الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقول هي التي أعرف من خلالها أن هذا إكراه داخل في مراد اللَّه في قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} .
فقاعدة (لا إكراه في الدين) أرادوا بها أن تكون (عذرًا) في ترك تطبيق الشريعة إن رفضت الأكثرية، وهي في الحقيقة تلغي تطبيق الشريعة بالكلية ولو أرادت الأكثرية!
أرأيتم كيف ظهرت إشكالية التلفيق؟
يريد حكم الشريعة، ويريد حكم الأكثرية، فيأتي بمفهوم خاطئ لقوله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فيتورط معه لأنه يؤدي به إلى تعطيل الشريعة وعدم الحكم بها أبدًا!
ويجعل {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} عامًا يشمل الحكم بالشريعة فيتورط لأنه يؤدي لإلغاء كل الإلزامات في الشريعة حتى تكون رسالة روحية علمانية!
مناقشة الأصل التلفيقى الثاني:
يقول هذا الأصل: إن سيادة الشريعة جانب ديني، وحتى يحمل صفة (المشروعية السياسية) لا بد له من الرجوع إلى رأي الأكثرية!
من طبيعة أي تلفيق أنه يحتاج لحذف شيء من أحد الطرفين حتى يستطيع أن يلفق بينهما.
والذي حصل هنا أنه حصل حذف في أحكام الإسلام فجُعلت دينية وليست سياسية، وهذا مفهوم لا تعرفه الشريعة.
لماذا؟
لأن الشريعة نظام حياة ونظام دولة وليست رسالة روحية منزوية عن الواقع، فالأحكام الدينية حسب تصور الإسلام، هي أحكام سياسية.
فأي حكم في الواقع يخالف الشريعة فالمسلم مأمور بتغييره (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده)(1)، وأحكام الإسلام يجب أن تكون هي الحاكمة والفيصل بين الناس في حقوقهم ومنازعاتهم {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وأي قرار سياسي يجب ألا يخالف الشريعة وإلا فلا اعتبار له (إنما الطاعة في المعروف)(2)، إما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (3)، وأي نظام فمشروعيته مقيدة بالشريعة (إلا أن تروا كفرًا بواحًا)(4).
فحين تستحضر هذه الأحكام يتضح لك صورة الأحكام في الإسلام، فالأحكام الدينية هي أحكام سياسية، والأحكام السياسية لا مشروعية لها إن خالفت الأحكام الدينية، فتصور الحكم الديني منعزلًا عن الحكم السياسي هي رؤية علمانية لا علاقة لها بالشريعة (5).
فحين يقول إن تطبيق الشريعة واجب دينًا، لكنه يحتاج لمشروعية سياسية، فهو يتحدث عبر منطق مختلف عن الشريعة، فوجوب تطبيق الشريعة هو تطبيقها
(1) أخرجه مسلم برقم (186).
(2)
أخرجه البخاري برقم (7257) ومسلم (1840).
(3)
أخرجه البخاري برقم (7144) ومسلم (4763).
(4)
أخرجه البخاري برقم (7056) ومسلم (4771).
(5)
بيان محكمٌ ومتين عن هذه الجزئية تجده في مقال: (المضمون العلماني في الاتجاه التنويري، لمشروعية السياسية) للشيخ الفاضل أحمد سالم، مجلة البيان، عدد 303، ذو القعدة 1433 هـ.