الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من جدّه لآدم عليهما السلام فالبشرية في عهده كانت محصورة في حيِّزٍ ضيق من الأَرض أم أَن الطوفان مع كونه عقوبة لقوم نوح، فإنه كان لجميع أَنحاء الأَرض لحِكَمٍ يخص بعلمها الحكيم الخبير، ولم نجد لهذا ال
سؤال
جوابا حاسما يحمل على اعتقاد عمومه أَو خصوصه يقينا، والذى يجب اعتقاده هو عموم الطوفان للكافرين لقوله تعالى:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} . وقوله: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} .
أَما عمومه لجميع بقاع الأَرض، فليس لدينا ما ينفيه على البت والقطع، لاحتمال النصوص لهذا العموم، ولأَنه قد وجدت بعض الأَصداف والأَسماك المتحجرة في أعالى الجبال، لأَن هذه الأَشياءَ لا تتكون إِلَاّ فى البحر، فلا بد أَن تكون هذه مخلفات طوفان عمَّ الأرض، وارتفع إلى أَعالى الجبال ..
سؤال
قد يقول قائل: ما ذنب الصغار الذين لم يبلغوا حد التكليف حتى يهلكهم الله بالطوفان؟
والجواب: أنه مجرد سبب لموتهم، وليس موتهم به عقوبة لهم، وأَى محذور في إِماتة مين لا ذنب له؟ وفي كل وقت يميت الله من هؤُلاء الصغار بأسباب وبغيرها عددا لا يحصى، فالخلق عباده، والملك له - وحده - يفعل فيه ما يشاءُ حسب حكمته العالية، فهو الحكيم الخبير.
المفردات:
{إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} : أَي بعض أَهلى الذين وعدتنى بنجاتهم.
{لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} : أَي لا يستحق الانتساب إليهم، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر. {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: أي إِنه صاحب عمل فاسد، فلا ينسب إلى أَهلك الذين سبق الوعد بإنجائهم. {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: إِنى أُحذرك أن تكون من جملة الجاهلين بسؤالك نجاة ولدك الكافر.
التفسير
45 -
{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
…
} الآية.
تقدم في الآيات السابقة بيان أَن نوحا دعا ولده هذا إلى أَن يركب معه السفينة، ولا يتخلف مع الكافرين حتى لا يهلك بهلاكهم، وأنه أجابه بأَنه سيأْوى إِلى جبلٍ يعصمه من الماءِ، وأن أَباه أَفهمه أنه لا عاصم من الغرق، إِلا الله الذي رحم المؤْمنين ركَّاب السفينة، وأَن الموج حال بينهما فانقطع الحديث، وكان هذا الولد من المغرقين.
وظاهر هذه الآية أن نوحا أراد بقوله: - {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} الخ أن يطلب من الله تعالى نجاته من الغرق بالطوفان، فكيف يطلب ذلك بعد غرق ولده، لأَنه من الكافرين المغرقين.
ويجاب عن ذلك، بأَن نوحا لم يكن رآه يغرق، وأَنه ربما ظن أنه نحا باللجوءِ إلى جبل، أَو أَنَّ كفره لم يكن مُؤكدًا لديه، ولذا قال:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} . ولم يكن يظن أَنه ممن سبق عليه القول بالغرق في قوله - سبحانه -: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} .
وأُجيب بغير ذلك وحسبنا ما ذكرناه.
والمعنى: ودعا نوح ربه قائلا: يا رب إن ابنى من أهلى، وقد وعدت أن تنجيهم فما حاله؟ أو فما له لم ينج؟ ويجوز أن يكون هذا النداءُ قبل غرقه - كما قال البيضاوى (1).
{وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} :
أي وإِن كل وعد يصدر عنك يا رب هو الحق فلا يتطرق إِليه الخُلْف، وقد وعدت أن تنجى أَهلى، وأَنت أَعدل الحاكمين، فلعلك يا ربى نجيته، وقضيت بنجاته.
(1) وتفصيلا لما أجمله البيضاوى نقوله: الواو في قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ} الخ لمجرد العطف لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، وإِنما أخر إِلى تمام قصة السفينة ونجاتها بركابها المؤمنين، تقديما للأهم على المهم كما قدم في قصة البقرة أمر ذبحها واختلافهم في صفاتها، على ذكر السبب فيه وهو اختلاقهم فيمن القتيل، فراجعها هناك لتعرف سر تقديم العجز على الصدر.
46 -
{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} :
قال الله لنوح في إِجابته على سؤاله: يا نوح إن ابنك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم من الطوفان، لأَن عمله لا صلاح فيه، فهو الفساد بعينه، فخرج بذلك عن كونه من أَهلك، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر، ولأَن أَساس نجاة أَهلك الإِيمان دون النسب.
{فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} :
أي إذا كنت قد علمت شأْن ولدك الذي ظننت أَنه أَهل للنجاة، وتبيَّن لك أَنه أهل للهلاك لكفره، فلا تسأَلنى فيه ولا في غيره بعد ذلك مطلبا لا تعلم يقينا أَنه صواب وموافق للحكمة.
{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} :
إِنِّى أُحذرك وأنهاك عن أَن تكون من جملة الجاهلين، بسبب سؤَالك إِيانا ما لا تعلم يقينا أنه صواب وموافق للحكمة لدينا.
المفردات:
{أَعُوذُ بِكَ} : أَلتجىءُ إليك وأحتمى بك. {بِسَلَامٍ} : بسلامة وأَمن.
{وَبَرَكَاتٍ} : ونعم ثابتة.
التفسير
47 -
{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} :
تحكى هذه الآية توبة نوح عمَّا سأله في شأْن ولده، ولجوءه إِلى الله أَن يعصمه من أن يعود إلى مثل ما طلبه بشأْته.
والمعنى: قال نوح بعد ما وعظه الله وذكَّره: يارب إِنى أَلتجىءُ إليك لتعصمنى من أَن أطلب منك مستقبلا مطلبا لا أَعلم يقينا أَن حصوله مقتضى الحكمة أو أَنه صواب.
وهذه الاستعاذة التي صدرت من نوح عليه السلام، هي توبته ممَّا حدث منه، وهى أَبلغ في التوبة من أن يقول: أتوبُ إِليك أن أسأَلك، لما فيها من الدلالة على أن ذلك أَمر لا قدرة للعبد عليه إِلا بالاستعانة بالله واللجوءِ إِلى حمايته وعصمته.
{وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} :
وإِن لم تغفر لى يا رب ما طلبته في شأْن ولدى حين قلتُ: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} فقد سأَلتُك بذلك نجاته، وظننتُ أنه داخل في وعدك الحق ولم أَكن عالما بحقيقة أَمره، وأَنسانى ذلك شكر إِنعامك بالنجاة علينا، وإهلاك أَعدائنا إِن لم تغفر ليّ ذلك، وترحمنى بقبول توبتى، أكن من الذين خسروا أَعمالهم وأَضاعوها لأَننى غفلت عن أَنَّ ترك ولدى لركوبه معنا في السفينة التي أَمرنى الله بإِعدادها لنجاة المؤمنين شاهد على أنه لا يأْتمر بأَمر ربه، وأَنه ليس معه بقلبه، وأنه لا يستحق أن يكون داخلا في الوعد بنجاة أَهلى، حتى أستنجز ربي ما وعدنى. واعلم أَن ما فعله نوح في شأْن ولده ناشىءٌ عن اجتهاد منه، وبدافع الشفقة التي أودعها الله قلب كل والد، وهذا لا يعتبر مثله موضع لوم وتحذير من الله، ولا توبة من العبد، لكنه بالنسبة للأَنبياءِ ليس كذلك، فما يعتبر مخالفة يسيرة في حقنا يعتبر ذنبا في حقهم.
48 -
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
…
} الآية.
أي قالت الملائكة بأَمر الله، أَو قال الله تعالى: يا نوح اهبط من السفينة بسلامة وأمن منَّا إِلى الأرض التي ابتلعت ماءَها وأَصبحت صالحة للنزول بها، وهذه السلامة مصحوبة ببركات وخيرات دنيوية وأخروية، عائدة عليك في نفسك ونسلك، وعائدة
أَيضا على أمم سوف تنشأ ممن معك، وتتشعب منهم وعلى سنتهم من الإيمان إلى يوم القيامة، وهذه البشارة إعلام بقبول توبة نوح ونجاته من الخسران بفيضان الخيرات عليه في كل ما يأتى ويذر، وعلى أُمم مؤمنة تنشأْ ممن ركبوا السفينة معه من المؤمنين.
{وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} :
وأمم من ذريتهم ليسوا على سنتهم من الإيمان والعمل الصالح، سنمتعهم في الدنيا فيستنفدون فيها طيباتهم، ثم يصيبهم في الآخرة أَو فيهما معا عذاب شديد الإيلام فأَنت ترى أَن السلام الذي هبط به نوح ومن آمن معه، دخل فيه كل مؤمن ومؤمنة من ذرياتهم إلى يوم القيامة، وأَن المتاع العاجل والعذاب الآجل دخل فيه كل كافر وكافرة من ذرياتهم إِلى يوم القيامة. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أَخرج منهم نسلا، منهم مَن رحم ومنهم من عذب.
التفسير
49 -
{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ
…
} الآية.
بعد أن بيَّن الله قصة نوح وقومه مفصَّلة بدقائقها، جاءت هذه الآية تشير إلى أنَّ إخبار القرآن عن هذا الغيب البعيد يعتبر من آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: تلك القصة العجيبة التي فصل فيها ما حدث بين نوح وقومه، وما انتهى إِليه أَمرهم من الهلاك بالطوفان، هي من أَنباء الغيب نوحيها إِليك لتكون برهانا على نبوتك، وذلك لأنك:
{مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} :
فإذا كان قومُك يجهلونها وقد عشتَ بينهم ولم تخالط غيرهم، فإن الذي أخبرك بها. مطابقة لواقعها هو الله الذي أَرسلك، وجعلها وأمثالها آياتٍ تشهد برسالتك، وإن
أَعرض قومك. ولم يصدقوك. {فاصْبِرْ} : كما صبر نوج على معارضة قومه وإيذائهم له ولمن آمن معه. {إِنَّ الْعَاقِبَةَ} : بالظفر في الدنيا والفوز في الآخرة. {لِلْمُتَّقِينَ} : الذين يصبرون ولا يجزعون ولا يفترون، مهما عارضهم الكافرون، فقلوبهم واثقة من نصر الله، وجوارحهم مشغولة بطاعة الله.
المفردات:
{مُفْتَرُونَ} : كاذبون. {فَطَرَنِي} : خلقنى ابتداءً من غير مثال سبق، والفطرة؛ الخلقة ابتداءً - كما قاله القرطبى. {يُرْسِلِ السَّمَاءَ}: يرسل السِحاب، فكل ما علاك سماء.
{مِدْرَارًا} : كثيرة الدُّرُورِ والسيلان.
التفسير
50 -
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} :
بعد أَن ذَكَّرَ الله قريشا بما أَصاب قوم نوح لمّا أَصروا على كفرهم، زادهم تذكيرا ببيان ما أَصاب غيرهم من الأُمم التي كفرت بالرسل، وقدم قصة عاد على ما بعدها لأَنها أقربها إلى قوم نوح، وعاد هذه هي عاد الأُولى، سميت باسم جدها الأَول وهم قوم يسكنون الأَحقاف بين الشحر وعُمَان وحضرموت، وكانوا قوما جبارين عظام
الأَجسام؛ قال تعالى في شأْنهم: {
…
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً
…
(1)}:
وهم من ذرية سام بن نوح، وكانوا أَهل أَوثان وطغيان، فأَرسل الله إليهم رسولا من بينهم فطره على التوحيد، وأَنشأه الرسل الأَطهار وهو هود عليه السلام، ليدعوهم إلى التوحيد، وترك ما هم عليه من الشرك والجبروت.
وقد عبرت الآية عن هود عليه السلام بأَنه أَخو عاد، للإِيذان بأَنه منهم نسبًا، وأَنه نشأَ بينهم، فهم يعرفونه من منشئه إِلى أن دعاهم إلى الحق، ويعرفون من حسن سلوكه أَنه لا يخدعهم ولا يدعوهم إلا إلى ما تدعو إليه الأُخوة من الخير والحق، فإن الرائد لا يكذب أَهله.
والمعنى: وأرسلنا إلى عاد رسولا من بينهم هو هود، ليأْمنوا جانبه ويطمئنوا إِليه لأنه نشأَ فيهم، وعرفوا صدقه وطيب نشأَته.
تحكى هذه الآية ما جرى بين هود وقومه على وجه الإجمال، فالمعقول والمنقول في سياسة الرسل لأُممهم أَنهم لا يجابهونهم في أَول لقائهم معهم بوصفهم بالافتراء، ففي سورة الأعراف يقول الله تعالى:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} . (2) فقد نصحهم بوقاية أنفسهم من عقاب الله؛ بعبادتة وحده، ولم يصفهم بالافتراء، فلذا يحمل وصفهم به هنا على أنه حدث بعد أَن طال جدالهم ومعارضتهم له.
والمعنى: قال هود لقومه بعدما نصحهم وذكرهم مدة طويلة، وأَصروا على شركهم قال لهم: اعبدوا الله، ودَعوا ما أنتم عليه من الإشراك به، فليس لكم عن إله سواه، ما أنتم إلا كاذبون عليه في اتخاذ الأَوثان شركاءَ وجعلها مستحِقة للعبادة معه، وزعمكم أَنها لكم شفعاء.
(1) الأعراف، من الآية: 69
(2)
الأعراف، من الآية: 65
51 -
{يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} :
خاطب هود قومه بأَن دعوته خالية عن المطامع الدنيوية، لبيان إِخلاصه في النصيحة ودفع الريبة عن دعوته، وكذلك فعل كل رسول مع قومه إبعادا للتهمة عنه، وطلبا لنجاح دعوته، فإِن الدعوات المشوبة بالمطامع لا نجاح لها.
والمعنى: يا قومى وأَهلى، أنا لا أَطلب منكم أَجرًا، ولا أَبتغى بدعوتى جزاءً دنيويا من مال أَو جاه، فما أجرى في إِرشادكم وهدايتكم على أَحد إلا على الله تعالى، فلا وجه لمخالفتكم وإمعانكم في الإِعراض عما جئتكم به من الله، مع وضوح الآيات والتجرد عن المطامع الدنيوية، ثم دعاهم إلى استعمال عقولهم، وعاب عليهم إِغفالها فقال:{أفَلَا تَعْقِلوُنَ} : أَي اتغفلون فلا تستعملون عقولكم، لتعرفوا الحق من الباطل والصواب من الخطأ.
52 -
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} :
ويا قوم اطلبوا المغفرة من ربكم لما قدمتموه من الشرك والمعاصي بالإِيمان والطاعة، ثم توسلوا إليه بعد الإيمان بالتوبة والندم على ما فاتكم من طاعة الله، وبالعزم علي عدم العودة إلى طريق الشيطان الرجيم.
{يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} :
أَي إن تستغفروا الله وتتوبوا اليه من شرككم وجبروتكم، يرسل السحاب عليكم كثير الدَّر غزير المطر، ويعطكم قوة مضافة إلى قوتكم، بتوفير الأَسباب المؤدية إِلى ذلك من الزرع والضرع والصناعة، والحصون والبروج وغير ذلك، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زرع وضرع ومصانع وحصون وقصور، وكانوا ذوى جبروت وقوة، كما قال تعالى:{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} (1).
فرُغِّبوا في الإيمان بتوفير ما يحبون لهم، وسوف يعلمهم الإيمان وشريعة الرحمن كيف ينتفعون وينفعون بتلك النعم، وكيف يوجهون قوتهم وجبروتهم فلا تكون إلا
(1) الشعراء، الآيات: 128 - 130
في الخير وإرهاب الشر، ثم نصحهم بعدم الإعراض عما دعاهم إليه فقال:
{وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} : أَي ولا تنصرفوا معرضين عن دعوة الحق، مصرين على إجرامكم وعصيانكم.
المفردات:
{بِبَيِّنَةٍ} : بحجة. {عَنْ قَوْلِكَ} : أي من أجل قولك، {بِمُؤْمِنِينَ}: بمصدقين.
{لَا تُنْظِرُونِ} : لا تمهلون.
التفسير
53 -
{قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} :
قال شعب عاد لنبيهم هود، وهم مصرون على رفض دعوته: يا هود أنت ما جئتنا بحجة تدل على صدق نبوتك، يقولون ذلك ليجعلوا منه سبيلا إِلى عدم الاستجابة إلى ما دعاهم إليه، والحق أنهم كاذبون، فقد جاءهم من المعجزات فوق ما يكفى لطمأْنينة من أَلقى السمع، وأَجال البصر، وفكر بعقل حر، فما من نبي إلا أيده الله من الآيات بما يكفى لإيمان أهل الحق. قال صلى الله عليه وسلم:"مَا مِن نَبيٍّ منَ الْأنبِيَاءِ إلا أعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيْه البَشَر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذى أُوتِيتُ وَحْيًا أوحَاهُ اللهُ إلَىَّ، فَأرْجُوْ أنْ أكُونَ أكْثَرهُم تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
والمقصود من كون الذي أُوتيه الرسول وحيا، أنه اختص بالقرآن إلى جانب معجزاته الأُخرى التي يشاركه في مثلها الأَنبياءُ، فالقرآن هو أعظم معجزاته التي تحدى
بها البشر، واعلم أَن كل نبي أُوتى معجزة لم يؤْتها غيره، وهى التي تحدى بها قومه وهذا لا ينافى حصول خوارق أُخرى على يديه. وبعد أن نفوا مجىء هود عليه السلام ببينة قالوا:
{وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} :
أي وما نحن بتاركى عبادة آلهتنا صادرين في تركها عن قولك وما نحن لك بمصدقين نبوتك حتى فرفض آلهتنا بسبب قولك لنا: دعوها واتركوها.
55،54 - {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ
…
} الآية.
أَي ما نقول في شأْن ما أَنت عليه وجئتنا به إلا أَنك أَصابك بعض آلهتنا بشر ساءَك فأَفقدك عقلك، وجعلك تهذى وتتكلم بالخرافات عن آلهتنا، وتدعو إلى إله واحد وتخوفنا بعقابه في الآخرة، إلى غير ذلك مما تقول، ولقد سلك هؤلاء في عنادهم سبيل التدرج والتسلسل، فنفوا مجيئه ببينة ثم نفوا تركهم لآلهتهم لمجرد قوله لهم (اتركوها) دون أَن يقنعهم بحجه تقتضى تركهم لها، ثم نفوا تصديقهم له، لأَنه لا حجة لديه تثبت نبوته، ثم بعد هذا الهذيان كله قالوا فيه ما قالوه من السباب {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
ولقد حكى الله تعالى رده عليهم بعد هذا كله بقوله:
{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ} :
أي أشهد الله على براءَتى مما تجعلونه من غير الله شريكا له سبحانه، واشهدوا أَنتم على براءَتى من ذلك، فليس لكم على ما تزعمون برهان، وما أُنزل به سلطان.
{فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} :
أَي فدبروا لى المكايد والمحن أَنتم وشركاؤكم جميعًا، بعد ما نلتُ منها وَجَرَّدتُها من وصف الأُلوهية ومقتضياتها، وعاقبونى على امتهانى لها، ولا تمهلونى ولا تتراخوا في عقوبتى إن صح ما زعمتوه من أُلوهيتها.
وخطاب النبي هود عليه السلام لقومه بهذا الأُسلوب الذي بلغ الغاية في التحدى والتحقير لهم ولآلهتهم، والإساءَة لكبريائهم وجبروتهم وحميتهم وعصبيتهم، مع ما عرف عنهم من سفك الدماءِ، والعُنجهية والكبرياءِ، وعجزهم عن تحقيق شىءٍ مما تحداهم به مع كونه وحيدًا لا يؤيده سوى قليل من المؤمنين لا حول لهم ولا قوة، هذا كله فيه برهان واضح على ثقته صلى الله عليه وسلم بتأْييد ربه وعنايته به ونصره له، وعصمته من المكاره، كما أَنه برهان على أنه مرسل من الله، حيث أَعجزهم عن الإضرار به والقضاء على دينه، فكأَن المولى يقول لعاد صدق هود فيما يبلغه عنى، وقد عقَّب هذا التحدى الدال على ثقته بربه، ببيان مصدر ثقته فقال:
التفسير
56 -
{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} :
أي إنكم لن تضروني بكيدكم لى مهما اجتمعتم عليه، فإنى توكلت على الله مالكي ومالككم وخالقى وخالقكم، واعتمدت عليه في دفع ضركم عنى، وتآمركم على.
{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . (1) ثم أكد ثقته بربه وعدم قدرتهم عليه بقوله:
{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} :
أي ما من دابة من حيوانات الأرض وأَناسيِّها إلا الله مالك لها قادر عليها، يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه، إن ربي على سبيل من الحق والعدل مستقيم، فلا يضيع من اعتصم به ولا يفوته ظالم لنفسه أو لعباده.
(1) يوسف، من الآية: 64
والدابة كل ما يدب على وجه الأرض، أَي يتحرك عليها فيدخل فيها الإأنسان والحيوان والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، والأخذ بالناصية كناية عن القدرة والتسلط، وفي البحر لأَبى حيان أَن هذا التعبير صار عرفا في القدرة على الحيوان، والتعبير بقوله:{إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب، وأَنه كاف لمن اعتصم به، وفي الْكَشْف أَن في قوله تعالى:{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ} إلى آخر الآية، ما يبهرك تأَمله من حسن التعليل، وأَن من توكل على الله لا يبالى بهول ما ناله، ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله:{رَبِّي وَرَبِّكُمْ} . فكيف يصاب من لزم شدة العبودية وينجو من تولى عن ربه - إِلى آخر ما نقله الآلوسى عنه، فارجع إليه إِن شئت.
المفردات:
{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} : يجعلهم خلفاءَ لكم في دياركم {حَفِيظٌ} : عليم.
التفسير
57 -
{فَإِنْ تَوَلَّوْا (1) فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} :
أَي فإن تتولوا وتعرضوا عما دعوتكم إليه، فلا عذر لكم، فقد أَبلغتكم رسالة ربى إليكم، وبذلت لكم النصح، وقدمت الحجج والبراهين، وأديت حق ربي، فلا تفريط منّى، ولا حجة لكم.
(1) أصله فإن تتولوا، فحذف حرف المضارعة وهو التاء الأولى تخفيفا لثقل تكرار التاء.
{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} :
كلام مستأْنف مراد به وعيدهم وإِنذارهم، بأَنه تعالى سوف يهلكهم إِن استمروا على كفرهم، ويستخلف مكانهم قوما آخرين في ديارهم وأَموالهم.
{وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} :
ولا تضرون ربي شيئا من الضرر، لا بإعراضكم وتوليكم عن دينه، ولا بإِهلاككم بذنوبكم، فإن هلاككم لا ينقص ملكه، ولا يخل بأَمره.
{إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} :
إِن إِلهى وخالقى على كل شيءٍ رقيب، وبكل شيءٍ عليم، فلا يغيب عنه شىءٌ من أعمالكم ولا ما انطوت عليه صدوركم، وسوف يجازيكم على خطاياكم في دنياكم وأُخراكم.
المفردات:
{أَمْرُنَا} : عذابنا الذي أَمرْنا به، أَو المراد به الإذن بالعذاب والأَمر به.
{مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} : من عذاب شديد لا يحتمل. {جَبَّارٍ عَنِيدٍ} : الجبار؛ العاتى المتسلط، والعنيد هو الذي يرد الحق ويرفضهُ وهو عارف به.
{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} :
جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، واللعنة؛ الطرد من الرحمة. {كَفَرُوا رَبَّهُمْ}: جحدوه وأنكروا وحدانيته. {بُعْدًا} : هلاكا.
التفسير
58 -
{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} :
أي: ولما نزل عذابنا بقوم هود الكافرين، وكان بحيث يمكن أَن يصيب المؤْمنين نجينا هودًا ومن آمن معه برحمة منا، حيث حفظناهم من العذاب الذي يمر بهم ولا يؤْذيهم، ويفتك بغيرهم ويكون رحمة لهم.
{وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} : هذه الجملة معطوفة على مثيلتها السابقة لبيان ما نجاهم الله منه.
أَي وكانت تنجيتنا لهود والمؤمنين من عذاب شديد الغلظة عظيم الفتك بالكافرين، حيث {
…
أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} (1). وكان مع هذا رحمة بالمؤْمنين، لا يضرهم ولا يصيبهم بمكروه.
59 -
المعروف من ظواهر النصوص أن عادا الأُولى لم يرسل إليها سوى هود، لكن هذه الآية تقول إنهم عصوا رسله، ويؤول ذلك بجعل عصيانهم لهود عصيانا لجميع رسل الله السابقين واللاحقين، لأَن ما جاءَ به من التوحيد وأصول الشريعة لديه. جاءَ به جميع المرسلين فعصيان أَحدهم يعتبر عصيانا لجميع الرسل.
والمعنى: وتلك الأُمة (عادٌ) - التي مضى الحديث عنها - جحدوا بآيات ربهم الكونية الشاهدة بنبوَّة هود، وبالشريعة التي تعبَّدهم الله بها، وعصوا جميع رسل الله الذين أرسلهم لهداية البشر، فقد كذبوا رسولهم مباشرة، وكذبوا جميع الرسل ضمنا بتكذيبهم له، واتبعوا أمر كل متمرد طاغ معاند للحق من رؤسائهم وكبرائهم، فقلبوا بذلك موازين الأُمور، حيث عصوا من دعاهم إِلى ما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إِلى ما يُرْدِيهِمْ.
(1) سورة الحاقة، الآيات 6 - 8
60 -
{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} :
أَي: وأُلزموا في هذه الدنيا لعنة، فلازمتهم ملازمة التابع للمتبوع، حق أَوردتهم موارد الهلاك الغليظ، وأُلزموها يوم القيامة، حتى خلدتهم في النار.
{أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} :
كُفْرُ عَادٍ بربهم أَمر مفهوم من قصتهم التي مر بيانها، وإِنما أُعيد ذكره هنا بهذا الأُسلوب المنبه للسامع، للإيذان بأَن كفرهم هو سبب هلاكهم ولعنتهم حتى يخشى مصيرهم من كان على شاكلتهم.
والمعنى: أَلا إِن عادا كذبوا بوحدانية ربهم وجحدوا أنعمه، ألا هلاكا لعاد قوم هود هؤلاءِ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعتوهم وعنادهم، ويلاحظ في الآية الكريمة تكرار حرف التنبيه (أَلا) وأعادة لفظ (عَادٍ) للمبالغة في تفظيع حالتهم، والحث على الاعتبار بقصتهم.
والتعبير بقوله: {عَادٍ قَوْمِ هُودٍ} للإِيذان بأَنهم عاد الأُولى تمييزًا لهم عن عاد إرم - وتسمى عادًا الثانية وهم بقية من عاد الأُولى، وإرم مدينتهم وقصبتهم، وكانوا أهل ترف ومال ولكنهم لما كفروا وبغوا في الأرض صب عليهم الله العذاب، قال تعالى في شأْنهم في سورة الفجر:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} .
إِلى قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} .
المفردات:
{أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} : ابتدأَ خلقكم من الأَرض وأَوجدكم منها بخلق أبيكم آدم من ترابها. {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} : جعلكم تعمرونها، إِذ مكنكم من العمل فيها واستثمارها والبناء عليها {مَرْجُوًّا}: موضع رجائنا وأَملنا إِذ كان فاضلا خيِّرًا. {مُرِيبٍ} : مُوقِع في الريبة وقلق النفس وعدم الاطمئنان.
التفسير
61 -
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا}
…
الآية.
وأَرسلنا إلى قبيلة ثمود واحدًا منهم وأخا لهم في النسب يُسمَّى صَالِحًا - أَرسلناه مُبلِّغًا رسالة ربه فناداهم في رفق ولين - (قال يا قوم): يا أْهلى ويا عشيرتى؛ تلبينا لقلوبهم وجذبا لنفوسهم، كى يقبلوا في يسر وسهولة على امتثال ما أمرهم به في قوله:
{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} . أي آمنوا بالله وحده، وأفردوه بالعبادة، ليس لكم أي إلَه يستحق أَن يعبد سواه.
ثم علَّل صالح دعوته إلى توحيد الله بإنعامه - تعالى - عليهم بأعظم النعم فيما حكاه القرآن بقرله: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} : أَي هو الله سبحانه - لا غيره أَوجدكم من الأَرض ابتداءً باعتبار خلقه آدم أبا البشر منها، ويجوز أَن
يكون المراد - أنشأَكم من الأَرض - باعتبار أَن النطف التي خلقت منها ذرية آدم تتكون من الأَغذية التي نحصل عليها من زروع الأَرض وثمارها - أَوجدكم من الأرض - فأَنتم مدينون له بحياتكم ووجودكم.
{وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} : أَي وأَقدركم على عمارتها، ومكنكم من العمل فيها ومن استثمارها وبناءِ ما تسكنون فيه على ظهرها، بما وهبكم من عقل وقوة، وبما سخر لكم فيها من وسائل تنفذون بها ما ألهمكم معرفة كيفيته.
ولمَّا كان إِحسانه - تعالى - عليهم بتلك النعم يستدعى الاستغفار والتوبة، رتب عليه الأمر بهما إذ قال:{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} : أي فاطلبوا ممن غمركم بإِحسانه العميم أَن يستر بإيمانكم وأعمالكم الصالحة ما اقترفتموه من الشرك والخطايا، ثم ارجعوا إليه بتخليص أَنفسكم من الذنوب نادمين على ما فرط منها، عازمين على عدم العودة إلى معصيته، مقبلين على طاعته راجين رحمته.
ثم رغَّبهم في الاستغفار والتوبة بقوله: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} : أي إِن ربي الذي أَدعوكم إِلى عبادته قريب بعفوه ممن يحسنون إلى أنفسهم بالاستغفار والتوبة منَ الشرك والخطايا، مجيب دعاءَ من رجع إِليه وأَناب. قال تعالى:{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} . وكانت ثمود تقيم بالحجر بين الحجاز والشام.
62 -
قال قوم صالح يردُّون على دعوته إيَّاهم إِلى التوحيد: يا صالح قد كنت بيننا رجلا فاضلا خيرًا نؤَملك لمهمات أُمورنا، كنت كذلك بيننا قبل هذا الذي أَمرتنا به ودعوتنا إِليه من التوحيد وترك عبادة الأَوثان، ثم خاب رجاؤُنا فيك وانقطع أَملنا وساءَ ظننا بعد أن سمعنا منك ما قلته لنا، ثم خاطبوه باستفهام ينكرون به عليه ما دعاهم إليه إذ قالوا:{أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أَي أتطلب منا أَن نترك عبادة الأوثان التي أقام على عبادتها آباؤنا طول حياتهم، إن هذا لشىءٌ نرفضه ولا نقبله،
{وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} : أَي أَتنهانا عن فعل ما ورثناه عن آبائنا وإننا لفى شك بالغ من صحة كل ما جئتنا به، مريب موقع في قلق شديد دائم لنفوسنا، ومثير لاضطراب مستمر في قلوبنا.
المفردات:
{أَرَأَيْتُمْ} : أَخبرونى عما سأَسأَلكم عنه. {بَيِّنَةٍ} : حجة واضحة وبرهان ظاهر.
{وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} : نبوةً ورسالة فهى من رحمة الله. {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ} :
فمن ينجينى ويمنعنى من عذابه. {تَخْسِيرٍ} : تضييع وإِنقاص بإِبطال عملى وتعْريضى لغضب الله.
{آيَةً} : معجزة. {فَذَرُوهَا} : فدعوها واتركوها. {فَعَقَرُوهَا} : فنحروها. يقال: عقرت البعير إِذا نَحَرْتَهُ. {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ} : أَقيموا في بلدكم وانتفعوا بأَرزاقكم وبكل ما يسركم. {وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} : وعبد صادق.
التفسير
63 -
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً}
…
الآية.
بعد أَن بينت الآية السابقة أَن قوم صالح أنكروا دعوته وارتابوا في صدقها، ورغبوا فى استدراجه
إِلى موافقتهم، جاءَت هذه الآية تحكى ردَّه عليهم وتبيَّن أَنهم لا يستطعيون ولا يستطيع أحد سواهم إِنقاذه من عذاب الله إِن أَطاعهم فيما يرون.
والمعنى: قال صالح عليه السلام في ردِّه عليهم - ياقوم - أَخبرونى إِن كنت على طريقة واضحة وبصيرة نافذة من لدن ربي، وأَعطاني من عنده نبوة ورسالة - رحمة لى ولكم - أَجيبونى عمَّا أَسأَلكم عنه بقولى:
{فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} :
أي فمن يمنعنى من عذاب الله وينجينى من عقابه إن أَطعتكم وعصيته - سبحانه - فلم أُبلغكم رسالته، ولم أُحذركم من الشرك وعبادة الأصنام؟ لا أَحد مطلقا يستطيع منعى من عقابه - تعالى - إن فعلت ذلك.
ثم رتب على عصيانه إن وقع، بعد إنعام الله عليه بالنبوة، إحباط عمله، كما حكاه الله بقوله:{فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} : أي فما أستفيد منكم إِن جاريتكم فيما تشتهون سوى أَن تجعلونى بهذا الاتباع خاسرا، بإِبطال عملى وتعريضي لغضب الله وعقابه، ولا شك أن صالحا عليه السلام كان جازما بأَنه على بيِّنة من ربه، ولكنه عبر بإِن التي للشك في قوله:{إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ} : مجاراة لقومه فيما يزعمون، ورعاية لحسن المحاورة لاستنزالهم عن المكابرة.
هذا ويمكن أَن يقال إِن استعمال (إن) في الشك غالب، ولكنها قد تستعمل عند اليقين كما هنا، انظر إِلى لفظ (ما) فإِنه يستعمل في غير العاقل غالبا. ولكنه قد يستعمل في العليم الخبير كما في قوله تعالى:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} .
64 -
{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} :
أي وقال صالح يخبر قومه بمجىء معجزة عظيمة: يا قوم هذه ناقة عظيمة الشأْن، شرفها الله بنسبتها إليه، وأوجدها على خلاف ما عرفتم وأَلفتم في خلق جنسها، ومن خصائصها المميزة أَنها تشرب الماءَ وحدها في يوم، والقوم جميعا وما معهم من حيوانات يشربونه في آخر. قال تعالى:{هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} . (1) أوجدها كذلك لكم خاصَّة لتكون معجزة عظيمة تستدلون بها على قدرته - تعالى - وعلى صدقى فيما أُبلغكم به عن ربي
(1) سورة الشعراء، الآية: 155
{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} : أَي فاتركوها تأْكل وترعى. وتشرب في أرض الله دون أَن تكلفوا بتحصيل شى من مؤُونتها.
{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} : أَي ولا تصيبوها بأَدنى سوءٍ ولا بأَقل أَذى، فيأْخَذكم ويستأْصلكم لأجل ذلك عذاب عاجل:
65 -
{فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} : أي فنحروها مخالفين ما أُمروا به، فقال لهم بوحى من الله: استمتعوا في بلدكم بكل ما يسركم في اطمئنان وَدَعةٍ مدّة ثلاثة أَيام، والمراد أَنهم بعد هذه الأَيام الثلاثة يهلكون، ولذلك قال عقبها:{ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} : أَي ذلك العقاب الهائل الذي أَنذرتكم وقوعه بعد عقر الناقة بثلاثة أَيام وعيد صادق يقع حتما ولا يتخلف لأَنه من عند الله.
المفردات:
{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} : فلما نزل عذابنا. {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} : ومن ذل وفضيحة هذا اليوم. {الصَّيْحَةُ} : صوت قوى مفزع زلزل الأرض بهم.
{جَاثِمِينَ} : باركين على الركب هامدين موتى لا يتحركون.
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} : كأَنهم لم يقيموا في ديارهم ولم يحيوا فيها.
التفسير
66 -
أَي فلمَّا نزل عذابنا بثمود، بعد مضى المدّة التي أُنذروا العذاب بعدها، نجَّينا صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك معهم، بسبب رحمة عظيمة من لدنا وسعتهم وحفظتهم، لإِيمان صالح ونبوته وإِيمان المصدقين برسالته العاملين بشريعته.
أَي ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم العذاب المهين الذي نزل بكفار ثمود.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} :
خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم تخلل الحديث عن قصة صالح تقوية لعزمه، أي إِن ربك الذي يرعاك يا محمد، هو وحده القادر على كل شيء الغالب في كل وقت فلا يعجزه شيء أراده، فلذا أَخذ قوم صالح أخذ عزيز مقتدرٍ، وفيه إنذار شديد للمشركين إن أصرُّوا على الكفر والجحود {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (1).
67 -
{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} : أَي وأَخذ الذين ظلموا بتكذيب رسالة صالح - أخذهم - العذاب بصيحةٍ قوية مفزعة زلزلت بهم الأَرض فصعقوا وانتهت حياتهم في مساكنهم باركين على ركبهم خامدين لا يتحركون.
68 -
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} :
أَي فأَصبحوا وقد انتهى أَمرهم من ديارهم فلم يبق لهم فيها من أثر يذكرون به - إلا الصورة المفزعة لهلاكهم - كأَنهم لم يقيموا أَصلا في تلك الديار - فليعتبر بحال هؤُلاءِ كل من يجترئ على تكذيب رسل الله والكفر بهم، فما وقع لثمود كان بسبب كفرهم كما قال تعالى:{أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ} : أَلَاّ إنَّ ثمود قوم صالح عليه السلام قد أنكروا ربهم فاستحقُّوا ما وقع عليهم وأَن يقال فيهم هلاكا وطردا من رحمة الله وإِحسانه لثمود.
(1) سورة هود، الآية: 102
المفردات:
{بِالْبُشْرَى} : بالخبر السار. {حَنِيذٍ} : سمين أَو مشوى بالدس في النار كما قال ابن عباس، وفسَّره مجاهد بالمطبوخ، وهو أَعم. والعجل ولد البقر. {نَكِرَهُمْ}: جَهلَهُمْ ووجدهم على غير ما يعْهد. {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} : استشعر من جهتهم شيئا يخافه، أَو أَخفى وأَضمر خوفا منهم.
التفسير
69 -
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا} الآية.
في هذه الآية وما بعدها ذكر طرف من قصة إبراهيم، كالتمهيد للحديث عن قصة لوط عليهما السلام.
والمعنى: ولقد جاءَت رسلنا من الملائكة إلى إبراهيم يبشِّرونه بما يسرُّه، قائلين له في أول لقائهم له:{سَلَامًا} أَي نسلم عليك سلاما.
وهزَّت إبراهيم سجية الجود والكرم فأَشرع بتقديم الطعام، وذلك قوله تعالى:
{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} : أي فلم يتأَخر إبراهيم عليه السلام في مجيئه بعجل سمين مشوى إلى أضيافه ليأْكلوا منه، بل جاءَ به على عجل كاملا - وإن كان يكفيهم بعضه - مبالغة في إكرامهم ..
واختلف في هذا العجل: هل كان مهيَّئا قبل مجيئهم، أو أَنه هُيىء على عَجَلٍ بعد مجيئهم، واختار الأَول أَبو حيان، واختار الآلوسى الثاني لأَنه أَبلغ في الإِكرام.
70 -
أي فلما رأى إبراهيم عليه السلام أَيدى الملائكة لا تمتد إلى لحم العجل الذي قدمه لقِراهم ولا تتناول منه شيئا ليأْكلوه، استنكر ذلك منهم وشعر بالخوف من جهتهم فإنَّ الغريب إذا قدم له الطعام لإِكرامه، يبادر إِليه ولا يمتنع عنه إلا إِذا كان يريد برب البيت سوءًا
…
قالوا حين رأوا أَمارات الخوف منهم بادية عليه: لا تخف ضررًا من جهتنا، إِننا أُرسلنا من الله إلى قوم لوط لإِهلاكهم جزاءَ إتيانهم فاحشةً ما سبقهم إلى فعلها أَحد من العالمين.
المفردات:
{فَضَحِكَتْ} : سرورا بما رأَت وسمعت من زوال الخوف عن زوجها وكلام الملائكة له ومجيئهم لإِهلاك المجرمين. {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} : أي فأَتبعنا سرورها سرورا أَتَم
وأَعظم على ألسنه ملائكتنا. {يَا وَيْلَتَى} : يا عجبًا. وأَصل الويل الهلاك وهو غير مراد هنا.
والنساء يستعملنها كثيرا إِذا حدث ما يتعجبن منه. {بَعْلِي} : زوجى، والبعل في الأَصل الذي يقوم على تدبير الأمور، فأَطلق على الزوج لأَنه يقوم علي شئون المرأَة.
{أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} : أَتعجبين من قدرة الله وحكمته. {وَبَرَكَاتُهُ} : وخيراته التامَّة المتكاثرة. {حَمِيدٌ} : محمود لذاته وأَفعاله. {مَجِيدٌ} : واسع الإِحسان كثير الإِنعام.
التفسير
71 -
{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} :
أَي حدث ما حدث من المحاورة بين الملائكة وإبراهيم، وزوجته قائمة وحاضرة ترى وتسمع ما جرى بينهم، فضحكت فرحا وسرورا بزوال الخوف عن زوجها، واستبشارًا بقرب هلاك القوم المفسدين، وقد فهمت ذلك من قولهم لإِبراهيم:{إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} .
{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} : أَي فأَتبعنا سرورها بما سبق سرورا عظما وذلك بإلقاء البشرى إليها على ألسنة الملائكة بأَنها ستلد "إسحق" وترى من بعد إسحق "يعقوب" ولدا له وحفيدا لها.
وقد وجهت البشارة إِليها؛ لبيان أن الولد المبشر به يكون منها ومن إِبراهيم، فإن البشارة لو وجهت لإِبراهيم، لأَدركها الشك بأَنه يأْتى بإسحق من غيرها لعقمها. وكانت حريصةً على أَن يكون لها ولد، وقد تمنته بعد أن ولد إِسماعيل لهاجر.
72 -
{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} الآية.
أي قالت سارة امرأَة إبراهيم حين بشرت بالولد يا عجبا، أيولد لى وأَنا عجوز عقيم قد تقدمت بى السنُّ وذهبت قوتي وضعف بدنى وغاب الطمث عنى، وهذا الذي تشاهدونه زوجى القائم على رعايتي قد صار شيخا كبير السن لم تجرِ العادةُ أَنَّ مثلنا ينجب الأَولاد.
{إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} : أَي إن هذا الذي بشرتم به من حصول الولد من شيخين مثلنا يثير في النفس التعجب، فقد جرت سنة الله في عباده أَن يكون إِنجاب الأَولاد في زمن الصحة والقوة ووجود الطمث غالبا - والطمث الحيض - ولم يكن تعجب زوجة إِبراهيم استبعادًا لحدوث ذلك بالنسبة لقدرة الله - تعالى - وإنما كان استعظامًا لحصول تلك النعمة في غير أَوانها المأْلوف.
73 -
أَي قالت الملائكة منكرين عليها تعجبها ودهشتها من حصول ذلك، وكان عليها أَن تتريث حتى تتحقق البشارة، فإنه لا عجيب على قدرة الله سبحانه وتعالى، وكأنهم قالوا لها: لا تعجبى مما قدره الله وأَراده على خلاف ما جرت به سنته الغالبة في خلقه، فإن خوارق العادات بالنسبة لآل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد من النعم والكرامات ليس ببدع ولا غريب كما يؤذن به قوله تعالى:
{رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} :
أي رحمة الله التي وسعتكم بكل خيراتها، وبركاته التامة المتكاثرة تفيض عليكم يا أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمات وهذه البركات هبة الأَولاد في غير أَوانهم المعتاد.
أي إنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، يصدر عنه ما يستوجب حمده من عباده، كثير الخير والإحسان، رفيع الشأْن، متصف بأَعظم صفات المجد.
المفردات:
{الرَّوْعُ} : الخوف والفزع، {لَحَلِيمٌ}: لمتصف يكثرة الحلم لا يعجل بالانتقام من المسىء. {أَوَّاهٌ} : كثير التأَوُّه والتوجع رحمة بالناس. {مُنِيبٌ} . كثير الرجوع إِلى الله بالدعاءِ والاستغفار والعبادة. {غَيْرُ مَرْدُودٍ} : غير مدفوع.
التفسير
74 -
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ
…
} الآية
بعد أَن حكى القرآن الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم عليه السلام من وزوجته جاءت هذه الآية والآيتان بعدها تذكر بعضا آخر من أَحواله وشئونه ومجادلته عن قوم لوط.
والمعنى: فلما زال عن إبراهيم ما لحقه من الخوف والفزع حينما امتنع ضيوفه من تناول طعامه، واطمأَنت نفسه بعد أَن عرف أَنهم ملائكة الله {وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}: أَي وحل محل الخوف شعور بالسرور في حينما بشَّروه بعد سن اليأْس بغلام عليم، فلمَّا حدث ذلك أخذ إبراهيم عليه السلام يجادل رسل الله في شأْن قوم لوط وإهلاكهم وقد حكى القرآن الكريم قصة مجادلة إبراهيم للملائكة بشأْنهم في قوله - تعالى -:
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا
…
} (1) الآية، وقد اعتبر قول إِبراهيم:{إِنَّ فِيهَا لُوطًا} جدالا عنهم
(1) سورة العنكبوت الآيتين، 31، 32
لأن المراد منه: كيف تهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو مؤمن بالله لا يستحق العذاب، وعلى رأَسهم نبي الله لوط عليه السلام ولذا أَجابته الملائكة بقولهم:{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ} . وكأَن إبراهيم عليه السلام فهم أَن وجود المؤمنين مع الظالمين في قرية واحدة يُبيح له الجدال عن أَهل القرية جميعا؛ حرصا على سلامة المؤمنين يضاف إلى دلك ما فطر عليه من الحلم والرحمة كما بينه القرآن في قوله - تعالى -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} : أَي كان جدال إِبراهيم لما تقدم. ولأَنه عظيم الحلم يملك نفسه فلا يعاجل بالانتقام من المسىء، كثير التأَوه رقيق القلب عظيم الإشفاق يتأثر كثيرا ويتوجَّع لما يصيب غيره من مكاره وخطوب، متصف بالإنابة إِلى الله والرجوع إِليه يعمل ما يحبه ويرضاه.
ولعل جداله عن قوم لوط مع علمه بكفرهم رجاءَ أن يؤمنوا بالله - تعالى - بالإضافة إلى ما سبق بيانه من خوفه على لوط ومن آمن معه.
76 -
أَي قالت الملائكة - بأمر من الله - يا إبراهيم ابتعد عن هذا الذي ترجوه لهؤلاء وتجادل فيه، ولا تلتمس بجدالك رحمة لهولاءِ القوم، ولا تخفيفا عنهم، إنه قد قرب وقت هلاكهم الذي قضاه - سبحانه - وقدره في أَزله القديم، وإن هؤلاء الظلمة من قوم لوط واقع بهم لا محالة عذاب غير مدفوع عنهم بجدال أو دعاءٍ، ولا تستطيع قوة في الأَرض صدّه أو ردّه عنهم.
المفردات:
{سِيءَ بِهِمْ} : أُصيب بالغم والحزن بسبب مجيئهم وساءَه ذلك، {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}: عجزت طاقته وضعف جهده عن احتمال ما يترتب على مجيئهم من شرور قومه، والمراد أَنه لم يجد لهذا المكروه مخرجا. يقال ضاق بالأَمر ذرعا إِذا لم يطقه ولم يقدر عليه.
{عَصِيبٌ} : شديد الإِيذاءِ. والعصْب: الشد بالعصابة.
{يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} : يسرعون إليه؛ كأَنما يدفع بعضهم بعضا مسارعة إلى الفاحشة.
{وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} : أَي ولا تفضحونى ولا تلحقوا بى الذل والهوان في شأْن ضيوفى النازلين عندى.
التفسير
77 -
{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا
…
} الآية
بعد أَن حكى القرآنُ الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم وزوجته كالتمهيد لقصة لوط جاءت هذه الآية والآيات بعدها تحكي بشىء من التفصيل ما جرى بين لوط وقومه، من التوسل إليهم ليعدلوا عن الفاحشة إلى آخر ما ستذكره الآيات.
والمعنى: ولما جاءَت رسل الله من الملائكة لوطا من عند إبراهيم حزن بسبب مجيئهم حزنا شديدا، لأَنَّهم جاءُوه في صور شباب من البشر حسان الوجوه، وخشى أَن يقصدهم قومه لارتكاب الفاحشة التي اشتهروا بها فيعجز عن مدافعتهم، وضاقت طاقته وضعف جهده عن احتمال نزولهم عنده، لعدم قدرته على تخليصهم من شر توقع حدوثه لهم من قومه.
{وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} : أي وقال لوط عليه السلام تعبيرا عن شدة ما لحقه من الهلع والفزع: هذا اليوم الذي نزل فيه هؤلاءِ الضيوف يوم شديد الشر لا أستطيع احتمال ما يحدث فيه لضيوفى.
78 -
{وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
…
} الآية.
أَي ولمَّا علم القوم بوجود هؤلاء الضيوف الحسان عند لوط، جاءُوا إليه يسرعون الخُطا في لهفةٍ طلبًا للفاحشة، وتلهفهم على فعل الفاحشة لم يكن غريبا، فقد اعتادوا فعل المنكرات من قبل ذلك كما قال تعالى:
{وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} : أَي ومن قبل مجىء الملائكة إِلى لوط كان قومه مستمرين على آرتكاب الآثام، دائمين على فعل الموبقات، فلا عجب إِذا طلبوا الفاحشة مع ضيفه علنا جهارا بغير مبالاة.
{قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} : أي وحين أسرع قوم لوط إِلى طلب الفاحشة مع ضيوفه ناداهم قائلا: {يَا قَوْمِ} ليستميلهم ويرقق قلوبهم، واستمر في محاولة تليين قلوبهم وجذب عواطفهم عسى أَن يثوبوا إلى الرشاد، فعرض عليهم عرضا كريما بقوله:
{هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} : أي فتزوجوا بهن، هن أَنظف وأَشرف لكم، وليس فيما دأبتم عليه من إِتيان الرجال شهوة من دون النساءِ شىءٌ من الطهر، فالنظافة والطهارة في التزوج بالنساءِ، والدنس والخبث في إِتيان الذُّكران من العالمين، قال الآلوسى: وكانوا يطلبون التزوج ببناته من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءَتهم، لا لعدم مشروعية زواج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزا، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب لأَبى العاص بن الربيع وكان مشركا قبل أَن ينزل تحريم ذلك إلى آخر ما قال، وقد ذكرنا هنا تلخيصه.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} : أَي فاحفظوا أنفسكم من عذاب الله بترك ذلك الدنس، ولا تلحقوا بى الخزى والذل والعار بسبب إِهانة ضيفى، فإن إهانتهم إهانة لى.
{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} : أي ألا يوجد من بينكم رجل سديد الرأى رشيد العقل يأْمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويقنعكم بترك الفاحشة أَو يمنعكم من ارتكابها وإِذا كان لا يوجد بينكم هذا الرجل الرشيد فذلك منكر تستحقون عليه شديد اللوم وبالغ التقريع.
المفردات:
{مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ} : المراد به هنا؛ ما لنا فيهن من حاجة ولا شهوة فعندنا نساؤنا.
{آوِي} : ألجأُ. {رُكْنٍ شَدِيدٍ} : جانب قوى أَتقوى به وأَستند إليه وأعتمد عليه، وكل ما يتقوى به من ملك وجند وقوم يسمى ركنا.
التفسير
79 -
{قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} :
أَى قال قوم لوط معرضين عن قبول ما عرضه عليهم ونصحهم من التزوج ببناته: لقد عرفت يا لوط غرضنا وقصدنا، ليس لنا فى بناتك أَي حاجة نعتبرها هدفا لنا وغاية لمجيئنا، وإِنك يا لوط بدون شك وبلا ريب لتعرف قصدنا من المجىءِ وغايتنا من الإِسراع، وتدرك يقينا رغبتنا فيمن عندك.
ولما يئس لوط عليه السلام من إِقناع قومه بترك ما هم عليه من الفساد. تمنى أَن تكون له قوة تردهم عن ضيوفه، وذلك ما حكاه الله بقوله:
80 -
{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} .
أي قال لوط عليه السلام لو أن لي طاقة وقدرة تنهض بردعكم، أو أن لي جانبًا قويا استند إليه. واستنصر به عليكم لردعتكم عن غيكم، وحفظت كرامتى وصنت ضيفي من الاعتداء عليهم وإيذائهم.
وقال لوط ذلك لأنه لم يكن في منعة من قومه، وقد أرسل إِلى أهل "سدوم" وهى قرية عند حمص.
وقد استغرب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مقالة لوط، فقد جاءَ فيما رواه البخاري عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم قال:"رَحِمَ الله أخِى لُوطا كَانَ يَأوِى الَى ركنٍ شَدِيدٍ".
يقصد صلى الله عليه وسلم أَنه كان يلجأ إلى الله تعالى فإِنه - لا ركن أشدّ منه، ولكنّه لهول المفاجأة وشدة الكرب قال ما قال وهو يعلم أَنه لا ركن أَشد من الله تعالى.
المفردات:
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} : فَسِرْ بهم ليلا. {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} : في جزء منه.
{مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} : أَي موعد عقابهم الصبح.
التفسير
81 -
{قَالُوا يَا لُوطُ
…
} الآية.
أَي لمَّا رأت الملائكة ما استولى على "لوط" من الكرب قالوا له مطمئنين:
{يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} : أي إنَّا رسل من عند ربِّك جئنا لإِهلاك قومك وتطهير الأرض من دنسهم. {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} : أي لن يصل إِليك هؤلاء الآثمون بضرر في نفسك ولا في ضيفك. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} : أي فاخرج بأَهلك في جزء من الليل.
{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} : أي ولا تنظر أَنت ولا تترك أحدا من أَهلك ينظر إلى الوراءِ أثناء سيركم، لئلا يرى هول ما نزل بقومهم.
فيحصل لهم كرب قد لا يطيقه، لكن امرأتك لا تخرج بها مع أهلك واتركها مع قومك، فإنها خانتك بِممَالأتهم عليك، ونفاقها في الإيمان بالله، وإفشائها أَسرارك إِلى قومها، فدعها معهم ليصيبها ما يصيبهم من عقاب أليم، ثم علل الأمر بالإِسراء بأهله والنهي عن الالتفات بقوله سبحانه:{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} : إي فأسرع السير بأهلك تحت جنح الظلام كى تبتعد عن مواقع العذاب الذي تحدد الصبح وقتا لنزوله.
{أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} : أي إِن موعد هلاكهم الصبح وهو وقت قريب جدا، وكان الصبح ميقاتا لهلاكهم لأنه وقت الدعة والراحة والهدوء، فيكون نزول العذاب بهم فيه أَشدَّ.
المفردات:
{أَمْرُنَا} : أي عذابنا أو الأمر به، وهو على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر.
{جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} : أي قلبناها فصار أَعلاها إِلى أَسفل وأَسفلها إلى أَعلى.
{سِجِّيلٍ} : طين قد تحجر، (مَنضُودٍ): متتابع بعضه إِثر بعض.
{مُسَوَّمَةً} : معلمة بعلامات تميزها عن غيرها.
التفسير
82 -
أي فلما جاء الوقت الذي أمرنا بموقع العذاب فيه - وهو الصبح - أو جاء العذاب الذي قدرنا نزوله بهم في الصبح، جعلنا ما كان عاليا من مباني القري والمدن سافلا.
وأنزلنا على أهل تلك القرى مطرًا من حجارة من طين تحجر - هذه الحجارة أنزلناها على هذه القرى متتابعة بعضها إِثر بعض كتتابع المطر النازل من السماء.
83 -
{مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ
…
} الآية.
أي هذه الحجارة التي أمطروا بها من السماء كانت معلمة ومميَّزة عند ربك بما يدل على أَنها ليست من حجارة الأرض وأنه - سبحانه - أعدّها لعذاب هؤلاء.
{وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} : أَي وليست تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر ببعيدة من غيرهم من كل ظالم يأثَم إثمهم ويظلم ظلمهم. فلا تكون بعيدة عن الكفار من قومك يا محمد فليسيروا إلى تلك القرى وليعتبروا بما وقع فيها لعلهم يؤمنون.
المفردات:
{وَإِلَى مَدْيَنَ} : أي وإلى أهل مدين. (بِخَير): بسعة في الرزق والثروة.
{عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} : المقصود من إحاطة اليوم بهم إحاطة عذابه بحيث لا ينجو منه أحد.
{أَوْفُوا} : أتموا وأكملوا. {وَلَا تَبْخَسُوا} : ولا تنقصوا.
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} : ولا تمعنوا في الإفساد في الأرض قاصدين إضرار الخلق.
{بَقِيَّتُ اللَّهِ} : ما ادخر عنده من ثواب الصالحات.
{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} : وما أنا عليكم بمراقب لأعمالكم فذلك لله وحده أما أنا فناصح ومنذر.
التفسير
84 -
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا
…
} الآية.
وأرسلنا إلى أَهل مدين واحدًا منهم نسبًا هو شعيب عليه السلام وكانوا أهل كفر جشعين يبخسون المكيال والميزان، ولا يوفون الحقوق ولا يحفظون الأمانات.
{قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} :
ناداهم متحببًا إليهم بقوله: {يَا قَوْمِ} : أي يا عشيرتي أنا منكم وأنتم مني والرائد لا يكذب أهله.
{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} :
بعد أن جذبهم إِليه بهذا النداء بدأهم بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة لأنه هو الإله وحده، فلا يستحق العبادة سواه، ولقد جرت سنة الأنبياء في دعوة أقوامهم أن يبدأوا بالدعوة إلى التوحيد لأنه أصل الإيمان، وبه صلاح الأمر كله، وهو الأساس الأول، ثم يتبعون ذلك الدعوة إلى ترك ما هم عليه من النقائص والعيوب الظاهرة، لذا عقب شعيب عليه السلام دعوتهم إلى التوحيد بالنهي عن نقص المكيال والميزان لأنه أعظم عيب تفشى في قومه فقال:
{وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} :
أي ولا تنقصوهما إذا بعتم للناس إذْ لا يليق بكم أن تخونوا في معاملاتكم بعضكم مع بعض وأن تستحلوا ما تأخذونه من الناس عن طريق النقص في المكيال والميزان، فالحق أحق أن يتبع.
إنى أراكم في سعة من الرزق والمال والولد فيجب أن تقابل هذه النعم بإعطاء الحقوق لا بالإصرار على الشرّ والفساد وسلب حقوق العباد؛ فيسلبكم الله نِعَمَه.
{وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} :
أي وإنى أشفق عليكم وأَخشى إن يحل بكم عذابُ يومٍ يهلككم جميعا في الدنيا ويحيط بكم في الآخرة {وَإِنَّ جَهنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين} (1).
85 -
{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} :
كرر النداء بقوله: {يَا قَوْمِ} حين أمرهم ثانيًا بإتمام الكيل والوزن بالعدل من غير زيادة ولا نقصان حرصا منه على مصلحتهم ونفعهم. فهم قومه وعشيرته.
ثم عقب أمرهم بإيفاء الكيل والميزان بقوله:
(1) سورة الحِجْر، الآية: 43
{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} :
يريد بذلك إما نهيهم عن أن ينقصوا الناس حقوقهم في جميع أمورهم بصفة عامة، حسية كانت أو معنوية، وإِما تأكيد أمره لهم بالإيفاء بالمكيال والميزان بالقسط خاصة بالنهي عن نقصهم الناس حقهم في الإيفاء بهما.
والمعنى على الأول: ولا تنقصوا الناس أمورهم في أموالهم وأعراضهم وعقارهم ومنقولهم، وزرعهم وضرعم، وبيعهم وشرائهم، وغير ذلك مما عز وهان.
والمعنى على الثاني: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في بيعهم وشرائهم، بعدم إتمامكم المكيال والميزان لهم.
ثم عقب نهيهم عن بخس الناس أشياءهم بقوله:
{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} :
والعُثُوُّ في الأرض؛ الإفساد فيها،. وقد يحدث لغرض الإصلاح كحرب البغاة والمرتدين وقُطَّاع الطريق، وكقتل صاحب موسى للغلام وخرقه للسفينة، وهذا وإِن كان ظاهرهُ الإفساد فهو جائز للضرورة وقد يكون لغرض الإفساد والإصرار بالخلق وهذا هو المذموم والمنهى عنه.
والعثو المذموم يعلم جميع أنواع الإفساد والعدوان كقطع الطريق وتهديد الأمن وقطع الشجر وقتل الحيوان وغير ذلك، وقد كانوا يصدون الناس عن اتباع شعيب عليه السلام والإيمان به وينشرون الفساد في الأرض قال تعالى:{وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} (1).
وقيل: معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين أَمر آخرتكم ومصالح دينكم.
ثم زهدهم في تلك الأفعال القبيحة وأرشدهم إلى ما هو خير وصلاح فقال:
86 -
{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي ما أبقاه الله لكم من خيرى الدنيا والآخرة بعد إيفاء الكيل والوزن والتنزه عن المحرمات خير لكم وأَنفع من الكسب الحرام وإن كثر، إن كنتم مصدقين بما شرعه الله لكم
(1) سورة الأعراف من الآية: 86
على لسان شُعيب - عليه السلاء - لأن الإيمان يستتبع خير الجزاء، فضلا عن أنه يطهر النفس من دناءة الطمع وسائر الخبائث ويحلِّيها بالقناعة وسائر الفضائل، ثم أثار فيهم الوازع النفسي بقوله:
{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} : ولست عليكم بالحفيظ الذي يملك منعكم من الوقوع في المحرمات، أو معناه: لست أَحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها وإنما أنا ناصح لكم ومبلِّغ {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} (1). وقد بذلت الجهد وأَعذرت إذ أنذرت.
المفردات:
{الْحَلِيمُ} : المتأفي الضابط لنفسه الذي لا يتعجل في الأمور مع القدرة والقوة.
{الرَّشِيدُ} : المتصف بحسن التدبير ودقة التقدير.
التفسير
87 -
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} :
أي قال قوم شُعيب - ساخرين مستهزئين - ردًّا على دعوته إياهم إلى التوحيد والعدل في المعاملات أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا من الأوثان التي توارثنا عبادتها عن آبائنا، إننا ننكر عليك ذلك ولن نترك عبادتها، وإِنما خصُّوا الصَّلاة بالإنكار دون سائر أحكام النبوة التي دعاهم اليها لأنه كان كثير الصلاة معروفًا بذلك، ولأنهم يغمزونه في صلاته بأنها وسوسة خاصر، وليست وحيًا من السماء، وينكرون بهذا التهكم كل ما دعاهم إِليه من عبادة الله وحده وسائر الفضائل.
{أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} :
هذا جواب منهم عن أمره عليه السلام لهم بإيفاء الكيل والوزن مبنى أيضًا على السخرية بما يأمرهم به.
(1) سورة المائدة من الآية: 99
والمعنى: أصلاتك يا شعيب تأمرك أن نترك عبادة أوثاننا أو أن ندع التصرف في أموالنا حسبما نريد من الزيادة والنقصان، والأخذ والعطاء على النحو الذي تعودناه مع الناس، أتريدنا إن نسير في تجارتنا وشئون أَموالنا على هواك الذي زعمت أنه شرع الله، وهذا الجواب منهم شأن المتكبرين عن اتباع الحق في كل أمة فإنهم لا يجدون جوابا سوى التمسك بما ورثوه عن الآباء والأجداد فهو الذي يعميهم - عن الحق فلا يبصرونه، {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} (1)، ثم قالوا مبالغين في السخرية والاستهزاء:
{إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} :
أي إنك لأنت الذي - توصف بيننا بالتأني والتريث في معالجة الأُمور، فأين هذه الأوصاف مما تدعوننا إليه، يريدون بذلك تجريده من صفتى الحلم والرشد، بدعوى أن ما دعاهم إليه لا يصدر عن حليم رشيد.
{أَرَأَيْتُمْ} : أخبروني. {بَيِّنَةٍ} : حجة واضحة.
{وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} : ومنحنى من لدنه النبوة والحكمة وغمرني بنعمه الكثيرة.
{أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} : أَن أخالفكم إلى فعل ما نهيتكم عنه.
{وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} : وإلى الله أرجع.
(1) سورة الصافات الآيتان: 69، 70
التفسير
88 -
في هذه الآية رد شعيب عليه السلام عليهم في رفقٍ ولينٍ بقوله: يا عشيرتي وأهلى أخبروني: إِن كنت على حجة واضحة وبينة - ظاهرة من لدن ربي وقد رزقنى منة رزقا حسنا هو النبوة والحكمة، وهما مناط الحياة الأبدية لى ولكم، وكذلك المال الوفير، أَفتجعلوننى في زمرة السفهاء والغواة، حينما دعوتكم إِلى توحيد الله وإيفاء الكيل والميزان.
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} :
وما أقصد بدعوتي هذه أن أورطكم فيما دعوتكم اليه لكي أخالفكم إِلى فعل ما نهيتكم عنه بعد أن تستجيبوا لدعوتي فأنا أَسبق منكم إلى ما دعوتكم إليه.
{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} : ما أريد بوعظى وتذكيرى لكم إلا إصلاح حاكم في دنياكم وأَخراكم بقدر جهدى واستطاعتى.
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} : وما توفيقي في التمسك بالحق وحملكم عليه إلا بفضل الله ومعونته. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} : عليه وحده اعتمدت في تبليغ الرسالة وأداءَ الأمانَة.
وإِليه تعالى - وحده أرجع في كل ما يهمنِى من أمور وشئون - فلا حول لى ولا قوة إِلا بالله فيما أفعل وأقول، وإنما الحول والطول لله وحده فهو الذي يرشدني ويسدّد خطاي، وهو الذي يجازينى على أعمالى فلا أخاف أحدًا سواه.
المفردات:
{لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ
…
} الخ: أي لا تكسبنكم مشاقتى ومعاداتي عقوبة مثل عقوبة الأمم السابقه. (رَحِيم): واسع الرحمة. (وَدُود): كثير الودّ والمحبة والعطف.
التفسير
89 -
أي وقال شُعيب لقومه على طريقته في التلطف في خطابهم، حرصا منه على هدايتهم: يا قوم لا يكسبنكم شقاقى ومعاداتي أن يصيبكم بسبب ذلك مثل ما أصاب الأمم التي كذبت رسلها من قبل كقوم نوح، فقد أَهلكهم الله بالطوفان، وما أصاب عادا حين كذبوا هودا، فقد أَهلكم الله بريح صرصرٍ عاتية، وما أصاب ثمود حينما كذبوا صالحا فأهلكم الله بالصيحة والرجفة لإصرارهم على الكفر والفساد.
{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} :
وإِن لم تعتبروا بهؤلاء المذكورين فما قوم لوط ببعيدين منكم، فقد عوقبوا بقلب ديارهم، وأمطر الله عليهم حجارةً من سجيل، وقد رأتم ديارهم وما أصابها، فاعتبروا بحالهم واحذروا أن يحل بكم من العذاب ما حل بهم وهذه سنة الله فيمن كذب رسله ولن تجدوا لسنة الله تبديلا.
ولما أنذرهم سوء عاقبة صنعهم أرشدهم إلى طريق النجاة طمعا في استجابتهم فقال:
90 -
{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} :
أَي واتعظوا بما وقع لهؤلاء واطلبوا مغفرة ربكم لما وقعتم فيه من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالإيمان والطاعة ولا تيئسوا من عفو الله ورحمته، لأن ربي وربكم واسع الرحمة كثير الود والمحبة والعطف فيرضى عمن يتوب ويرجع إليه، فسارعوا إِلى ما يستوجب رحمته ومحبته.
المفردات:
{مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} : ما نفهم مرادك، والفقه: الفهم الدقيق المؤثر في النفس.
{رَهْطُكَ} : الرهط الجماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى تسعة، ورهط الرجل قومه وقبيلته.
{بِعَزِيزٍ} : بصاحب قوة ومنعة.
{وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} : تركتموه وراء ظهوركم. والمراد أعرضتم عنه ونسيتموه.
{مُحِيطٌ} : أحاط علمه بكل شىءٍ وأحصاه فلا يخفي عليه شيء من أعمالهم.
{اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُم} : اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم.
{وَارْتَقِبُوا} : وانتظروا عاقبة ما أَقول.
التفسير
91 -
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} :
دعاء شعيب قومه متلطفا في دعوتهم إلى الإيمان والاستغفار والتوبة فأجابوه في جفاء واستعلاء قائلين: ما شعيب ما نفهم كثيرًا من قولك، ولا نعلم حقيقة ما تقصد إليه
من دعوتنا إلى ترك عبادة الأوثان ومنعنا من التصرف في أموالنا، وتهديدك إيانا بعذاب يحيط بنا ويبيدنا، أجابوه بذلك مع وضوح حجته وقوه برهانه وظهور مراده، واشتمال كلامه على فنون الحكم والمواعظ، وأَنواع العلوم والمعارف، ولما عجزوا عن محاجته هددوه باستعمال القوة حين قالوا:
{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} :
أَي وإنا لنشاهد ضعفك بيننا، ونعلم أن لا قدرة لك على شيء، ولا تستطيع أن تمتنع عنا إن أَردنا أَن نفتك بك.
{وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} :
ولولا احترامنا لعشيرتك وأَهلك الذين ثبتوا على ديننا، ولم يؤثروك علينا، ولولا رهطك هؤلاء لقتلناك رجما بالحجارة.
{وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} :
أي ولست عندنا قويًّا منيعا تستطيع أن تدفع ما نريده بك أو تحول بيننا وبين قتلك وإهلاكك.
وما يمنعنا عنك إلا أننا نُقَدِّر رهطك وعشيرتك ونحترمهم ونعزهم، ونسي هؤلاء الغافلون قوته وعزته برب العالمين، فلهذا وبَّخهم شُعيب على غفلتهم هذه - كما حكاه الله عنه بقوله:
92 -
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} :
قال لهم شُعيب ردا على هذا التهديد والاستهزاء: أَعشيرتى وأهلى يا قوم أَعزُّ وأكرم عليكم من الله ذى العزة والقدرة، وقد دعوتكم بأمره إلى ما يصلح شئونكم في الدنيا والآخرة فاعرضتم عنه.
{وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} :
أَي ونبذتم أَمره وتركتموه وانصرفتم عنه كالشىء المهمل وراء الظهر فلا يلتفت إليه لعدم الاعتداد به.
{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} :
أَي إن ربي لا يخفى عليه شيءٌ من أموركم فعلمه محيط بجميع أعمالكم وأقوالكم،
وسيجازيكم عليها يوم القيامة حيث لا تغنى قوتكم عنكم شيئا، وهذا تهديد بليغ ووعيد شديد بالعذاب الأليم إن أصروا على الكفر والعناد.
93 -
{وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} :
وقال لهم مهددًا أيضا: يا قوم اعملوا ما شئتم بقدر استطاعتكم وتمكنكم، وابذلوا جهدكم في مضارتي، فإن ذلك لا يصدني عن الدعوة إلى الله.
ثم أكد ذلك بقوله: {إِنِّي عَامِلٌ} : أي إِني سأعمل بقدر استطاعتى وجهدى في الطريق الذي أمرني الله بالسير فيه دون أَن أخشى تهديدكم ووعيدكم.
{سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} :
أي سوف تعلمون علم اليقين من سيحيق به العذاب المذل المهين جزاءَ ضلاله ومن هو كاذب منا - أنا أم أنتم - وفيه تعريض بكذبهم في ادعائهم القدرة على رجمه عليه السلام وفي نسبته إلى الضعف والهوان وأنهم لولا رهطه لرجموه.
{وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} :
وانتظروا ما أتوعدكم به من العقاب على كفركم وعصيانكم إني معكم منتظر عاقبة أمركم، مراقب لها، وفي هذا أبلغ تهديد وأعظم وعيد لهم، وفيه إِظهار ثقة شعيب بنصر ربه وتأييده له.
المفردات:
{جَاثِمِينَ} : باركين على الركب من الجثوم، وهو للناس بمنزلة البروك للإبل.
{يَغْنَوْا فِيهَا} : كأن لم يقيموا فيها، يقال غنى بالمكان يغني أي أقام به وعاش في نعمة
ورغدا، {بُعْدًا}: هلاكا، يقال: بَعِد بكسر العين يبْعَد بفتحها من باب طرب يطرب: بمعنى هلك، وأما بَعُد بالضم فمعناه ضد قرب.
التفسير
94 -
{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
…
} الآية.
بعد أن هددهم شعيب وأوعدهم جاءت هذه الآية تحقيقا لوعيده لهم.
والمعنى: ولما جاءَ أمرنا بعذابهم نجينا رسولنا شعيبا والذين آمنوا به وصدقوه، واتبعوه بسبب رحمة منا عظيمة شاملة إذ وفقناهم للإيمان الصادق والطاعة الخالصة ففازوا بالنجاة من الهلاك.
{وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} :
أي وأخذت الصيحةُ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي من قوم شعيب.
{فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} :
أي فأصبحوا من شدتها ميتين خامدين في أماكنهم، وهذه الصيحة هي التي عبر عنها في سورتي الأعراف والعنكبوت (بالرجفة) أَي الزلزلة ولعل الصيحة من روادف الرجفة، فإن الزلزلة تحدث تموجا في الهواء، يترتب عليه صفير وصباح، فلذا سميت بالصيحة، وقبل صاح بهم جبريل فهلكوا.
95 -
{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} :
أي كأنهم لم يقيموا في هذه الديار، ولم ينعموا بها ولم يتقلبوا في خيراتها وبركاتها، فقد ذهب ما كانوا يعتزون به، ولم يبق لهم إِلا ما قدموه لأنفسهم مما استحقوا به العذاب والإبعاد من رحمة الله.
{أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} :
أي ألا هلاكا لم كما هلك سابقوهم وهم ثمود قوم صالح، وإِنما شبه هلاكهم بهلاك ثمود لأن عذاب كليهما كان بالصيحة، قال ابن عباس: ما أَهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، غير أَن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أَخذتهم الصيحة من فوقهم اهـ.
ويستفاد من قصة أهل مدين قوم شعيب ما يلي:
- أن نقص الكيل والوزن من الكبائر وتخشى منه العقوبة العاجلة وأنه من أكل أَموال الناس بالباطل.
- وأن الصلاة مشروعة للأنبياء السابقين لقولهم لشعيب: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ} الآية.
- وأَن من كمال الداعى المبادرة إِلى فعل الخير قبل أن يدعو غيره إِليه.
- وأن وظيفة الرسل الإصلاح بقدر الاستطاعة.
- وأن العبد يجب عليه أن يتكل على ربه بعد الأخذ بالأسباب ويسأله التوفيق وأن يرجع إليه في كل أموره على الدوام.
المفردات:
{آيَاتِنَا} : هي الآيات التسع التي أَعطاها الله لموسى عليه السلام معجزة دالة على صدقه.
{وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} : حجة بالغة لها سلطان بيِّن على العقول السليمة.
{مَلَئِهِ} : أي رؤساء قومه وزعمائهم، وسموا ملأ لأنهم يملئون العيون بوجاهتهم.
{يَقْدُمُ قَوْمَهُ} : يتقدمهم ويقودهم إِلى النار. {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} : أي تسبب في دخولهم النار.
{وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} : أي وبئس المكان الذي يردونه - النار.
{وبِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} : بئست اللعنة المعطاة لهم في الدارين عطاؤهم.
التفسير
96 -
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} :
بعد أَن بينت الآيات السابقة سوء عاقبة المكذبين من قوم شعيب جاءت هذه الآية وما بعدها لبيان ما آل إِليه أمر المكذبين لموسى من فرعون وملئه تأكيدا للغرض من سوق هذه القصص وهو العظة والاعتبار.
والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالآيات التسع وهى العصا واليد يخرجها من جيبه بيضاء من غير سوءٍ، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الأنفس والثمرات وأيدناه بالحجج البينة التي أقامها على فرعون وقومه أثناة دعوته إياهم إلى الإيمان حين قال له فرعون:{فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} . وقول: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} . ونحو ذلك حيث بين لهم الحقائق الإلهية والشريعة التي بعث بها بيانًا لا سبيل إلى رده كقوله له: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} . وقوله عن القرون الأُولى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} . (1) إِلى غير ذلك مما حاج به موسى فرعون وقومه.
97 -
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} :
أي أَرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ورؤساء قومه فانقادوا لأمر فرعون لهم بالكفر بما جاء به موسى من عند الله، وأعرضوا عن الآيات الواضحه والأدلة الباهرة.
{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} :
أي وما أمرهم به فرعون بصائب وسديد حتى يتبعوه ويتركوا الحق المبين {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (2). وقد بين الله مصير فرعون وقومه في الآخرة فقالَ:
(1) سورة طه الآيات: 49 - 52
(2)
سورة الزخرف من الآية: 54
98 -
{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} :
أي إن فرعون كما كان قدوة للكفار من قومه جميعًا في الضلال في دار الدنيا، كذلك بتقدمهم إِلى النار يوم القيامة وهم يتبعونه.
وأَصل الورد لغة: الماء الذي يرده الناس ليرتووا منه ويطفئوا به ظمأهم، وقد دلت الآية على فساد رأى فرعون وسوء حاله حيث قادهم إِلى النار وبئس الورد الذي يردونه لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك، ولو أنه قادهم إِلى الحق لنجَّى نفسه وقومه، ولكن صدق الله إذ يقول:{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} .
وأنما عبر بالماضى في قوله: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} بدل التعبير بالمضارع "يُورِدُهُم" المفيد لحصول ذلك في المستقبل للإيذان بتحقق هذا الوعيد. وحمل بعضهم الآية على ظاهرها وهو أنهم وردوا النار فعلا منذ موتهم استنادًا إلى قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} (1).
99 -
{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} :
أي واستحق آل فرعون بسبب كفرهم أن يلعنهم الناس في الدنيا والآخرة، وأن يطردهم الله من رحمته يوم القيامة - فاللعنة حالّة بهم في الدارين.
{بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} :
أي بئس الجزاء الذي حل بهم من الهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.
وسُمي هذا الجزاء الأليم رفدا من باب السخرية بهم - إذ الرفد في اللغة بمعنى العطاء.
(1) سورة غافر آية: 46
المفردات:
{قَائِمٌ} : أي بأَن بعد أن هلك مكانه.
{حَصِيدٌ} : بمعنى محصود، والمحصود الذي اندثرت معالمه.
{تَتْبِيبٍ} : إهلاك وتخسير.
التفسير
100 -
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} :
أي ذلك الذي مرَّ ذكره بعض أخبار أَهل القرى التي أَرسلنا إليها رسلنا فكذبوهم فأهلكناهم - ذلك المذكور - نقصه عليك ونبينه عبرة وعظة للكافرين، وتثبيتًا لك ولأمتك المؤمنين، من هذه القرى ما هو بأَن وقد خلا من أَهله ومنها ما انطمست معالمه كالزرع المحصود الذي لم تبق منه باقية.
101 -
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} :
أَي وما أهلكنا هؤلاء بغير ذنب ارتكبوه لأن هذا ينافي عدلنا الذي قامت به السموات والأرض، ولكنهم ظلموا أنفسهم بشركهم بالله وإِفسادهم في الأَرض وصدهم عن ديننا الذي شرعناه على ألسنة رسلنا فاستحقوا الهلاك الذي حل بهم.
{فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} :
أَي فما نفعتهم معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ولا دفعت عنهم أي شىء من عذاب الله الذي أَنذرهم به الرسل.
{وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} :
أي وما زادتهم معبوداتهم على ما هم عليه من سوء الحال إلا هلاكًا وخسرانا، حيث لم يشفعوا لهم كما زعموا، بل وضعوا في النار مثلهم.
المفردات:
{أَخْذُ رَبِّكَ} : أي إِهلاك ربك إياهم. {أَلِيمٌ} : شديد الإيلام.
التفسير
102 -
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} :
أي ومثل ذلك الأخذ بالعذابِ الذي مر بيانه - يهلك الله أَهل القرى في حال ظلمها، تطهيرًا للأرض من أهل الظلم.
{إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} :
أي إن إِهلاك الله للظالمين وجيع شديد الإيلام لا مفر منه ولا مناص، وفي هذا تحذير لكل من ظلم غيره فحرمه حقه، وصده عن سبيل الله، وظلم نفسه بما اقترفه من آثام، فعليه أن يبادر بالتوبة قبل فوات الأوان.
{لَآيَةً} : لعبرة وعظة. {مَشْهُودٌ} : كثير شاهدوه من الملائكة والرسل ومن كل بر وفاجر.
{لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} : لانقضاء مدة قليلة قضاها الله حسب حكمته.
التفسير
103 -
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} :
أَي إن فيما قصه القرآن من إِهلاك الأمم السابقة بسبب كفرهم بالله تعالى، وإِصرارهم على تكذيب رسله - إِن في ذلك لعظة بالغة وعبرة عظيمة للذين يخافون عقاب الآخرة، فيحملهم هذا الخوف على سلامة النظر، وحسن الاعتبار، وسرعة الاستجابة إِلى دعوة الحق، وقيل المراد بهؤُلاء الخائفين: المؤْمنون، فهم المنتفعون بالعظات والعبر، والباحثون عن سبل السلامة من غضب الله وعقابه ليسلكوها.
{ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} :
أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب هؤُلاء الكفار المعاندين - هو يوم مجموع له الناس جميعًا ليجزى الله كل امريء بما قدمت يداه، وهو يوم مشهود بما يقع فيه من أَهوال حيث يحضره أهل السموات والأرضين، من ملائكة وإِنس وجن.
104 -
{وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} :
أي وما نؤَخر هذا اليوم الذي يجمع له الناس إلا لنهاية زمان محسوب بدقة تامة منا، فلا يتقدم عن هذه الغاية، ولا يتأخر عنها.، وقد استأثر الله تعالى بعلمه، وأَخفاه عن عباده، لحكم كثيرة يعلمها قال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)} (1).
وإنما عبر الله عن الأجل المحسوب بالأَجل المعدود، ليشير بذلك إلى قلته، فإِنه لا يعد في العادة إلا القليل، ولا شك أَن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة لما مضى منها قليل، ولذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأَنبياءِ والمرسلين.
وقد بين الله شدة هذا اليوم وهوله بقوله:
105 -
{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} :
أي حين يأتي هذا اليوم الذي أجل عقابهم إلى مجيئه، لا تتكلم أي نفس إلا بإِذن الله تعالى، فلا سلطان فيه لأحد من الملوك والرؤساء، فقد فنى سلطانهم وزال كبرياؤهم وملكهم، وانفرد الله وحده بالملك والعزة والسلطان، كما قال تعالى في سورة غافر:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} . وفي سورة الحج: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} . وفي سورة الفرقان: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} .
ويتجلى سلطان الله تعالى وجلاله يومئذ على نحو ما بينه الله بقوله في سورة النبأ: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} . وبمقتضى هذه الآية وعدالة الله تعالى، يأذن الله للكفار والمذنبين في الدفاع عن أَنفسهم كما قال تعالى في سورة النحل:{يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} . فإِذا قامت حجة الله عليهم بعد جدالهم عن أَنفسهم، خرست ألسنتهم. ولم يؤذن لهم بالاعتذار حينئذ، فقد ظهرت حجة الله عليهم واتضح
(1) آخر سورة النازعات.
أنه لا عذر لهم، كما قال تعالى في سورة المرسلات:{هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)} .
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} :
أَي فينقسم الناس في هذا اليوم إِلى قسمين: قسم شقى بكفره ومعصيته، وقسم سعيد بإِيمانه وطاعته، ثم بين الله مصير الأَشقياء بقوله:
المفردات:
{شَقُوا} : كانوا أَشقياءَ في الدنيا بكفرهم ومعاصيهم. {زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} : الزفير، إِخراج النَّفَس من الصدر بمشقة، والشهيق: إدخاله فيه بمشقة كذلك، والمراد بهما تلاحق أَنفاسهم في النار من شدة العذاب.
التفسير
106 -
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} :
أَي فأما الذين قضي عليهم بالشقاءِ بسبب كفرهم ومعاصيهم في الدنيا وإطفائهم نور الفطرة التي فطرهم الله عليها، فهؤلاء مستقرون في النار تتلاحق أَنفاسهم فيها زفيرًا وشهيقًا من حرج صدورهم وشدة كروبهم، وبأسهم من النجاة منها وهم فيها دائما كما قال تعالى في سورة النساءِ:{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} . (1) ولهذا عقب الله تلك الآية بقوله سبحانه:
(1) من الآية: 56
107 -
{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} الآية.
المراد من السموات والأرض سماوات اليوم الذي يجمع له الناس وأَرضه، فإِن دوامها باق لا نهاية له، أما سماوات الدنيا وأرضها فهى زائلة، كما قال تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} . (1) فلا معنى للتوقيت بدوامها لعدم وجودها يوم عقابهم وهو يوم القيامة ومن المفسرين من فسرها بسماوات الدنيا وأَرضها، وقال إنه ليس الغرض من النص الكريم ربط خلودهم بدوام سموات الدنيا وأَرضها التي تزول والتى لا تكون موجودة يوم القيامة بل المراد التأبيد ونفى الانقطاع، مخاطبة لهم بالأسلوب الذي اعتادوه في هذا الصدد، كقول أحدهم لا أفعل كذا ما لاح كوكب، فإِنه لا يقصد أنه لا يفعله ليلا مدة ظهور الكواكب ولكن يفعله نهارًا، بل يقصد أنه لا يفعله أَبدا، ثم قال: أَما إحالة التأبيد على دوام سماوات الآخرة وأرضها، فهى إحالة لهم على شىء لا يعرفونه بل ينكرونه، لأَنهم لا يعترفون بالآخرة، كما حكاه الله عنهم بقوله:{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (2).
والظاهر من الآية هو الوجه الأول، فإِنهم كما ينكرون الآخرة ودوام سماواتها وأَرضها ينكرون وعدها ووعيدها، ولكن هذا الإِنكار لا يمنع أَن يتوعدهم الله بعذاب الآخرة، ويصف لهم أهوالها لعلم يرجعون.
{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} :
ظاهر هذا الاستثْناء أَنه تعالى يشاءُ خروج الأشقياء من النار، وأن خلودهم فيها ينقطع عند هذه المشيئة، وقد حمل هذا التوهم بعض المفسرين على أَن يقول: إن المراد بالذين شقوا، الذين ارتكبوا ما يشقيهم ولا يسعدهم سواءٌ أَكانوا كفارا أَم مؤْمنين عصاة، ويحمل الاستثناء عند صاحب هذا الرأى على عصاة المؤْمنين، وكأنه قيل: فأما الذين شقوا بكفرهم أو معاصيهم، ففي النار خالدين فيها أَبدا إلا من شاء ربك عدم خلودهم من عصاة المؤْمنين. (3)
{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} :
فلا يمنعه أحد من العفو عنهم لإِيمانهم بعد ما عذبوا على ذنوبهم.
(1) سورة إبراهيم، الآية: 48
(2)
سورة المؤمنين، الآية: 37
(3)
والاستثناء على هذا عن الضمير المستكن في خالدين، ولفظ (ما) بمعنى من، كما في قوله تعالى "والسماء وما بناها" أي ومن بناها.
ورأَى بعض آخر من المفسرين أن المراد بالذين شقوا هم الكفار، وأَن المراد بقوله تعالى:{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} إلا الوقت الذي شاء الله فيه أن ينقلوا من عذاب النار إلى عذاب آخر كالزمهرير وغيره، فأمرهم دائر بين التعذيب بالنار والتعذيب بغيرها ولا أمل لهم في انقطاع العذاب عنهم بأى وجه، أو إلا الوقت الذي يتوقفون فيه في الموقف للحساب، وقيل الاستثناء ليس من خلودهم في النار، بل من قوله تعالى:{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} .
والمعنى على هذا: فأَما الكافرون الذين شقوا بكفرهم ففي النار لهم فيها زفير وشهيق حال خلودهم الأبدى فيها، لا ينقطع زفيرهم وشهيقهم إلا ما يشاؤها الله، يكون تعبيرهم فيها عن كربهم بغير الزفير والشهيق.
ونقل القرطبي في الوجه الرابع في تفسيره لها عن ابن مسعود أنه قال: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} لا يموتون فيها ولا يخرجون منها {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم ليتجدد تعذيبهم. ولعله استمد هذا الرأي من قوله تعالى:{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} (1).
تلك خلاصة الآراء المشهورة في تفسيرها، وفيها آراءٌ ومباحث أخرى. فليرجع إليها في المطولات من شاء المزيد.
المفردات:
{سُعِدُوا} : بضم السين قراءة الأعمش وحفص والكسائي، قال الثعلبى: أي رزقوا السعادة، يقال سُعِد وأُسْعِدَ بمعنى واحد، وقرأَ الباقون بفتح السين على أسلوب شقوا.
{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} : أي غير مقطوع عنهم.
(1) سورة النساء، من الآية: 56
التفسير
108 -
تتحدث هذه الآية الكريمة عن الفريق الثاني من أهل الموقف في يوم مجموع له الناس ومشهود، وهو فريق السعداء بعد أن تحدثت الآيتان السابقتان عن فريق الأشقياء من الكلام في معنى ما دامت السموات والأرض هنا، كالكلام في مثله في الفريق الأول.
أَما قوله {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} فإِنه يوهم أَن خلود السعداء في الجنة ينقطع ولا يدوم حينما يشاءُ الله قطعه، وهذا يتنافى مع التصريح بعدم قطعه في قوله سبحانه:{عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} : كما يتنافى مع آيات كثيرة ناطقة بأَبدية النعيم في الجنة لهم، وقد أُجيب عن ذلك بعدة أجوبة، منها أن اليوم المشهود يبدأ من البعث، وأَن السعداء لا يدخلون الجنة حين بعثهم، فإنهم كغيرهم يحشرون للموقف، ويحاسبون، ثم ينعم الله عليهم بدخول الجنة بعد أَن يقضى لهم بذلك عدالة منه وفضلا ورحمة، فالوقت الذي قضوه في اليوم المشهود قبل دخولهم الجنة، فهو المستثنى بقوله {إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} ولا يضر هذا المعنى أن الاستثناءَ وقع من أول اليوم لا من آخره، كما تقول جلست في البُستان يوما إلا ثلاث ساعات من أَوله، فإِنه تعبير صادق وسليم من الناحية اللغوية.
ومنها أَن الاستثناء بالنسبة إِلى الوقت الذي ينقلون فيه من نعيم الجنة إِلى ما هو أعلى منه، من الفوز برضوان الله الذي هو أكبر من الجنة، كما قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} (1). ولهم أيضا ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه، قال الزمخشرى: والدليل على هذا قوله تعالى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (2).
(1) التوبة من الآية (72).
(2)
انظره في الكشاف تعليقا للزمخشرى عل قوله تعالى في حق الكفار: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} فقد تعرض في كلامه فيها إلى ما يماثلها في حق المؤمنين هنا.
ومما قيل في تأويلها: إن الاستثناء بالنسبة إِلى عصاة المؤمنين، فإنهم يغيبون عن الجنة في الوقت الذي يعاقبون فيه على معاصيهم، ثم يؤمر بدخولهم الجنة، فلذا قيل في حقهم {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}: أَي إلا من شاء ربك من عصاة المؤْمنين، فإن دخولهم فيها ينقطع عند أول دخول الصالحين إِياها حتى يعاقبوا على معاصيهم، فإنهم سيدخلونها ويلحقون من دخلها قبلهم من الصالحين، وقد وصفوا بالسعادة باعتبار ما آل إليه أَمرهم وفيما يلى بيان معنى الآية على ما نرى.
وأَما الذين أنعمَ عليهم بالسعادة من الله بأن وفقوا للإِيمان والعمل الصالح لصفاء فطرتهم فهؤلاء في الجنة يستقرون، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، لا يبرحونها أبدًا، إلا الوقت الذي يشاءُ الله فيه أَن ينعموا بثواب أعظم، حيث يتجلى عليهم برضوانه، الذي هو أكبر من الجنة، وأَعظم منها شأنا.
وهناك أيضا ينظرون اليه جل وعلا كما قال في سورة القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} . (1) وحيث ينعم الله عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يعلم كنهه سواه، يعطيهم الله هذه النعم دائما، عطاء غير مجذوذ عنهم ولا هم عنه ينصرفون.
المفردات:
{فِي مِرْيَةٍ} : في شك. {نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} : جزاءهم كاملا.
(1) سورة القيامة، الآيتان: 22، 23
التفسير
109 -
{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ} :
بعد أن بين الله تعالى عقاب الأشقياء وثواب السعداء أنذر أهل مكة بأن عبادتهم قائمة على الضلال وأنهم سيلقون مصير الأشقياء الضالين إِذا أصروا على شركهم.
والمعنى لا يتطرق إليك - أيها الرسول - شك في ضلاد هؤلاء المشركين وإِن ادعوا أنهم يتقربون إِلى الله بعبادة هذه الأصنام حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (1).
وهو ادعاءٌ باطل لا يقوم على عقل رشيد أو رأى سديد، لأن الأصنام لا تملك التقريب والإبعاد من الله تعالى، فهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعًا فكيف تملكهما لغيرها.
{مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} :
أي أنهم لا يؤدون عبادتهم تطبيقًا لكتاب منزل، أو إطاعة لنبي مرسل، أَو تأثرًا بعقل مفكر، وإِنما يؤدونها تقليدًا أعمى لآباءهم وأجدادهم الضالين دون رَوِيَّة أو تفكير {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70)} (2).
{وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} :
أي وإِننا لمجازوهم على عقيدتهم الباطلة وأَعمالهم الفاسدة جزاء كاملا غير منقوص، كما جازينا الأمم السابقة بسبب كفرهم وعتوهم {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} . والجملة هنا مؤكدة بأكثر من مؤكد للإنذار والترهيب.
(1) سورة الزمر الآية: 3
(2)
سورة الصافات الآيتان 70،69
المفردات:
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} : لولا وعد سبق منه سبحانه بتأجيل العذاب حتى عن يعلمه. {شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} : شك مزعج محير مقلق.
التفسير
110 -
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ
…
} الآية.
بعد أَن ختم الله الآية السابقة بوعيد مشركى قريش بأنهم سينالهم نصيبهم من العقاب وافيًا، جاءَت هذه الآية مسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن خلاف قومه عليه لم ينفرد به، بل هذا هو الشأن في جميع أمم المرسلين، وضرب له مثلا بقوم موسى حيث اختلفوا عليه، وأَكد له أن عقابه سينزل بمن كفر به من قومه، كما نزل بمن كفروا برسله من قبله، وسيكون نزوله في الوقت الذي عينه سبحانه لهذا العقاب، فلا استعجالهم يقدمه ولا إنكارهم يؤخره، كما قال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} . (1) وقال سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53)} (2).
والمعنى: ولقد أَنزلنا التوراة على موسى عليه السلام فبلغها إِلى دومه ولكنهم اختلفوا فيها، فآمن بها بعضهم، وكفر بها آخرون، حتى آل أمرهم إلى عبادة العجل، فلا تبال
(1) سورة الحج، من الآية: 47
(2)
سورة العنكبوت الآية: 53
يا محمد باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن، وقولهم:{لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} وزعمهم أنك افتريته، فالكفر كله ملة واحدة.
وإِذا كان الله تعالى لم يعجل عقوبتهم في الدنيا بالاستئصال، فلن يفلتوا من العقاب في الآخرة بأَشد العذاب، حيث سبقت كلمته بتأجيل عقابهم إليها لحكم يعلمها، وفي ذلك يقول الله تعالى:
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} :
أي ولولا قضاء سبق من ربك يا محمد بتأجيل عقوبة قومك المختلفين عليك إلى يوم القيامة لقضى بينهم بتعجيل عقوبتهم على كفرهم، وإنجاء المؤمنين منه ليتميز المحقون من المبطلين.
وقيل إن الكلام في قوم موسى، والمعنى: لقضي بينهم بعقابهم عاجلًا على اختلافهم في أمر التوراة. ويبعد هذا الرأي أن الآية مسوقة لتسلية الرسول على اختلاف قومه عليه، بما حدث لموسى من اختلاف بني إسرائيل علية، ولبيان أَن عقوبة قريش على كفرهم به مؤجلة في علم الله الوعيد، ولولا ذلك لعجل بها لهم.
{وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} :
أَي وإن قومك يا محمد لفي شك من القرآن موقع في حيرة لهم، ولو أنصفوا لبادروا إلى الإيمان به، فإن مبعث ريبهم هو استمساكهم بدين الآباءِ وتعصبهم له، وعدم إصغائهم إلى الناصح الأمين (1).
ويصح أن يكون المعنى: وإِنهم لفي شك من تعذيبهم على كفرهم مقلق لنفوسهم وقد أخطئوا في هذا الشك، كما يشير إِليه قوله تعالى:
111 -
{وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا (2) لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} :
(1) فالضمير في لفظ (منه) عائد على القرآن وإن لم يذكر في الكلام، قال أبو السعود في بيان ذلك (فإن ذكر إيتاء كتاب موسى ووقوع الاختلاف فيه، لا سيما بصدد التسلية ينادي بذلك نداء غير خفي): أهـ أي ينادي بعوده إلى القرآن وإن لم يذكر.
(2)
يرى أبو عبيدة أن لفظ (لما) في قوله تعالى: {لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} بمعنى جميعا، وأصله بالتنوين وقد قرئ، ثم بنى على فعل، وهو مأخوذ من لممته بمعنى جمعته، وقد أخبرنا هذا الرأى لأنه أقرب الآراء وأيسرها وأبعدها عن التكلف برغم ما وجه إليه.
أي وإن كلا من المختلفين فيه مؤمنين وكافرين، جميعا والله ليوفينهم ربك يا محمد جزاء أَعمالهم إن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر.
{إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} :
إنه تعالى بما يعمله المحسنون والمسيئون عليم أدق العلم وأَوسعه، فما تخفى عليه منهم خافية ومن كان كذلك، فإِنه سبحانه سيوفيهم جزاءَ أَعمالهم.
المفردات:
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} : نفِّذ ما أَمرناك به دون ميل عنه بزيادة أو نقص.
{وَلَا تَطْغَوْا} : أي لا تتجاوزوا الحد الذي أمرتم به وذلك بالإفراط أو التفريط.
{وَلَا تَرْكَنُوا} : ولا تميلوا.
التفسير
112 -
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} :
أَي إِذا علمت يا محمد أَن كلاًّ من المؤمنين والكافرين سيوفيهم ربك جزاء أعمالهم فدم على ما أنتم عليه من الاستقامة على شرع الله الذي شرعه لك عقيدة وعملا، وليستقم عليه من تاب عن الشرك والكفر ليكون معك ويشاركك في الإيمان، ولا تتجاوزوا الحد بإِفراط ممل أَو تفريط مخل.
{إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} :
فيجازيكم على عملكم وفق ما علمه من أَدائكم له، فمن أَحسن فلنفسه ، ومن قصر فعليها.
وقد دلَّت الآية على وجوب اتباع المنصوص عليه، من غير انحراف عنه بمجرد الرأى، فإِنه طغيان وضلال.
وأَما العمل بمقتضى الاجتهاد المترتب على علل المنصوص، فذلك من باب الاستقامة أيضًا، لقوله تعالى:"فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى الْأَبْصَارِ (1) " فإِنه أَمر بالقياس، ومثال ذلك قياس عصير القصب إِذا أسكر في الحرمة، على الخمر المنصوص على حرمتها - لعلة الإِسكار - المشتركة بينهما.
والغرض من توجيه الأمر بالاستقامة على أمر الله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في مقدمة من آمن وتاب - إلى الله وأَصبح في معيته، الغرض من ذلك أن يعلم الناس أَن عبادة الله وأوامره واجبة الاتباع حتى بالنسبة للأنبياء، وأنهم في مقدمة المكلفين بذلك، لأَنهم قدوة لأَقوامهم، فلا يباح لهم الخروج على أمره وعدم الاستقامة عليه بإِفراط، فإِن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أَبقى، ولا بتفريط فإِنهم مكلفون بكمال العمل، لأَنه حق له تعالى، وليكونوا أسوة لغيرهم، ولأَنه تعالى طيب فلا يقيل إلا طيبًا - كما جاءَ في الحديث الشريف.
ولقد كانت شدة الالتزام بكمال الامتثال من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة وغيرها، داعية إِلي مشيبه صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم:"شيبتنى هود والواقعة وأخواتهما" أخرجه الترمذي.
ومن هذا وأمثاله يعلم أنه لا طبقية في الإِسلام، فالكل عباد الله، وأنه لا فرق بين حاكم ومحكوم ، ولا بين نبى وغيره في التزام شريعة الله ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول للزهراء رضى الله عنها:"اعْمَلِى فَإنِّى لَا أغنى عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا". وكان يقول أَيضًا: "وَالله لو سرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها".
وقد أَوجب الله تعالى على عباده ما يسهِّل عليهم الاستقامة عليه من فعل الواجبات وترك المحرمات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إن الدِّينَ يُسْر وَلَنْ يُشادّ الدّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَة، فَسَدّدُوا وقَارِبُوا، وأسْتَعينوا بالْغُدْوة والرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِن الدُّلْجَةِ". أخرجه البخاري عن أَبي هريرة في كتاب الحج - ومن تتبع التكاليف الشرعية وجدها سهلة ميسرة على
(1) سورة الحشر، من الآية: 2
القوى والضعيف والغنى والفقير، مع ما فيها من الترخيص لأصحاب الأعذار بالرخص الكثيرة، كإِسقاط الحجِ عن فاقد الاستطاعة، والصوم عن الحائض والنفساء والشيخ الفاني، وغير ذلك كثير.
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الصحابة نذر أن يصوم ولا يفطر ويقوم الليل عابدًا ولا ينام، ولا يتزوج النساء، خطب في الصحابة ناهيًا عن ذلك وقال:"إنِّي لإخشَاكُم لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكنِّى أَصُومُ وأفْطِرْ وأصَلّى وأَرقُد وأتَزَرج النِّسَاء، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنتي فَلَيْسَ مِنِّي" أَخرجه الشيخان.
وكانت عبادته صلى الله عليه وسلم وسطًا لا إِفراط فيها ولا تفريط، مراعاة للطاقة البشرية لأمته، أَخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال:"كنْتُ أصَلِّى مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصدًا وَخُطْبَتُهُ قَصدا".
فعلى المسلمين أَن يستقيموا على أَمر الله، فإِن الدين يسر لا عسر، وليعلموا أَن الله مطلع على أعمالهم وعبادتهم ومجازيهم عليها حسب أَدائهم لها، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
113 -
{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} :
بعد أَن أَمر الله رسوله والمؤمنين بالاستقامة على أمر الله دون إفراط أو تفريط جاءت هذه الآية ناهية عن الميل إلى الظالمين والتعاون معهم.
والمراد بالظالمين الكافرون، أو كل ظالم ولو كان مسلمًا، والمراد بالركون إليهم محبتهم والاعتماد عليهم، والأخذ بمشورتهم، وقد نهى الله في الآية عن ذلك الركون وتوعد عليه بمساس النار، فإذا كان هذا مآل من يميل إِليهم، فما ظنك بمن يشاركهم في عاداتهم، ويديم معاشرتهم، ويتزييّ بزيهم تقليدًا لهم، ويعاونهم على ظلمهم، لا شك أن عذابه يكون أَشد وأعظم، ولهذا تعتبر الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والوعيد عليه.
ومما جاء في السنة نهيا عن محبتهم ومعاونتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحبّ قومًا حَشَرَهُ اللهُ في زُمْرتهم" أخرجه الطبراني، وقوله:"مَنْ أعان ظالمًا ليَدْحَضَ بِبَاطِله حقًّا فقدْ بَرئَتْ منْه ذِمَّةُ اللهِ وذِمّةُ رَسُولِه" أخرجه الحاكم، وأَخرج البيهقي في شعب الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ دَعَا لِظَالم بالبَقَاءَ فقدْ أحب أنْ يُعْصَى اللهُ في أرضه".
فعلى كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولدينه ووطنه وإِخوانه المسلمين، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)} . (1) وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)} (2).
وبالجملة فإن من أحب الظالمين أو أعانهم على ظلمهم عوقب بالنار بقدر حاله معهم، وكذلك من استعانوا بهم على قتال إخوانهم المسلمين أَو ظلمهم، أو بعثوا بطائفة منهم للقتال في صف من يريدون استعبادهم أَو ظلمهم.
وحكى الزمخشري في الكشاف أن الموفق الخليفة العباسي صلى خلف إِمامه فقرأَ الإِمام بهذه الآية فخر الموفق مغشيا عليه فلما أفاق قال هذا فيمن ركن إلى الظالم فكيف بالظالم؟.
{وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} :
أي إذا ركنتم إلى الظالمين بأي وجه من الوجوه التي مر بيانها مسّتكم النار معهم ولن يستطيع أحد إنقاذكم أو إنقاذهم من عذاب الله كما قال تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} (4).
ولا شك أن المسلمين يدركون من هذا التحذير، أَن عليهم أن يعتمدوا على الله وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد، بعضه بعضا، وإن يحذروا موالاة الظالمين، وأَن يدركوا خبثهم وسوء طويتهم بالنسبة إليهم، فقد علموا ما قاسيناه من لؤم المستعمرين، وصداقتهم الزائفة، فقد استنزفوا دماءنا وأَموالنا، وأساءُوا إلى ديننا وأَخلاقنا، وعلى المسلمين أَيضًا أن يحولوا بين الظالم وظلمه، روى الإمام أحمد وأَصحاب السنن عن أَبي بكر - رضى
(1) سورة التوبة الآية: 23
(2)
سورة النساء الآية: 144
(3)
سورة آل عمران من الآية: 28
(4)
سورة الأنعام من الآية: 51
الله عنه - أَنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءُون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1) أَلا وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقابه، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إِن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أَن يعمهم الله بعقابه".
المفردات:
{طَرَفَيِ النَّهَارِ} : أوله وآخره، هما الغداة والعشي. {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ}: وساعات منه قريبة من النهار. {وَزُلَفًا} : جمع زلفة - من أزلفه إذا قربه.
التفسير
114 -
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} :
بعد أَن أَمر الله ورسوله والمؤمنين بالاستقامة، وأن يتركوا الركون إلى الظالمين، أَمرهم بما يعينهم على ذلك من اللجوء إِلى الله بأَداء الصلاة بضع مرات أَثناءَ الليل والنهار.
وقد وجه الأَمر في هذه الآية إِلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أن المراد به أمته معه - لأَنه إمام المؤمنين ورسولهم، فتكليفه تكليف لهم، إِلا ما نص على تخصيصه به كالتزوج بأَكثر من أَربع مجتمعات.
(1) سورة المائدة من الآية: 105
والمعنى: وأدِّ الصلاة بأركانها وشروطها في طرفى النهار - الغداة والعشى - فأَما صلاة الغداة فهى الصبح، وأَما صلاة العشى، فهى الظهر والعصر، وأقم الصلاة أَيضا في ساعات من أول الليل، بأن تؤدى صلاتي المغرب والعشاء وبهذا التأويل تضمنت الآية الكريمة الصلوات الخمس التي كلف الله بها عباده المؤْمنين يوميا.
قال القرطبى: لم يختلف أحد من أَهل التأويل في أَن الصلاة في هذه الآية يواد بها الصلوات المفروضة وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان وإليها يفزع في النوائب - وكان النبي صلى الله عليه وسلم إِذا حزبه أمر فزعَ إلى الصلاة. اهـ.
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} :
هذا التعقيب تعليل للأمر السابق بأداءِ الصلاة، يشير إِلى أن الحسنات وعلى رأسها الصلاه تكفر السيئات وتذهب الآثام. فإِذا حدث من المؤمن انحراف عن الاستقامة ، أو ميل إلى الطغيان، أو جنوح إلى الظالمين، وذكر المؤمن ربه وتاب وأَناب، وفزع إلى الصلاة، غفر الله له ما ارتكبه من آثام فإِن الصلاة كما تنهى عن الفحشاء والمنكر تطهر النفوس من الأدران والأَوشاب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرأَيْتُمْ لَو أنَّ نَهْرًا بِبَابِ أحَدِكُمْ يغْتَسِل فِيه كل يَوْم خَمسًا، مَا تَقُولُ: يُبْقى ذَلِكَ مِنْ دَرَنه؟ قَالُوا لَا يُبْقى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ فَذَلِكَ مَثلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا".
أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلوات عن أَبي هريرة.
وجاءَ في سبب نزول هذه الآية "عن ابن مسعود أَن رجلا أصاب من امرأة قبلة حراما. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فسأله عن كفارتها فنزلت فقال الرجل أَلِىَ هذه يا رسول الله؟ قال لك ولمن عمل بها من أمتي" أَخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي معنى الآية يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اتَّق اللهَ حَيْثما كنتَ وأَتبع السيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحها وَخَالِقِ النَّاس بِخُلق حَسَن" رواه أحمد والترمذى والحاكم والبيهقي.
وقد يمن الله على عبده إذا أحسن التوبة وأكثر الحسنات فيبدل سيئاته حسنات كما قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (1).
115 -
{وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} :
إن التزام الاستقامة والقصد، واجتناب الظالمين، وإقامة الصلاة في أَوقاتها تامة، الأركان والشروط، كل هذا يستدعي الصبر فلذا أمر الله به في هذه الآية كما أمر به في غيرها كقوله تعالى {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (2).
وقد أوصى الله سبحانه بالاستعانة بالصبر والصلاة على أداء الطاعات واجتناب الموبقات حيث قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (3).
فمن أطاع الله واتقاه وفاه الله أَجره كاملا لأَنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (4).
المفردات:
{لَوْلَا} : هلا. {الْقُرُونِ} : جمع قرن، وقدَّره بعضهم بثمانين سنة، وبعضهم بسبعين سنة والجمهور على أنه مائة سنة، والمراد من القرون هنا أَهلها من الأمم السابقة.
(1) سورة الفرقان من الآية: 70
(2)
سورة طه من الآية: 134
(3)
سورة البقرة الآية: 145
(4)
سورة الأعراف من الآية: 56
{أُولُو بَقِيَّةٍ} : أصحاب روية وتفكير، وأطلق عليهم ذلك لأنهم لا يعجلون بإِبداء الرأى، بل يبقونه حتى يمحصوه، ويدركوا صوابه فيجهروا به.
{مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} : ما تنعموا به.
التفسير
116 -
هذه الآية تشير إلى الأمم المهلكة التي ورد ذكرها في هذه السورة، لو كان فيهم كثير من العقلاء يقاومون الفساد ويضربون على أيدى الطغاة المستبدين ويحتكمون إِلى العقل المؤيد للرسالات السماوية، لو كان فيهم كثير من هؤلاء العقلاء الذين يكفونهم عن الفساد والإِفساد لما حقت عليهم كلمة العذاب، فإِن من سنن الله الكونية أن يأخذ الأمم بعذابه الشديد إذا عَمَّ فيهم الفساد وانتشر بينهم الضلال، وأصبح المعروف بينهم نادرًا، والمنكر شائعا {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1).
والمعنى: فهلا وجد من هؤلاء الأَقوام المهلكة الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة هلَّا وجد منهم جماعة كثيرة أصحاب بقية من العقل والروية ينهونهم عن الفساد والإفساد في الأرض، لينجوا من الهلاك، لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ذلك فسلموا ونجوا منه.
{وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} :
أَي إن القلة القليلة من العقلاء لم تستطع القضاء على الفساد، أما الكثرة الكاثرة الظالمة لنفسها فقد انغمست في الترف والنعيم وأَمعنت في الفساد والضلال. استجابة لما جبلت عليه من حب الجريمة والإِجرام فاستحقت الهلاك والدمار.
(1) سورة النحل من الآية: 33
117 -
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} :
وما صح ولا استقام عقلا أَن يهلك الله أهل هذه القرى بظلم وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ويؤمنون بخالقهم، فإن إهلاكهم وهم مصلحون ينافي صفة الحكمة التي يتصف بها العليم الحكيم، وينافي السبيل الذي اختاره سبحانه لمعاملة عباده، وهو الذي جاء في قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (1) وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (2) ".
المفردات:
{أُمَّةً وَاحِدَةً} : جماعة متحدة في الدين لا خلاف فيه بينها.
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} : ووجب حكمه وقضاؤه الأزلى - {الْجِنَّةِ} : الجن.
التفسير
118 -
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} :
ولو أَراد الله ربك سبحانه وتعالى أَن يكون الناس جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر ولا إفساد، لو أراد ربك ذلك لوقع، ولكنه لم
(1) سورة الأعراف الآية: 96
(2)
سورة يونس الآية: 44
يرده، بل خلقهم وأَودع فيهم العقل، وأَعطاهم الاختيار، ووضح لهم الطريق، وأَقام الحجة بإرسال الرسل حتى تكون عقيدتهم وعملهم بكسبهم واختيارهم، ولكنهم اختلفوا بسوء رأْيهم في هذا كله، وأضاعوا فطرتهم المستقيمة المفطورة على الحق إلا من عصم الله منهم فثبتهم عليه.
{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} :
ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضم يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له الرسل فيهتدى، وبعصهم لا ينتفع بذلك، بل يتبع هواه فيضل ويغوى.
119 -
{إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} :
أي لا يزال الناس مختلفين، بعضم على الحق وبعضم على الباطل، إلا من رحمهم الله ربك فهداهم ولطف بهم فإِنهم يتفقون على الدين الحق، ولا يختلفون فيه لأنهم يقبلون عليه سبحانه بقلوبهم وعقولهم فيحسن استقبالهم ويعينهم بفضله ورحمته.
{وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} : اللام في قوله {وَلِذَلِكَ} للعاقبة والإشارة راجعة إلى اختلاف الناس.
والمعنى: وخلقهم على الفطرة السليمة، لتكون عاقبتهم أَن يختلفوا، وما كان ينبغي لهم أن ينتهوا إلى ذلك، وقد منحهم الله العقل والتمييز، وأرسل إليهم الرسل ليهدوهم سواء السبيل، ويشهد لهذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم:"كُل مَولودٍ يُولدُ عَلَى الفطرة فَأبوَاهُ يهودَانِهِ أوْ يُنَصرَانِهِ، أوْ يمجسَانِهِ" وقوله تعالىَ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} (1).
ومن العلماء من جعل الإشارة في قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} إلى الرحمة في قوله: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} .
(1) سورة النساء من الآية: 79
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} : وللمذكور من رحمة الله تعالى خلقهم، يريد ابن عباس ومن معه، أَنه تعالى خلقهم على استعداد فطرى لرحمة الله، لكنهم أفسدوا فطرة الله بسوء اختيارهم، وحرموها من رحمته جلَّ وعلا.
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} : ووجب قضاء ربك العادل.
{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : وجب قضاؤه أن من الخلق من يستحق الجنة لأنه زكى نفسه فأفلح وفاز، ومنهم من يستحق النار لأَنه دنس نفسه بالمعاصى فخاب وخسر، وأن النار لابد من أَنها ستملأ من الأشقياء من الثقلين الجن والإِنس، الذين لا يهتدون بما أَنزله الله من كتب، ولا يؤمنون بمن أرسل من الرسل، وذلك لعلمه سبحانه وتعالى بكثرة من يختار الباطل على الحق، ويؤثر الضلال على الهدى ممحض اختياره، وحرمان أَنفسهم من تقبل رحمة الله ومعونته.
المفردات:
{نَقُصُّ} : من قص يقص، والقص تتبع أَثر الشيء للإحاطة والعلم، ثم أطلق على الإخبار لما فيه من تتبع الأحداث رواية.
{أَنْبَاءِ} : جمع نبأ وهو الخبر الهام.
{نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} : المراد من تثبيته زيادة ثباته في أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار.
{اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} : اعملوا على غاية تمكنكم، وأقصى استطاعتكم، أو اعملوا على حالكم ومنزلتكم التي أنتم عليها من الكفر والمعاصي، والأمر للتهديد.
التفسير
120 -
{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} :
بعد أن قص الله سبحانه وتعالى في هذه السورة قصص أشهر الرسل وعاقبتهم مع أممهم من نجاة المؤمنين، وإهلاك المكذيين، ذكر في الآية فائدة ذكر هذه القصص.
والمعنى: وكل نبأ من أَنباءِ هؤُلاءِ الرسل مع أممهم نقص عليك يا محمد ونخبرك بما نثبت به فؤادك، حيث تدرك منه أنك لست وحدك الرسول الذي كفر به قومه، فكل الرسل كانوا كذلك فصبروا حتى ظفروا بإِعلاءِ كلمة الله، وهزيمة الشرك ودك معالمه، وإِهلاك أهله، فإِذا علمت أن الرسل من قبلك قاسوا ما تقاسى، هان عليك ما تقاسيه، فإِن البلوى إِذا عمت هانت، وإِذا هانت عليك قوى قلبك واشتدت عزيمتك على المضى في سبيل ربك، وقوى احتمالك للإيذاءِ والصبر على أداء الرسالة.
وفي مثل هذا المعنى يقول الله تعالى {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (1).
{وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} :
ولقد جاءك في هذا القصص من أَنباء الرسل وأَقوامهم بيان جامع للحق وللموعظة وتذكير المؤمنين، حيث يتعظون مما حل بالأمم السابقة من هلاك ودمار فيبتعدون عن أَسبابه وموجباته.
(1) سورة الأنعام، الآية: 34
وإِنما عبر بقوله: {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} مع أنه في الحقيقة أنزل لوعظ الناس جميعًا، لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون مما في هذه القصص من الوعظ والتذكير.
121 -
{وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} :
وقل أيها الرسول للمشركين الذين أعرضوا عن دعوتك فلم يؤمنوا بما جئتهم به، قل لهم مهددًا وَمُوَعِّدًا: اعملوا بقدر استطاعتكم وتمكنكم، وبكل ما أوتيتم من قوة على مقاومة الدعوة والصد عنها، إِنا عاملون في تبليغ الحق، دائبون عليه لا يثنينا عن عزيمتنا كفركم ولا يردنا عن دعوتنا طغيانكم، أو عاملون بما أنزله ربنا، لا يصرفنا عنه صارف، ولا ممنعنا منه كَفارٌ أثيم.
122 -
{وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} :
وترقبوا ما تتمنون لنا من هلاك إنا مترقبون أن يحل بكم مثل ما حل بالأمم السابقة التي كذبت رسل ربها وصدت عن سبيله.
123 -
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} :
أي لله وحده علم ما غاب في السموات والأرض، فلا يخفى عليه شيء من سركم وجهركم.
{وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} :
وإليه وحده مرجع الأمر كله في الدنيا والآخرة، لا إلى أحد غيره، فيرجع إِليه لا محالة أَمرك يا محمد وأمرهم، فيجازى كلا بما اعمل.
{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} :
وإِذا كان مرجع الكل إلى الله وحده لا إِلى غيره فدم على ما أَنت عليه من عبادته وحده مخلصا له العبادة، وتوكل عليه في جميع أمورك، فإنه يكفيك كل ما أَهمك ويكفلك في جميع أحوالك.
واعلم أنه الأخذ بالأسباب المشروعة لا ينافى التوكل على الله، ولذا أَوجبه الله بقوله:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (1). وقوله: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} (2). وأمر به الرسول بقوله لصاحب الناقة: "اعقِلها وَتَوَكلْ": أي اعقل ناقتك أَولا، ثم قل توكلت على الله.
{وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} :
وما ربك بغافل عما تعمله أنت من تبليغ رسالة، ربك وما يعملونه هم من كفر وإعراض، بل هو عالم به، محيط بتفاصيله، فيرفع شأنك يا محمد ويعلى قدرك في الدنيا والآخرة ويعاقبهم فيهما بما يستحقون من تعذيب وحرمان.
(1) سورة الأنفال من الآية: 60
(2)
سورة الملك، من الآية: 15