الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله سبحانه: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} الآية (41).
وقد اشتركت السورتان في إقامة معالم التوحيد وتجلية آياته إِلى غير ذلك من المناسبات.
مقدمة السورة
افتتحت هذه السورة الكريمة بوصف القرآن الكريم، بأنه الكتاب الحكيم، وبيان أنه لا عجب في أَن ينزل الله الوحى على رجل من البشر لينذرهم بالعقوبة إن ظلوا كافرين، ويبشرهم بالمثوبة إن استجابوا مؤمنين، ثم تلا ذلك بيان أنه تعالى: أَبدع السموات والأَرض في ستة أَيام، وأنه لا شفيع إلا بإِذنه وأن المرجع إليه بعد الموت فكما بدأ الخلق يعيده، ثم ذكر الله بعد ذلك بعض آياته الكونية وما اشتملت عليه من المنافع لخلقه، ثم حذر من الاطمئنان إلى الحياة الدنيا والغفلة عن آياته، وانذرهم بقوله:{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . وبشر المؤمنين بجنات النعيم بقوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ثم بين أنه تعالى أهلك القرون السابقة لكفرهم وجعل المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم خلفاءَ في الأرض من بعدهم لينظر كيف يعملون.
ثم ذكر تبجيح المشركين بطلبهم أن يأَتيهم الرسول بقرآن غير هذا أو يبدله، فأمر رسوله بأن يقول لهم: إن ذلك ليس من شأْنه فإنه يتبع ما يوحى إليه، وأَنه لبث فيهم عمرا وهو معروف بينهم بالصدق والأمانة فكيف لا يعقلون أَن مثله لا يفترى على الله.
ثم نعى عليهم عبادة غير الله وزعمهم أَن الأَصنام شفعاء لهم عنده، في حين أَن الله لا يسمح لها بالشفاعة فهو أَعلم بحالها، فلماذا ينبئون كذبًا بما هو أعلم بحقيقته من عدم صلاحيتها للشفاعة ولا لضرهم ونفعهم بأَى وجه من الوجوه.
ثم ذكر فضله عليهم بتسييرهم في البر والبحر وأنهم حين تحيط بهم أَسباب الهلاك في البحر يدعونه لينقذهم، فإذا أَنقذهم عادوا إلى بغيهم في الأَرض مع أن بغيهم على أنفسهم.
ثم ضرب مثلا للحياة الدنيا يفيد أَنها سريعة الزوال فقد مثلها بالأَرض المخضرة، التي أَصاب زرعها اليبس والجفاف فجأَة، فكانت حصيدًا كأَن لم تغن بالأَمس، وذكر أَنه تعالى يدعوهم إلى دار السلام، ويهدى عباده إلى صراط مستقيم فمن آمن فله الحسنى وزيادة، والذين كسبوا السيئات ليس لهم من الله من عاصم، ثم بين أنه هو الذي يرزق عباده من السماءِ والأَرض، ويمنح السمع والبصر ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأَمر كله أَما شركاؤهم فليس لهم من ذلك ولا من غيره شيء.
ثم بين أنه ليس مستقيمًا ولا معقولًا أن يفترى محمَّد القرآن، وتحداهم أن يأْتوا بسورة مثله ويستعينوا على ذلك بمن شاءُوا من دون الله، ونعى عليهم أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهددهم بمصير من تقدمهم من المكذبين.
ثم بين أَنهم ينقسمون في شأْن القرآن إيمانًا وكفرا، وأَمر نبيه صلى الله عليه وسلم أَن يقول لمكذبيه:{لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .
ثم بين أَن مرجعهم إِلى الله وأَنه شهيد على ما يفعلون، وأَنه سيقضى بين الأُمم بالقسط وهم لا يظلمون، وأن مصير الكافرين الظالمين لأنفسهم عذاب الخلد جزاء بما يكسبون من الكفر والمعاصي، وبين أنه لا مجال لقبول فدية من عذاب الله في الآخرة، ثم قال في حق القرآن الكريم.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} . ثم بين أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم هم. {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ} .
ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه لتذكيرهم نبأَ نوح وقومه، كذبوا بآيات الله ولم ينفعهم تذكيره لهم، فنجاه الله ومن معه في الفلك من المؤمنين واغرق جميع المكذبين.
ثم ذكر طائفة من أنباءِ المرسلين، وما أصاب أَقوامهم من إِهلاك بسبب تكذيبهم لهم ثم قال في أعقاب قصصهم:{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ثم بين أَن كل قرية لو أَنها آمنت قبل أَن ينزل بها العذاب، لنفعها إيمانها، ولكشف الله عنها عذاب الخزى كما فعل بقوم يونس، فإنهم لما آمنوا قبيل مجىء العذاب كشف الله عنهم عذاب الخزى، ومتعهم إلى حين فكانوا مثلا حسنًا في حسن الرأْى ونضج التفكير.
ثم أمر الله نبيه أن يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
ثم أمره في آخر السورة أن يخبر الناس بأن الحق جاءَهم من ربهم. {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} وحضه في ختامها على الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
{آلر} : قال السلف فيها وفي أَمثالها: الله أَعلم بمراده: ويأْتى تفصيل الحديث عنها في الشرح.
{الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} : القرآن المشتمل على الحكمة وهي إِصابة الحق.
{قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : مكانة سابقة محققة في حسن الجزاءِ عند ربهم في الجنة والقدم والقدمة بضم فسكون: السابقة في الآمر.
{لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} : أي لساحر بين السحر واضحه: كذا قال الكافرون وهم كاذبون.
التفسير
1 -
{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} :
{الر} تقدم الكلام مبسوطا على فواتح السور المماثلة لهذه في البقرة وآل عمران والأَعراف ونجمله هنا فنقول: إن السلف يعدونها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه ولذا فهم يفوضون في مثل ذلك قائلين: الله أَعلم بمراده، وكثير من العلماءِ جنح إلى التأويل، فمنهم من قال إنها أَسماءٌ للسور التي تصدرتها، ومنهم من قال: هي فواصل بين
السور التي قبلها والسور التى تليها، ومنهم من قال غير ذلك: وخير ما قالوه: إنها أَسماءُ حروف عربية جعلت في صدر السور لتنبيه الأسماع والقلوب إِلى ما فيها من أعظم أَساليب البلاغة والفصاحة وما اشتملت عليه من التشريعات الحكيمة وأَخبار الغيب ونواميس الأخلاق الكريمة، وغير ذلك من الروائع الناطقة بإعجاز القرآن للبشر وصدوره عن الله تبارك وتعالى كما أن فيها الرمز إِلى التحدى، بالإشارة إلى أن القرآن مؤلف من جنس ما ينظم العرب منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، وجب التسليم بأنه من عند الله وأن محمدا لايستطيع أن يأْتى به فهو فوق مستوى البشرية جميعًا كما هو فوق مقدرة الإِنس والجن مجتمعين {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} :
هذه الآيات الرفيعة الشأْن، التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة هي آيات القرآن العظيم الذي أُحكمت آياته، واشتمل على ضروب الحكمة وشتي فنونها فهو خاتمة الكتب السماوية والمهيمن عليها.
2 -
{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ..... } الآية.
كان للمشركين في شأْن الرسالة مواقف، فتارة بنكرون أن يكون الرسول بشرا، كقولهم {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} ويرون أنه تعالى لو أَراد أن يرسل رسولًا فإنه يختاره من الملائكة، وذلك ما حكاه الله عنهم بقوله:{لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} روى عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن الكفار قالوا لما بعث محمد: إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا.
وتارة يزعمون أن الله لو أَرسل رسولًا من البشر، فإنه يرسله من عظماء قومه في المال والجاه، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله:{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (1) ومن أَقبح ما جهلوا به في هذا الشأْن قولهم الْعجب أن الله تعالى لم يجد رسولًا يرسله إِلى الناس إِلا يتيم أبي طالب، وتلك النظرة الجاهلة ناشئة عن فرط
(1) آية 31 من سورة الزخرف.
قصورهم في التفكير، وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة، وقد كان أَكثر رسل الله خفاف الحال في شئون الدنيا، ثقال الموازين في الشرف وطيب المحتد، وكان صلى الله عليه وسلم واسطة عقدهم في جلائل الأَخلاق وشرف المنبع، فقد كان من أَعز أرومة في الجزيرة العربية والآية تنكر عليهم عجبهم من أَن يكون الرسول بشرا.
والمعنى: لا يصح لهؤلاءِ الناس أَن يتعجبوا من أننا أَوحينا إلى رجل منهم، أن ينذر الناس ويخوفهم عقاب الله إن عصوه وكفروا به، ويبشر الذين آمنوا برسالته، وعملوا الصالحات بأَن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاءِ عند ربهم، فالنبوة للبشر لا للملائكة، كما تشهد به الكتب السماوية والتفاوت بين الناس ليس بالمال، ولا بالزعامة بل بالعقل والكمال والاستقامة، ورب رجل في أَعلى عليين بعقله وفضله، وآخر في أَسفل سافلين بجهله وحمقه، فما لهؤلاء المشركين ينكرون نُبُوةَ البشر ويطلبون رسلا من الملائكة، مع أنهم يستسيغون أُلوهية الحجر، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
وسميت سابقة الفضل قَدَمًا؛ لأَن السبق غالبا يكون بالقدم، فهي التي يسعى بها المؤمن إِلى الصالحات، في أَكثر الحالات، كما سميت النعمة يدا لأَنها تعطى باليد غالبا.
وأَضيفت القدم إِلى الصدق للإيذان بأَنهم ينالونها بصدق القول والعمل والنية {قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} :
أي قال الكافرون إِن محمدا لساحر ظاهر السحر، والآية تشير إلى أن الرسول لم تقصر معجزاته على القرآن الذي هو أَقوى معجزاته، بل أَظهر لهم خوارق ومعجزات أُخرى غير القرآن الكريم، فوصفوه لهذا كله بأَنه ساحر مبين، وقد كذبوا فيما زعموه، فما هي إِلا آيات الحق المبين:
وكيف يترك الله ساحرا متقولًا علي الله ولا ينتقم منه، وصدق الله إِذ يقول {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} .
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ
شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ
مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}
المفردات:
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} : أي في ستة أَوقات لا يعلم مداها إلا الله تعالى أمَّا اليوم المعروف فإنه لم يحدث إلا بعد خلق السموات والأرض.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : ثم استولى عليه، ومنه قول الشاعر استوى بشر على العراق.
من غير سيف ودم مهراق.
أي ثم استولى على العرش ليدبر شئونه وشئون الكون كُله، ولم يغلبه عليه أَحد، فهو وحده الخالق الدبر، وسيأتى في المعنى الحديثُ عن العرش.
{بِالْقِسْطِ} : بالعدل. {شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ} : شراب من ماء شديد الحرارة.
التفسير
3 -
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} :
جاءَت هذه الآية لإظهار بطلان تعجبهم من أن الله أَرسل إليهم رجلًا منهم لينذرهم ويبثسرهم، ولبيان خطيئتهم في وصفه بأنه ساحر مبين.
والمعنى: إن ربكم ومالك أموركم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أَوقات بعيدة المدى لا يعلمها إِلا الله، اقتضاها تطوير خلقها من دخان إِلى نجوم وكواكب وأرضين يابسات، ثم استوى على العرش وملك سلطان الكون وهيمن عليه، فكيف تعجبون من أَنه أَوحى إلى رجل منكم هو في أعلى درجات الكمال الإنسانى ليبلغكم شريعته، ويحذركم نقمته إن عصيتموه، ويبشركم بحسن العاقبة إن أطعتموه، وكيف تصفونه وهو الصادق المصدوق بأنه ساحر مبين، مع أنه لم يمارس السحر طول حياته وقد عرفتموه فيما بينكم بالصادق الأَمين، فهل يعقل عاقل أن يؤيد الله رب هذا الملك والكون وخالق هذه الأرض والسموات وصاحب هذا العرش والسلطان، كيف يعقل أن يؤيد بشرًا بالمعجزات وهو غير صادق في دعوى الرسالة وكيف تصفون من أيده الله بأنه ساحر مبين.
واعلم أيها الأخ المسلم، أنه لا ينبغى أَن تورط نفسك في فهم المراد من اليوم، فأَيام الله من شأْنه وحده، ولا علم لنا بها، فتارة يكون يومه تعالى كألف سنة مما تعدون، وأخرى يكون كخمسين أَلف سنة، وثالثة يكون أقل أو أكثر من ذلك بما لا يعلمه إلا الله، واليوم في هذه الأيام الستة يمثل طورًا من أَطوار التكوين، وربما جاوز ملايين السنين فدع تقديره لمن هو أعلم به جل وعلا.
أما اليوم الذي يطلق تارة على النهار الواحد أَو على مجموع ليل ونهار فإنه لم ينشأَ إلا بعد تكوين الشمس والقمر والأرض ودورانها حولها وهو خاص بأَرضنا هذه، ولكل كوكب نهاره وليله اللائقان بحجمه وبما خلق من أَجله.
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} :
ويطلق العرش في اللغة حقيقة على سرير الملك ومجازًا على العز والسلطان، ويطلق الاستواء على الاعتدال وعلى الإقبال وعلى الاستيلاء.
والمعنى اللائق باستوائه سبحانه على العرش هو استيلاؤه على سلطان الكون وتمكنه منه ومن تدبيره دون شريك، أَما تفسيره بمعنى الاعتدال والجلوس على سرير الملك، فهو أمر يجب تنزيه المولى عنه؛ لأنه ليس جسما ولا مادة وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
والسلف لا يؤولون ويأْخذون بظاهر النص، ولكنهم ينزهون المولى عن أَن يكون استواؤه على العرش، كالذى يحدث من الملوك، بل هو أَمر يليق ينزهه تعالى عن مشابهة الحوادث ويجل عن تصور العقول.
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} :
شروع في بيان شئونه المترتبة على ملكه وسلطانه سبحانه وتعالى، وتدبير الأمر معناه لغة النظر في أَدبار الأُمور وعواقبها، لتجىءَ محمودة العاقبة.
والمعنى: يقدر الله أمور الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به مشيئته، ومن ذلك أَمر الرسالات والرسل كما قال تعالى:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1).
{مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} :
في هذا النص الكريم تقرير لعظمته عز وجل واستقلاله في التدبير، ورد على من زعم منهم أَن آلهتهم تشفع لهم عند الله.
والمعنى: ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأَوقات، إِلا من بعد إذن الله المبنى على الحكم الباهرة، وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأَخيار، والمشفوع له ممن تليق به الشفاعة من عصاة المؤمنين.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} :
ذلكم الموصوف بتلك الأوصاف الجليلة هو الله ربكم المنعم المتفضل عليكم الذي يدعوكم رسوله محمد إلى عبادته، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، أَتغفلون عن مصلحتكم فلا تتعظون بتلك المواعظ وغيرها مما ينزل به القرآن الكريم.
4 -
{إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} :
إلى الله تعالى وحده رجوعكم جميعًا بالبعث والحشر لا إلى غيره، وعد الله ذلك وعدا حقا لا خلف فيه، فامتثلوا أمره واجتنبوا نههيه، لتنالوا ثوابه وتنجوا من عقابه.
(1) سورة الأعراف، من الآية:(54)
ثم بين قدرته على البعث والحكمة فيه فقال:
إنه يبدأُ الخلق لا على مثال سبق، ثم يعيده في النشأَة الأُخرى على ما كان عليه، ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات بعدله تعالى على حسب أعمالهم كما وكيفا، ويزيدهم من فضله.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} :
والذين كفروا بالله ورسله، ولم يهتموا بالآيات والنذر ولم يؤمنوا بيوم الحساب، لهم شراب من ماءٍ شديد الحرارة يغلى في البطون كغلى الحميم، ولهم فوق ذلك عذاب شديد الإيلام بسبب إصرارهم على كفرهم واستمرارهم عليه.
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ
اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ}
المفردات:
{جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} : أَي جعلها ذات ضياءٍ، ويصح أَن يكون هذا التعبير على المبالغة، بجعلها نفس الضياء، ومثل ذلك يقال في جعل القمر نورًا.
{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} : أَي وقدر كلا من الشمس والقمر ذا منازل، ينزل فيها وينتقل إِليها بنظام دقيق في مداره الفلكى.
{مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} : أَي ما خلقه إلَاّ مقرونا بالحكمة والمصلحة.
{إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : أَي في تعاقبهما وكون كل واحد منهما خِلفة للآخر، أَو في تخالفهما ظلمة وضياء وطولا وقصرًا وغير ذلك.
التفسير
5 -
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} :
بعد أَن نبه الله عباده إِلى أنه سيعيدهم في النشأة الآخرة كما بدأَهم في النشأة الأُولى، ليجزيهم بما عملوا بالحق والعدل نبههم إِلى آيات قدرته وآثار رحمته، ومظاهر نعمته بجعل الشمس ضياءً والقمر نورًا ليشكروه ولا يكفروه، ويرجوه ويحذروه.
والمعنى: هو الذي جعل الشمس مصدر ضياءً ذاتى ساطع تنبعث منه الحرارة، فتنشأُ الكائنات الحية من نبات وحيوان، وتعيش وتنشط بما تبثه فيها من أَسباب الحياة والخفة والنشاط، وتسعى في سبيل رزقها مستضيئة بأَشعتها.
وجعل القمر ذا نور هادىءٍ يهتدى به السارون في البر، والماخرون في البحر بعد أَن غابت الشمس بضيائها تحت الأُفق، وأَرخى الليل سدوله على وجه الأَرض.
{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} :
وقدر الله كل واحد من الشمس والقمر ذا منازل في مداره الفلكى ينتقل إِليها، لتعلموا بانتقال كل منهما إِليها عدد السنين التي تمر بكم وتصبطوا بها مصالحكم ومواقيتكم في مواثيقكم ومختلف شئونكم، ولتعلموا حساب الأوقات من الشهور والأيام، التي نيطت بها مصالحكم الدنيوية والأُخروية ونسبة الضياء إِلى الشمس والنور إِلى القمر؛ لأن ما كان بالذات يطلق عليه ضياء، وما كان بالعرض يطلق عليه نور، ولما كانت أشعة الشمس ذاتية أطلق عليها ضياء، ولما كانت أَشعة القمر منعكسة عليه من أشعة الشمس، أُطلق عليه نور وقيل النور أعم من الضوء، فالنور يشمل القوى والضعيف بخلاف الضوء فإنه خاص بالقوى فلذا يقال نور الشمس وضوؤها أما القمر فيضاف إليه النور دون الضوءِ، وقيل غير ذلك، وبانتقال الشمس في هذه البروج ذات المنازل توجد الفصول الأربعة في العام الشمسى وبانتقال القمر في هذه البروج ذات المنازل تكون أَوائل الشهور وأواخرها والله تعالى أَعلم.
{مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} :
ما خلق الله ذلك الذي تقدم من الشمس والقمر وأَحوالهما إلا مقرونا بالحق، مراعى فيه الحكمة والمصلحة، فلم يخلقه عبثا ولا باطلا.
{يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} :
يفصل الله تعالى هذه الآيات الكونية وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم، يفصلها لقوم من ذوى العلم والعقل ليتدبروها ويؤمنوا بمبدعها، ويمتثلوا أَمره ويجتنبوا نهيه.
{يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} .
6 -
بعد أَن بين آياته ونعمه في الشمس والقمر، عقَّبها بالإِشارة إِلى آياته في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض.
والمعنى: إن في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما خلفا للآخر، وفي اختلافهما بالظلام والضياءِ، ليكون الليل بظلامه قرارًا والنهار بنوره نشورًا، وفي تمايزهما بالزيادة والنقصان بالتداول بينهما - إن في ذلك كله - وفيما خلق الله في السموات والأرض من بدائع رائعة، ومنافع كثيرة، ونعم شاملة لآيات شاهدات بوجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته ووافر فضله ورحمته لقوم يتقون المعاطب تنبههم إلى طريق السلامة.
المفردات:
{لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} : لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى.
{مَأْوَاهُمُ} : مسكنهم ومقرهم.
التفسير
7 -
هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث وغفل عن آيات الله تعالى.
والمعنى: إِن الذين لا يتوقعون لقاءَ الله يوم الحساب، ورضوا بالحياة الدنيا معتقدين أنها لا حياة بعدها، فعملوا لها وغفلوا عن غرورها وخداعها، وسكنوا فيها سكون من لا يبرحها آمنين من المزعجات، والذين هم غافلون عن آيات الله في كونه وعلى أَلسنة رسله فلم يتزودوا ليوم الوعيد.
8 -
{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} :
أُولئك الذين تقدمت صفاتهم السيئة، مرجعهم النار بما واظبوا على كسبه من الكفر والمعاصي.
المفردات:
{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ} : تجرى من تحت قصورهم في الجنة.
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا} : أي دُعَاؤهُم فيهَا.
التفسير
9 -
بعد أن بين الله في الآيتين السابقتين أن الكافرين بلقاء الله الغافلين عن آياته مأْواهم النار، بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي، جاءَ بهذه الآية والتي تليها لبيان أَن مصير المؤمنين الجنة، بسبب إيمانهم الممزوج بالعمل الصالح، وَبضِدِّها تتميز الأشياءُ.
والمعنى: إن الذين آمنوا بلقائنا وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا ما ينبغي لهذا الإيمان من الأَعمال الصالحات، يهديهم ربهم بسبب ذلك إِلى مأْواهم الذي أَعده لهم في الجنة، حسب درجات أَعمالهم، فينزلون فيه مكرمين، تجرى من تحت قصورهم الأنهار في جنات النعيم الخالص من كل شائبة تنغص حياتهم.
10 -
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} :
الدعوى هنا بمعنى الدعاء، أَي: دعاء المؤمنين الصالحين في الجنة قولهم سبحانك اللهم.
وقد جرى عرف الشرع على إطلاق الدعاءِ على التهليل والتحميد والتمجيد والتسبيح ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "أكْثر دعائى ودُعَاء الأَنبيَاءِ قَبْلى بِعَرفات: لَا إِله إِلَا الله وَحْدهُ لا شَريكَ لهُ، لَه الملْك ولَه الحَمد، وهُوَ علىَ كلِّ شَىءٍ قَدير"، وفي تعليل ذلك يقول ابن الأثير:
إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء، لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه.
وفي الحديث: "إذا شَغَل عَبْدى ثَنَاؤُه علىَّ من مسْأَلتى، أَعطَيتُه أفضَل ما أُعطى السَّائِلينَ".
{وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} :
وما يُحيَّونَ به في الجنة لفظ السلام الدال على الأمن والطمأْنينة والسلامة من كل مكروه.
وهذا السلام يقوله الله تعالى لهم، كما قال تعالى:{سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ويقوله بعضهم لبعض، ويقوله الملائكة لهم توكيدًا لمعانى الأَمن والسلامة والطمانينة دائمًا.
{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
أي وآخر دعائهم وذكرهم لربهم أنهم يقولون الحمد لله رب العالمين، ويُرَى من الترتيب الذكرى في الآية الكريمة أنه حكاية للترتيب الوقوعى في الجنة، وذلك أَن أهلها من المؤمنين حين يشرعون في الدعاء يسبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام، وهو دعاء بالسلامة من كل مكروه تقوله الملائكة لهم، ويقوله الله تعالى لا دعاء بل طَمْأنَةً وتحيه لهم منه جل وعلا، ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين، وهكذا يستمر شأنهم بكرة وعشيًّا كما يشير إليه حديث في وصف أَهل الجنة "يُسَبحُونَ الله بُكْرَةً وَعشِيًّا" أي يسبحونه تعالى من آن لآخر.
المفردات:
{لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} : لانتهى الأجل الذي قدره ألله لعذابهم وأُميتوا جميعا وما أُمهلوا لحظة واحدة.
{لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} : لا يتوقعون الرجوع إلينا لإنكارهم البعث.
{فِي طُغْيَانِهِمْ} : الطغيان؛ مجاوزة الحد في الظلم والمراد هنا إِنكارهم البعث وتكذيب الرسل وارتكاب ما يترتب على ذلك من المفاسد والموبقات.
{يَعْمَهُونَ} : يترددون ويتحيرون.
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ} : وإِذا أَصابه أَي ضرر.
{دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} : تضرع إلينا وهو مضطجع على جنبه أَو دعانا قاعدا أَو قائما، طالبا إِزالته عنه.
{مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} :
أَي مضى واستمر على ما كان عليه قبل البلاء من التكديب، كأَنه لم يلجأ إلينا لإزالة ما أَصابه.
{زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} : حسن للمتجاوزين الحد في ارتكاب القبائح ما عملوه منها.
التفسير
11 -
{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} :
بعد أَن ذكر القرآن الكريم طائفة من جرائم الذين ينكرون البعث والجزاءَ، جاءَت هذه الآية تحكى معصية أُخرى من أَشنع معاصيهم المترتبة على ذلك، وهي استعجالهم لنزول العذاب الذي توعدهم القرآن به، مبالغة منهم في الاستهزاءِ بمجيئه والتكذيب بوقوعه.
والمعنى: ولو يعجل الله تعالَى لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون الرجوع إِلى الله الواحد القهار، لو يعجل لهم - سبحانه - العذاب الذي كانوا يستعجلون به، مثل إسراعه بتحقيق الخير لهم عند استعجالهم به وطلبهم إِياه.
{لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} :
أي لأَنهى الله إليهم مدتهم التي قدرها الله لعذابهم، واستؤْصلوا بإهلاكهم جميعًا عن آخرهم، وما أُمهلوا لحظة واحدة جزاءَ جرأَتهم، كما قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ...... } (1) ولكنه سبحانه يمهلهم ولا يعجل لهم الشر الذي طلبوه ولا ينهى إِليهم أَجلهم، وإنما يتركهم إمهالا لهم واستدارجا، كما قال تعالى:
{فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} : أَي فنترك الذين لا يتوقعون لقاءنا يوم البعث ولا يصدقون بيوم القيامة، غارقين في ظلمهم الذي تجاوزوا فيه
(1) سورة فاطر الآية: 45
الحدود، وهو إنكارهم البعث وتهاويهم في التكذيب وارتكابهم كل قبيح من الأَقوال والأَفعال - ندعهم في هذا الحال السيء يترددون ويتحيرون، ولا نترفق بهم بسبب تماديهم في البغى.
12 -
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} :
في الآية السابقة إشارة إلى أن الكفار كانوا يستعجلون نزول العذاب الذي توعدهم الله به استهانة بشأْنه، وفي هذه الآية الكريمة بين سبحانه أنه لو نزل بالإنسان أَدنى مكروه، فإِنه يدعو الله في كل حال راجيا إنقاذه منه وإزالته عنه لعجزه عن احتماله وحيث كان أَمرهم كذلك فكيف يستعجلون عذابه.
والمعنى: وإذا أَصاب الإنسان أَي ضرر من مرض أو فقر أَو غير ذاك من الشدائد دعا الله طالبا كشفه عنه وتخليصه منه - دعاه - في حال اضطجاعه على جنبه أَو في حال قعوده، أَو في حال قيامه.
والمراد أنه يتضرع إلى الله ليكشف ضره على أي حال يكون، وإنما خصت هذه الثلاثة بالذكر لأَنها أَغلب أَحوال الإنسان، ثم بين القرآن أَن هذا الذي تضرع إلى الله لرفع ما نزل به من البلاء رجع بعد تخليصه منه إلى الكفر والضلال، فقال تعالى:
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} :
أَي فلما استجبنا له وأَزَلْنا عنة الضُّرَّ الذي نزل به، مضى واستمر على طريقته التي كان عليها من التكذيب والعناد قبل أن يمسه الضر، وَنَسِى ما كان فيه من الجهد والبلاءِ كأَن لم يدعنا إلى كشف ضُرٍّ مسه، وإزالةِ مكروه نزل به.
{كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
أي مثل هذه الحال العجيبة التي تنكروا فيها لله تعالى ورجعوا إلى الضلال الذي كانوا فيه، زين الشيطان للمسرفين في الكفر والمعاصي، ما كانوا يعملونه من الانغماس
في الشهوات، والانهماك في الفجور والعصيان، والإعراض عن التوحيد والطاعات، وسموا مسرفين لأَن الله أَنعم عليهم بنعمة الفِكْر والعَقْل وسائر قوى الإدراك، ليستعملوها في تحصيل الخير وعمل الصالحات وتعلم العلوم النافعة، فاستحبُّوا العمى على الهدى واستعملوها في الظلم والتكذيب والفساد، وذلك هو الإسراف، ويستفاد من الآية الكريمة ذم الذين يتركون دعاءَ الله فى الرخاءِ ويتضرعون إِليه عند نزول البلاءِ، والجدير بالمؤْمنين أَن يلجأُوا إلى الله في السراءِ أَيضا، فإن ذلك أَرجى للإجابة في الضراء ففي حديث البخاري:"تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِى الرَّخَاءِ يعْرِفْكَ في الشِّدةِ".
وفي حديث الترمذي عن أَبي هريرة: "مَنْ سَرَّهُ أَن يَسْتَجِيبَ الله - تَعَالَى - لَهُ عِنْدَ الشدَائِدِ وَالْكُرُوب فَلْيُكْثِر الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ".
والآثار في ذلك كثيرة، والمراد من الإنسان: الجنس المتحقق في الكافر الذي يلجأُ إلى الله في الشدة وينساه بعد إنقاذه منها.
ثم أخبر القرآن الكريم المخاطبين بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بإِهلاك المكذبين من الأُمم السابقة ليكون إنذارا لمن جحدوا نبوة محمَّد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى:
13 -
أي ولقد أهلكنا الأُممَ الماضية من قبل زمانكم يا أَهل مكة مثل قوم نوح وعاد وثمود وأَمثالهم حين ظلموا بتماديهم في الغى والضلال وتكذيبهم لرسلهم، وقد جاءوهم بالآيات الواضحة والحجج الظاهرة الدالة على صدقهم، كذبوهم في هذه الحالة التي لا ينبغى فيها التكذيب والكفران، لأنها تدعو إِلى التصديق وتقتضى الإيمان.
ثم بين القرآن أَن هؤلاء لا يستقيم منهم إيمان، ولا يصح منهم إِذعان لفساد فطرتهم بإصرارهم على رد رسالات الله في قوله:
{وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} :
أَي وما صح لهؤلاءِ المُصِرين على الكفر والفساد أَن يؤْمنوا لبعدهم عن الإيمان، إذ أَفسدوا فطرتهم بسوء اختيارهم الضلالة على الهدى، مع وضوح الحجة وسطوع البرهان.
{كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} :
أي مثل ذلك الجزاءِ الألَيم الذي حلّ بالمكذبين من الأُمم الماضية، نجزى كل طائفة أَجرمت وطغت وبغت وكفرت بأنعم الله.
وفي الآية تهديد لكفار مكة بأَن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم، فقد اشتركوا مع المهلكين السابقين فما يقتضي الإهلاك وهو كفرهم برسل الله.
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} .
المفردات:
{خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} : خلفاءَ في الأَرض بعد إهلاك المكذبين السابقين.
التفسير
14 -
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} :
بعد أن أوضحت الآية السابقة سبب إِهلاك الأُمم السابقة وهو أَنهم أَتتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا، جاءَت هذه الآية توضح لأُمة محمَّد صلى الله عليه وسلم أَنهم خلف للأمم السابقة، وفي محل الاختبار فقال تعالى:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} :
أَي: ثم جعلناكم أيها المخاطبون بشريعة محمَّد صلى الله عليه وسلم خلفاءَ في الأرض تصلحون ولا تفسدون، من بعد أن أَهلكنا المكذبين قبلكم، الذين تسمعون أخبارهم وتشاهدون آثارهم.
{لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} : أي استخلفناكم من بعدهم. لنعلم واقعًا منكم وموجود أَي عمل تعملون خيرًا كان أَو شرًّا، مع ثبوت علمنا أَزلا بما سيكون منكم، ليكون الجزاءُ على ما يقع منكم فعلا.
والمراد: أنه تعالى يعاملكم معاملة من يختبر إِنسانًا، ليظهر من أَمركم، ما علم أَزلا أَنه سيحدث منكم باختياركم لتقوم به الحجة عليكم، فيجازيكم على ما صدر منكم.
وأُسلوب الآية يشعر باستمالة المخاطبين نحو الإيمان، إذ الأصل أَن يكون الاستخلاف بعد اختيار، فإذا شعر المخاطب أَنه اختير لما استخلف فيه، لَانَ قلبهُ وانجذبتَ نفسه نحو القيام بعمل الصالحات.
المفردات:
{لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} : لا يتوقعون مجىءَ البعث، والمراد أَنهم ينكرونه.
{وَلَا أَدْرَاكُمْ} : ولا أعلمكم الله بالقرآن عن طريق الوحى به إلىَّ.
{فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} : أَي فقد أقمت بينكم زمنًا طويلا من قبل نزول القرآن علىَّ.
{لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} : أيُّ لا ينجون مما يحذرون ولا يفوزون بما يطلبون.
التفسير
15 -
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ....... } الآية.
في الآية السابقة خطاب من الله تعالي لأهل مكة يخبرهم فيه باستخلافهم في الأرض، بعد إهلاك المكذبين من الأُمم الماضية، تليينًا لقلوبهم، واستمالة لهم إلى الإِيمان، ثم جاءَت هذه الآية تعدد بعضًا من جرائمهم الدالة على أَنهم لم يستجيبوا لدعوة الإيمان، ولم يقوموا بما يقضى به استخلافهم، فقد بينت إصرارهم على الكفر بآيات القرآن البينات، والتكذيب بكل ما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم، كدأْب من أُهلكوا قبلهم بتكذيبهم.
والمعنى: وإذا تتلى منك أيها الرسول علي هؤلاءِ المكذبين المعاندين آياتنا العظيمة الصادقة، التي أنزلناها عليك واضحة في دلالتها على التوحيد وإِبطال الشرك، مرغِّبة في الإيمان منفِّرة من العصيان.
{قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} :
أَي وإذا تلوت عليهم أَيها الرسول آياتنا العظيمة الصادقة قال الذين لا يتوقعون البعث ولا يؤمنون بيوم القيامة ردًّا لها وكفرًا بها، أحضر يا محمد قرآنًا غير هذا القرآن الذي تتلو منه علينا.
أَي جىءَ بكتاب آخر نقرؤه لا تكون فيه آيات تخبر عن وقوع البعث ويكون خاليًا مما نكره، من ذم آلهتنا ووعيد من يعبدها بالعقاب الشديد، وهم بهذا الطلب يريدون تغيير القرآن كله، بما فيه مما ينكرونه أما قولهم:(أوْ بَدِّلْهُ) فهم يريدون به تبديل الآيات التي تسفه عقولهم وعقول آبائهم وتثبت البعث والعقاب على الشرك بآيات خالية عن ذلك مع استبقاءِ سواها.
ولا شك في أنهم قصدوا من هذا الطلب الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على طمعهم في تحقيق إِجابته لهم، ليتوسلوا بذلك إلى الاستهزاء به والسخرية منه، وإلزامه بما جاءَ به مما يوافق هواهم ورأْيهم في آلهتهم، كما اقترحوه عليه، وحينئذ لا يبقى له ولا لنبوته شأْن فيهم.
وقد أَمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يرد عليهم بقوله:
{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} :
أَي قل أَيها الرسول لهؤلاء المتعنتين، ما يصح وما ينبغي لى أَبدًا أَن أضع آية مكان آية أُخرى من جهتى وبرأْيى دون أَمر من الله سبحانه وتعالى.
والمراد بهذا الجواب رد الاقتراحين معًا لأن تبديل آية مكان آية، أخف من الإتيان بقرآن غير هذا القرآن الذي نزل، وإذا امتنع السهل واستحال امتنع الصعب واستحال بالطريق الأولى، ومما أمر به صلى الله عليه وسلم، بيانا بشأْنه وحاله في تلقى الشريعة وإِبلاغها للناس قوله تعالى:
{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} : أَي ما أَتبع أَيها الناس فيما أَفعل وأَترك إلا ما ينزل به الوحى من عند الله دون أَن أُغَيِّر منه شيئًا، وكذلك أَمر الله أن يقول تعليلا لاتباعه الوحى وامتناعه من التبديل:
{إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} :
أي إني أَخاف إن عصيت مولاى الذي أرسلنى، بترك السير في طريق الوحى المستقيم، أَخاف عذاب يوم عظيم تكثر فيه الأهوال وتشتد الكربات وهو يوم القيامة.
16 -
{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ...... } الآية.
بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن لا سبيل إلى ما اقترحوه تعنتًا، جاءَت هذه الآية الكريمة تثبت أن القرآن حق، وأنه من عند الله العزيز الحكيم.
والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنكرين عنادًا واستكبارًا: لو شاء الله تعالى أَن لا يجعلْنى رسولًا إِليكم ما تلوته عليكم ولا أَدراكم به عن طريقى، فإِن ذلك مما لا سبيل لى إليه.
{فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :
أَي فقد أَقمت بينكم زمنًا طويلًا مقداره أَربعون سنة، عرفتم فيها جميع أَحوالى وأحطتم خيرًا بكل أَقوالى وأَفعالى من قبل أن ينزل القرآن على، فقد كنت لا أتكلم بينكم بما يشبه القرآن فى نظمه المعجز، ومعناه الموضح لأحكام الشريعة من عبادات ومعاملات وأَخلاق، وأَخبار الأمم الماضية مع رسلهم، وغير ذلك مما جاء به القرآن، كما كنت معروفًا بينكم بالصدق والأَمانة، أَتغفلون عن ملاحظة ذلك فلا تدركون وجوب كونه من عند الله العزيز الحكيم، ولا تعقلون امتناع صدوره عن مثلى، وكيف يعقل أَن أُعرف بينكم في هذا العمر الطويل، بأننى لا أَكذب على الناس، ثم أَكذب على الله المنتقم الجبار، إِن استحالة صدوره عني أمر لا يخفى على من كان له أَدنى فكر وأقل تدبر.
17 -
بعد أَن أَفادت الآية السابقة أن القرآن الكريم نزل بأمر الله تعالى ومشيئته على رسوله صلى الله عليه وسلم جاءَت هذه الآية تبين للناس أَن من اختلق كلامًا من عند نفسه ونسبه إلى الله تعالى يكون أَظلم الظالمين.
والمعنى: إذا كنت التزمت الصدق والأمانة مع الناس لأن الكذب ظلم، فلهذا يستحيل أن أفترى الكذب على الله فلا أحد أَعظم ظلما من الذين يختلقون على الله ما لم ينزله عليهم، أو يكذبون بآيات الله سبحانه وتعالى.
والمراد بيان براءَته صلى الله عليه وسلم مما جوزه المشركون في حقه من الافتراءِ عل الله والتنبيه على أنهم هم أظلم من كل الظالمين، إذ كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وكفروا بجميع ما جاءَ به من عند ربه.
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} :
أَي إِن الشأْن الثابت عنه تعالى في علمه القديم - أَنه لا يفوز أَي مجرم بمطلوب بطلبه ولا يسلم من مكروه يخافه فلا ينجوا الذين افتروا على الله وكذبوا آياته بالأَولى لأَن جرمهم أَشد وأَشنع.
المفردات:
{أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} : أَي أتخبرون الله بشفعاء لا يعلمهم في السموات ولا في الأرض، والمراد نفى وجودهم إِذ لو وجدوا لعلمهم الله سبحانه.
{أُمَّةً وَاحِدَةً} : جماعة متفقة على الحق في أصل الفطرة.
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} : أَي ولولا قضاءُ الله بتأْخير الفصل بين المحق والمبطل إلى يوم القيامة.
التفسير
18 -
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ...... } الآية.
بعد أَن ذكرت الآيات السابقة طائفة من جرائم الكفار أهل مكة، جاءت هذه الآية الكريمة تحكى عنهم جناية أُخرى لعلها السبب في تلك الجنايات السابقة.
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال:
كان النضر بن الحارث يقول إذا كان يوم القيامة شفعت لى اللات والعزى فنزلت هذه الآية.
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} :
أَي ويعبد هؤلاء المشركون من أهل مكة غير الله أَصنامًا جعلوها له سبحانه شركاءَ في العبادة في حين أنها لا تستطيع أَن تلحق بهم ضررًا ولا أَن تجلب لهم نفعا، وشأْن المعبود أن يكون قادرًا على الضر والنفع.
{وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} :
أي ويقول هؤلاء المشركون تبريرًا لعبادتهم لها: هؤلاءِ الأوثان شُفَعَاؤُنَا في الحياة الدنيا نتوسل بها إِلى الله لإصلاح معاشنا وكل ما يهمنا من شئون هذه الحياة، وشفعاؤنا في الآخرة إن كان هناك بعث أَو نشور كما زعمتم، يشفعون لنا في تخفيف العقاب عنا.
وبهذا التأْويل ظهر أنه لا تنافى بين ما فهم من هذه الآية وبين الآيات الدالة على إِنكارهم البعث كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} وأمثاله.
وحال هؤلاء المشركين إِن دل على شيءٍ فإنَّما يدل على فرط جهالتهم وفظاعة حماقتهم، إذ تركوا اللجوءَ إِلى الخالق النافع الضار، وتوسلوا بما يقطع الحس والنظر بأَنه لا يضر ولا ينفع.
ثم أمر الله تعالى، رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يقول لهم تبكيتًا وتقريعًا:
{قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} :
أَي قل أَيها الرسول لهؤلاءِ الحمقى إنكارًا عليهم وتوبيخا لهم، وسخرية منهم، أتخبرون الله تعالى بشىءٍ لا وجود له أصلًا في السموات ولا في الأرض، وهو أَن الاصنام شفعاؤُكم
عند الله تعالى إذ لو وجد ذلك فيهما وثبت، لعلمه الواحد الصمد علام الغيوب في جميع الكائنات، فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود، فالمراد من نفى علمه تعالى به نفى وجوده فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود.
{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} :
أَي تنزيهًا لله تعالى عن إِشراكهم الذي بنوا عليه هذا القول الزائف، وعن الشركاءِ الذين يشركونهم في العبادة معه تعالى.
19 -
بعد أَن أشار القرآن الكريم إِلى أن التوحيد هو الدين الحق وأَن الشرك والانحراف ظلم عظيم، وجهالات ابتدعها أهل الغى والضلال، جاءت هذه الآية تؤكد هذا المعنى وتقرره، إذْ أَفادت أن التوحيد ملة قديمة اجتمعت عليها الأُمم قاطبة فطرة وتشريعًا.
{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} :
أَي وما كان الناس كافة من لدن آدم عليه السلام إلا متفقين على الحق والتوحيد، وظلوا كذلك حتى أَغوى الشيطان فريقًا منهم فكفر، وثبت الآخرون على التوحيد الذي فطروا عليه فخالف كل من الفريقين الآخر.
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} :
أي: ولولا أَن قضى الله في سابق علمهِ بتأْخير الفصل بين المؤمنين وغيرهم إلى الأَجل الذي حدده في سابق علمه وهو يوم القيامة.
{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} :
أي: لحكم بينهم عاجلًا في الدنيا بإهلاك المبطلين.
التفسير
20 -
{وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} :
تحكى هذه الآية الكريمة جناية أُخرى من جنايات أهل مكة، حين بينت أَنهم علقوا إيمانهم على نزول آية سوى ما أنزله الله تعالى من المعجزات وفي مقدمتها القرآن الكريم.
والمعنى: ويقول الكافرون من أهل مكة - تعنتًا وعنادًا - هلا أَنزل الله على محمد آية من الآيات التي اقترحناها لنؤمن به رسولا من عند الله.
فأَنت تراهم لفرط عتوهم وشدة تماديهم في المكابرة والضلال، لم يعدُّوا ما جاءَ به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات كافيًا لقبولهم الهدى والدخول في دين الله وقد أُمر صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم في قوله:
{فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} : أي فانتظروا نزوله إني معكم من المنتظرين، لكننى منتظر ما يفعله الله بكم، لاجترائكم جحود آياته.
{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا
يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}
المفردات:
{أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} : أَنعمنا عليهم بالرحمة والمراد بها الصحة والسعة.
{مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ} : أَي من بعد ضراءَ أَصابتهم حتى أَحسوا بشدتها عليهم.
{إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} : المراد بالمكر هنا الطعن في آيات الله وعدم الاهتداءِ بها والاحتيال في ردها، والمكر في الأَصل تدبير الكيد في خفاء.
{قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} : المراد بيان أن الله أعجل عقوبة وأشد أخذًا.
التفسير
21 -
{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ..... } الآية.
روى أن الله جل شأْنه سلط على أَهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإِيمان، فلما دعا لهم واستجاب الله دعاءَه ورحمهم بإِنزال المطر، أخذوا يطعنون في آيات الله تعالى ويكيدون لرسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
والمعنى: وإذا أنعمنا على هؤلاءِ الكفار وأمثالهم بنعمة الصحة والسعة، وأَفضنا عليهم أَنواع الخير ورحمناهم بكشف ما نزل بهم من المصائب الأليمة والمكاره الشديدة التي خالطتهم وأَحاطت بهم حتى أَحسوا بشدة وطأتها عليهم وسوءِ أَثرها فيهم، إذا رحمناهم بكشفها سارعوا سرًّا وفي خفاءٍ إِلى تدبير ضروب الكيد لآياتنا التي أنزلناها على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واحتالوا في دفعها وبالغوا في تكذيبها.
{قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} :
أى قل أيها الرسول لهؤلاءِ الماكرين تهديدا لهم ووعيدًا:
الله جلت قدرته أَعجل عقوبة وأَشد أَخذًا فلن يصل من كيدهم شىءٌ إِلى رسول الله، ولا إِلى الحق الذي جاءَ به من عند الله، وتسمية عقاب الله مكرًا لذكره مع مكرهم في سياق واحد (1)، ثم أكد القرآن الكريم تهديدهم حين قال تعالى:
(1) وهذا نوع من البلاغة يسمى مشاكلة.
{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}
أي: إِن ملائكتنا الذين أَمرناهم بحفظ أَعمالكم وإحصائها عليكم، مستمرون على كتابة ما دأَبتم على تدبيره من الكيد في خفاءٍ، ولم يخف عنهم ما بالغتم في إِخفائه، وكيف يخفى على منزل الآيات علام الغيوب: وفي إخبار الله بإحصاءِ الحفظة لكيدهم بهذا الأُسلوب المؤكد تحقيق لعقابهم على وجه بليغ.
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا
جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
المفردات:
{الْفُلْكِ} : السفن.
{بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} : بريح لينة الهبوب تسير بهم إلى المقصد.
{رِيحٌ عَاصِفٌ} : شديدة الهبوب، وعصفت الريح: اشتدت، وهو من باب جلس يجلس.
{الْمَوْجُ} : ما علا وارتفع من الماء بسبب اضطراب مياه البحر من أَثر اشتداد الريح.
{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} : أَي حوصروا بالشدة.
{إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} : أي يسارعون إلى الإفساد في أنحاء الأرض متجاوزين حدود ما أمر الله به، والبغى التعدى والطغيان.
التفسير
22 -
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ..... } الآية.
في هذه الآية والتي بعدها حكاية جناية أُخرى من جناياتهم مترتبة على ما مر من اختلاف أَحوالهم تبعًا لاختلاف ما ينزل بهم من السراءِ والضراءِ.
سبب النزول:
عن سعد بن أبي وقاص قال: "لمَّا كان يوم الفتح فرّ عكرمة بن أَبي جهل فركب البحر فأَصابهم عاصف فقال أَصحاب السفينة لركابها: أَخلصوا فإِن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا فقال عكرمة: لئن لم ينجنى في البحر إلا الإخلاص ما ينجينى في البر غيره، اللهم إنَّ لك عهدًا إِن أَنت عافيتنى مما أنا فيه، أن آتى محمدا حتى أضع يدى في يده، فلأَجدنه عَفُوًّا كريمًا قال: فجاءَ فأَسلم" أخرجه أبو داود والنسائى وغيرهما.
والمعنى: هو الله الذي يُيَسِّر لكم أيها الناس سبل السير في البر مشاة وركبانًا - وفي البحر - على ظهور السفن.
ثم حكى القرآن الكريم ما كان من أحوالهم بعد ركوبهم السفن وسيرها بهم في البحر في قوله تعالى:
{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} :
أي حتى إذا ركبتم السفن أَيها الناس وجرت تلك السفن بمن فيها جريًا هادئًا مريحًا، بسبب هبوب ريح لينة تتجه بسفنهم إِلى الجهة التي يقصدونها، وفرح الراكبون بتلك الريح الطيبةِ الهادئة التي تسير بسفنهم في أَمان واطمئنان إِلى ما يريدون.
أي حتى إذا كان راكبو تلك السفن على هذه الحال من الهدوءِ والاستقرار، هبت على تلك السفن ريح شديدة سريعة السير أَهاجت مياه البحر، فارتفعت الأَمواج واضطربت، وأحاطت بالسفن وبمن فيها من كل جانب، وتقاذفتها من موجة إلى أُخرى، وظن راكبوها أن مسالك النجاة قد سدت أمامهم، وأَن الهلاك قد أحاط بهم من كل جانب، وأنهم لا محالة هالكون في هذه الشدة.
{دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} :
أَي في هذا الوقت الذي أوشكوا فيه على الهلاك، رجعوا إلى أصل فطرتهم، فدعوا الله وحده مخلصين له الدين، غير مشركين معه سبحانه شيئًا من الآلهة التي عبدوها من دون اللهِ، دعوا الله قائلين في دعائهم:
{لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} : أَي والله لئن أَنقذتنا من هذه الكارثة المحيطة بنا، لنكونن حتما بعد نجاتنا مما نزل بنا من أَهوال من جملة الشاكرين دائما لنعمك الوفيرة وأَفضالك العميمة، فنشكر تفضلك علينا بالخلاص من أَهوال البحر استجابة لدعائنا.
23 -
{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} :
أي فلما استجاب الله تعالى لهم وأنفذهم مما نزل بهم من الأَهوال والكربات، بعد تضرعهم إِليه، سارعوا إِلى الإفساد في أَقطار الأَرض بغير حق، ممعنين في ذلك ومستمرين هذا الظلم الظاهر القبيح.
ثم خاطب القرآن الكريم هؤلاء الطغاة الباغين بما فيه تهديد لهم ووعيد بليغ على ظلمهم فقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} :
أَي ياأيها الناس الطغاة المعتدون إنما ضرر هذا الظلم الشديد الذي ترتكبونه في الأرض، يعود في نهاية الأمر عليكم أنتم، ولا يعود شيء منه على الذين تجاوزتم الحدود في ظلمهم -
فإن ما أَصابهم من آثار ظلمكم لهم في الدنيا، لا قيمة له ما داموا من أهل النعيم الدائم في الآخرة، والآخرة خير وأبقى - وأما أنتم يا أيها الطغاة فإِنما تتمتعون بثمرة بغيكم على الآمنين تمتُّعًا قاصرًا على الحياة الدنيا، ومتاع الدنيا قليل لا يعتد به، فهو سريع الزوال جالب للنكال مستتبع لعقاب العزيز القهار.
ثم زاد القرآن الكريم في تهديدهم، وأكد وعيدهم حين قال:
{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} :
أي ثم إلينا وحدنا رجوعكم أيها الباغون يوم القيامة لنذيقكم عقاب ما قدمتم في حياتكم الآثمة، فنخبركم بما كنتم مستمرين عليه في الدنيا من البغى والإفساد في الأرض - نخبركم بذلك - زيادة في إِيلامكم والتنكيل بكم.
المفردات:
{مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : صفة الحياة الدنيا من حيث سرعة انقضائها وزوال مُتَعِها.
{فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} : أي فاختلط بسببه نبات الأَرض، بأن كثر فتشابك بعضه ببعض.
{وَازَّيَّنَتْ} : أَي وتزينت بأنواع النباتات وأشكالها وألوانها المختلفة.
{وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} : ظنوا أنهم متمكنون من تحصيل ثمرات الأرض.
{أَتَاهَا أَمْرُنَا} : أي نزلت بها الآفات التي اجتاحت النبات والثمار.
{فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} : أي فجعلنا نبات الأَرض هالكا كأَنه لم يوجد في الأَرض قبل هلاكه.
التفسير
24 -
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ......... } الآية.
بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن التمتع بالبغى على الناس قاصِرٌ على الحياة الدنيا، جاءَت هذه الآية تقرر هذا المعنى، ببيان قصر أَمدها وسرعة زوال نعيمها، فلا ينبغي قصر الهمة عليها وحدها.
والمعنى: إِنما مثل الحياة الدنيا وصفتها العجيبة في سرعة انقضاءِ زمنها وزوال متعها وزينتها وجاهها، بعد إقبالها على الناس واغترارهم بها وركونهم إليها - مثل هذه الحالة - كمثل الحالة الناشئة من نزول المطر من السماءِ على الأَرض، وإِنبات الله به أنواع النبات مما يطعم الناس والأَنعام، واستمرار نموه بالماءِ حتى كثر وتشابك بعضه ببعض، وتزينت الأَرض بأنواع النباتات المتعددة وأشكالها المتفاوتة وأَلوانها المختلفة وطعومها المتنوعة، وصارت كالعروس التي ازدانت بأَلوان الثياب وأنواع الزينة الفائقة، وظن أَصحاب تلك الأرض أنهم متمكنون من تحصيل ثمراتها، جامعون لخيراتها في هذه الحالة.
{أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} :
أَي أَتاها الهلاك الذي قضاه الله وأَمر به في وقت الغفلة وفي وقت اليقظة، فهما سواءٌ في أَن أَصحاب تلك الأرض التي دنا جنى قطافها لا يستطيعون دفع أَمر الله عنها وحين أصابتها الآفات صيَّر الله نباتها مستأْصلا هالكا كأنه لم يكن موجودا في الأَرض قبل نزول الجوائح.
والخلاصة:
أَن القرآن صور للناس حال الدنيا في سرعة انقضاءِ زمانها وزوال نعيمها، بعد إِقبالها على الناس واغترارهم بها واطمئنانهم إِليها - صورها - بصورة ما على الأَرض من أنواع النباتات التي زالت بهجتها ونضارتها فجأَة وصارت حطاما ولم يبق لها على الأرض من أَثر، بعد أَن ترعرعت ونمت وقويت سيقانها وتزينت الأرض بألوانها المختلفة، وأوشك الناس أن يجنوا قطافها وظنوا أنها قد سلمت لهم من المهالك.
{وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
التفسير
25 -
{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} :
بعد أن حذر القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا والعمل لها وحدها رغَّب في العمل للفوز بدار السلام وهي الجنة.
والمعني: والله - تعالى - القادر على كل شيءٍ الغنى عن العالمين يدعو الناس إلى دار السلام - وهي الجنة - بِدَعْوَتِهِم إِلى الإِسلام والعمل بشريعة القرآن.
وسميت الجنة دار السلام لسلامة أهلها من كل آفة ومكروه، أَو لأن الله تعالى يسلم عليهم فيها، أو لأن الملائكة على أَبوابها يقولون للداخلين فيها:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار} . أَو لأن أهل الجنة يسلم بعضهم على بعض فيها كما قال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} .
{وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : أَي ويرشد الله من أَراد هدايتهم وهم الذين وفقهم إِلى اختيار الهدى على الضلالة - يرشد هؤلاء - إِلى طريق معتدل لا عوج فيه وهو الإِسلام والعمل بشرائعه.
المفردات:
{الْحُسْنَى} : أَي المثوبة الحسنى في الجنة، وهى تتفاوت حسب تفاوت درجات الإحسان.
{يَرْهَقُ} : يغشى ويغطى.
{قَتَرٌ} : أي غَبَرَةٌ فيها سواد كالقترة، ومن معانيهما في اللغة الدخان الكثيف من شواء أو فحم أو حطب أَو غيره.
التفسير
26 -
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} :
في الآية السابقة دعا الله إلى دار السلام، فمن الناس من أَحسن استجابة الدعوة والعمل بها، ومنهم من انصرف عنها، وقد جاءَت هذه الآية لتبين جزاءَ من أَحسن الاستجابة، وأَول درجات الإحسان بعد الإيمان فعل الواجبات وترك المنهيات، وأكمل درجاته:"أَن تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَانهُ يَرَاكَ" كما جاءَ في حديث رواه مسلم. وقد وعد الله تعالى في الآية بمكافأة المحسنين وزيادتهم فوق ما يستحقون، وفي بيان ذلك روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال:"إِنَّ الله عز وجل يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّة يَا أَهْلَ الْجَنَّة فيَقولُون: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعَدَيْكَ وَالْخَيْر في يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ بِى؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْط أَحَدًا منْ خَلْقكَ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطيكُم أَفْضَلَ منْ ذَلكَ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَى شَىْءٍ أَفْضَل منْ ذَلكَ؟ فَيَقُول: أُحلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانى فَلَا أَسْخَط عَلَيْكُمْ أبَدًا".
وللمفسرين والمتكلمين في الزيادة المذكورة في الآية آراءٌ: فعن الحسن رضي الله عنه أنها مضاعفة الحسنة إِلى عشر أَمثالها فأكثر إِلى سبعمائة ضعف أَو تزيد: وعن مجاهد رضوان الله عليه، هي مغفرة الله تعالى ورضوانه، ويرى جمهرة أهل السنة. أَنها النظر إِلى وجه الله سبحانه بعد حصولهم على ثوابه في الجنة، كما قال تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (1). أَي يوم القيامة، فقد أَثبتت هذه الآية لأَهل الجنة أَمرين أَحدهما النضارة وهى حسن الوجوه، والثانى النظر إِلى وجهه الكريم، وإلى الأَول يشير قوله تعالى هنا:
أَي أَن أُولئك المحسنين مكرمون أَيضًا بأَن تتأَلق وجوههم بنضرة النعيم، فلا يلحقها قتر وهو الغُبْرة في سواد، ولا تلحقها ذلة وهي الخجل والانكسار، والقتر حالة حسية والذلة حالة نفسية، وقد أَخبر الله بعد ذلك بأَنهم أَصحاب الجنة، وذلك يشعر بأَنها كالملك لهم {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: لا يخرجون منها أبدًا، كما قال تعالى:{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (2).
والآية في أُسلوبها تقصر الحسنى بجميع أَنواعها على المحسنين وحدهم ثم تفيد أَن الله يفيض عليهم زيادة عن الحسنى أَنواعًا من الإِنعام لا تعد ولا تحصى، وأَعلاها النظر إِلى وجهه الكريم، كما جاءَ في الآية السابقة، وأَن يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أَبدًا.
كما جاءَ في حديث الشيخين الذي تقدم ذكره، وقد أَعد الله لخيار المحسنين منازل في عليين، وهي أَعلى مكان في الجنة، وفيهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الرَّجُل منْ أَهْلِ علِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أهْلِ الْجَنَّةِ فَيُضِىءُ الْجَنَّةَ بوَجْهِه كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّىّ" أَخرجه أبو داود.
(1) سورة القيامة، الآيتان: 23،22
(2)
سورة الحجر، من الآية: 48
المفردات:
{كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} : عملوا المعاصي من كفر وغيره.
{مِنْ عَاصِمٍ} : من حافظ ومانع.
{أُغْشِيَتْ} : غطيت.
التفسير
27 -
بينت الآية السابقة جزاءَ المحسنين، وجاءَت هذه الآية لتُبين عقاب المسيئين، وقد أَفادت أَنهم يجازون بالعدل المطلق، فلا تضاعف سيئاتهم كما ضوعفت حسنات المحسنين بل يجزون بقدرها وهم لا يظلمون، ونظرًا لترقُّبِهم وقوع سوء الجزاءِ تعلوهم وتحيط بهم ذِلة وهوان من شدّة الخزى وعقاب الله لهم، فهم بين أَلم حسى وألم نفسى وليس لهم من دون الله منقذ أَو مدافع يحميهم من عذابه الَاّليم، ثم بين الله تعالى أثر حيرتهم ويأسهم على وجوههم فقال:
{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} :
فإن زيادة آلامهم وشعورهم بالمذلة قد جعل وُجُوَهَهم كأنها مغطاة بقطع متراكمة من الليل المظلم لفرط سوادها وشدّة ظلمتها {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (1).
(1) سورة النور، من الآية: 40
{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : أَي أُولئك الموصفون بالصفات الذميمة السابقة أَصحاب النار المستحقون لها فهي مقصورة عليهم لسوء فعلهم جزاءً وفاقًا:
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ
مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ}
المفردات:
{فَزَيَّلْنَا} : فرقنا وفصلنا.
التفسير
28 -
تعرض الآية الكريمة وما تلاها مشهدًا من أَهوال البعث والنشور {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (1)
إِذ ينساق الخلائق إِلى موقف الحشر من مشركين وما عبدوه من دون الله ومِن غيرهم لا يتخلف منهم أَحَدٌ، وفي حشر المشركين وما يعبدون يقول الله تعالى:{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (2) فإذا تقدموا سمعوا زجرًا عنيفًا حين يقال لهم بأمر الله:
{مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} : أَي الزموا مكانكم أَنتم وشركاؤُكم للسؤال والجزاء قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} (3).
(1) المطففين، الآية: 6
(2)
الفرقان، من الآية: 17
(3)
الصافات، الآية: 24
{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} :
أَي ففرقنا بين المشركين والشركاء، أَي قطعنا الصلة التي كانت بين العبدة ومعبوداتها في الدنيا، فقد تبين الحال وخابت فيهم الآمال، ولم يعد لهم أَمل في شفَاعَتهمْ فيئسُوا منهم، وابتعدوا عن اللجوء إِليهم، وقيل إن التفريق بينهم في الموقف حسِّىٌّ، والأول هو اللائق بالمقام، وحينئذ تبرأَ الشركاءُ من عابديهم، قائِلين لهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة في الحقيقة، بل كنتم تعبدون شهواتكم وشياطِينكم التي دعتكم إِلى الإشراك، وهؤلاء الشركاءُ المتبرئون إما أَصحاب عقل وإِدراك كالملائكة والبشر، وإِما غيرهم كالأصنام والكواكب، أما تبرّؤ الأَولين من عابديهم فلا يحتاج إلى تأَويل، وأَما تَبرُّؤ نحو الأَصنام، فيكون بلسان الحال أو المقال، بأَن ينطقها الله الذي أَنطق كل شيءٍ {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (1).
29 -
{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} :
بَعْدَمَا تبرأَ الشركاءُ من عبادة عابديهم، استشهدوا باللهِ على براءَتهم منها، قائلين: فيكفينا الله شهيدًا بيننا وبينكم على براءَتنا من إشرَاككُمْ، فأننا لم نجبركم عليه، ولا أَشرنا عليكم به وإِن شأْننا معكم أَننا كنا عن عبادتكم لنا غافلين: والمراد من الغفلة هنا عدم رضاهم عنها.
المفردات:
{تَبْلُو} : تعرف يقينًا ما قدمت.
(1) البقرة، الآية: 166
التفسير
30 -
{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} :
أَي: في هذا المكان، وهو موقف الحساب، تعرف يقينًا كل نفس مؤمنة أَو كافرة، سعيدة أَو شقية، ما عملت في الدنيا من خير أَو شر، فتراهما في كتَاب { ..... لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (1).
وفي قراءَة أخرى (تَتْلُو) أَي تقرأُ صحيفة أعمالها قراءَة تعطيها صورة واضحة صادقة لكل ما عملته في الدنيا {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (2).
{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} :
أي ورجعوا إلى الله في الآخرة وعرفوا أَنه تعالى هو المالك الحق وحده دون ما اتخذوه من الأَنداد والشركاء، وهكذا غاب وذهب عنهم ما كانوا يدعون زورًا وبهتانًا من الشفعاءِ والشركاء، وظهر ضلاله وبطلانه، فلم يجدوا أَحدًا ينقذهم ولا ينصرهم من دون الله {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (3).
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ
الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}
المفردات:
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} : يصرف شأْن الكائنات بنظام دقيق وحكمة بالغة.
(1) الكهف الآية: 49
(2)
الإسراء من الآية: 14
(3)
الانفطار الآية: 19
التفسير
31 -
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} : بعد أَن صورت الآيات السابقة مشهدًا رهيبًا من مشاهد القيامة يهيىءُ النفوس للتوبة والإِنابة إلى الله، جاءَت هذه الآية وما بعدها تناقش المشركين في قضية الأُلوهية أَهم القضايا الدينية، وتضعهم أَمام البراهين العقلية الواضحة، وتحذرهم وتنذرهم بعد ذلك من الخروج عن دائرة الحق، واعلم أَن المشركين يؤمنون في قرارة نفوسهم بخالق واحد يصرف الأُمور وهوالله تعالى، ولكنهم يتخذون إِليه الشفعاءَ ليقربوهم إِليه زلفى، وقد أَمر الله رسوله أَن يسأَلهم سؤال إِفحام وإِلزام، ليعدلوا عما هم فيه من الإِشراك في العبادة فقال له:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} : وهو سؤال يتناول أُمورًا حسية تتعلق بكيانكم وحياتكم اليومية وهو الرزق المتجدد من السماءِ بإِنزال المطر، ومن الأرض بإِنبات النباتات وخلق الحيوان وتربيته، والإمداد بأَنواع المعادن المختلفة والمياه الجوفية، وما تستخرجونه من البحر من أَسماك وخيرات، وما يدرج على الأَرض أو يحلق في السماءِ من أَنواع الطيور وغير ذلك من سائر الأَرزاق، فلا شك أن هذا الرزق بأَنواعه هو من عند الله تكريمًا لكم وحفظًا لحياتكم - كما سيجىءُ بيانه في آخر الآية:
{أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} : هذا هو السؤال الثاني الذي أَمر الله رسوله أَن يوجهه إلى المشركين، أَي أَخبرونى من يملك أَداة السمع وما أُعد فيها من أَسباب إِدراك المسموعات؟ ومن يملك أَداة البصر، وما هيئت به لإِدراك المبصرات؟
وقد جاءَ لفظ السمع مفردًا ولفظ الأَبصار جمعًا لأَن السمع يتناول نوعًا واحدًا هو الأَصوات، أَما الأَبصار فتتناول الأحجام والأَبعاد والأَلوان والأَشكال، والسمعُ والأَبصارُ يدركان الغالبية العظمى من المحسات.
{وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} : هذا هو السؤال الثالث، أَي ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في العالم كله فيخرج الأَحياءَ والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات التي تحدث أَو تموت، وذلك كالإنسان خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون وهو ميت ثم سواه ونفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فهذا
مثل لإخراج الله الحى من الميت وهو الصلصال بعد الحمأْ المسنون، أَما الميت يخرجُهُ اللهُ من الحى، فكالجنين يخرجه الله من أُمه ميتًا، وكالحيوان يميته الله بعد أَن كان حيًّا، وقيل في معناه: يخرج المؤمن من الكافر. والكافر من المؤمن. وقيل غير ذلك.
{وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} : أَي ومن يقوم بتدبير أُمور العالم كله بعد إيجاده، فسيكون جوابهم أَن فاعل ذلك كله هو الله رب العالمين وحده بلا تردد في الجواب ولا تأْخير، إذ لا مجال للمكابرة لوضوحه غاية الوضوح، ولأنهم معترفون به، ثم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أَن يقول لهم تبكيتًا وتوبيخًا بقوله:{فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .
أَي أَتقرون بأَن الله هو الرزاق، وهو الذي يهب السمع والأبصار ويملكهما، والذي يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، والذي يدبر أَمر الكائنات بحكمته - أَتقرون بذلك - فلا تقون أَنفسكم من عذابه بترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيءٍ من هذه الأُمور.
أَليس الأَجدر بمن يقرون بذلك كله أَن يؤمنوا بالله وحده، ويتقوه ويعبدوه مخلصين له الدين.
المفردات:
{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} : أَي فكيف تتحولون عن الحق.
{فَسَقُوا} : خرجوا عن طاعة الله، وأصل الفسق الانسلاخ عن الجلد، ومنه فسقت الرطبة عن قشرها، أَي انسلخت منه، والفاجر فاسق لانسلاخه عن طاعة الله.
التفسير
32 -
{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} : أَي فذلكم القادر على الحق المتصرف فيه باعترافكم هو الله المربى لكم على موائد كرمه، الذي تتوالى عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، الحقُّ الجدير بأَن يعبد وحده دون شريك.
{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} :
في هذا تقرير بأَن المعبود الحق واحد لا يتعدد وضده الباطل، ولا وسيط بينهما فلا يجتمع الإيمان والشرك في قلب واحد، وهذا استفهام للنفى والتوبيخ.
والمعنى إِذا كان الله هو الرب الحق وانصرفتم عن إِفراده بالعبادة فليس بعد ترك الحق إلا الضلال، وهو إِشراك الأَصنام مع الله في العبادة، وهو أَمر لا يختاره عاقل.
{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} : يعني إِذا عرفتم هذه الأُمور الواضحة فكيف تنصرفون عن عبادة الله، وكيف تتحولون عن الحق إِلى الضلال بعد العلم بأَنه هو الرازق المحيى المميت المدبر للأمر كله.
33 -
{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} : أَي وكما ثبت أَن الحق ليس بعده إِلا الضلال أَو كما ثبت أَنهم انصرفوا عن الحق بعد معرفته وجب وثبت حكمه تعالى على الذين تمردوا على طاعته أَنهم لن يكونوا مؤمنين ما داموا مصرين على ما هم عليه، والمقصود من الآية أَن الله يتخلى عنهم فلا يعينهم على الإيمان، فمن بَعُدَ عن الله بَعُدَ الله عنه، {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1) والمراد من كلمة (الله). حكمه وقضاؤه كما تقدم في بيان المعنى.
(1) آل عمران، من الآية: 117
المفردات:
{أَنَّى} : كيف.
{تُؤْفَكُونَ} : أي تصرفون عن الحق إِلى الباطل.
التفسير
34 -
بعد أن احتج الله على المشركين بما سبق بيانه، جاءت هذه الآية تحكى احتجاجًا آخر على ثبوت التوحيد وبطلان الإشراك، بإظهار كون الشركاء لا يتصفون بصفات الإلَه الحق.
والمعنى: قل لهم أَيها الرسول سائلًا إياهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والإلزام، هل يوجد من بين هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لله في العبادة من له القدرة على بدءِ الخلق ثم إِعادته بعد الفناء؟ ولما كان هذا السؤال مما لا يجيبون عليه لإنكارهم البعث والمعاد: أمر الله رسوله أَن يبين لهم من يستطيع ذلك وهو الله تبارك وتعالى فقال:
{قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} : لأنه هو القادر وحده على البدءِ باعترافهم، ومن قدر على البدءِ، فهو قادر على الإعادة، كما قال تعالى:{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (1) وفي قوله تعالى {ثُمَّ يُعِيدُهُ} تهديد بالعقاب لهم يستدعي التفكير في التوبة من الشرك.
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} : أَي إِذا ثبت أَن الله هو القادر على البدءِ والإعادة فكيف تعدلون به غيره فتنقلبون من الحق إِلى الباطل، وتتركون التوحيد إلى الشرك إِن فعلكم هذا لعجيب لا يصح أَن يكون.
(1) الأعراف، من الآية: 29
{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}
المفردات:
{يَهْدِي} : يهتدى.
{يُهْدَى} : أَي إِلا أَن يهديه الله تعالى.
التفسير
35 -
{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} : هذا احتجاج آخر على حَقِّية التوحيد وبطلان الشرك، جىءَ به إِلزامًا بعد إِلزام، والمعنى قل لهم أَيها الرسول هل من هؤلاءِ الشركاءِ من يستطيع أن يرشد عابديه إلى الحق ببيانه أَو بإلهامه وتوفيقه؟ وهو أَقل صفات الأُلوهية، فإِذا قالوا: لا، ولا بد لهم من ذلك: فقل الله وحده يهدى ويرشد إلى الحق بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، وبإرسال الرسل وإِنزال الكتب قال تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (1).
أَي إِذا كان الله هو الحق وهو الذي يهدى إِلى الحق وحده فهل الذي يهدى إِلى الحق أولى بالاتباع، أَم الآلهة الذين عبدتموهم من دونه وهم لا يهتدون إِلى مقصد من المقاصد إِلا أَن يهديهم الله إِليه، ولا شك أَن جواب هذا السؤال يتعين عند العقلاءِ أَن يكون: من يهدى إلى
(1) الكهف من الآية: 17
الحق - وهو الله - أَحق بالاتباع والعبادة من هؤلاءِ الشركاءِ العاجزين عن الاهتداءِ إلى المقاصد إِلا بهدايته لو أَراد جل وعلا، وكما أَنه لا وجه للموازنة بين القادر والعاجز، ولا بين القوى والضعيف، فكذلك لا وجه للمقارنة بين الهادي وبين من يحتاج إلى الهداية، ولذا عقبه بما يفيد التعجب من حالتهم، وذلك في قوله تعالى:{فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} : أَي فما الذي حملكم على اتخاذكم هؤلاءِ شركاءَ لله سبحانه وتعالى وكيف تحكمون هذا الحكم الجائر وأَنتم تعرفون بطلانه؟
التفسير
36 -
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا} : بعد الأَسئلة السابقة والأَجوبة عليها التي دلت على حقية التوحيد وبطلان الشرك: جاءَت هذه الآية توضح سبب خطئهم في اعتقادهم وهو اعتماد أَكثرهم على الظن في أَحكامهم.
والمعنى: وما يتبع أكثر هؤلاءِ المشركين في معتقداتهم وأَحكامهم إِلا أوهامًا يتوارثونها عن آبائهم وأَجدادهم، دون أَن يكون لهم عليها من دليل يدعو إلى الاطمئنان واليقين، والمراد بأَكثرهم جميع المشركين، فكلهم عقائدهم ظنية، ناشئة عن أوهام وخيالات، وقيل الضمير في أَكثرهم للناس جميعًا، وما يتبع أكثر الناس إِلا الظن (1)، ثم بين القرآن الكريم أَن الظن لا يقوم مقام اليقين الناشئ عن البراهين القطعية في شئون العقائد فقال:
{إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} : أَي إن الظن لا تثبت به الحقائق، ولا يقوم مقام العلم اليقينى في الاعتقاد الصحيح المطابق للواقع ولا يغنى عنه شيئًا، فكيف سميتم معبوداتكم آلهة زورًا وبهتانا وعبدتموهم من دون الله بغير برهان، وصدق الله إذ يقول في شأْنها: {إِنْ هِيَ إِلَّا
(1) وعلى هذا فالتعبير بأكثر على حقيقته.
أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} (1). والمراد هنا من الحق ما ثبت بطريق وحى سماوى، أو دليل عقلى مبنى على الآيات الكونية، وقد استدل العلماء بهذه الآية وبما ورد في قوله تعالى:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (2) على أَن العلم اليقينى واجب على كل مسلم في أصول العقائد.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} : أَي إِنه تعالى واسع العلم فيعلم أَفعالهم، من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق.
وفي الآية إِنذار مؤكد لأُولئك الجاحدين بأنهم سينالون ما يستحقون من عقاب أَليم {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} (3).
المفردات:
{وَمَا كَانَ} : ما صح ولا استقام.
{يُفْتَرَى} : يختلق.
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} : أَي ولكن أَنزله تصديقًا للكتب السماوية التي سبقته في أصول العقائد والأحكام قبل تحريفها.
{وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} : تبيين ما كتب وأثبت في الكتب السماوية.
(1) النجم من الآية: 27
(2)
سورة النجم من الآية: 28
(3)
سورة البروج من الآية: 20
التفسير
37 -
{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} : بعد أن تناولت الآيات السابقة بالأَدلة القاطعة إِثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى، وقدرته وحكمته وتدبيره، جاءَت هذه الآية وما بعدها تبين استحالة أَن يكون القرآن مفترى من عند محمد صلى الله عليه وسلم نفيًا لما زعم المشركون.
والمعنى: ليس يصح في شأْن القرآن وهو على ما هو من العلو أسلوبًا ونهجًا وغاية، أَن يكون مفترى من عند محمد وأَعانه عليه قوم آخرون كما افتراه عليه المشركون، فإِن هذا غير ممكن فهو {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (1) فانظر إِليه في أسلوبه ومعانيه واتساق آياته، وفيما جمع من تشريعات. وعقائد وأَخلاق وآداب، وحكم وأَمثال وكشوف غيبية وحقائق علمية، جاءَت في أَقصى درجات الفصاحة والبلاغة والدّقة، وفي أَنماط سامية وآفاق عالية، فإِنك تقطع بأَنه لا يقدر على الإتيان بمثله أَحد من الإِنس والجن {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (2) وتتأكد أَنه من عند الله وحده {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (3).
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} : أَي ولكن أَنزله الله مصدقًا وموافقًا لما تقدم من الكتب السماوية، في أُصول العقائد والأَحكام قبل أَن يعتريها التحريف، مصححًا للعقائد التي عبثت بها أَهواءُ القسيسين والأَحبار والرهبان حيث ردها القرآن إِلى التوحيد الخالص.
{وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} : أي وأَنزله أيضًا تفصيلا لما أَجملته الكتب السماوية السابقة من عقائد وتشريع ومواعظ ومن شئون الاجتماع وسنن الله في خلقه وزادها تكميلا، فلا محل لأَى شك في أَنه كلام الله رب العالمين، الذي تعهد النوع الإِنسانى بالتربية والتعليم والهداية.
(1) سورة هود من الآية: 1
(2)
سورة الإسراء من الآية: 88
(3)
سورة النساء من الآية: 82
التفسير
38 -
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} :
بعد أن بين الله في الآية السابقة أن القرآن يستحيل أن يفترى على الله، وَبَيَّنَ أيضا أَنه أنزل من عند الله مصدقا ومفصلا للكتب السابقة، جاء بهذه الآية حكاية لزعم المعاندين الجاهلين أن محمدًا افتراه، وتعجيبا من قولهم وردا لفريتهم والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد عليه الصلاة والسلام واختلقه من قبل نفسه، قل لهم أَيها الرسول الكريم موبخا لهم ومبرهنًا على بطلان مقالتهم: هاتوا سورة مثل أيَّةِ سورة من سوره حتى يصح زعمكم أَن محمدًا افتراه على الله، فأَنتم أَرباب فصاحة وبلاغة، وأَنتم تعرفون أَنه أُمى كما قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (1).
ولم يكن هذا أول ادعاءٍ لهم بالافتراءِ، فقد تكرر منهما إذ تحدثوا به أَول الأَمر فتحداهم القرآن أن يأْتوا بمثل القرآن كله فلم يستطيعوا، وبعد فترة شعروا بقوته تتزايد فعاودوا دعوى الافتراء معاندين، فعاود القرآن التحدى لا فى مثله بل في عشر سور منه فلم يتمكنوا، وتزايد عليهم العجز وظهروا مفحمين لا يجدون جوابًا، ولكنهم عاودوا بعد فترة زعمهم القديم، فعاد القرآن لتحديهم هذه المرة أَن يأْتوا بسورة مثله وهو ما جاءَ في هذه السورة حتى يلجئهم إِلى صمت العاجزين، وهكذا أَثبت القرآن عليهم وعلى أَمثالهم العجز العام عن محاكاته، فمن عسى أَن يزعم مثل هذا الزعم اليوم، فعليه أن يجيب على هذا التحدى وإِلا فليطبق فمه، وليمضغ أَكاذيبه، ومن عجب أن ترى من أعداء الإِسلام اليوم من يزعم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام هو صاحب القرآن وقائله: رغم هذا التحدى
(1) سورة العنكبوت الآية: 48
الدائم: وهكذا كان الإلحاد الجديد صورة منسوخة من الأَول القديم وماله عليه من دليل، وقد بقى القرآن العظيم شامخًا شموخ الجبال الرواسى وتحطمت على صخوره كل مفترياتهم. {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: في هذه الجملة من الآية الكريمة توسع القرآن في دائرة التحدى وطلب منهم أَن يستعينوا بمن يستطعون الاستعانة به بشرًا أَو آلهة، وأَمهلهم ما شاءُوا ولا يزال في تحديه للبشر، ولكنهم - آخرهم كأَولهم - أمام إعجاز بما هو متنوع متفرع، فمنه الإعجاز اللغوى ومنه العلمى والتشريعى والغيبى، وكل منها لم يعارض، ولو كان ممكنًا لأَتُوا بمثله ولكن ظهر عجزهم وبطل ما قالوه ولزمهم الإفحام.
وكلمة (إِن) في قوله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : تفيد التشكيك في صدقهم، ليشعروا بهوانهم وبُقصورهم عن شرف الصادقين، وقوله {مِنْ دُونِ اللَّهِ} يشير إِلى أَنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى.
وصدق الله إذ يقول: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (1)
التفسير
39 -
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} :
لما ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة مثله وتبين أَن ما قالوه باطل لا وجه له من الصواب بين في هذه الآية ما حملهم على تكذيب القرآن المشتمل على الحق الذي لا غاية وراءَه.
(1) سورة فصلت الآية: 42
والمعنى: أَن هؤلاءِ الكفار لم يحكموا على القرآن بأَنه مفترى من دون الله بمقتضى برهان يؤدى إِلى ما ذهبوا إِليه، بل كذبوا بكتاب عظيم من غير إِحاطة بعلم ما فيه ولا تدبر لمعانيه، ولا وقوف على ما جاءَ به من الأَدلة الشاهدة بصدقه، من تشريع حكيم، وآداب وحكم عالية، وغير ذلك من أَسرار إِعجازه، ولم يأْتهم بَعْدُ تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أَنه صادق وليس بكاذب، أَو المعنى: ولم يبلغ أَذهانهم ما فيه من المعانى الدالة على عُلوِّ شأْنه. والمقصود: أَن القرآن آية كبرى على صدق الرسول صلى الله علية وسلم، ولكنهم سارعوا بالتكذيب قبل أَن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه والتعبير بلفظ (لَمَّا) المفيدة لوقوع تأْويله مستقبلا، للإيذان بأَنهم لو تريثوا ولم يسارعوا بالتكذيب، لأدركوا تأْويله، وعرفوا فضائله ومعانيه السامية، ولتحققوا من صدقه.
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} :
أَي مثل هذا التكذيب الناشىءِ عن عدم التدبر كذب الذين من قبلهم رسلهم، فكلما جاءَهم رسول بما لا تهوى أَنفسهم كذبوه، وكان هذا سببًا في أَن حل بهم جزاءُ ما كانوا به يستهزئون، فكانوا سلفًا ومثلا للآخرين، يعتبر به كل عاقل، فانظر يا محمد أنت وأُمتك والناس جميعا مآل الظلم والظالمين، وصدق الله إِذ يقول:{فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
(1) العنكبوت من الآية: 40
{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}
التفسير
40 -
{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ} :
أَي ومن أُمة محمد صلى الله عليه وسلم من سيؤمن بالقرآن وما جاءَ به ويتخلى عن عناده بعد الإِحاطة بعلمه وظهور حقيقته، ومنهم من يصر على الكفر والعناد فلا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهرًا، لفرط عناده وغباوته واختلال تمييزه، ويجوز أَن يكون المعنى: ومن هؤلاءِ المشركين من قومك من يصدق به في نفسه، ولكنه يكفر به عنادًا، ومنهم من لا يصدق به في نفسه لفرط جهله فيكفر به اعتقادًا.
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} : أَي وربك يا محمد أَعلم بأُولئك المفسدين في الأَرض بعقائدهم الزائفة وأعمالهم الفاسدة، وسوف يجازيهم بما يستحقون: وهذه الجملة وعيد للمصرين على الكفر مع وضوح البرهان.
41 -
{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ...... } الآية.
أَي وإِن كذبك هؤلاءِ الكفار - مع علمهم بأَنك الصادق الأَمين - فقل لهم يا محمد: لي جزاءُ عَمَلى، ولكم جزاءُ عملكم، فلا أَحد منا يتحمل مسئولية عمل الآخر، ثم أَمر الله نبيه أَن يؤكد هذا المعنى بأَن يقول لهم:
{أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ} : فلا تتحملون مسئوليته {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} : فلست مسئولا عنه، ولعل هذه السياسة تترك أَثرًا حسنًا في نفوسهم، يتصاعد شيئًا فشيئًا حتى يستدنى
القلوب، ويأخذ بالأَلباب ويرد العقول الشاردة كما قال الله تعالى:{اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (1).
المفردات:
{الصُّمَّ} : فاقدى حاسة السمع.
{لَا يُبْصِرُونَ} : أَي لا يدركون ببصيرتهم.
التفسير
42 -
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} :
لمَّا ذكر القرآن الكريم في الآية السابقة ما أَمر الله به رسوله من أن يقول للمكذبين: {لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ} مُعلنا براءَته منهم، بين له هنا مثل الذين فقدوا الاستعداد للإِيمان فقال تعالى:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} : أَي ومنهم ناس يستمعون إِليك عند قراءَتك للقرآن وتعليمك الشرائع للناس، ولكنهم لا يستمعون حقًّا، إِذًا لا يتدبرون القول، ولا يعقلون ما يراد منه، ولا يفقهون ما يرمى إِليه، وكان شأْنهم في سماعه كما قال تعالى:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} (2). فلهذا أنزلهم الله منزلة الصم بقوله:
(1) الشورى من الآية: 15
(2)
الأنبياء الآية: 2، 3
{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ} : أي أَنهم لم يستمعوه استماع تفهم وإِقبال، حيث أَغلقوا نوافذ العقل والعلم، فلهذا اعتبرهم الله صمًّا لا يسمعون، وأنزل على رسوله هذه الجملة معذرا له في عدم استفادتهم من تبليغه.
والمعنى: أَفأَنت تسمع من فقدوا حاسة السمع، ولو كانوا مع صممهم لا يعقلون، كهؤلاء الذين أَعرضوا عن الإيمان بما دعوتهم إليه، يعني أَن هؤلاء المشركين جمعوا إِلى صممهم عدم العقل {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (1). {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} (2).
43 -
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} : أَي يتأمل في شأْنك ويعاين دلائل نبوتك ويشاهد عبادتك وسيرتك في حياتك العملية الكريمة، ومع هذا لا يزال مقيمًا على عناده مصرًّا على كفره وتكذيبه.
{أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} : المراد بكونهم لا يبصرون، أَنهم لا بصيرة في قلوبهم، ولا تفكير لديهم، والمعنى: أَفأَنت تستطيع أن تهدى من فقد البصر فكيف إِذا انضم إلى فقد البصر فقدان البصيرة، والمقصود من الآيتين: أن هداية الدين كهداية الحس لا تكون إلا للمستعد لها، ولهذا كان لا بد في هداية الدين من هداية العقل، وهدايةُ العقل لا تحصل إلا بتوجيه النفس وصحة القصد التماسا لهداية الله، وليس عليك إلا البلاغ كما قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (3) وفي هذا مواساة كريمة من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام.
44 -
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} : لما بين فيما سبق امتناع اهتدائهم لأَنهم عطلوا أَسماعهم وأَبصارهم وعقولهم، بين في هذه الآية أَنه تعالى لم يظلمهم حيث وهب الناس الأَسماع والأَبصار والعقول وسائر الحواس، ليصرفوها فيما خلقت من أَجله، وشدَّ أَزرَ الحواس بالعقل، وأَزر العقل بالهدى عن طريق إِرسال الرسل والكتب، وسخر لهم ما في السموات وما في الأَرض {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (4).
(1) سورة فاطر من الآية: 8
(2)
الشورى من الآية: 48
(3)
البقرة من الآية: 272
(4)
النساء من الآية: 165
فلا عذر لأَحد بعد ذلك، ولكن من الناس من عطل مشاعره وقواه، وصرفها عن استعمالها فيما يهديه، فظلم نفسه ومجتمعه والإِنسانية كلها، فاستحق من الله الجزاءَ العادل.
والمعنى: إِن الله لا يظلم الناس شيئًا من الظلم حين يعاقبهم يوم القيامة على معاصيهم فقد منحهم سائر القوى التي تمكنهم من فعل الخير وتمنعهم عن الشر، فصرفوها في غير ما خلقت له، ولكنهم هم الذين ظلموا أَنفسهم حيث استمروا على السيئات الموجبة للتعذيب فكان عقاب الله لهم جزاءً وفاقًا، فهو عدل من الله تعالى لا ظلم فيه.
وفي الآية إشارة إلى أَن عاقبة ظلمهم مقصورة عليهم، وأن للعبد كسبًا وليس مسلوب الاختيار كما زعمت الجبرية، وفي ذلك يقول الله تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (1).
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ
وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}
التفسير
45 -
هذه الآية للتذكير بمقدار ظلم الظالمين المشركين لأَنفسهم وخسارتهم في الآخرة بسبب تكذيبهم بها، وكفرهم بالحساب والجزاءِ فيها.
والمعنى: وَحَذِّرْهم أَيها الرسول يوم يحشرهم الله ويجمعهم بعد بعثهم من القبور في موقف الحساب والجزاءِ، وحينئذ يدركون قصر مدة مكثهم في الدنيا كأَنها مقدار ساعة قضوها وحين يخرجون من قبورهم يتعارفون بينهم، فلا ينسى أحد منهم من كان يعرفه من قبل، ثم تنقطع المعرفة عندما يشاهدون أَهوال القيامة {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (2).
(1) الطور من الآية: 21
(2)
سورة عبس الآيات: 34 - 37
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} : في هذه الجملة حكم من الله تعالى بخسران المكذبين وتعجيب من حالهم حيث لم يستعدوا ليوم الدين بالإِيمان وعمل الصالحات المزكية للنفوس، وآثروا عليها الدنيا القصيرة الأَمد، المليئة بالأَكدار، والتى يرونها يوم الحشر كأَنها ساعة من نهار، وقد بين الله تعالى ضلالهم فيما ذهبوا إليه فقال:
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} : أَي وما كانوا مهتدين إلى الصواب فيما ذهبوا إِليه واختاروه لأَنفسهم، من إِيثارهم الفانى على الباقي. وهو الأَعمال الصالحة التي هي ثمرات الإِيمان الصحيح. والعاقل من يستعمل عقله ويأْخذ حذره، ويختار الأَصلح والأَنفع والأَبقى، والمقصود من لقاءِ الله: حسابه وجزاؤه في الآخرة قال تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1).
التفسير
46 -
{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} : أَي أن هؤلاءِ المشركين لن يفلتوا من عقابنا عاجلا أَو آجلا، فإِمَّا أَن ننزله بهم في الدنيا ونريك بعض ما توعدناهم به من قبل وفاتِك. وإِما أَن نتوفاك فإِلينا رجوعهم للحساب والعقاب على ما كسبوا من جرائم، فتراه ماثلا أَمام عينيك.
{ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} : هذه الجملة فيها تأْكيد للوعيد السابق، والمراد منها أَن أَعمالهم محصاة عليهم وأَنها معلومة بدقائقها لله تعالى، فهو شهيد على ما يفعلون
(1) سورة الأنعام من الآية: 108
في دنياهم من الشرك والمعاصي، وأَنه لن يفلت أحد من عقابه. والتعبير بـ (ثُمَّ) للإِيذان بسمو شهادة الله عليهم، وعلوّ مرتبة علمه بهم، فإِنه لا تفوته صغيرة ولا كبيرة، وفي ذلك ما فيه من تأكيد الوعيد.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا
الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}
التفسير
47 -
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ} : أَي ولكل أُمة من البشر رسول يبعثه الله إليهم ليهديهم إلى التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق بشريعة خاصة بهم، فيها صلاح معاشهم ومعادهم، وذلك لأَنه سبحانه يعلم قصور العقل البشرى عن إدراك ما فيه صلاح أُمورهم الدنيوية والأُخروية، مع وجود الصوارف النفسية والشهوانية التي جبل عليها الإنسان، وكثيرًا ما تغريهم بالضلال، فلذلك اقتضت حكمته تعالى أَن لا يعذب عباده، قبل أن يبعث إليهم رسولًا ليبصرهم بعواقب الأُمور، كما قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (1) وقال: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (2).
{فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : أي فإذا جاءَ كل أُمة رسولهم مؤيدًا من الله بالمعجزات المثبتة لرسالته، وانقسموا بشأْنه بين مصدق ومكذب قضى الله تعالى بينهم بالحق وهم لا يظلمون بفوت ثواب أَو زيادة عقاب.
(1) سورة الإسراء من الآية: 15
(2)
سورة النساء من الآية: 165
48 -
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} :
أَي ويقول المشركون من أُمتك وغيرهم استبعادًا لوقوع ما توعدهم به الرسل واستهزاءً بهذا الوعيد، متى يتحقق ما أَنذرتمونا به إن كنتم صادقين في هذا الوعيد.
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ
سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}
التفسير
49 -
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ..... } الآية.
لما استبعد الكفار وقوع ما توعدهم به القرآن من العذاب، وكانوا يستعجلونه استهزاءً وتكذيب أمر الله رسوله أن يقول:(لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) أَدفعه عنها، أو نفعًا أَجلبه إليها، لكن ما شاء الله من ذلك وقع، فكيف أملك إِخباركم بالموعد الذي حدده الله لعقوبتكم، أَو استعجال وقوعه.
{لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} : أَي لكل أُمة وقت مضروب لهلاكهم، إذا جاءَ هذا الوقت فلا يتأَخرون ساعة عنه، ولا يتقدمون، فلا يصح لهم أَن يستعجلوه مستهزئين مستنكرين. ولا يمكن أَن يجىء قبل أَوانه، قال تعالى:{وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (1).
(1) سورة العنكبوت من الآية: 53
المفردات:
{أَرَأَيْتُمْ} : أَي أخبرونى. {بَيَاتًا} : أَي ليلًا، وقت نومكم وغفلتكم.
{مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} : أَي شيءٍ يستعجل المجرمون من العذاب.
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} : أي أَبعد ما يقع العذاب حقيقة تؤمنون به، ودخول همزة الاستفهام على (ثُمَّ): لإِنكار تأْخيرهم الإِيمان إِلى وقت وقوع العذاب وتوبيخهم عليه.
التفسير
50 -
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا} : أمر الله - تعالى - رسوله أَن يبكِّت المشركين على كفرهم واستعجالهم العذاب بأَن يقول لهم ما معناه: أَخبرونى ما حالكم وما شأْنكم إن أَتاكم عذاب الله في ليلكم وأَنتم نائمون، أَو ي نهاركم وأنتم غافلون عنه باشتغالكم في معاشكم.
والمراد: أخبرونى عن حالكم إِذا باغتكم العذاب في أَي حال.
{مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} : يعني أَي شيءٍ من أنواع العذاب يستعجله المشركون؟ وليس شيءٌ منه يقتضي الاستعجال، فمن له عقل سليم لا ليق به أن يستعجله، فإِنه موجب للفرار منه، لا لاستعجاله.
51 -
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} :
أَي أتستعجلون العذاب متهكمين ساخرين، ثم إِذا دهمكم آمنتم به حين:{لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (1) فالله تعالى ينكر عليهم تأخير إِيمانهم إلى الوقت الذي لا يكون فيه إلا الحسرة والندامة قال تعالى:
52 -
أَي ثم قيل لهم في الآخرة إهانة وإِذلَالًا وتبكيتا، ذوقوا عذاب الخلد في النار، هل تجزون هذا الجزاءَ إِلا بسبب ما كسبتمونه في دنياكم من الكفر بالحق، وغشيان المعاصي على اختلاف أَنواعها، والإصرار عليها.
والمراد من قوله: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} : إِثبات عدل الله تعالى ونفى الظلم عنه، ببيان أَن إِصرارهم على الباطل هو الذي انتهى بهم إلى هذا المصير.
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي
الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
المفردات:
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} : أَي ويطلبون منك النبأَ وهو لخبر.
{إِي وَرَبِّي} : نعم وحق ربي.
(1) سورة الأنعام، من الآية: 158
(2)
سورة غافر، الآية: 85
{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} : أَي وما أَنتم بمفلتين من عذاب الله.
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} : قال أَبو عبيدة: معناه وأَظهروا الندامة، وقال غيره: وأخفوا الندامة - فهو من الأضداد.
{بِالْقِسْطِ} : القسط بكسر القاف بمعنى العدل أَما بفتحها فبمعنى الظلم وليس له موضع هنا.
التفسير
53 -
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} : لا يزال الكلام متصلًا في نقاش الكافرين، والنبأُ: الخبر الهامّ والاستنباءُ: طلب النبإِ.
والمعنى: ويطلبون منك أَيها الرسول أن تخبرهم عن العذاب أَحق وصدق هو. وأَنهم ملاقوه لا يفوتهم، وهم بسؤالهم هذا لا يريدون الجواب بل يقولونه مستهزئين، معتقدين أَنه وعد باطل. ثم أَمر الله رسوله أَن يجيبهم فقال:
{قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} : أي قل لهم أَيها الرسول - غير مكترث باستهزائهم - نعم وحق رَبِّى إِن العذاب الذي أُوعدتموه وأُنذرتم به لحق ثابت لا شك في وقوعه، فهو مقدور لله وما أنتم بمفلتين منه.
54 -
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ} : أَي ولو أَن لكل نفس ارتكبت الظلم بعصيان ربها، لو أَن لها جميع ما في الأَرض لقدمته فدية من هذا العذاب إِن كان الافتداء يجديها.
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} : أَي وأَخفوا الندامة على كل ما فعلوا من الظلم، ولم يظهروها لا تصبُّرا ولا تجلدا، بل لأنهم بهتوا عند رؤيتهم فظاعة الحال وشدة الأَهوال التي لم تخطر لهم على بال، فلم يقدروا على النطق بشىء، أَو أَنهم كتموها في أَنفسهم لأنهم رأَوا أَن لا نفع في إِظهارها وقتئذ، وقيل: معناه وأَظهروا الندامة تأَلما وتضجرا.
{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} : أي وحكم بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
(1) سورة النحل، من الآية: 33
التفسير
55 -
{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .... } الآية.
افتتح الله تعالى هذه الآية بكلمة (ألَا) لينبِّه الغافلين إِلى ما جاءَ فيها من دلائل ربوبيته، والمعنى: ألا إِن للهِ وحده ما في السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما من الكائنات: له كل ذلك خلقا وملكا وتصرفا، فلا يشاركه فيه شريك، وليس لغيره فيه سلطان، ثم نبه الله عقب ذلك على أَن ما وعد به حق فقال:
{أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} : أَي كل ما وعد به الله على لسان رسله حق وواقع لا شك فيه، وفي جملة ذلك البعث والحساب، فهو القادر الذي لا يخلف الميعاد.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : أَي ولكن أَكثر الناس لا يعلمون ذلك، لا عن طريق النظر والاستدلال، ولا عن طريق الكتب السماوية، فإِن معظمهم كفار بذلك عند نزول القرآن.
{هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
التفسير
56 -
{هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} :
أي هو المتصرف وحده بالإحياءِ والإِماتة، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاءِ، ومَن شَأْنه ذلك يجب أن يحذر عقابه العقلاءُ، وأَن يسارعوا إلى الإبمان بما أنزله على رسوله لهداية عباده.
التفسير
57 -
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} : جاءَت هذه الآية خطابًا لمشركى مكة، لاستمالتهم نحو الحق، بعد تحذيرهم من عاقبة ما هم عليه من الضلال بما تقدم من الآيات التي تنعى عليهم سوءَ عاقبتهم، ومع أن الخطاب فيها لأَهل مكة، ولكن الحكم فيها عام لكل من على شاكلتهم من الناس كما يدل عليه لفظ:(يَأيهَا النَّاسُ) حيث عبر به بدلا من يا أهل مكة، والمراد من الموعظة التي جاءَت من ربهم القرآن الكريم، وقد وصف في الآية بأَربعة أَوصاوف، وهي أَنه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.
والمعنى: يا أَيُّهَا الناس الذين أَعرضتم عن الإِسلام، قد جاءَكم من مالككم ومربيكم الرءُوف بكم، جاءَكم منه كتاب يدعوكم إلى الإِسلام، اجتمعت فيه أربع صفات أَولها: أَنه موعظة وتذكير منه لكم، فقد عرفكم بالخصال الكريمة، وحثكم عليها، وبيَّن لكم حسن عاقبتها، وكشف لكم عن الخصال الذميمة ونهاكم عنها، وبيَّن لكم سوءَ عاقبتها.
وثانيتها: أَنه شفاءٌ لما في الصدور فقد بيَّن الحق وأَقام عليه الدلائل والبراهين المطمئنة للنفوس الحائرة، وبيَّن الباطل وأَقام البراهين على بطلانه ووجوب تركه، ولم يترك مجالا لأمراض الصدور عند العقلاء المنصفين، فهو لهذا كله شاف لما في الصدور من الأَمراض كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الفاسدة، فكأَنه نفس الشفاءِ.
وثالثها: أَنه هدى، فهو هادٍ إلى طريق الحق واليقين، بالإِرشاد إِلى أَدلته، فكأنه نفس الهدى.
رابعها: أَنه رحمة للمؤمنين، فقد نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إِلى نور الإِيمان وانتقلوا به من استحقاق العذاب أَيام كفرهم، إِلى استحقاق النعيم المقيم بسبب إِيمانهم.
58 -
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} :
هذه الآية مرتبطة بكل ما جاءَ في الآية التي قبلها.
والمعنى: قل يا محمد: أَيها الناس قد جاءَكم القرآن واعظًا لكم وشافيًا لصدوركم وهاديًا لقلوبكم، ورحمة للمؤمنين منكم، وهذا كله بفضل الله - تعالى - وبرحمته، فبذلك وحده فليفرح الناس جميعًا، فإِنه خير وأَبقى مما يجمعون من متاع الدينا، فهو زاد الآخرة الذي ليس له فناء، أَمَّا الدنيا ومتاعها فإلى زوال وإلى هباءٍ.
هذا: وقده قرئ: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} بأُسلوب الخطاب وبهذه القراءَة وافقت الآية أُسلوب الخطاب الذي جرى في الآية قبلها (1).
(1) يلاحظ أن قراءة حفص التي نقرأ بها (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) جاءت بأسلوب الغيبة على طريق الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة هنا، وهو لون من ألوان البلاغة في التعبير، أما قراءة (فلتفرحوا هو خير مما تجمعون) بأسلوب الخطاب فقد جاءت علي نسق الخطاب في الآية التي قبلها، فلا التفات فيها.
المفردات:
{رِزْقٍ} : الرزق في اللغة، ما ينتفع به، ومعلوم أنه ليس كله نازلا من السماءِ، وإِنما الذي أُنزل من السماء هو التشريع الذي أَحله أَو أسبابه التي حدث بها كالمطر والهواء وأشعة الشمس، وعلى هذا فالمراد من إنزال الرزق من السماء هو إنزال تشريعه أَو أسبابه، وفسر بعض العلماء إنزال الرزق بمعنى خلقه، وعليه فلا إشكال.
التفسير
59 -
لما بين الله تعالى فضله على الناس ورحمته بهم بإنزال القرآن الهادى لهم، شرع يناقشهم فيما حرموه من رزق الله الذي أحله لهم، ويوبخهم على هذا التحريم المخالف لما شرعه لعباده، فقال جل ثناؤه:
والمعنى: قل أيها الرسول للمشركين الذين يحرمون بعض ما أَحل الله للناس من الرزق أخبرونى: ما خلق الله لكم من رزق، أنزل حله في شريعة إبراهيم وإسماعيل، فجعلتم بعض هذا الرزق حرامًا، وحرمتم منه أَنفسكم، وبعضه حلالًا وتناولتموه، فقد قلتم:
{هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ} (1) وحرمتم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وقلتم: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} إلى غير ذلك مما حرمتموه واحللتموه، مع أنه كله حلال.
{قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} : قل لهؤلاء الذين يحرمون رزق الله الحلال، هل الله أذن لكم في هذا التحريم، أم لم يأذن لكم، بل تفترونه عليه، ثم توعدهم على هذا الافتراءِ فقال:
60 -
{وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .... } الآية.
الافتراءُ هو الكذب، وجمعهما معا في قوله تعالى:{يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} لإظهار مزيد قبح ما افتعلوه.
والمعنى: وأى شيء ظن أُولئك المفترون فيما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم، أَو لا يجازون عليه، أَم أَنهم يجازون جزاءً يسيرا، ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون كلا إِنهم سيلقون أَشد العذاب؛ لأن معصيتهم أشد المعاصي، ومن أَظلم ممن افترى على الله كذبا.
{إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} :
إن الله لذو فضل عظيم على الناس جميعا، حيث أَنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، ورحمهم بإِنزال الكتب وإرسال الرسل، ليبين لهم بذلك الأحكام التي لا تصل إِليها عقولهم، وأَرشدهم إلى ما يهمهم من أَمر المعاش والمعاد، وأَحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ولكن أكثرهم لا يشكرون تلك النعم، فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ولا يتبعون دليل العقل فيما يستقل به، ولا يتبعون دليل الشرع فيما لا يدرك إلا به، مع أَنه قد بين لهم ما سيلقونه يوم القيامة إن أعرضوا عن الحق، ولكنهم لا يلتفتون إليه.
(1) راجع تفسير الآيتين 139،138 من سورة الأنعام والآية 103 من سورة المائدة.
المفردات:
{فِي شَأْنٍ} : في أَمر تقصده. {كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} : كنا رقباء مطلعين عليكم.
{تُفِيضُونَ فِيهِ} : تخوضون وتندفعون فيه، وأَصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أَو بقوة.
{وَمَا يَعْزُبُ} : ولا يغيب. {مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} : المثقال، الوزن، والذرة: النملة والهباء (1).
{كِتَابٍ مُبِينٍ} : المراد به اللوح المحفوظ أَو هو كناية عن علمه تعالى، ومعنى مبين بين واضح.
التفسير
61 -
جاءَت هذه الآية إِثر بيان دعوة المشركين إلى الإيمان بالقرآن، والفرح بما جاء فيه من آيات الحق، ليبين أَن الله يعلم حال الرسول مع قومه في تبليغهم أَمر ربه، وحال قومه معه في شأْن ما دعاهم إِليه وأَنه سيجازى كلا حسب حاله.
والمعنى: وما تكون يا محمد في شأن من شئون الإِسلام، وما تتلو من شأْنك هذا من قرآن، ولا تعملون من عمل يا أيها الناس الذين بلغتكم دعوته، واستمعتم منه قرآن ربه، إلا كنا عليكم رقباء وحافظين، حين تخوضون في شأْن هذا القرآن وتندفعون في حقه بالباطل، وما يغيب عن علم ربك من شيء في وزن الهباء الدقيق، سواء أَكان
(1) يطلق الهباء على الغبار وعلى ما يشبه الدخان وعلى دقاق التراب ساطعة ومنثورة على وجه الأرض قاموس، وفسرت الذرة في المعجم الوسيط بأَصغر جزء في عنصر ما.
ذلك الشئ الدقيق في الارض أو في السماءِ، ولا أصغر من ذلك الهباء ولا أكبر منه إلا في علمه تعالى لا يغيب عنه منه شيء فكيف تخفى عليه تعالى أعمالكم، وكيف يغيب عنه كفركم.
المفردات:
{أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} : أَولياءَ: جمع ولى، ومن معانيه لغة القريب، وقد أَطلق الأَولياء في عرف القرآن على المؤمنين الصادقين، لقربهم الروحى من الله تعالى.
{الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} : البشرى: مصدر أُريد به المبشر به، وبشرى الحياة الدنيا خيراتها العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك، وبشرى الحياة الآخرة ما أُعد لهم فيها مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
التفسير
62 -
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} :
قَبْلَ هذه الآية توعد الله المفترين عليه بما أشار إليه من عقوبتهم يوم القيامة بقوله: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} : وعقَّب ذلك ببيان أنه تعالى مطلع على جهد نبيه في أُمته، وعالم بما أفاض فيه المشركون نحو دعوته، مشيرًا بذلك إلى أنهم سيجزون عليه وعلى كفرهم سوء الجزاء، وجاءت هذه الآية وما بعدها، لتطمئن المؤمنين على أنفسهم وتبشرهم بالخير الحميم في الدنيا والآخرة، وقد صدرت الآية بحرف التنبيه وهو (أَلَا) لاسترعاءِ انتباههم إِلى ما بعده من البشائر الإلهية العظيمة، كما أكد مضمونها بحرف (إِنَّ) وبالجملة الإسمية.
والمعنى: أن أحباء الله المقربين إليه بالإيمان والعمل الصالح لا خوف عليهم في الدنيا من قضاءِ أَعدائهم عليهم، فقد مكن لهم في الأرض، وآتاهم فيها العزة كما قال سبحانه:{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (1) ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة كما بشَّر به النبي صلى الله عليه وسلم فلا مجال للخوف عليهم في دنياهم، ولئن أَصاب منهم أعداؤهم في بعض المواقع، فإن الدائرة بإذن الله ستكون لهم عليهم، فهم في ظل رعاية الله وحمايته، ما داموا على طاعته والإعداد لنصرة دينه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (2). وبالجملة فإنه لا يعتريهم في دنياهم ما يوجب الخوف عليهم ما داموا على ولاية الله والتقرب إليه بالتقوى والاستقامة، والحذر من الاعداءِ، والتأهب لدفع عدوانهم بما استطاعوا من قوة، وكما أنهم لا خوف عليهم في دنياهم فلا خوف عليهم في أُخراهم، فهم في الدنيا دائمو الخشية من الله، يؤدون ما كلفهم به من الطاعات، وينتهون عما نهى عنه من المنهيات، ويستصغرون ما أدوه نحوه من حقوق العبودية، ويجتهدون في تجريد أعمالهم من الرياء، ويرجون منه الفضل بالقبول، ومن كان هذا شأنهم فإنهم لا خوف عليهم أيضًا في أُخراهم. وكما أَنهم لا خوف عليهم في الدارين فإنهم لا يحزنون فيهما على فوت رغيبة من رغائبهم، فإنه تعالى منحهم نعمة الطاعة والرضا في دنياهم، فإن أقبلت عليهم النعمة والصحة والأَمن والرخاء حمدوا وشكروا، وإن فاتهم ذلك أو بعضه رضوا وصبروا، ومن عليهم في أُخراهم بجنة عرضها السموات والأرض ينعمون فيها بنعيم مقيم يفوق أعمالهم، ولا ترقى إِلى مثله آمالهم، فهو فوق ما كانوا يؤملون ويتصورون ثم عقب الله هذا الوعد الكريم لأَوليائه ببيان صفتهم التي تحقق ولايتهم فقال:
63 -
{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} :
أي أن أولياءَه تعالى هم الذين آمنوا بكل ما جاءَ من عنده، وواظبوا على تقواه - فلا يفعلون إلا ما رضي عنه الله ورسوله، ولا يتركون طاعة من طاعانه، فأَمرهم دائر بين واجب ومسنون، أَما المباحات فهم يمارسونها بقدر ما يعينهم على طاعة الله وكثيرًا ما أَغفلوها
(1) سورة المنافقون، من الآية: 8
(2)
سورة الحج، من الآية: 40
وإن أُحل لهم فعلها، وإن فعلوها فلا ينقص فعلها من ولايتهم {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، ومن هذا النص الكريم، نعلم أن الولاية ليست بالادعاء ولا بالتزيى بزى الزاهدين مظهرًا، ولا بالعقل المسلوب، واللعاب السائل ولا بالإسراف في الزهد، ولكنها بالإيمان الصادق، والطبع الصافى والاختيار الكامل حتى يتقى ربه باختيار وكسب وإرادة، أما أُولئك الذي يدعون أنهم مستغرقون في الذات العلية، وأَن التكاليف سقطت عنهم، لأنهم جذبوا إِلى حضرة الله فسقطت عنهم التكاليف، فلذلك لا يشعرون بما يصنعون من حلال ومن حرام، فهم شياطين يتخذون من هذا الزعم وسيلة لغشيان المحرمات وفعل المنكرات، وكذلك ليس من أَولياءِ الله مسلوبو العقول ولا من يلبسون المرقعات، ويحملون العصى الطويلة، ويلبسون المسابح لإيهام السذج والمغفلين أنهم من أَهل القرب والوصول، فهؤلاءِ شياطين سفاحون هاربون من السجون أو دجالون يسلبون الأموال، فاحذروهم أيها المومنون فأولياءُ الله عقلاء، أَطهار الظاهر والباطن، عرفوا بالصدق في طاعة الله، والإقبال عليها في غفلة الغافلين ويقظة المتيقظين، في غير تصنع ولا نفاق سواء أظهرت على أيديهم، الكرامات أَم لم تظهر، فأَصحاب رسول الله أَولياء الله، مع أنهم لم تظهر على أَيديهم من الكرامات إلا القليل.
وبالجملة فأَولياءَ الله تعالى هم الذين تولى الله هدايتهم فأقبلوا على عبادته والدعوة إليه، وهم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم، فعن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل مَن أَولياء الله؟ فقال:"هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ بِرُؤيَتِهِمْ" أَي بمظهرهم الصالح، ومخبرهم النقى وإِخباتهم إلى الله، وسكينتهم وتواضعهم.
64 -
{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..... } الآية.
لما وعد الله تعالى أولياءَه بأَنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ووصفهم بقوله:{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} . جاءت هذه الآية لتبشرهم بما يسرهم في الدارين.
والمعنى: أَن هؤلاء الأولياءَ الموصوفين بالإيمان والتقوى، لهم بشرى في الحياة الدنيا والآخرة، والمراد بالبشرى في الدنيا ما وعدوا به من الخيرات العاجلة التي ينالونها في دنياهم، كالنصر والفتح والنعم التي تدفقت عليهم من الفتوحات والغنائم، والاشتغال
بالتجارة والزراعة، وغير ذلك من النعم الدنيوية التي أغدقها الله عليهم بإيمانهم وتقواهم وجهادهم في سبيل الله وسعيهم في جلب أرزاقهم ومن البشرى فيها أن يكونوا مرهوبين من أعدائهم، ومحبوبين من أوليائهم، ومنها الرؤيا الصالحة في النوم يراها المؤمن أوترى له، والبشرى عند الموت، حيث تأتيهم الملائكة بالرحمة، كما قال تعالى:{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (1). وكما أن لهم البشرى في الحياة الدنيا فلهم البشرى في الآخرة بأن تتلقاهم الملائكة مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وبياض وجوههم، وإعطائهم صحائفهم بأيمانهم وما يقرؤونه فيها مما أعده الله لهم من نعيم الجنة، وانتهاء تلك البشارات أضرابها إلى غاية الغايات وهى الجنة وما فيها من نعيم مقيم.
{لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} : أي لا تبديل لأقواله التي من جملتها بشاراته للمؤمنين المتقين: ذلك الذي بشروا به في الدارين هو الفوز العظيم الذي لا غاية وراءَه.
المفردات:
{الْعِزَّةَ} : الغلبة والقهر.
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} : ما يتبعون إلا التوهم.
(1) سورة فصلت، من الآية: 30
{يَخْرُصُونَ} : يكذبون. وهو في الأصل بمعنى يقدرون بالاجتهاد الجزافى وكثيرًا ما يحدث فيه الخطأُ، فلذا يطلق على الكذب مجازًا وهو المراد هنا.
التفسير
65 -
{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} :
الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتسليته عما يعتريه في بعض الأوقات من حزن، بسبب ما يجده من قومه من التكذيب والمعارضة والتآمر عليه، بعد أن طمأَنه الله على أوليائه المؤمنين بأَنهم لا خوف عليهم من المكاره، ولا هم يحزنون على فوت بعض الرغائب.
والمعنى: ولا تحزن أيها الرسول بسبب ما قالوه فيك من التكذيب والتآمر على إِبطال أَمرك، ووصفك بالسحر والشعر وغير ذلك مما لا خير فيه.
{إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :
هذا تعليل لنهيه عن الحزن، أي لا تحزن لما قالوه في شأْنك، فإن الغلبة والقهر في الأرض والسماء لله، إذ لا يملك أحد من أَمرهما شيئًا لا هم ولا غيرهم، فهو يقهرهم ويعصمك منهم، ويهزمهم وينصرك عليهم، لأنه تعالى هو السميع لكل مسموع، العليم بكل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من مؤامراتهم، فهو بإحباطها كفيل، وقد تحقق ما أَشارت إليه الآية الكريمة، من إحباط مؤامراتهم، ونصر الرسول عليهم، وذلك من المبشرات التي عجلها الله لرسوله وللمؤمنين معه في الدنيا، والحمد لله رب العالمين.
66 -
{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} :
في هذه الآية تأَكيد لما مر من البشارات، ومن أن العزة لله جميعًا، والمراد ممن في السموات والأرض، العقلاء وهم الملائكة والإنس والجن وتخصيصهم بالذكر للإيذان بأَن غيرهم أولى بملكية الله تعالى.
والمعنى: أن الله تعالى يملك من في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس مع شرفهم وعلو مكانتهم، فهم جميعا مملوكون له ومقهورون بسلطانه، وعبيد لمشيئته، وكذلك
جميع كائناته، فهي أيضًا تحت قهره وسلطانه، فإنه إذا كان العقلاء مملوكين له، وخاضعين لإرادته فما سواهم مما خلق لأجلهم، مملوك له، وناشئ عن قدرته ومشيئته، وتابع لتدبيره وإرادته، ولم يصرح هنا بدخول غير العقلاء في دائرة ملكية الله؛ لأنه مفهوم بالأولى وغير محتاج إلى التصريح به، فضلا عن أنه مصرح به في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى:{لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله .... } (1). ويجوز أن تكون (مَنْ) في قوله تعالى: (مَن في السَّمَوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ) عامة للعقلاء وغيرهم، كما في قوله تعالى:{وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} (2).
وبعد أن بين ملكيته تعالى لأهل السموات والأرض، عقب ذلك ببيان خطإِ الكافرين في عبادة غيره فقال:
{وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ} : أي وما يتبع الذين يعبدون غير الله شركاء له على الحقيقة، فإنها مملوكة له تعالى ولا شركة لها معه في شئٍ، فلا تستحق أن يشركوها به في العبادة.
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} : أي ما يتبع هؤلاء المشركون في عبادة غير الله تعالى إلا توهمهم الباطل أنه شريك له، دون أن يكون لهم على شركته له برهان عقلى أو نقلى، وما هم في جعلهم شركاء له إلا يكذبون.
المفردات:
{لِتَسْكُنُوا فِيهِ} : لتطمئنوا وتستقروا فيه بعد حركتكم بالنهار.
(1) سورة البقرة، من الآية: 284
(2)
سورة النور، من الآية: 45
{مُبْصِرًا} : مضيئًا لتتحركوا فيه وتهتدوا في ضوئه إلى حوائجكم. ونقل القرطبى عن قطرب أَنه قال: أَظلم الليل أَي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأَبصر، أي صار ذا ضياء وبصر - يقصد صاحب ضياءٍ وبصر من الناس فيه.
التفسير
67 -
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} :
بعد ما بينت الآية السابقة عقيدة المشركين في إِشراكهم بالله ما لا يملك شيئًا من السموات والأَرض التي يختص بملكها الله، وأوضحت أَنهم ليس لهم على أُلوهيتها دليل بل يتبعون الوهم ويكذبون، جاءَت هذه الآية لتؤكد خطأهم في الإشراك بالله وتقرر ما تقدم من اختصاص الله بملكيته للسموات والأرض ومن فيهما، وأَهليته لإفراده بالعبادة.
والمعنى: هو الذي أبدع لكم الليل وجعله مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا من متاعبكم نهارًا، وأَبدع لكم النهار وجعله مضيئًا لتتحركوا فيه لمصالحكم.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} :
إِن في هذا التدبير الحكيم في شأْن الليل والنهار، لآيات عظيمة على وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة، فوق ما مر من آياته جل وعلا، وهذه الآيات مسوقة لمن يسمعونها سماع تعقل وتدبر فينتفعون بها ولا يتشبثون بأوهام الشرك الواهنة، أَما أُولئك الذين يعرضون عن سماعها أَو يسمعونها ولا يتدبرون فيها فلا سبيل لهم إلى الانتفاع بها، والانتقال من الضلال إلى الهدى.
المفردات:
{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} : ليس عندكم من حجة عليه.
التفسير
68 -
{قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} :
الظاهر أن الضمير في: {قَالُوا} يعود على المشركين الذين سبق الحديث عنهم من أول السورة إلى هنا، ويؤيده أن السورة مكية والنقاش في السورة مع المشركين، أما مع أهل الكتاب فإنه بدأ في المدينة حيث يوجد اليهود، ومن المفسرين من جعله شاملا لكل من اعتقد النبوة لله، فيدخل فيهم المشركون واليهود والنصارى، وغيرهم ممن على شاكلتهم والولد يشمل الذكر والأنثى، ويطلق على الواحد والجمع، وقد زعم المشركون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} (1). وفي زعمهم هذا يقول الله منكرًا عليهم:{وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (2) وزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، ولغير هؤلاء مزاعم تشبههم، فنزلت الآية لإبطال مزاعمهم.
(1) الإسراء آية: 43
(2)
الزخرف آية: 19
والمعني: قال الكافررن: اتخذ الله ولدا وجعله له ابنًا، سبحانه وتنزيهًا له عن ذلك الزعم الباطل، هو الغنى على الإطلاق، فأَى حاجة له إِلى التبنى؟ ثم شرع يفند زعمهم بقوله:
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} : أي له تعالى كل ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا، وفي جملة ذلك من زعموه له ولدًا، ومن كان كذلك فلا حاجة له إلى ولد، ثم بين أنهم لا حجة لهم فيما زعموا ووبخهم عليه فقال:
{إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} : أي ما عندكم من حجة بهذا الزعم، والعاقل لا يعتقد إلا ما قامت عليه الحجة، أَيليق بكم أَن تقولوا على الله الذي له ملك السموات والأرض ما لا تعلمون صدقه، ولا تقوم به حجة، ثم أَمر الله رسوله أن يهددهم على هذا الافتراءِ فقال:
69 -
{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} :
قل أيها الرسول للذين زعموا أَن الله اتخذ ولد، مبينًا لهم سوءَ عاقبتهم، ووخامة منقلبهم: إن الذين يختلفون على الله الكذب بمثل مزاعمكم المستحيلة لا يفلحون، فلا هم ينجون من مكروه ولا هم يفوزون بمطلوب، فالنار مثواهم، والجنة حرام عليهم، وإلى هذا المصير يشير قوله تعالى:
70 -
أَي لهؤُلاءِ المفترين على الله تمتع قليل في الدنيا، فإنهم إليه راجعون مهما طال مكثهم فيها ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم الذي أصروا عليه في دنياهم.
المفردات:
{نَبَأَ نُوحٍ} : النبأْ، الخبر الذي له شأْن وخطر.
{كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي} : شق وعظم عليكم ق4يامى ووجودى بينكم.
{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} : إجماع الأَمر، العزم عليه، تقول أَجمعت الأَمر وأَجمعت عليه أي عزمته وأردته بهمة ومضاءٍ وعزيمة، والصيغة الأولى أفصح من الثانية وقال أَبو الهيثم: أجمع أَمره جعله مجموعًا بعد ما كان متفرقا.
{غُمَّةً} : أي مستورا، من غمة إِذا ستره.
{اقْضُوا إِلَيَّ} : أَي أدوا إليّ الأمر الذي تريدونه بي. {وَلَا تُنْظِرُونِ} : ولا تمهلونى.
{تَوَلَّيْتُمْ} : أَعرضتم عن تذكيرى. {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} : من المنقادين لحكم الله لا أخالف أَمره. {الْفُلْكِ} : السفينة.
التفسير
71 -
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} :
أي واتل أيها الرسول على المشركين من قومك ومن على شاكلتهم من سائر الكفار، اتل عليهم خبر نوح مع قومه الذين هم على شاكلة قومك في الكفر والعناد، فإنه خبر ذو شأْن وخطر عظيم فلعلهم بتلاوته عليهم، يتدبرون ما فيه من زوال ما تمتع به قوم نوح من النعم، وحلول عذاب الغرق بهم الموصول بعذاب الآخرة، لينزجروا عما هم فيه من الكفر، فإنه خبر صادق موافق لما ذكرته الكتب السماوية عنه، شاهد بصحة نبوتك، فإنهم يعلمون أنه لا سبيل لك إلى علمه إلا بطريق الوحى، والمراد من نبأ نوح مع قومه، بعض أخباره معهم لا كلها، فالموجود منها هنا موجز يسير لقصد العبرة.
أي اذكر لقومك نبأ نوح حين قال لقومه مهددًا ومتوعدًا لهم بعد ما عاناه منهم من الإعراض والإصرار على التكذيب، وبذل الجهد الطويل المديد في الوعظ والتذكير، اذكر لهم حين قال نوح لقومه بعد ذلك كله: يا قومى إن كان قد عظم وشق عليكم، قيامى ومكثى بين ظهرانيكم وتذكيرى لكم بآيات الله الذي كان سببا في كراهتكم لوجودى بينكم فعلى الله وحده توكلت، وعلى حمايته وحفظه لى من شركم اعتمدت. فاعزموا أمركم في شأْنى، ووحدوا كيدكم لى، واجعلوا معكم شركاء فيما تريدون بى، واحتشدوا فيه على أي وجه يمكنكم، ثم لا يكن أمركم الذي تدبرونه لى مستورًا مقصورًا عليكم، بل اكشفوه وجاهروا به ولا تخشونى، فإن السر إنما يصان، لمنع الخلاص من المكروه بالهرب ونحوه وذلك لا مجال لى فيه، فأنا واحد وأنتم أُمة، فكيف استطيع الخلاص من كيدكم كما تتوهمون، ثم أوصلوا إلى كيدكم واتجهوا به نحوى ولا تمهلونى، فلن يصل إلى من أذاكم قليل ولا كثير فقد اعتصمت بالله وتوكلت عليه:{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (1). ولا ترى أبلغ من ذلك في الثقة بنصر الله، والسخرية من أعدائه الغافلين عن عظمة الله وحمايته لأنبيائه وأوليائه.
(1) سورة يوسف، من الآية: 64
72 -
{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ .... } الآية:
والمعنى: فإن أعرضتم عن نصيحتى وتذكيرى لكم، بعد ما بينته من أننى لا أخاف من أذاكم ولا أذى آلهتكم المزعومة، وأننى في حرز حصين من حماية ربي، فلا سبيل لكم إلى إهلاكى فإن أعرضتم بعد ذلك كله فما سألتكم على وعظى وتذكيرى لكم من أَجر قل أو كثر، حتى يؤدى ذلك إلى توليكم، أو حتى يضرنى توليكم بالحرمان، فما سأَلتكم على التبليغ من أَجر فما أجرى إلا على الله، فلا وجه لإعراضكم عن الحق، وقد أُمرت من الله بأَن أكون من المسلمين أي المستسلمين الخاضعين لحكمه لا أُخالف أَمره ولا أرجو غيره، ولا أدعو إلى عبادة سواه، فدعوا إعراضكم وأسلموا لله وحده كما أسلمت. ولكن قومه لم يستجيبوا له، وأصروا كعادتهم على التكذيب فعاقبهم الله وذلك ما حكاه الله بقوله:
73 -
أَى فأَصروا على التكذيب بعد ما أَلزمهم الحجة، وأَوضح لهم الطريق المأْمون، وقضى معهم دهرًا طويلا في النصح والإِرشاد، فنجاه الله تعالى من الغرق بالطوفان الذي عوقب به قومه، ونجى من كان معه في السفينة التي صنعها بأمر الله وإرشاده، وهم الذين آمنوا بربهم واستجابوا له وكانوا عددًا قليلًا وجعل الله هؤُلاءِ المؤمنين من قوم نوح خلائفِ لقومهم المكذبين، وأَغرق الذين كذبوا بآياته تعالى، جزاءً لهم على كفرهم وعنادهم، ثم أَمر الله بالتأمل في عاقبتهم الوخيمة فقال:
{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} :
والخطاب هنا لكل ذى عقل سديد، والمعنى: فانظر أَيها العاقل وتأَمل لتعرف منه أَن بطش الله بالكافرين شديد لا قبل لأَحد به، وفيه تحذير لمن كذب رسول الله، وتسلية له صلى الله عليه وسلم.
التفسير
74 -
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} :
ثم أرسل الله من بعد نوح رسلا كراما كثيرين إلى أَقوامهم، لكل قوم رسولهم الخاص بهم، فجاءُوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم في التبليغ عنه سبحانه، فما حدث لقوم من أقوامهم أن يؤمنوا في آخر دعوته بما كذبوا به من قبل في أَول دعوته، فلم ينفعهم دوام "تذكيرهم"، ولا تواتر البينات الظاهرة والمعجزات الباهرة عليهم.
ويجوز أَن يكون معنى {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} : فما كانت كل أَمة منهم لتؤمن برسولها بسبب تعودهم تكذيب الحق قبل بعثة رسولهم الخاص بهم إليهم، فقد كانوا في فترات الرسل يسمعون من بقايا الأُمم قبلهم أَن مرسلين أُرسلوا بالتوحيد قبلهم، فلما عصوا أُهلكوا، فكانوا يكذبون ذلك، ثم كانت حالتهم بعد مجىءِ الرسل إليهم، كحالتهم قبل ذلك كأَن لم يبعث إليهم أَحد.
{كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} : والطبع في اللغة معناه الختم، وقد استعمل في الآية مجازًا عن التخلى والخذلان حتى صارت قلوبهم كأنها مغلقة ومختومة ومطبوع عليها.
والمعنى: مِثلَ ذلك الخذلان والتخلى عن معرفة هؤُلاء الكافرين فيستمرون على كفرهم يتخلى الله ويخذل جميع المعتدين المتجاوزين لحدود الله، فيبقون فيما هم فيه من عدوان، وذلك لانهماكهم في البغى والضلال، وإعراضهم عن الهدى والرشاد، ولو أنهم تدبروا آياته، وفتحوا قلوبهم للنظر السديد، لأعانهم الله وبصرهم فكانوا من المهتدين.
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75)
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ
أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ
فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}
المفردات:
{وَمَلَئِهِ} : الملأ أَشراف القوم.
{لِتَلْفِتَنَا} : لتصرفنا، واللفت والفتل بمعنى واحد.
التفسير
75 -
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا .... } الآية.
أَي ثم بعثنا موسى وهارون من بعد أُولئك الرسل الذين تقدموهما إلى فرعون وأَشراف قومه بآياتنا وعلاماتنا الدالة على أَنهما مرسلان منا، والمراد بتلك الآيات ما مر في سورة الأعراف، من انقلاب العَصا حية وابتلاعها سحر الساحرين، وخروج يده من جيبه بيضاءَ من غير سوءٍ والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، إِلى آخر الآيات التسع التي مر بيانها في سورة الأعراف.
وتخصيص ملإ فرعون بالذكر مع أَن موسى وهارون أُرسلا إِلى باقى أُمة فرعون، لأن الحديث كان معهم أَولا، رغبة في إيمان منْ خلفهم بإيمانهم، ولم يكتف باندراج قصة موسى وهارون من قوم فرعون فيما أَجمل من أَخبار الرسل بعد نوح، لاختصاصها من بين سائر
القصص بأحداث هائلة مع ملك جبار ومستبد، ولأنها كانت معروفة إِجمالًا للعرب؛ لأن اليهود كانوا يعيشون بينهم، ثم بين الله ما حدث من قوم فرعون بعد ما دعاهم موسى وهارون إِلى الحق المؤيد بالمعجزات، فقال سبحانه:
{فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} :
أي فتعالوا عليهما وامتنعوا عن قبول دعوتهما، وكانوا معتادين الإجرام فلذا اجترءُوا على رفض دعوة الله والكفر بها، ثم فصل الله كفرهم بها نوعًا من التفصيل فقال:
76 -
{فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} :
أَي فحين جاءَهم الحق من عندنا على لسان موسى وهارون عليهما السلام مؤيَّدًا بالمعجزات الباهرات، بادروا إلى ردها فورًا من غير تدبر، وقالوا إِن هذا الذي زعمتماه معجزات مؤيدة لرسالتكما، ما هو إِلا سحر واضح لا يحتاج إلى جهد في إِثبات كونه سحرًا، ثم أخبر الله برد موسى عليهم فقال:
77 -
{قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} :
أَي قال موسى منكرًا عليهم بعدما اتهموه بأَن معجزاته من قبيل السحر الواضح: أَتقولون للحق عند مجيئه إِليكم من غير تثبت ولا تفكير {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} ولم يذكر في رده عليهم جملة {إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} اكتفاءً بعلمها من كلامهم السابق، ثم وبخهم على هذا الادعاءِ ودلل على فساده فقال:
{أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} :
أَي أَسحر هذا الذي جئتكم به، وكيف يكون سحرًا وأتحداكم به وأَنا أعلم أَنه لا يفلح الساحرون فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مكروه ولا يثبتون أمام تحدى الساحرين المتمرسين المتفوقين، كالذين ينتشرون في أَطراف مصر وأرجائها، وكيف يفلح الساحرون وهم يفترون على الله، والله لا ينصر من يفترى عليه.
ثم حكى الله مقالتهم الواهية لما عجزوا عن رد حجته عليهم فقال:
78 -
أي قال قوم فرعون لموسى: هروبًا مما أفحمهم به، أجئتنا بدعوى الرسالة عن الله، لتصرفنا
عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون وسائر المعبودات التي ورثناها عنهم، لكي نعبد إلهك الذي طلبت أَن نعبده وحده، ولكى تكون لك ولأَخيك الكبرياءُ والعظمة في الأرض، بتولى الملك والرياسة علينا، فما أَضعف حجتهم، وما أقصر نظرهم، فلا ينبغي لعاقل أَن يحهتج بما كان عليه الآباءُ - فما أَكثر ما يكونون عليه من ضلال - ولا أَن يُتهم من يدعو إلى الله وحده بأَنه يدعو إِلى الرياسة والملك في الناس.
{وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} : أي وقال فرعون وقومه لموسى وهارون ولسنا لكما بمصدقين فيما جئتما به من الدعوة إِلى توحيد الله وترك ما كان عليه آباؤنا.
ولم يخصوا موسى بالخطاب مع أَنه هو الذي خاطبهم بشريعته ودعاهم إِليها، مبالغة في إقناطه من إيمانهم، ولما كان لفتُهم عما وجدوا عليه آباءَهم من خصائص صاحب الشريعة أَسندوه إِلى موسى عليه السلام في قولهم:{أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} .
أَما هارون فوزيره فيها، وتأْكيدًا لإصرارهم على الكفر والعناد كان التعبير بالجملة الإسمية والإتيان بالباءِ وتقديم {لَكُمَا} على {مُؤْمِنِينَ} في قولهِ {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} .
وقد رفض هولاءِ دعوة موسى لسببين:
1 -
أَنه جاءَ ليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وهم لا يحبون التحول عنه ومفارقته.
2 -
أَنهم زعموا أنه أَراد بدعوته أَن يكون له ولأخيه الكبرياءُ في الأرض وهم يحرصون على الانفراد به واستعباد الناس وظلمهم، ويرد السبب الأول بأنه حقا دعاهم إلى نبذ ما كان عليه آباؤهم ولكن ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والعرفان، وهذا خير مما عليه آباؤهم، ولا يحتاج رد الثاني إلى فكر ونظر لأن الرسالة لم تكن طريقًا إِلى التسلط والكبرياء، فقد تحمل موسي وهارون في سبيلها متاعب شديدة، ورحلات شاقة وبذلا في تبليغها للناس جهودًا مضنية، من أَجل الله وإِسعادًا للبشر في الدنيا والآخرة، دون أَن يكون لهما مأْرب دنيوى.
المفردات:
{السِّحْرُ} : يطلق على ما لطف ودق، ويطلق على ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، مثل ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ويكون السحر أَيضًا بمباشرة أَقوال وأَفعال حتى يتم للساحر ما يريد من التأثير على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه ويؤئر في حواسه ووجدانه، كأن يجد الحلو مرًّا، وينقبض صدره وتضعف قواه، ويكثر اضطرابه.
{سَيُبْطِلُهُ} : سيمحقه ولا يبق له أَثرًا. {لَا يُصْلِحُ} : لا يثبت ولا يؤيِّد.
{وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ} : ويثبت الله الحق ويقويه ويؤيده. {بِكَلِمَاتِهِ} : لأَوامره ووحيه.
التفسير
79 -
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} :
بعد أَن بين القرآن الكريم أن فرعون وقومه لجأُوا إلى التمسك بتقليد آبائهم - حينما لم يجدوا حجة يردون بها دعوة موسى - بعد ذلك جاءَت هذه الآية تبين أَن فرعون اتبع أُسلوبًا آخر في رد رسالة موسى، وهو إِيهام قومه أن ما جاءَ به موسى من قبيل السحر حتى لا يتأثروا بدعوته الواضحة، فيبقى له النفوذ والكبرياء والتسلط.
والمعنى: وقال فرعون آمرا قومه: اجمعوا لى من جميع أنحاء مملكتى كل ساحر واسع العلم بفنون السحر، عظيم الخبرة به قوى التأثير بارع الحيلة كى يعارض بهم معجزة موسى عليه السلام.
80 -
{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} :
أي فحشروا لفرعون كل ماهرٍ في صناعة السحر، فلما جاءُوا إليه واجتمعوا لديه قال لهم موسى ألقوا ما استقر رأيكم على إلقائه من أَنواع السحر، وقدموا ما عزمتم على فعله وأَظهروا كل ما في طاقتكم من سحر ليظهر بطلانه على رءُوس الأشهاد.
ولم يطلب إِليهم موسى عليه السلام. أن يبدأوا بإظهار سحرهم عقب مجيئهم إِلى فرعون وإنما كان بعد أن خيروه بين أَن يبدأ هو أو يكونوا هم البادئين، كما حكاه القرآن في سورة الأعراف {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} (1).
ولوثوقهم بتغلبهم عليه خيروه، كما كان طلب موسى منهم أَن يبدأوا ليعطيهم الفرصة كاملة لإظهار ما في طاقتهم من السحر في هدوءٍ تام واطمئنان كامل، وحتى يجد الحق بعد الباطل نفوسًا تتقبله وعقولا تتدبره.
81 -
أي فلما أَلقوا ما لديهم من العصى والحبال وأظهروا كل ما في طاقتهم من فنون السحر استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم. ولثقة موسى عليه السلام بصدق رسالته، وإيمانه بنصر الله له، وتثبيت الله لقلبه، وتكذيبًا لما رموه من السحر قال لهم: الذي جئتم به وبذلتم في إِظهاره أَقصى جهدكم هو السحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى، وتأْكيدا لثقته بتحقيق ما تقدم قال فيما حكاه القرآن عنه {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ}: أَي إن الله سيمحق هذا السحر فلا يبقى له من أثر بما يظهره على يدى من المعجزات، فإن الباطل لا يدوم مهما كثر وانتشر.
(1) الأعراف من الآية: 115
ثم أكد القرآن الكريم ذهاب هذا السحر وزواله بقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} : أي إن الله لا يجعل عمل جميع المفسدين صالحًا للبقاءِ ثابتًا، بل يزيله ويذهب به، فلا يبقى لباطل هولاءِ السحرة المفسدين أثرًا.
82 -
{وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} :
أَي ويثبت الله الحق الذي يبعث به رسله رحمة للعالمين، ويؤيده ويقويه بأوامره وتأْييده، ولو كره المجرمون الكافرون إِحقاقه واستقراره، ففي إِحقاقه قطع أطماعهم وتقويض سلطانهم والقضاءُ على باطلهم، واستقرار الأمن وعمارة الأرض وذهاب الفساد. ومن سنن الله في خلقه أن البقاء لمبادىءِ الخير والحق {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (1).
{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي
الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ
مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ
مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}
المفردات:
{ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} : جماعة من قومه، شبابًا أَو كهولا، فقد آمن به السحرة وهم كهول غالبًا كما آمن به غيرهم.
{أَنْ يَفْتِنَهُمْ} : أَن يعذبهم. {لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ} : لغالب فيها.
(1) سورة الإسراء، الآية:81.
التفسير
83 -
بعد أَن بين القرآن الكريم على لسان موسى أن ما جاءَ به سحرة فرعون هو السحر الذي لا حقيقة له، وأَن الله سيبطله، ويحق الحق بكلماته، جاءَت هذه الآية تخبر بأَنه مع ثبوت الحق بغلبة المعجزة وزهوق الباطل باندحار السحر، لم يؤمن بموسى عليه السلام إِلا عدد قليل من قومه.
والمعنى: فما آمن لموسى وصدق برسالته بعد إِحقاق الله الحق بقضاء عصا موسى كل سحر الساحرين، إِلا عدد قليل من قوم فرعون شرح الله صدورهم للإيمان، بعد ظهور الحق على الباطل، وكان إيمان هؤلاء مصحوبًا بخوف شديد وحذر بالغ من فرعون ورؤساء قومه أن يعذبهم على أَيدى هؤلاء الرؤساءِ ويوقع بهم صنوف الأذى بمعونتهم.
وإِنما جاء في القرآن {أَنْ يَفْتِنَهُمْ} دون أن يفتنوهم حتى يشمل فرعون وملأهم، لإفادة أَن الخوف من الملإ كان بسبب أَن كل ظالم في دولة فرعون كان يستمد ظلمه من طغيان فرعون وجبروته، ثم أَكد القرآن الكريم خوف المؤمنين من بطش فرعون بقوله تعالى:
{وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ} : أَي وإِن فرعون لغالب على الناس قاهر لهم في أَرض مصر بالسطان والملك عليهم وادعاء أَنه لا إِله لهم سواه كما حكاه الله عنه بقوله {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (2) ثم زاد في تقرير هذا المعنى حين قال:
{وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} : أَي وإن فرعون لمن جملة الذين دأبوا على تجاوز الحد في الظلم والفساد فقد أَسرف في القتل وسفك الدماء، كما بالغ في الكبر والاستعلاءِ.
84 -
أي وقال موسى لأُولئك الذين أَظهروا إِيمانهم، يا قوم إن كنتم صدقتم بالله، فعليه وحده توكلوا إن كنتم مستسلمين له خاضعين لشرعه.
85 -
{فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :
بعد أَن بينت الآية السابقة أن موسى عليه السلام دعا من آمن به من قومه إلى التوكل على الله والاعتماد عليه في نصرتهم وإصلاح شئونهم كدليل على صدق إيمانهم جاءَت هذه الآية الكريمة لبيان أنهم أسرعوا إلى تلبية ندائه.
(1) جمع الضمير في (ملئهم) مع أَنه عائد على فرعون، لأنه جاء على طريقتهم في تعظيمه.
(2)
سورة القصص من الآية: 38
والمعنى وقال الذين آمنوا بموسى مستجيبين له في صدق إيمان، وإخلاص يقين، ومن غير إبطاءٍ ولا تردد - على الله وحده اعتمدنا في نصره لنا ودفع الأذى عنا، وإنقاذنا من ظلم الظالمين، وإِعانتنا في كل ما يهمنا من شئون الدنيا وأُمور الآخرة: وفي مبادرتهم إلى إجابة هذا النداءِ، دليل واضح على رسوخ إِيمانهم وقوة إسلامهم، ومصداق لإخلاصهم في التوكل على الله، وقد فزعوا إليه سبحانه بالدعاءِ قائلين:{رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : أي ربنا لا تجعلنا موضع فتنة لهؤلاءِ القوم الظالمين فلا تسلطهم علينا تعذيبًا ووعيدا ومضايقة فيفتنونا عن ديننا.
86 -
{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} :
أَي وأَنقذنا برحمتك وعطفك من هؤلاء القوم الكافرين بك - إِن هم أرادونا بسوءٍ - فنحن لا قدرة لنا على دفعهم لضعفنا وقوتهم، ومن أظلَّتهم حمايتك، فلا سلطان لجبار عليهم.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا
عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)
قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
المفردات:
{تَبَوَّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} : أي اجعلا لقومكما منازل يقيمون فيها - يقال: تبوأَ المكان وتبوأَ به نزل فيه وأقام به. {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} : أي أجعلوها أماكن للصلاة متجهين فيها إلى القبلة. {اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} : الطمس في اللغة المحق والمحو، أي أهلكها واجعلها غير صالحة للانتفاع بها. {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}: أَي اختم عليها واجعلها قاسية لا تنشرح للإيمان لاختيارهم الكفر وإصرارهم عليه.
التفسير
87 -
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
…
} الآية: أَي وأمر الله تعالى موسى وأخاه هارون عليهما السلام بوحى أوحاه الله إليهما أن يجعلا لقومهما بمصر بيوتا خاصة بهم ينزلون بها ويسكنون فيها، وأَمرهما وقومهما أن يجعلوا بيوتهم هذه أماكن للصلاة، وأَن يقيموا الصلاة فيها إلى جهة القبلة، بعيدا عن أعين فرعون وقومه حتى يأْمنوا على أَنفسهم من البطش والإيذاء وعلى دينهم من الفتنة - وكان فرعون قد خرب معابد بنى إسرائيل ومنعهم من الصلاة.
ولِمَا للصلاة من الأثر البالغ في تهذيب النفس وصفاءِ القلب، أمرهم الله جميعًا بها فقال:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} : أَي وأدوا إلصلاة تامة الأَركان والشروط في خشوع وإخلاص لله تعالى لتنشرح صدوركم وتمتلئ نورا وإِيمانا، وتثبت أَقدامكم على طريق الحق والهدى إذ الصلاة عماد كل الديانات التي شرعها الله.
{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} : أي وبشر المؤمنين يا موسى بالنصر والتأْييد في الدنيا إِجابة لدعائِهم، وفي الآخرة بجنات النعيم جزاء ما قدموا من صالح الأعمال.
ومن محاسن النظم الكريم في هذه الآية أن الله أمر موسى وهارون وحدهما باتخاذ البيوت لقومهما لأَن ذلك من شأْن الرؤساء والقادة.
وأمرهم جميعًا بإقامة إلصلاة وجعل بيوتهم معابد لوجوب الصلاة على جميع المكلفين وأمر موسى وحده بالبشارة لأنها من وظائف صاحب الرسالة المقدم في قومه، لتكون أوقع في نفوس المؤمنين وأعظم في إدخال السرور عليهم.
88 -
بعد أن أطمأَن موسى عليه السلام إلى استقرار قومه في البيوت التي اتخذها هو وأخوه لسكناهم جاءَت هذه الآية تبين أنه اتجه إِلى الله بالدعاءِ على فرعون وملئه وبعد أن يئس من إيمانهم.
والمعنى: وقال موسى عليه السلام مناجيا رب العالمين سبحانه وتعالى يا ربنا إنك أعطيت فرعون والرؤساء من قومه زينة من لباس حسن جميل وحلى وجواهر، وأثاث فأخر وقصور عالية، وغير ذلك مما يتزين به، ومنحتهم أَنواعًا كثيرة من الأموال فكانت عاقبة هذه النعم أنهم بالغو في الكفر بك، وجعلوها وسيلة قهر وبطش وطغيان، وضلوا بها وأضلوا عن سواءِ السبيل واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأغلقوا قلوبهم دون قبول الخير، فاستوجبوا دعائى عليهم {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}: أَي يا ربنا أهلك هذه الأموال التي استعبدوا الناس بها، وأَكثروا في الأرض الفساد بسببها، أهلكها ليزول سلطانهم ويذلوا، واربط على قلوبهم بحيث تكون قاسية جامدة لا تنشرح للإيمان، فإنها ليست له أهلا، لنبذهم شريعتك وتكذيبهم رسالتك بسوءِ اختيارهم، اربط على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم حيث لا ينفع نفسا إِيمانها لم تكن آمنت من قبل أَو كسبت في إيمانها خيرا، ليكون انتقامك منهم شديدًا وعبرة لغيرهم، وهو ما كان من فرعون فيما حكاه القرآن الكريم بقوله:{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1).
وقدم موسى عليه السلام بين يدي دعائه على فرعون وقومه ذكر طغيانهم ليكون أرجى لاستجابة الله له، وتشهيرا بهؤلاء الذين لم يقدروا نعم الله حق قدرها.
وكرر النداءَ (ربنا) مبالغة في الضراعة إِليه تعالى، حتى يستجيب له لمبالغتهم في العناد والطغيان، والتنكر لأَنعُم الله ومقابلتهم الإحسان بالكفران.
89 -
{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} : أَي قال الله تعالى - خطابا لموسى وهارون عليهما السلام قد أَجبتُ دعاءكما، وحققت رجاءكما
(1) سورة يونس الآية رقم (90).
في شأن فرعون وملئه فأهلكتهم وأموالهم لأنهم استمروا على عنادهم، فلم يؤمنوا إلا عند اليأْس من الحياة حين أدركهم الغرق، فلم يقبل الله إيمانهم.
وقد ذكر الله تعالى أنه أَجاب دعاء موسى وأخيه، مع أَن موسى هو الذي دعا على الصغاة لأن هارون كان يقول عند دعاءِ موسى: آمين كما دلت عليه الآثار. ومعناه: استجب يا ربنا فكلاهما طلَبَ الإجابة - طلبها موسى بلفظ الدعاء وطلبها هارون بمضمونه فلا تعارض بين إشراكهما في الإجابة وانفراد موسى بالدعاء.
وبعد أن طمأنهما الله - تعالى - على إجابة دعائهما أمرهما بالثبات على طريق الحق المستقيم ضمانا لنصرهما فقال - تعالى -: {فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} : أي فاستمرا على طريق الحق طريق الطاعة والعبادة والدعوة إِلى التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحجة على أَعداءِ الله، ولا تسيرا في طريق الجهلاءِ الذين لا يعلمون باستعجال العذاب قبل أوانه، فإنَّ ما طلبتماه سيتحقق في وقته المقدر له وفقا لقضاءِ الله المحكم وحكمته البالغة.
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ
آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.
المفردات:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر} : أي وجعلناهم يجاوزونه ويعبرونه من الغرب إلى الشرق حتى وصلوا إلى شاطئه الشرقىّ.
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ} : أي تبعهم حتى اقترب منهم، تقول: تبعته حتى أتبعته، إذا كان قد سبقك فلحقته، {بَغْيًا وَعَدْوًا} ؛ أي ظلما، وتجاوزا للحد فيه.
{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} : أَي حتى إذا لحقه الغرق.
التفسير
9 -
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} الآية.
بعد أَن أَخبر الله - تعالى - موسى وهارون عليهما السلام باستجابة دعائهما على فرعون وقومه، أَمرهما أن يخرجا ببنى إِسرائيل من مصر، فخرجوا على حين غفلة من فرعون وقومه فلما علم فرعون بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم بغيا وعدوا، فلما أدركهم قالوا يا موسى كيف الخلاص؟ والبحر أمامنا والعدو وراءَنا، فأوحى الله إِليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالظود العظيم، فسلك موسى ببنى إسرائيل طريقا في البحر يبسا ووصل فرعون وجنوده إِلى الساحل وكان طريق بنى إِسرائيل في البحر لا يزال باقيا: فسار فيه فرعون بجنوده فلما اكتملوا جميعًا فيه وهمَّ أَولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعين.
{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} : أي حتى إذا لحقه الغرق واقترب منه الموت، صحا من غروره، وندم على فجوره وأَعلن إيمانه فيما حكاه القرآن عنه بقوله:{قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} : أَي قال فرعون آمنت بأَنه لا إله يعبد وحده إِلا الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل وصدقت بوحدانيته، وأكد قوله السابق بقوله:{وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} : أَي وأَنا واحد من جملة الذين أسلموا نفوسهم
لله تعالى - وحده - وبهذا الاعتراف أبطل ما كان يقوله استعلاءً وتجبرا: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} .
فأنت تراه في اعترافاته هذه قد بالغ في إعلان إيمانه حيث كرره بثلاث عبارات:
1 -
{آمَنْتُ} .
2 -
{أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} .
3 -
{وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} .
وقد حدث منه كل ذلك طمعا في النجاة مما نزل به، وليت شيئا من ذلك كان منه حين ينفعه الإيمان - وذلك قبل اليأْس من الحياة، لأن تأْخير الإيمان إِلى وقت العقاب لا ينجى صاحبه، وقد دلت على ذلك الآية التالية:
91 -
{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} : أَي أَتؤمن الآن حين لا ينفع نفسا إيمانها، وقد أَمضيت عمرك في المعصية، وكنت من الملازمين للإفساد في الأرض، أفلا قدمت إِيمانك، وأَجبت داعى ربك، وأَنت في فسحة من الأجل حين كان ينفعك إيمانك؟ ولكنك ندمت وآمنت بعد فوات الأَوان، فلم ينفعك الإيمان، كما قال تعالى:{فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} (1). روى الإِمام أَحمد والترمذي وابن ماجه - رضى الله عنهم - أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِن الله يقبلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغرْ" والغرغرة حشرجة الموت وقال تعالى -: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (2).
92 -
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} :
بعد أن أَنكرت الآية السابقة على فرعون تأخير الإيمان بلا عذر إلى أَن حضره الهلاك، جاءَت هذه الآية لبيان خيبة أَمله وقطع رجائه وللسخرية منه.
(1) سورة غافر، الآية: 85
(2)
سورة النساء، الآية: 18
والمعنى: ففي هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وهارون وبنى إسرائيل من الغرق، يخرجك من البحر، ويلقى ببدنك على شاطئه خاليا من الروح، لتكون قصتك آية وعلامة لمن وراءك من أهل عصرك ومن يأتى بعدهم ممن يبلغهم خبرك، وتصل إلى أسماعهم عاقبتك، فيعرفون من هذه الآية أن الكفر بالله وخيم العاقبة، وأنه لا يصح للبشر أن يشاركوه في الأُلوهية أَو يستأْثروا بها، قيل إِن فرعون الذي أُرسِل إليه موسى هو منفتاح أَو رمسيس الثاني، وكلاهما جثة موجودة إِلى اليوم في المتحف المصرى والله أعلم، ومع ما في قصة فرعون من العبر فلم يلتفت إلى الإفادة منها كثير من الناس، كما قال تعالى:{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} :
أي وإِن كثيرًا من أهل مكة ومن غيرهم لغافلون، عن التفكير في آيات الله التي أَقامها أَو أَنزلها للفصل بين الحق والباطل لغافلون أَشد الغفلة، ساهون عن تدبر معانيها، والانتفاع بدلالاتها، ولو فعلوا لما ضلوا عن سواء السبيل.
المفردات:
{بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} : أَنزلناهم مكانًا صالحًا آمنًا وأسكناهم فيه.
التفسير
بعد أَن ذكر القرآن الكريم إِنعام الله على بنى إِسرائيل بإنجائهم وإِهلاك عدوهم جاءَت هذه الآية لبيان أحوالهم وما أَفاض الله عليهم من نعمه الوفيرة وأنهم لم يقوموا بشكرها.
93 -
{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ
…
} الآية.
يؤكد الله - تعالى - أَنه أَنزل بنى إِسرائيل بعد أَن أنجاهم من طغيان فرعون وجنوده،
وخلصهم من مطاردتهم - أنزلهم - مكانًا صالحًا مرضيا، وأرضًا يجدون فيها الأمن والطمأنينة، ومع تهيئة المكان الآمن رزقهم أرزاقًا طيبة، فأنزل عليهم المن والسلوى وأتم عليهم نعمته.
{فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} : أي ظل هؤلاءِ يرفلون في نعم الله عليهم فما اختلفوا في أمر دينهم وما عصوا رسولهم موسى عليه السلام إلى أن قرأوا التوراة وعرفوا أحكامها فاختلفوا في فهمها، وانقسموا فرقًا في تأْويلها، كل فرقة تدعى أنها هي التي على الحق دون سواها، ويجوز أن يكون المراد ببنى إِسرائيل الذين اختلفوا، هم اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أَنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن به ومنهم من كفر بغيا وحسدا، كما قال - تعالى -:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} (1).
ثم حذرت الآية المكذبين وطمأنت المصدقين ببيان أَن مصير الكل إلى الله يحاسب كلا على ما قدمت يداه وذلك في قوله تعالى:
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} : أَي إِن ربك أيها الرسول سيحاسب كلا بما كسبت يداه، ويحكم بالعدل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب المحقين ويعاقب أهل الباطل الظالمين.
{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
(1) سورة البينة، الآية: 4
المفردات:
{مِنَ الْمُمْتَرِينَ} : من الشاكِّين.
التفسير
94 -
{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ
…
} الآية.
بعد أن تحدثت هذه السورة عن قصص بعض المرسلين مع أُممهم، وآخرها قصة موسى مع فرعون وقومه، جاءَت هذه الآية تطالب من يشك في صدق هذه القصص التي ساقها الله للعبرة، وللدلالة على صدق محمد في نبوته، تطالبه بأن يسأل الذين يقرءُون الكتاب من علماءِ اليهود والنصارى، ليتأكد من وجودها في كتبهم، وليحمله ذلك على الإيمان بنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم فالخطاب في قوله تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك} .. إِلخ موجه إلى من يتعرض للشك من الأُمة التي أُرسل إِليها النبي صلى الله عليه وسلم، وليس موجهًا للنبي عليه الصلاة والسلام لما سنبينه فيما يلي:
اعلم أَن القرآن كما أُنزل إِلى الرسول وحيًا وتبليغًا أنزل إِلى أُمته أَفرادًا وجماعات عملًا وتكليفًا، فمن الأَول قوله تعالى في سورة النحل:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (1) وقوله في سورة النساءِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ .... } (2) ومن الثاني قوله تعالى خطابًا للأُمة: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (3) وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} (4).
والمعنى: فإن كنت أَيها المكلف من أُمة الدعوة المحمدية، في شك من صدق ما أَنزلناه من هذه القصص على رسولنا إِليك لتعرف به صحة نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم فأسأل علماء اليهود والنصارى الذين يقرءُون كتبهم ويعرفون أَن هذه القصص قد وردت بها منقولة من جيل إلى جيل قبل وجودك، حتى تعلم من وجودها قديمًا في كتبهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق في نبوته، وَثِقَةٌ في رسالته، فإنه أُمى لا يقرأ ولا يكتب
(1) سورة النحل، من الآية: 44
(2)
النساء، من الآية: 105
(3)
سورة الأنبياء، الآية: 10
(4)
سورة النور، من الآية: 34