المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شرح الخطابي (أعلام السنن): - مقارنة بين شروح كتب السنة الستة - جـ ١

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌شرح الخطابي (أعلام السنن):

هذه الشروح الستة هي أهم شروح البخاري في الجملة، وإن كانت متفاوتة، وفيها كلام طويل يحتاج إلى

، وأنا أتصور أن لو فتح الباري فقط خصص له أسبوع لما كفى، لكن مثلما ذكرت نقتصر على أهم المهمات ولعل البخاري وشروحه يكفيه اليوم مع الغد، وإن احتجنا إلى شيءٍ من يوم الاثنين، وإلا هو مخصص لصحيح مسلم -إن شاء الله تعالى-.

‌شرح الخطابي (أعلام السنن):

فأولاً: أعلام الحديث، أو أعلام السنن، نعم شهرة الكتاب بأعلام السنن، وإن كان المحقق رجح من خلال النسخ الخطية أعلام الحديث أعلام السنن لأبي سليمان حمد كذا ضبطه (حمد) سماه أهله حمد كما يقول عن نفسه، وإن قال كثير من الناس أنه أحمد، وليس محرك الميم كما هو الاستعمال الشائع الآن (حَمَد) لا، هو (حَمْد) ولذا يقول الحافظ العراقي في تعريف الحسن:

والحسن المعروف مخرجاً وقد

اشتهرت رجاله بذاك حد

حَمْد وقال الترمذي: ما سلم

من الشُّذوذِ معَ رَاوٍ ما اتُّهِمْ

حَمْد –يعني الخطابي- بذاك حد، وقال الترمذي ما سلم .. الخ.

ص: 9

المقصود أن ضبطه (حَمْد) أبو سليمان حَمْد ابن محمد بن إبراهيم الخطابي نسبةً إلى زيد بن خطاب البستي الشافعي المتوفى سنة ثمانٍ وثمانين وثلاثمائة، هذا الكتاب مختصر جداً، يقول عنه القسطلاني:"هو شرح لطيف فيه نكت لطيفة، ولطائف شريفة"، واعتنى الإمام محمد التيمي بشرح ما لم يذكره الخطابي مع التنبيه على أوهامه، الكتاب يعتبره مؤلفه مكملاً لكتابه معالم السنن؛ لأنه صنف معالم السنن لشرح سنن أبي داود قبل أعلام السنن أو أعلام الحديث، فجعل أعلام الحديث أو أعلام السنن مكملاً لما ذكره في معالم السنن، يقول في المقدمة:"وقد تأملت المشكل من أحاديث هذا الكتاب فوجدت بعضها قد وقع ذكره في معالم السنن مع الشرح له والإشباع في تفسيره، فرأيت الأصوب أن أخليها من ذكر بعض ما تقدم شرحه، وبيانه هناك متوخياً الإيجاز فيه مع إضافة إليه ما عسى أن يتيسر في بعض تلك الأحاديث من تجديد فائدة، وتوكيد معنىً زيادةً على ما في ذلك الكتاب ليكون عوضاً عن الفائت وجبراً للناقص منه"، يقول:"ثم إني أشرح بمشيئة الله الكلام في سائر الأحاديث التي لم يقع ذكرها في معالم السنن"، نعم في البخاري أحاديث زائدة على ما في سنن أبي داود والعكس عند أبي داود من الأحاديث ما ليس في الصحيح، "ثم إني أشرح بمشيئة الله الكلام في سائر الأحاديث التي يقع ذكرها في معالم السنن، وأوفيها حقها من الشرح والبيان، فأما ما كان فيها من غريب الألفاظ اللغوية فإني أقتصر من تفسيره على القدر الذي تقع به الكفاية في معارف أهل الحديث الذين هم أهل هذا العلم، وحملته دون الإمعان فيه والاستقصاء له على مذاهب أهل اللغة من ذكر الاشتقاق والاستشهاد بالنظائر ونحوها من البيان لئلا يطول الكتاب.

ص: 10

لا شك أن شرح الخطابي بهذه الصفة كما وصفه مؤلفه يذكر الغريب على وجهٍ موجز خشية أن يطول الكتاب، يقول:"ومن طلب ذلك وجد العلة فيه مراضةً بكتاب أبي عبيد ومن نحا نحوه في تفسير غريب الحديث"، يعني من أراد الاستقصاء في شرح الغريب –غريب ما يقع في الصحيح- فعليه بغريب أبي عبيد، غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وهو من الأئمة الثقاة المعروفين المشهورين في الغريب في اللغة وفي الحديث أيضاً، إمام أبو عبيد القاسم بن سلام إمام من أئمة المسلمين، وهو موثوق في نقله، وهو أيضاً سليم من حيث اعتقاده، فكتابه من أنفس الكتب، كتب الغريب أُلف فيه من معاصريه ألف أبو عبيدة معمر بن مثنى لكنه دونه في الثقة والمرتبة، وأيضاً غريب الحديث للنضر بن شميل، والفائق في غريب الحديث للزمخشري، والدلائل لقاسم بن ثابت، وكتب الغريب كثيرة جداً كما ذكرت، ومن أراد أن يقتصر على كتابٍ واحد في الغريب فعليه بكتاب ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، لكن من أراد أن يجمع فهذه أشهر كتب الغريب، في غريب الحديث للخطابي أيضاً صاحب هذا الكتاب، وغريب الحديث لابن الجوزي، مجموعة من أهل العلم صنفوا في غريب الحديث.

شرحه للأحاديث متفاوت، شرح الخطابي للأحاديث متفاوت طولاً وإيجازاً حسب أهمية الحديث وما يستنبط منه، وحسب غموض ألفاظه ووضوحها، فمثلاً: حديث (الدين النصيحة) شرحه في سبع صفحات، وحديث ابن مسعود في تخول النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالموعظة شرحه بأربعة أسطر، تفاوت، لكن يرى أن ذلك الحديث مهم، والحاجة إلى إيضاحه وبيانه قائمة بخلاف حديث التخول بالموعظة؛ لأنه واضح ولا يحتاج إلى إطالة، المؤلف الخطابي شافعي المذهب، يرجح في الغالب مذهب الإمام الشافعي، قد يرجح غيره إذا كان الدليل لا يحتمل التأويل لا سيما إذا كان القول الثاني له وجه عند الشافعية.

الكتاب أعني البخاري –صحيح البخاري- بالنسبة للخطابي مروي من طريق إبراهيم بن معقل النسفي إلا أحاديث من آخره فرواها من طريق الفربري، رواية النسفي في الكتاب تنتهي في صفحة (1795) من الجزء الثالث.

ص: 11

مسائل الاعتقاد في الكتاب فيها خلط، وفيها أيضاً خبط عجيب، سلك فيه مسلك الخلف في التأويل، وفي نفي الصفات، في صفحة (529) من الجزء الأول قال:"فالذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن نعلم أن ربنا عز وجل ليس بذي صورة ولا هيأة، فإن الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله وعن صفاته منفية، قد يتأول معناها على وجهين فذكرهما" سلك مسلك التأويل في كثير من الصفات، أوّل صفة (الضحك) بما لا يتلائم مع مذهب السلف كما في صفحة (1365و1367و1368) من الجزء الثاني، وفي الجزء الثالث قرر أن الأسماء والصفات لا تثبت، وضع قاعدة، قرر أن الأسماء والصفات لا تثبت إلا بكتاب ناطق، لا بد أن يكون دليلها من القرآن، أو خبر مقطوع بصحته، فإن لم يكونا فيما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصلٍ، فإن لم يكونا يعني إن لم يكن نص من القرآن أو من الخبر المقطوع بصحته ويقصد بذلك المتواتر، يقول: إن لم يوجد من القرآن أو من المتواتر فبما يثبت من أخبار الآحاد المستندة إلى أصلٍ في الكتاب أو في السنة المقطوع بصحتها، أو بموافقة معانيها، يعني أن الأسماء والصفات لا تثبت إلا بالنصوص القطعية، ويقصد بذلك الآيات والأحاديث المتواترة، أما أحاديث الآحاد وأخبار الآحاد وهي عنده لا تفيد إلا الظن فلا تثبت بها العقائد، ومنها الأسماء والصفات، يقول: وما كان بخلاف ذلك فالتوقف عن إطلاق الاسم به هو الواجب، ويتأول حينئذٍ على ما يليق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقاويل أهل الدين والعلم مع نفي التشبيه فيه، يقول: هذا هو الأصل الذي نبني عليه الكلام، ونعتمده في هذا الباب، يقول -لأن الكلام بمناسبة حديث الأصابع- يقول:"وذكر الأصابع لم يوجد في شيءٍ من الكتاب ولا من السنة التي من شرطها في الثبوت ما وصفناه" يعني ثبوتها ليس بقطعي وإن كانت في صحيح البخاري، هذا القول يقول به كثير من المتأخرين الذين يسمون الخلف، وهم بإسكان اللام أحرى، في صفحة (2238) تأول صفة (الفرح) بالرضا بالتوبة وقبولها، يقول:"والفرح الذي تعارفه الناس في نعوت بني آدم غير جائز على الله عز وجل" نعم، الفرح الذي يشبه فرح المخلوق لا يقال به بالنسبة لله سبحانه وتعالى، وإنما يثبت الفرح على ما يليق

ص: 12

بجلاله وعظمته كما هو معروف من منهج أهل السنة والجماعة.

التردد، قوله سبحانه: ((ما ترددت في شيء

)) هذا في الحديث الصحيح –حديث قدسي- صفحة (2259) قال: "التردد في صفة الله عز وجل غير جائز"، ثم تأوله على وجهين فذكرهما، هذا منهجه في تقرير مسائل الاعتقاد في هذا الكتاب، وفي معالم السنن أيضاً، لكن الذي نقل عنه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الجزء الخامس صفحة (58 و59) بواسطة رسالته في الغنية عن الكلام وأهله، نقل عنه شيخ الإسلام ما يخالف هذا الكلام، ولعله رجع عن مسلكه السابق.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- نقلاً عن الخطابي: يقول: "فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجرائها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريق المستقيم بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي والجافي والمقصر عنه، والأصل في هذا –كلام نفيس- والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات -هذا كلام الخطابي- ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات الباري –سبحانه- إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجودٍ لا إثبات تحديدٍ وتكييف، فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: أن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: أنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات" هذا كله كلام الخطابي مما نقله عنه شيخ الإسلام.

ص: 13