الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أول شواهد المعرفة، وهو نور يقع في القلب، يُريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه عز وجل فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب، ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى كأنه يراه ويشاهده فوق سمواته مستوياً على عرشه ناظراً إلى خلقه سامعاً لأصواتهم مشاهداً لبواطنهم.
فإذا استولى عليه هذا المشهد غطى عليه كثيراً من الهموم بالدنيا وما فيها، فهو في وجود والناس في وجود آخر .. هو في وجود بين يدي ربه ووليه .. ناظراً إليه بقلبه والناس في حجابِ عالَم الشهادة في الدنيا).
ثم قال – رحمه الله: (ثم يُفتح له
باب الشعور بمشهد القيومية
، فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه) .. وذكر كلاماً، ثم قال:(فإن استمر على حاله واقفاً بباب مولاه لا يتلفت عنه يميناً ولا شمالاً ولا يُجيب غير من يدعوه إليه ويعلم أن الأمر وراء ذلك وأنه لَم يصل بَعْدُ، ومتى توهّم أنه قد وصل انقطع عنه المزيد .. - ثم قال رحمه الله: رُجي أن يُفتح له فتحٌ آخر هو فوق ما كان فيه!).
ثم قال: (ويبقى له وجود قلبي روْحاني مَلَكي فيبقى قلبه سابحاً في بحر من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين، حتى يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه ويجد قلبه عالياً على ذلك كله، صاعداً إلى من ليس فوقه شيء) انتهى.
هل تعلم أنه بهذا السِّفْر المبارك لا يُعَرِّج على الحور العين، بل تمرّ رُوحُه مجتازةً قصورَ الجنةِ وما فيها، صاعدةً إلى مَن ليس كمثله شيء سبحانه وبحمده لأنه بذاته هو مراد المؤمن وغاية مطلبه {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} (1)، فما بعده غاية تُطلب لذاتها ولا قبله أيضاً، وهذا يحصل والعارف حيٌّ في الدنيا حيث هو لُباب التعبد، وهو سفر الآخرة الذي يُقطع بالقلوب كما أن سفر الدنيا يُقطع بالأقدام - كما ذكر العلماء -.
ثم قال رحمه الله: (ثم يُرقّيه الله سبحانه فيُشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال، وفي هذا المشهد يذوق المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسوراً في يد حبيبه ووليه ممتحناً بحبه.
وإن شئت أن تفهم ذلك تقريباً فانظر إليك وإلى غيرك وقد امْتُحِنْتَ بصورة بديعة الجمال ظاهراً وباطناً فملكَتْ عليك قلبك وفكرك وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة، فتضرم في أحشائك يَعِزُّ معها الاصطبار، و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} (2)؛ فيَالَهُ من قلب ممتحن مغمور مستغرق بما ظهر له من أشعة أنوار الجمال الأحدي، والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة، معذبون بذلك قبل حصوله وحال حصوله وبعد حصوله!.
(1) سورة النجم، الآية:42.
(2)
سورة المائدة، من الآية: 54؛ وسورة الحديد، من الآية 21؛ وسورة الجمعة، من الآية 4.
وأعلاهم مرتبة: مَن يكون مفتوناً بالحور العين أو عاملاً على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح) انتهى.
تأمل قوله: (وأعلاهم مرتبة مَن يكون مفتوناً بالحور العين) ومتى نصل نحن إلى هذه المرتبة العالية بالنسبة للتعلقات والفتن الدنيوية التي ذكرها وهي المال والصور والرياسة.
إن التعلق والافتتان بالحور العين والتمتع بالجنة المخلوقة بالنسبة لِلمُوثَق بالسفليات درجة رفيعة، وإذا كانت الفتنة بالحور العين قاطعة عن المراد في لغة العارفين فكيف تكون حالنا؟!.
ثم قال رحمه الله: (وهذا المحب قد ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لِعلوِّ درجته وقرب منزلته من حبيبه ومعيته معه، فإن المرء مع من أحب (1)، ولكل عمل جزاء وجزاء المحبةِ المحبةُ والوصول والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح وكفى بذلك شرفاً وفخراً في عاجل الدنيا، فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر؟!).
لقد جاء في حديث سؤال موسى عليه الصلاة والسلام ربه تعالى عن
(1) جاء ذلك في حديث رواه البخاري برقم (6169) ومسلم برقم (2640) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب).
أدنى وأعلى أهل الجنة منزلة، فلما بين له ربه تعالى أدنى أهل الجنة منزلة، سأل ربه تعالى قائلاً:(ربِّ فأعلاهم منزلة؟!، قال: أولئك الذين أردتّ، غرستُ كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم ترَ عينٌ ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر!، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل {فَلَا تَعْلمُ نَفْسٌ مَا أخْفِيَ لهَمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ} (1)(2).
وهل تليق هذه المنزلة العظيمة إلَاّ لمن قدّمَ حُبَّ الله تعالى والشوق إليه على حبِّ ماسواه!، مع العلم أنَّ مَن ينال مِن اللهِ تعالى تلك المنزلة من المحبين والعارفين فقد نال بلا شك أعلى النعيم المخلوق من الحور والقصور وغيرها زيادة على مايحضون به من القرب من ربهم تعالى وعظيم التنعم برؤيته!.
ثم قال ابن القيم رحمه الله – عن المحبين لله: (فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة وقد أسمعهم المنادي:" لينطلق كلُّ قوم مع ما كانوا يعبدون "، فيبقون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم حتى يأتيهم فينظرون إليه ويتجلى لهم ضاحكاً (3) انتهى (4).
(1) سورة السجدة، من الآية:17.
(2)
رواه مسلم برقم (7490) من حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – مرفوعاً.
(3)
جاء ذلك بمعناه في حديث الرؤية المشهور، والذي رواه البخاري برقم (4305) ومسلم برقم (183) عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، ورواه - أيضاً – الإمام أحمد برقم (8803) عن أبي هريرة مرفوعاً.
وروى فقرة (ويتجلى لهم ضاحكاً) الدارقطني في كتاب (الصفات) برقم (33) وفي كتابه (رؤية الله) برقم (59) عن جابر بن عبدالله مرفوعاً، وابن إسحاق في (التصديق بالنظر) برقم (40) عن أبي موسى مرفوعاً.
(4)
مدارج السالكين، 3/ 382.
تأمل قوله (ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم) وهذا في القيامة، فالقوم متعلقة قلوبهم بمعبودهم الحق سبحانه بالقصد الأول ليس ليكون واسطة ووسيلة لمحبوبهم من الحور العين وغير ذلك من النُّزُل والضيافة بل مرادهم ربهم لذاته إذْ محبته في قلوبهم لا تُدانيها ولا تُقاربها محبة.
أما محبة الله سبحانه ليكون وسيلة للأغراض فهذا عندهم مدخول مشُوب، ولذلك فهم يُجَرّدون المحبة وإن كانوا يريدون من ربهم خير الدنيا والآخرة، فليس مرادنا هنا الشَّطَح، وتأمل قوله تعالى عن أوليائه:{يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (1)، فهذه إرادة خالصة لا لغرض آخر؛ وهذا هو الإخلاص وهو التوحيد.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة)(2).
وقال – أيضاً -: (إن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى)(3).
ثم قال ابن القيم رحمه الله: (والمقصود أن هذا العبد لا يزال الله يُرقيه طبقاً بعد طبق ومنزلاً بعد منزل إلى أن يُوصله إليه ويُمكِّن له بين يديه أوْ يموت في الطريق فيقع أجره على الله؛ فالسعيد كل السعيد والموفَّق
(1) سورة الأنعام، من الآية: 52؛ وسورة الكهف، من الآية:28.
(2)
، (3) أنظر كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) للشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، ص (50).
كُلّ الموَفَّق مَن لَمْ يَلْتَفِت عَن ربِّه تبارك وتعالى يميناً ولا شمالاً ولا اتخذ سواه ربًّا ولا وكيلاً ولا حبيباً ولا مدبِّراً ولا حَكَماً ولا ناصِراً ولا رازقاً) انتهى (1).
لتعْلَم أنّ كلام ابن القيم وشيخه وعلماء السلف الربّانيين بيانٌ وتفسير لنصوص الكتاب والسنة، وقد أثمر لهم صدقهم وإخلاصهم هذه الثمار الطيبة، وليست محبة الله عز وجل مجرد مقام في طريق السالك بل هذا أصل الأصول وهو حقيقة العبودية وهو معنى كلمة التوحيد، وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم:
…
(فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ)(2) فهذا بعد دخولهم الجنة ومباشرة نعيمها.
وفي الحديث الآخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} (3)، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نورُه وبركته عليهم في ديارهم) (4).
(1) مدارج السالكين، 3/ 381 وما بعدها.
(2)
رواه مسلم برقم (181) من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه –.
(3)
سورة يس، آية:57.
(4)
رواه ابن ماجه برقم (184) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
وإذا كان الأنس به سبحانه في الدنيا - كما يقول ابن القيم (1) - أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من نعيم الجنة فالأمر إذاً عظيم، والاقتصار على التعلق بالحور العين قصورٌ ونقص!.
ثم قال ابن القيم رحمه الله: (وإرادة السِّوَى (2) توقف السالك وتنكس الطالب وتحجب الواصل، فإياك وإرادة السوى وإن علا!، " تأمل قوله: وإن علا " فإنك تُحجب عن الله بقدْر إرادتك لغيره، قال تعالى عن عباده المقربين:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} (3) انتهى (4).
وليس المراد أن المؤمن لا يريد من الله، أو يَحتقر مَا عظَّمَه الله من نعيم الجنة كالْحُور والمآكل والمساكن وغيرها، وإنما المقصود معرفة حقيقة العبودية وألاّ يحتجب العبدُ عن إرادة رَبِّه لذاته ولو لم يكن هناك جنةً ولا ناراً (5).
ولو لم يوجب محبة الله عز وجل إلا أنه خالق العبد ومالكه وسيّده، كيف ما يتصف به سبحانه من صفات الجمال والكمال والقلوب مفطورة على حب الصُّوَر الجميلة لكن المؤمن مُتعَبَّد بغَضِّ بَصَره لئلاّ تَنْتَقِش
(1) في: مدارج السالكين، 3/ 94. (2)
…
السِّوَى هنا: أي ما سِوى الله سبحانه.
(2)
سورة الإنسان، الآية:9.
(3)
مدارج السالكين، 3/ 95.
(4)
كما جاء ذلك في أثرٍ إلَهيٍّ عظيم تقدم ذِكْره وذكر مَن أورده من أهل العلم في ص (4).
هذه الصُّوَرُ في قلبه، فيعكف عليها محبةً تصرف قلبه عما خُلق له العبدُ من النظَر في الآخرة إلى خالق الجمال سبحانه، وهو أوْلى به.
وهنا أنقل كلاماً كتبته قديماً في كتاب (معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال)، وهو:
(وإنما سأل موسى الرؤية لِشَوْق ألْهَبَ قلبه بعد سماع كلام ربه وحُقّ لَه.
ولوْلا مَدَدُ الله للأنبياء بالصبر المناسب مع مقاماتهم ومعرفتهم بربهم لما صبروا اشتياقاً إليه ومحبة لكمال معرفتهم به سبحانه ولكماله وجلاله وجماله.
وإذا كان يحصل مِن محبةِ مخلوقٍ لمخلوقٍ مِن انجذابِ الروح إليه والصبابة والشوق ما يكون عجباً مثل العشق - مع أنه في الحقيقة مرض في القلب صارف له عما فُطر عليه من محبة معبوده الحق - فكيف بمحبة مَن لوْلا تعلق المحبة به لما خُلقت المحبة أصلاً، فهي إنما وُجدت لهذا الغرض.
من هذا يتبين أن كل محبة لسواه فهي صرف حقه لغيره، وهي ألَمٌ في القلب يُعَذّب به لانصرافه وانحرافه عن فطرته التي فُطر عليها من محبة إلهه الحق إلا ما كان من الحب فيه، فهذا داخل في محبته غير مُعارض كمحبة أنبيائه وأوليائه وما يُحب بشرط عدم الغلو في ذلك بألا يُرفع أحد إلى درجة محبته
أو يُماثَل فيها) انتهى (1).
قال شيخ الإسلام: (ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث: " إن أهلَ الجنةِ يُلهمُون التسْبيحَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَس " (2) وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته) انتهى (3).
فهذا نعيم لا يشغلهم عنه ولا يلهيهم ما بين أيديهم من النعيم المخلوق لأن لذّته أعظم مما هم فيه.
ولتمام الفائدة تعلم أن ربهم فوقهم حتى وهم في الجنة فعرشه سبحانه سقف الفردوس كما أن السماء الدنيا سقف الأرض قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً} (4).
يبين هذا ما جاء في الحديث المتقدم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذْ سطع لهمْ نورٌ فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قول الله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} (5) قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،
(1) أنظر كتابي (معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال، ص 45 – 46)، وراجعه فهو مهم جداً في موضوع الكتاب، وهو مطبوع بحمد الله تعالى.
(2)
رواه مسلم برقم (2835) من حديث جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – مرفوعاً.
(3)
مجموع الفتاوى، 10/ 64.
(4)
سورة الأنبياء، من الآية:32.
(5)
سورة يس، آية:57.
فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم) (1).
قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: (فهذا نور مشاهد قد سطَع حتى حرّكهم واسْتفزهم إلى رفع رؤوسهم إلى فوق) انتهى (2).
وليس المراد الاقتصار على معرفة جمال المعبود - سبحانه وبحمده - والذي من أسمائه (الجميل) بل وتعظيمه وإجلاله سبحانه على مقتضى اسمه (الجليل).
قال ابن القيم رحمه الله في محبة العبد لربه وأنه لابد فيها من الإجلال والتعظيم، قال: (ولا ريب أن الحب والأنس المجرَّد عن التعظيم والإجلال يَبْسط النفس ويحملها على بعض الدعاوي والرّعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة.
فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عِزّ جلاله وعظيم سلطانه انكسرت نفسه له وذلّتْ لعظمته واسْتكانت لعزته وتصاغرت لجلاله، وصَفَتْ مِن رُعُونات النفْسِ وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة.
(1) رواه ابن ماجه برقم (184) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
(2)
الصواعق المرسلة، 2/ 194.
ولهذا في الحديث يقول الله عز وجل: (أين المتحابون بجلالي؟!، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)(1)؛ فقال: (أين المتحابون بجلالي) فهو حُب بجلاله وتعظيمه ومهابته ليس حباً لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل.
والحب الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة.
فشهود الجلال وحده يوجب خوفاً وخشيةً وانكساراً، وشهودُ الجمالِ وحده يوجب حباً بانبساط وإدلال ورعونة.
وشهود الوصفين مما يوجب حباً مقروناً بتعظيم وإجلال ومهابة، وهذا هو غاية كمال العبد، والله أعلم) انتهى (2).
وينبغي أن يُعلم أن شدة التعلق بالثواب المخلوق في الجنة من الحور وغيرها إذا كان معه محبة لله ضعيفة فإنه يُخشى أن يكون - كما قال ابن القيم رحمه الله –: (أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فَتَرَتْ محبته وسكن قلبه وترحّل قاطن المحبة من قلبه كما قيل "من وَدّكَ لأمرٍ ولّى عِندَ انقضائه "، فهذه محبة مشوبة بالعِلل، بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوبَ لكماله وأنه أهل
(1) رواه مسلم برقم (2566) وأحمد برقم (7230) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى.
(2)
طريق الهجرتين، ص (385).
أن يُحب لذاته وصفاته) انتهى (1).
وقال رحمه الله: (فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومَن عَبَدَ غيره وأحبه وإن حصل له نوع من اللذة والمودّة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده ففساده به ومضرته وعَطَبُه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشّهي الذي هو عذْبٌ في مَبْدَئِه عذابٌ في نهايته كما قال القائل:
مَآرِبُ كانت في الشبابِ لأهْلِهَا
عِذاباً فَصَارتْ فِي الْمَشِيبِ عَذابَا (2)
إذاً فلَابدَّ من معرفة المعبود الحق سبحانه الموجبة للشعور به مع العمل الخالص لأن المحبة تابعة للشعور.
ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (فإن أوصاف المدعوّ إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه، لأن القلوب إنما تحب مَن تعرفه وتخافه وترجوه وتشتاق إليه وتلتذّ بقربه وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها بصفاته) انتهى (3).
(1) المصدر السابق.
(2)
طريق الهجرتين، ص (69).
(3)
مدارج السالكين، 3/ 351.
وقد تكلم ابن القيم في تجريد المحبة لله عز وجل وتصفية القصد وتهذيبه وتجريده فقال رحمه الله – عن ذلك: (يكون قصده وعبوديته محبة لله بلا عِلّة، وأن لا يحب الله لِما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل، ومحبته بالقصد الأول لِما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات، بحيث إذا حصل له محبوبه تَسَلَّى به عن محبة من أعطاه إياه، فإن من أحبك لأمرٍ والاك عند حصوله ومَلَّكَ عند انقضائه، والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لِغرضٍ من الأغراض، فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض.
وإنما مراده أن محبته تدوم لا تنقضي أبداً، وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره، بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه.
وهذا القدْر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمّروا إليه) انتهى (1).
أنظر قوله رحمه الله: (وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره) فهذا حقاً مخيف!.
وقال رحمه الله في هذا المعنى أيضاً: لِـ (تكُن إجابتك لِداعي الحق خالصة، إجابة محبة ورغبة، وطلب للمحبوب ذاته، غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض، فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل
(1) مدارج السالكين، 2/ 103.
حظّ به وكل قسم، كما في الأثر الإلهي:" ابن آدم .. اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتّك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء "(1) انتهى.
تأمل كيف أن هذا الأثر يطابق ما في الحديث المتقدم " فَمَا أُعطُوا شَيئاً أحَبّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ "(2).
ثم قال: (فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ولم يَشب طلبه له بعوَض، بل كان حباً له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها، فإنه لَمّا لم يجعلها غاية طلبه تَوَفرتْ عليه في حصولها وهو محمود مشكور مقرّب، ولوْ كانت مطلوبهُ لنقصتْ عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته.
فهذا قلبه ممتلئ بها والحاصل له منها نزرٌ يسير، والعارف ليس قلبه متعلقاً بها وقد حصلت له كلها، فالزهد فيها لا يُفيتكها بل هو عين حصولها، والزهد في الله هو الذي يُفيتكه ويُفيتك الحظوظ) انتهى (3).
وهنا يضرب أهلُ العلمِ مثالاً {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} (4)، وذلك بما
(1) أورده ابن كثير في تفسيره 2/ 302، و 4/ 239، وأورده ابن رجب – أيضاً - في كتابه " جامع العلوم والحكم " ص (292).
(2)
سبق تخريجه في ص (4).
(3)
مدارج السالكين، 2/ 349.
(4)
سورة النحل، من الآية:60.
رُوي عما فعلته جارية من جواري هارون الرشيد؛ فقد كان من عادته أن يُتحف جواريه في الأعياد بهدايا من الجواهر ونحوها، فكان يأمر بوضع تلك الهدايا في مجلس من مجالسه، ويقول لجواريه:" من أرادت من ذلك شيئاً وأعجبها فلتضع يدها عليه " – أي بحيث يكون لها -، فوضعت كل جارية يدها على ما أحبت من تلك التُّحَف إلا واحدة منهن فإنها وضعت يدها على رأس هارون!، فسألها عما أرادت بهذا الفعل؟!، فقالت:" أنت طلبت من كل واحدة منا أن تضع يدها على ما تحب وأنا لاشيء يعدل حبي لأمير المؤمنين! "، فأعجبه ذلك منها وصارت أحظى جواريه عنده!، فتأمل ذلك، وهكذا نحن عند الله!.
ويضرب ابن القيم – رحمه الله – مثلاً آخراً فيقول: (وإذا كان لك أربعة عبيد؛ أحدهم: يريدك ولا يريد منك بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك.
والثاني: يريد منك ولا يريدك بل إرادته مقصورة على حظوظه منك.
والثالث: يريدك ويريد منك.
والرابع: لا يريدك ولا يريد منك بل هو متعلق القلب ببعض عبيدك فلَهُ يريد، ومنه يريد، فإن آثر العبيد عندك وأحبهم إليك وأقربهم منك منزلة والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة هو