الحافظ ابو موسى المديني هذا الحديث وان كان فى اسناده من تكلم فيه فالذى فيه يروى مفرقا بأسانيد ثابتة وقد اختلف الناس فى تصحيح هذا الحديث وتضعيفه فصححه ابن العربي والقرطبي وصوبه الحافظ ابن حجر- وضعفه البيهقي وقال السيوطي ذكر يحيى بن سلام البصري فى تفسيره عن الكلبي انه إذا دخل اهل الجنة الجنة واهل النار النار بقي زمرة من اخر زمر الجنة فيقول لهم اهل النار (وقد بلغت النار منهم كل مبلغ) اما نحن فقد أخذنا بالشك والتكذيب فما نفعكم توحيدكم فيصرخون عند ذلك فيسمعهم اهل الجنة ويأتون آدم فذكر الحديث الى ان قال فيأتون محمّدا

ص: 476

صلى الله عليه وسلم فينطلق فيأتى رب العزة فيسجد له ثم يقول أناس من عبادك اصحاب ذنوب لم يشكّوا بك فعيرهم اهل الشرك بعبادتهم إياك فيقول وعزتى لاخرجنهم قال ابن حجر هذا لو ثبت لدفع الاشكال السابق عن الدراوردي من ذكر الإخراج فى اخر حديث الشفاعة فى الاراحة من كرب الموقف ولكنه ضعيف ومخالف لصريح الأحاديث الصحيحة ان السؤال انما يقع فى الموقف قبل دخول المؤمنين الجنة- قال السيوطي يحتمل الجمع بالتعدد مرتين مرة فى الموقف للاراحة ومرة فى الجنة للاخراج من النار من بقي من المؤمنين- قلت بل يقال بوقوع ذلك السؤال ثلاث مرات مرة فى الموقف للاراحة ومرة للاذن فى الدخول لاهل الجنة ومرة للاخراج من النار لمن بقي فيها من المؤمنين وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم ولى عند ربى ثلاث شفاعات وعدنيهن والمقام المحمود مقام الشفاعة وهى يعم كل شفاعة من الشفاعات الثلاث (مسئلة) وأنكر الخوارج والمعتزلة الشفاعة وقالوا ان اهل الكبائر إذا ماتوا من غير توبة لا شفاعة لهم ولا يخرجون من النار ابدا- وقد ورد فى الشفاعة أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر بالمعنى منها ما أخرج مسلم عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قول ابراهيم رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقول عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فرفع يديه وقال أمتي أمتي ثم بكى فقال الله تعالى يا جبرئيل اذهب الى محمّد فقل له انّا سنرضيك فى أمتك ولا نسوءك- وما اخرج البزار فى الأوسط وابو نعيم بسند حسن عن علىّ رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اشفع لامتى حتّى ينادى ربى تبارك وتعالى أرضيت يا محمّد فاقول اى رب رضيت ومنها حديث ان ربى خيّرنى بين ان يدخل نصف أمتي الجنة بغير حساب وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهى لكل مسلم وفى لفظ لمن مات لا يشرك بالله شيئا رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان والبيهقي والطّبرانى عن عوف بن مالك الأشجعي- واحمد والطبراني والبزار بسند حسن عن معاذ بن جبل وابى موسى- وأحمد والطبراني

ص: 477

والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمرو فى آخره أترونها للمتقين ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين- ومنها حديث شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي رواه ابو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وصححاه عن انس- والطبراني وابو نعيم عن عبد بن بشير بمعناه- والطبراني فى الأوسط عن ابن عمر نحوه- وفى الكبير عن أم سلمة بمعناه- والترمذي والحاكم عن جابر نحوه- واخرج عن كعب بن عجرة- وعن طاءوس قال البيهقي هذا مرسل حسن يشهد لكون هذا اللفظ يعنى شفاعتى لاهل الكبائر شائعة بين التابعين- واخرج ابن ابى حاتم فى السنة عن انس يرفعه قال ما زلت اشفع الى ربى ويشفعنى حتّى أقول اى رب شفعنى فيمن قال لا اله الا الله فيقول هذا ليس لك يا محمّد ولا لاحد هذه لى وعزتى وجلالى ورحمتى لا ادع أحدا فى النار يقول لا اله الا الله- ومنها حديث نعم الرجل انا لشرار أمتي وقال اما شرار أمتي فيدخلهم الله الجنة بشفاعتى واما خيارهم فيدخلهم الله الجنة بأعمالهم- واخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والّذي نفسى بيده انا لسيد الناس يوم القيامة بغير

فخر وما من الناس الا تحت لوائى يوم القيامة ينتظر الفرج وان معى لواء الحمد امشى ويمشى الناس معى الى باب الجنة فاستفتح فيقال من هذا فاقول محمّد فيقال مرحبا بمحمّد فاذا رايت ربى خررت ساجدا له شكرا فيقال ارفع رأسك قل تعطه اشفع تشفع فيخرج من أجرم برحمة الله وشفاعتى وفى الأوسط عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى جهنم فاضرب بابها فيفتح لى فادخلها فاحمد الله بمحامد ما حمده أحد قبلى ولا يحمده أحد بعدي ثم اخرج منها من قال لا اله الا الله مخلصا فيقوم الىّ ناس من قريش فينتسبون لى فاتركهم فى النار واخرج البخاري عن عمران بن حصين مرفوعا يخرج قوم من النار بشفاعة محمّد ويدخلون الجنة ويسمّون الجهنميون- وفى الصحيحين عن جابر مرفوعا ان الله يخرج قوما من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة- والطبراني بسند حسن عن ابن عمر مرفوعا قال يدخل من اهل هذه القبلة النار من لا يحصى عددهم الا الله بما عصوا واجترءوا على معصية الله فيؤذن لى بالشفاعة فاثنى الله ساجدا كما اثنى قائما فيقال لى ارفع رأسك وسل تعطه

ص: 478

واشفع تشفع- واخرج احمد والطبراني بسند لا بأس به عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله تبارك وتعالى قال يا محمّد انى لم ابعث نبيّا ولا رسولا الا وقد سألنى مسئلة أعطيتها إياه فسل يا محمّد تعطه فقلت مسئلتى شفاعتى لامتى يوم القيامة فقال ابو بكر يا رسول الله وما الشفاعة قال فاقول يا رب شفاعتى الّتي اختبأت عندك فيقول الرب تعالى نعم فيدخل ربى بقية أمتي فيدخلهم الجنة- ومنها حديث لكل نبى دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وانا اختبأت دعوتى شفاعة لامتى رواه الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة- ومسلم عن انس وجابر- واحمد عن عبد الله بن عمرو ابى سعيد الخدري- والبزار والبيهقي عن عبد الرّحمن بن عقيل- قال السيوطي هذا حديث متواتر- قلت فتعس من أنكر الشفاعة روى الشيخان فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب انه خطب فقال انه سيكون فى هذه الامة قوم يكذّبون بالرجم وبالدجّال ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالشفاعة ويكذّبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا- واخرج سعيد بن منصور والبيهقي وهناد عن انس قال من كذّب بالشفاعة فلا نصيب له ومن كذّب بالحوض فليس له فيه نصيب- واخرج ابو نعيم عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صنفان من أمتي لا ينالهما شفاعتى يوم القيامة المرجئة والقدرية- واخرج البيهقي عن شبيب ابن ابى فضلة المكي قال ذكروا عند عمران بن حصين الشفاعة فقال رجل يا أبا نجيد انكم لتحدثون أحاديث لا نجد لها أصلا فى القران فغضب عمران بن حصين وقال للرجل قرأت القران قال نعم قال فهل وجدت صلوة العشاء أربعا وصلوة المغرب ثلاثا وصلوة الفجر ركعتين والظهر أربعا والعصر أربعا قال لا قال فعمّن أخذتم هذا ألستم عنّا أخذتموه وأخذنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ووجدتم فى كل أربعين درهما درهم- وفى كل كذا شاة- وكل بعير كذا- اوجدتم فى القران هكذا قال لا قال ووجدتم فى القران وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ووجدتم طوفوا سبعا واركعوا ركعتين خلف المقام اوجدتم هذا فى القران او عمّن أخذتموه ألستم أخذتموه عنا وأخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بلى

ص: 479

قال اوجدتم فى القران لا جلب ولا جنب ولا شغار فى الإسلام قالوا لا قال فان الله قال فى كتابه ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وقد أخذنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أشياء ليس لكم بها علم- وذكر البغوي انه روى عن يزيد بن صهيب الفقير قال كنت قد شغبنى رأى من رأى الخوارج وكنت رجلا شابّا فخرجنا فى عصابة نريد ان نحج فمررنا على المدينة فاذا جابر بن عبد الله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجهنميين فقلت له يا صاحب رسول الله ما هذا الّذي تحدثون والله عز وجل يقول إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ- وكُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها فقال اى فتى تقرا القران قلت نعم قال

سمعت مقام محمّد المحمود الّذي يبعثه الله فيه قلت نعم قال فانه مقام محمد المحمود الّذي يخرج الله به من يخرج من النار ثم نعت الصراط وعمر الناس عليه وقال ان قوما يخرجون من النار بعد ما يكونون فيها- (فصل) فى شفاعة الأنبياء وغيرهم روى ابن ماجة والبيهقي عن عثمان مرفوعا قال يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء وأخرجه البزار وزاد فى آخره ثم المؤذنون- واخرج الديلمي عن ابن عمر موقوفا يقال للعالم اشفع فى تلامذتك ولو بلغت عدد نجوم السماء- واخرج ابو داود وابن حبان عن ابى الدرداء مرفوعا الشهيد يشفع فى سبعين من اهل بيته واحمد والطبراني مثله عن عبادة بن الصامت مرفوعا وابن ماجة مثله عن المقدام بن معد يكرب مرفوعا- واخرج البيهقي عن الحسن والحاكم وصححه والبيهقي وهنّاد عن الحارث بن قيس واحمد مثله عن ابى بردة وهناد مثله عن ابى هريرة واحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن ابى امامة قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر وفى الباب أحاديث كثيرة لا يسعها المقام تدل على شفاعة غير نبينا صلى الله عليه وسلم فان قيل لما لم يبق أحد فى النار بشفاعة محمّد صلى الله عليه وسلم فاين يكون شفاعة غيره قلت لعل شفاعة الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم يختص بأمته ولا يشتمل جميعهم وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم ينال غير أمته ايضا ولا يترك أحدا من أمته فى النار وأما غير الأنبياء فلعلهم اما يشفعون

ص: 480

الى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع لهم عند ربه واما ان يحصل لغير النبي صلى الله عليه وسلم الاذن فى الشفاعة بشفاعة محمّد صلى الله عليه وسلم فائدة قال البيهقي قوله صلى الله عليه وسلم شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي تدل على ان الشفاعة لاهل الكبائر يختص برسول الله صلى الله عليه وسلم دون الملائكة- والملائكة انما يشفعون فى الصغائر واستزادة الدرجات فائدة قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه تعقيب قوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً بعد قوله وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ يشعر بان لصلوة التهجد- مدخلا تامّا فى قيام الرجل مقام الشفاعة والله اعلم- اخرج الترمذي عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم امر بالهجرة فنزلت عليه.

وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يعنى المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يعنى مكة كذا قال الحسن وقتادة والمدخل والمخرج اسم ظرف منصوب على الظرفية او مصدر يعنى أدخلني المدينة ادخالا مرضيا لا ارى فيه ما اكره وأخرجني من مكة إخراجا مرضيّا لا التفت بقلبي إليها- وقال الضحاك معناه أخرجني من مكة مخرج صدق أمنا من المشركين وأدخلني مكة مدخل صدق ظاهرا عليها بالفتح- وقال مجاهد أدخلني فى أمرك الّذي أرسلتنى به من النبوة مدخل صدق وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علىّ من حقها مخرج صدق- وعن الحسن قال أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة- قلت الاولى ان يقال فى مقابلة أدخلني الجنة مدخل صدق أخرجني من الدنيا مخرج صدق- وقال البيضاوي أدخلني فى القبر ادخالا مرضيّا وأخرجني منه عند البعث إخراجا تلقى بالكرامة- وقيل معناه أدخلني فى طاعتك وأخرجني من المناهي- وقيل المراد إدخاله فى كل ما يلابس من مكان أو أمر وإخراجه منه اى لا تجعلنى ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه فان ذا الوجهين لا يكون أمينا عند الله وحيها- وقيل المراد إدخاله الغار وإخراجه منه سالما- ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤل اليه الخروج والدخول من مرضاة الله تعالى والنصر والعز والكرامة ودولة الدين كما وصف القدم بالصدق فقال أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ- والتحقيق فى ذلك ان

ص: 481

الصدق والكذب فى الأصل هما صفتا القول بل الخبر منه دون الإنشاء وهو مطابقة الخبر الواقع وقد يطلق على الإنشاء لتضمنه معنى الاخبار كقول القائل أزيد فى الدار يتضمن انه جاهل بحاله- وقد يستعملان فى افعال الجوارح فيقال صدق فى القتال إذا وقى حقه وفعل على ما ينبغى ومنه رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ اى حققوا العهد- وقوله تعالى صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا اى حقق ايضا- ويعبر بالصدق عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا فيضاف اليه ذلك الفعل الّذي يوصف به ومنه قوله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ- ولَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ- ورَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ- واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فان ذلك سوال بان يجعل الله ذلك صالحا بحيث إذا اثنى عليه أحد كان صادقا والله اعلم وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) قال مجاهد حجة بينة وقال الحسن ملكا قويا تنصربه على من ناوانى وعزّا ظاهرا أقيم به دينك- فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له- قال قتادة علم نبى الله صلى الله عليه وسلم ان لا طاقة له بهذا الأمر الا بسلطان نصير من الله تعالى فسال سلطانا نصيرا لكتاب الله وحدوده واقامة دينه- قلت بل علّمه الله ذلك وامره بان يسئل منه تعالى سلطانا نصيرا- قيل سال رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة وملكا ينصر الإسلام على الكفر فاستجاب الله له بقوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ-

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ

- لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ

وَقُلْ يا محمّد عند دخولك مكة حين فتحت جاءَ الْحَقُّ اى الإسلام وعبادة الله وحده او القران وَزَهَقَ الْباطِلُ اى ذهب وهلك الشرك وعبادة الأصنام من زهق روحه إذا خرج إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) اى حقيقا للزهوق وعدم الثبات لبنائه على ما لا اصل له- عن ابن مسعود رضى الله عنه قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ

وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي واخرج الطبراني فى الصغير وابن

ص: 482

مردوية والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس نحوه-.

وَنُنَزِّلُ قرا البصريان بالتخفيف من الافعال والباقون بالتشديد من التفعيل مِنَ الْقُرْآنِ من للبيان ما هُوَ شِفاءٌ من امراض الكفر والجهالات جلاء لظلمات القلوب والأنفس- ماح لكدورات القلبية والقالبية والنفسانية- دافعة لرذائلها- وقيل من للتبعيض والشفاء الشفاء من الأمراض الظاهرة والمراد من بعض القران ما هو يشفى السقيم كالفاتحة ونحوها- وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بالشفاءين العسل والقران وقد مر فى سورة النحل وَرَحْمَةٌ من الله تعالى لِلْمُؤْمِنِينَ اى للذين أمنوا وانتفعوا به خاصة يفيد لهم الفوائد الدينية والدنيوية والاخروية وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ اى المنكرين بالقران إِلَّا خَساراً (82) لتكذيبهم وكفرهم به قال قتادة لن يجالس هذا القران أحد إلا قام عنه بزيادة او نقصان قضى الله تعالى الّذي قضى شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ بالصحة والسعة او بنزول القران أَعْرَضَ عن ذكر الله يعنى لم يشكره وَنَأى قرا الجمهور على وزن رمى بمعنى تباعد وقرا ابن ذكوان هاهنا وفى فصلت على وزن جاء ومعناه نهض وقيل معناه بعد كذا فى القاموس وابو جعفر وابو محمّد والمال واحد أمال الكسائي وخلف فتحة النون والهمزة هاهنا وفى فصلت وامال خلاد فتحة الهمزة فيهما فقط وقد روى عن ابى شعيب مثل ذلك وامال أبو بكر فتحة الهمزة هاهنا وأخلص هناك والباقون بفتحهما وورش على أصله فى ذوات الياء بِجانِبِهِ اى لوى عنقه وبعد بنفسه كانه مستغن عنه وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ من مرض او فقر كانَ يَؤُساً (83) شديد اليأس والقنوط من روح الله-.

قُلْ كُلٌّ اى كل واحد من الناس الشكور والكفور يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ قال ابن عباس على ناحيته اى جانبه الّذي يميل اليه من الهدى او الضلال- وقال الحسن وقتادة على نيته يعنى من كان يميل الى الدنيا ينوى بعمله صلاح الدنيا ومن كان يميل الى الآخرة ينوى بعمله وجه الله وصلاح الاخرة- وقال مقاتل على جبلته وقال الفراء على طريقته الّتي جبل عليها- وقال القتيبى

ص: 483

على طبيعته وخليقته ومال الأحوال الثلاثة واحد يعنى على حسب استعداده الّذي أودع الله فيه فهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له في حديث متفق عليه عن على رضى الله عنه مرفوعا وعن ابى الدرداء قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نتذاكر ما يكون إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا فانه يصير الى ما جبل عليه رواه احمد- والاستعداد عبارة عن الكيفية الحاصلة لكل أحد باعتبار علته الفاعلية والمادية اما باعتبار علته الفاعلية فكونه ظلا من ظلال الاسم الهادي او الاسم المضل واما باعتبار علته المادية فهو الكيفية المزاجية الحاصلة من تركيب العناصر الاربعة وانما اختلاف شهوات النفوس على حسب اختلاف ثوران بعض العناصر دون بعض واختلاف طبائع الاجزاء الارضية كما مر قوله صلى الله عليه وسلم فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب- وقيل على شاكلته اى سبيله الّذي اختاره لنفسه قال البيضاوي اى على طريقته الّتي تشاكل حاله فى الهدى او الضلالة او جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه وفى القاموس الشكل الشبه والمثل وما يوافقك ويصلحك وصورة الشيء المحسوسة والمتوهمة والشاكلة الشكل والناحية والنية والطريقة والمذهب فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (84) اى اسدّ طريقا وأبين منهجا يعنى من هو على طريقة موصلة الحق من العقائد والأعمال ومن فى طريقته اعوجاج قليل او كثير والله أعلم- اخرج البخاري عن ابن مسعود قال كنت امشى مع النبي صلى الله عليه وسلم فى حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح وقال بعضهم لا تسئلوه لا يجيء الا بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسئلنه فقام رجل منهم فقال يا أبا القاسم ما الروح فسكت فقلت انه يوحى اليه فقمت فلما انجلى عنه الوحى قال.

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ اى الّذي يحيى به بدن الإنسان ويدبره قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي اى من الإبداعيات الكائنة بقوله كن من غير مادة ولولد عن

ص: 484

اصل كاعضاء الجسد ولما كان هذا غاية البيان باللسان على قياس فهم السائلين بحيث يحصل به امتياز الروح عن سائر الماديات ولم يكن مفيدا للعلم بحقيقته المسئولة بقولهم وما الروح اعتذر عنه وقال وَما أُوتِيتُمْ ايها السائلون مِنَ الْعِلْمِ بالأشياء الكائنة إِلَّا قَلِيلًا (85) اى ما تستفيدونه بتوسط حواسكم فان اكتساب العقل للمعارف النظرية انما هو من الضروريات المستفادة من احساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسّا فقد فقد علما ولعل اكثر الأشياء لا يدركها الحس فلا يحصل عنده ذاتياتها فلا يدرك بعضها الا بعوارض تميّزه عما يلتبس به والألفاظ انما وضعت بإزاء أشياء محسوسة او معقولة منتهية اكتسابها الى أشياء محسوسة ولذلك اقتصر موسى عليه السلام فى جواب قول فرعون وما ربّ العلمين بذكر بعض صفاته- وهذه الاية لا يقتضى نفى العلم بالروح للنبى صلى الله عليه وسلم ولاصحاب البصائر من اتباعه- فان طور علمهم وراء طور علم العالمين بتوسط الحواس والاكتساب فانهم يلهمون من الله تعالى حقائق الأشياء بلا توسط الحواس والاكتساب- فان لقلوبهم اسماع يسمعون بها ما لا يسمعه الاذان وأبصار يبصرون بها ما لا يبصره العيون- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لا يزال عبدى يتقرّب الىّ بالنوافل حتّى أحببته فاذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به الحديث- وقد أدرك اصحاب البصائر حقيقة الروح وظهر لهم ان لكل انسان خمسة من الأرواح العلوية- والروح السفلى المسمى بالنفس سادسها- والخمسة القلب والروح والسر والخفي والأخفى- يمتاز عندهم كل منها عن الاخر ذاتا وصفاتا- ويعرفونها كما يعرفون أبناءهم- وقد يشتبه عند بعضهم بعضها ببعض- بل قد تشتبه هى لاجل لطافتها بمراتب الوجوب- حتّى قال بعضهم عبدت الروح ثلاثين سنة ثم اظهر الله تعالى حقيقته وإمكانه وحدوثه عليه- فقال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ- فان قيل اخرج ابن مردوية عن عكرمة انه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب قال بل نحن وأنتم فقالوا ما اعجب شأنك ساعة تقول وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً- وساعة تقول هذا- فنزلت وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الاية وهذه الرواية تدل على ان النبي

ص: 485