الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهنا قِف - وفقك الله -، وتأمل حالَنا مع اللهِ عز وجل إذا زَعَمْنا أننا صلُحنا واستقمنا وكأنَّ لنا على اللهِ حقًّا نستوجبه بأعمالنا لعدم عِلْمِنا بحقيقة العبودية وما يستحقه المعبود سبحانه (1).
ثم قال ابن القيم بعد الكلام السابق: (ومن ها هُنا انقطعوا عن الله وحُجِبَت قلوبهم عن معرفته ومحبته والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه!، فمحاسبة النفْس هي نظر العبد في حق الله عليه أولاً ثم نظرُه هل قام به كما ينبغي ثانياً.
و
أفضل الفِكْرِ
الفِكْرُ في ذلك، فإنه يُسيِّرُ القلبَ إلى اللهِ ويطرحه بين يديه ذليلاً خاضعاً منكسراً كسْراً فيه جبره، ومفتقراً فقراً فيه غناه، وذليلاً ذُلاًّ فيه عِزُّه، ولو عَمِلَ مِن الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البِرِّ أفضل من الذي أتى!) انتهى (2).
ثم ذكَر ابن القيم – رحمه الله ما جاء في الأثر عند الإمام أحمد عن أبي الجلَد أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى – عليه السلام: (إذا ذكَرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكُن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمتَ بين يدي فَقُم مقام العبد
(1) وهنا أحيل إلى كتابي (إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك)، فهو مهم جداً في هذا الباب.
(2)
إغاثة اللهفان، 1/ 88 - 89.
الحقير الذليل، وذُمّ نفْسَك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلبٍ وَجِلٍ ولسانٍ صادق!) انتهى (1).
فتأمل هذا والذي قبله، وما أنفعه لك مع توفيق الله تعالى.
وإذا كان موسى – عليه الصلاة والسلام – يُؤَدَّب بهذا وهو الكليم الكريم فذلك لأنّ لمعرفةِ الله وعبوديته سبحانه شأنٌ كبيرٌ وعظيمٌ يطَّلِع عليه مَن كان ذلك أكبر همومه وأعظم شؤونه، أما مَن تَدَيُّنُه على مقتضى المربأ والمنشأ والعادة فهذا لَوْنٌ آخر!.
(1) أخرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد ص (67)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 55.
خاتمة الكتاب
وبالجملة فإن مقصود الكتاب ومداره هو أن يحقق العبدُ عبوديته لإلهه الحق سبحانه، والتي أصلها المحبة، وذلك بمعرفته والشوق إليه وتعلق القلب والروح به دون أن يغلب على قلبه الشوق والتعلق بمخلوق لم يُخلق ولم تُودَع المحبة في قلبه من أجله ولو كان الحور العين فضلاً عن محبوبات العالَم السفلي من الصُّوَرِ والمال والرياسة، مع أن هذا لا يعني التقليل من شأن الحور العين، وإنما المراد هو المعرفة وإنزال كل شيء منزلته لتجريد المحبة عمَّا يشوب أو يغلب.
والله الموفق، وله الحمد في الأولى والآخرة، ونسأله برحمته كما مَنَّ بمعرفة ذلك مقالاً أن يَمُنَّ به حالاً، فالشأن ليس بمجرد الوصف وإنما الشأن كل الشأن فيما يصل إلى القلوب من هذا النعيم والجنة العاجلة التي قال فيها شيخ الإسلام رحمه الله:(في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة)(1)، وهي جَنَّة معرفته سبحانه، ومحبته، والشوق إليه.
وإن مما ينبغي لنا أن نخافه أن يكون حِجَابُ الغَيرة قد حال بيننا وبين ما وصل إليه العارفون، وأناخ بفنائه المحبون، وأجاب حاديه المخلصون،
(1) ذكره عنه تلميذه ابن القيم في مدارج السالكين 1/ 458، والوابل الصيب ص (69)، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص (52).
الذين بانَ لنا من مكنون ضمائرهم وصادق سرائرهم ما لا نشُمُّ له رائحة!.
وتأمل ما قاله السري السقطي في معنى قوله تعالى {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً} (1)، قال رحمه الله:(أتدرون ما هذا الحجاب؟!، حجاب الغيرة!، ولا أحد أغير من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفارَ أهلاً لفهم كلامه ولا أهلاً لمعرفته وتوحيده ومحبته، فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عنِ العيونِ غيرةً عليه أن يناله من ليس أهلاً له) انتهى (2).
ومع هذا فلا نيأس من روْح الله، ولنتذكر ما تقدم من قول ابن القيم رحمه الله:(يامن هبَّتْ على قلبه جنوبُ المجانبه، فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أُفُقُ المعرفة: لا تيأس!، فالشمس تحت الغيم، لوْ تصاعد منك نَفَسُ أسَفٍ استحالت شمالاً فتقطع السحابُ فبانت الشمس تحته!)(3).
ثم لنتأمل وصية إبراهيم بن أدهم لأخٍ له في الله حيث قال له: (إنْ كنتَ تحبّ أن تكون للهِ وليًّا وهو لك محبٌّ فدعِ الدنيا والآخرة ولا ترغبنّ فيهما، وفرِّغ نفسَك منهما، وأقبل بوجهك على اللهِ يقبل الله بوجههِ عليك ويَلْطَف بك، فإنه بلغني أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام:
(1) سورة الإسراء، الآية:45.
(2)
أورده شيخ الإسلام في الاستقامة 2/ 45، وابن القيم في المدارج 3/ 43، وروضة المحبين ص (329).
(3)
بدائع الفوائد، 3/ 233.
يا يحيى .. إني قضيتُ على نفسي أن لا يحبني عبدٌ من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنتُ سمعه الذي يسمعُ به وبصره الذي يُبصر به ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يفهم به، فإذا كان ذلك كذلك بغضتُ إليه الاشتغال بغيري، وأدمتُ فكرته، وأسهرتُ ليله، وأظمأت نهاره ..
يا يحيى .. أنا جليسُ قلبه وغايةُ أمنيته وأمله، أهَبُ له كُلَّ يومٍ وساعةٍ فيتقرب مني وأتقرب منه .. أسمع كلامه وأجيبُ تضرعه، فوعزتي وجلالي لأبعثنَّه مبعثاً يغبطه به النبيُّون والمرسلون (1)، ثم آمُر مُنادياً يُنادي: هذا فلانٌ بن فلانٍ وليُّ اللهِ وصفيُّه وخيرتُه من خلقه .. دعاه إلى زيارته ليشفي صدرهُ من النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جاءني رفعتُ الحجابَ فيما بيني وبينه فنظرَ إليَّ كيف شاء، وأقولُ: أبشرْ!، فوعزتي وجلالي لأشفينَّ صدرك من النظر إليَّ ولأجدِّدَنَّ كرامتك في كل يومٍ وليلةٍ وساعة؛ فإذا توجهتِ الوفودُ إليه جل جلاله أقبلَ عليهم فقال: أيها المتوجهون إليَّ ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنتُ لكم حظاً، وما ضركم من عاداكم إذا كنتُ لكم سِلْماً) انتهى (2).
(1) الغِبْطة بكسر الغين، وهي: أن تتمنى مثل حال الشخص المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه. أنظر غريب الحديث لابن الجوزي 2/ 212، ومختار الصِّحَاح للرازي ص (196).
(2)
أخرجه أبو نعيم في الحلية، 10/ 82.
ومِمَّا ينبغي تأمله جيِّداً لشدَّةِ الحاجة إليه في وقتنا قولُ مؤمني الجن المتقدِّم (في ص: 76): (ومَن تبع طبيباً مريضاً دامتْ عِلّتُه!)، وَوَاضح أن مرادهم طبيبَ القلوب المبيِّن أمراضها الدالّ على شفائها، فمَنْ طلب هذا العلم الرباني العظيم الدال على معرفة ربِّ العالمين فإنه يجده في كتب سلفنا الصالح مثل ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله -.
* تنبيه:
عَلِمتُ أخيراً وفي هذا الشهر الكريم رمضان المبارك الذي عظَّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن قوماً خَذَلهم الله وأهانهم {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} (1)، والذي قال الحسن البصري رحمه الله في أمثالهم:(هانوا على الله فعصوْه، ولوْ عَزُّوا عليه لعَصَمَهُم)(2)؛ عَلِمتُ أنهم اتخذوا موضوع (الحور العين) للسُّخرية والتندُّر، وذلك بمسلسل خبيث يعرضونه على الناس ليستهينوا بما عظَّم الله من أزواج أنبيائه وأوليائه والشهداء في سبيله في الدار الآخرة (3)، وهذا واللهِ مُنذِرٌ بعقوباتِ قد تُعجَّل إلا بدَفْعٍ من الحليم سبحانه الذي يُمهِل ولا يُهمل، وقد قيل:(أمهل الله العُصَاة حتى ظنَّ المغرورون بالله أن إمهال الله إهمال!)؛ وما أكثر المغرورين بالله لا كثَّرهم الله!.
ويا عَجباً:
أَيَهْزَأُ بِالْحُورِ الْحِسَانِ مُسَلْسَلُ
…
بِشَهْرٍ بِهِ الشَّيْطَانُ دَوْماً مُسَلْسَلُ!
غير أنه لا عجبْ إذا عَلِمْنا أننا في زمانٍ لم يسبق له في الفرعنة والشَّيْطنة مثيلاً حتى أصبح مِن الإنس مَن يَفُوقون شياطين الجنِّ في إغواء الناس وإشاعة المنكرات والدعوة للكُفر والفساد!، حتى في هذا الشهر المبارك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا دخل رمضان فُتِحَت أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقَت أبوابُ جهنَّم، وسُلْسِلت الشياطين)(4)، فَبَدَلاً من أن يكون شهراً يتخذ فيه المسلمُ فرصةَ تقييدِ شياطينِ الجنِّ ليتزوّد فيه من الطاعات يأبَى شياطينُ الإنسِ إلا أنْ يَنُوبُون عن إخوانهم من شياطين الجنِّ حتى جعلوا من هذا الشهر المبارك مَوسماً للتنافس في ترويج فسادهم وإفسادهم والعياذ بالله.
وقد ذكَر العلماءُ أنّ الحدَّ من شرِّ الشياطين في رمضان إنما هو للمؤمنين وليس للفجَرة، وإنما الفَجَرة يزداد فُجُورُهم في رمضان!.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الشياطين إنما تتمكَّن من بني آدم بسبب الشهوات، فإذا كفُّوا عن الشهوات صُفِّدت الشياطين (5).
واليوم يتوفّر في رمضان ويكثر إلى حدِّ الإسراف من الشهوات ما لا يكون في غيره من الأوقات، فهل تُصفّد الشياطين عن كلِّ أحد تصفيداً يُضعِف تمكُّنهم!.
(1) سورة الحج، الآية:18.
(2)
جامع العلوم والحكم، ص (188).
(3)
قال الله تبارك وتعالى عن أهل الجنة: {مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عينٍِ} (سورة الطور، آية: 20)، وأخرج البخاري برقم (3081) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم)، وأخرج البخاري (3149) ومسلم (2834) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خُلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء)، والآيات والأحاديث الصحيحة في ذكر (الحور العين) وأنهن أزواج مطهرات وخيرات حسان أعدهن الله لأهل الجنة أكثر من أن تحصر؛ ونعوذ بالله ممن استهزأ بالحور العين، وجعل من مُسماهن اسماً لمسلسل خبيثٍ مليء بالمنكرات وبخارقة شيطانية محرَّمة.
(4)
أخرجه البخاري برقم (3103) ومسلم برقم (1079) عن أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
(5)
أنظر: مجموع الفتاوى 14/ 167.
وقال شيخ الإسلام - أيضاً - عن الشياطين: (كما أنَّ كيدهم في شهر رمضان ضعيف إذْ كانوا فيه يُسَلْسلون ولكن لَم يبطُل فعلُهم بالكُلِّية بل ضعُف، فشرُّهم فيه على أهل الصَّوم قليل بخلاف أهل الشراب وأهل الظلمات فإن الشياطين هنالك مجالهم) انتهى (1).
إن الملاحظ في عصرنا هذا أن لرمضان عند كثير من الخلْق أهمية بالغة لشَغْله بفنون الباطل حتى اتُّخِذَ موسماً لذلك، فيتحصَّل فيه ما لا يتحصل في غيره! (2).
ثم إنَّ مَن يقرأ هذا الكتاب يعلم أنه يُعالِج أمراً كبيراً يُشْعِر مِن نفْسِه أنه واقع فيه أو مُقاربه، وهو قوة الطلب والإرادة للخيْراتِ الحِسان، ثم إنه إذا تفكَّر في السبب الذي دعاه لذلك عَلِمَ أنه تعظيم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ بوصفهن بما لا مزيد عليه من الجمال والكمال والْحُسْن والإحسان حتى احتاج إلى مَن يُنبِّهه إلى الفرقان بين محبة الرحمن وبين محبة هذه الْخَيْرات الحِسان؛ قال تعالى:{وَحُورٌ عِينٌ ? كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (3)، وقال سبحانه:{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (4)، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حُور الجنان بقوله:(ولو أن امرأة من نِساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لَمَلأت ما بينهما ريحاً، ولأَضاءت ما بينهما، ولَنَصِيفها - يعني الخِمَار - خيرٌ من الدنيا وما فيها)(5)، وغير ذلك من الوصف البليغ أيضاً.
فالخلاصة والنتيجة أن مَن هذا بعض شأنهن كيف يُشوَّهن ويُزدَريْن بأن يجعل من اسمهِنَّ الكريم اسماً لمسلسل في جهازٍ مُحرَّمٍ مليء بالمحرَّمات، وأين مالك بن دينار اليوم ليرى العار والشنار حيث وصَف نساء الجنة بما يليق ووصَف نساء الدنيا بالتحقيق!.
(1) النبوات، ص (422).
(2)
أنظر كتابنا (ثمار يانعة وتعليقات نافعة، ص 54).
(3)
سورة الواقعة، الآيات: 22 - 23.
(4)
سورة الرحمن، الآية:58.
(5)
رواه البخاري برقم (6199) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
وإليك قصة مالك مع ملك من ملوك البصرة وجاريته لتعتَبر في وضْع الشيء مواضعها وتعظيم السَّلَف لِمَا عظَّم الله تعالى، فقد رُوِي عن مالك بن دينار رحمه الله أنه كان يوماً ماشياً في أزقة البصرة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخدم، فلما رآها مالك نادى: أيتها الجارية أيبيعك مولاك؟!، قالت: كيف قلت يا شيخ؟!، قال: أيبيعك مولاك؟!، قالت: ولو باعني كان مثلك يشتريني!، قال: نعم، وخيراً منك، فَضَحِكت وأمَرَت أن يُحمل إلى دارها، فَحُمِل، فَدَخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمَرَ أن يَدخل إليه، فَدَخل، فأُلقيت له الهيبة في قلب السيد، فقال: ما حاجتك؟!، قال: بعني جاريتك؛ قال: أو تطيق أداء ثمنها؟!، قال: فثمنها عندي نواتان مَسُوِّسَتان، فضحكوا، وقالوا: كيف كان ثمنها عندك هذا؟!، قال: لكثرة عيوبها، قالوا: وما عيوبها؟!، قال: إن لَمْ تتعطَّر زَفِرَتْ، وإن لَم تَسْتك بَخِرَت، وإن لَم تَمْتشط وتدَّهِن قَمِلَت وشَعِثت، وإن تُعَمَّر عن قليل هَرِمت، ذاتِ حيض وبوْل وأقذار جَمَّة، ولعلها لا تودّك إلا لنفْسها، ولا تحبك إلا لشغَفِها بك، لا تفي بعهدك ولا تَصْدُق في وُدِّك، ولا يخلف عليها أحدٌ من بعدك إلا رأته مثلك، وأنا آخذ بدون ما سَأَلْتَ في جاريتك مِنَ الثمن جاريةً خُلِقَتْ من سُلَالَةِ الكافُور، لوْ مُزِجَ بِرِيقِها أجاجٌ لطابَ)، ثم قال: (ولو بدا مِعْصَمُها للشمس لأظلَمَت دونه، ولو بَدَا في الليل لَسَطَع نورُه، ولو واجهت الآفاق بِحُلِيها وحُلَلِها لتزخرَفَت، نَشَأَتْ بين رياض المسكِ والزَّعْفَرَانِ، وقُصرت في أكنانِ النعيم، وغُذِّيَتْ بماء التسنيم، فلا تُخْلِف عهدها، ولا يتبدل وُدّها، فأيهما أحقُّ بِرِفْعَة الثَّمن؟!، قال: التي وَصَفْت؛ قال: فإنها الموجودة الثمن القريبة الْمَخْطَب.
قال: فما ثَمَنها - رحمك الله -؟!؛ فذَكر له مالِك رحمه الله – عبادة ربه وبعضاً من خِصال الخير يفعلها، وقال:(وترفع هِمَّتك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعزِّ القنوع، وتأتي غداً إلى موقف الكرامة آمناً، وتنْزل غداً في الجنة مخلداً)، فقال الرجل: يا جارية .. أسمعت ما قال شيخنا هذا؟!، قالت: نعم، قال: أفَصَدَق أم كَذَب؟!، قالت: بل صدق وبَرَّ ونَصَح، قال:" فأنتِ إذاً حُرَّة لوجه الله ".
ثم تصدَّق بما تصدّق به من مالِه وقصَد لُزوم العبادة بعد اللَّهْو والغفلة حيث أثَّرَت به موعظةُ مالِك رحمه الله.
ثم قالت الجارية: " لا عيش لي بعدك مولاي! "، فودَّعهما مالك ودعا لهما، فتعبَّدا جميعاً حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة - رحمة الله عليهما -) انتهى (1).
وهكذا وضَع مالِك الأمورَ موْضِعها، ومَع أنَّ هذا الوضْع شَرْعيٌّ طبيعيٌّ فهو عقليٌّ أيضاً، وهذا تلازُم لا ينفك منه ولا جزءٌ يسير من أجزاء الدِّين المتصل بأمور الدنيا، وإنما الشأن في التَّفَكُّر السليم ولزوم الصراط المستقيم، فكما ظهَر لك مِن وصْف مالك رحمه الله لنساء الدنيا ونساء الجنة فَمَا عليك إلا أن تسْحبَ ذَيْلَ هذا المقياس على الدنيا وما فيها والجنة وما فيها ليتجلَّى لك الفرقُ والفرقانُ، وتنقشع عن قلبك زخارفُ الخيَال وأمانيّ الشيطان.
(1) بتصرف يسير من (كتاب التوابين) لابن قدامة، ص (146).
وهذا كله في مجال المواد المخلوقة في العالَم السُّفلي والعالَم العلوي؛ أمَّا إن سَمَت رُوحُك فوق ذلك كله فقد عرَفت معنى قول ابن القيم رحمه الله في صفات الملِك جل جلاله:
وهُوَ الجميلُ علَى الحقيقةِ كيفَ لَا!
…
وَجَمَالُ سَائِرِ هَذِهِ الأكوَانِ
مِنْ بعضِ آثارِ الجميلِ فربُّهَا
…
أولى وأجدَرُ عِندَ ذِي العِرْفَانِ (1) 1).
وعَرفت معنى البيت الثالث من الأبيات التالية المأخوذة من ميميته رحمه الله في وصف (الحور العين):
…
تَقَسَّمَ مِنها الْحُسْنُ في جَمْعِ وَاحِدٍ
…
فَيَا عَجَباً مِنْ وَاحِدٍ يَتَقَسَّمُ!
لهَا فِرَقٌ شَتَّى مِنَ الْحُسْنِ أَجْمَعَتْ
…
بِجُمْلَتِهَا أَنَّ السُّلُوَّ مُحَرَّمُ
تُذَكِّرُ بالرَّحْمَنِ مَنْ كَانَ نَاظِراً
…
فَيَنْطِقُ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَتَلَعْثَمُ (2)
…
.
(1) الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية – القصيدة النونية -، ص (114).
(2)
ميمية ابن القيم، ص (16).
ونسأل الله أن يجعل كيدَ من يَهزؤون بثوابه وعقابه في نحورهم، وأن يرينا بهم عجائب قدرته ويكفينا والمسلمين شرورهم.
كما نسأله تعالى بما سأله عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم أن يرزقنا لذةَ النظرِ إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضره ولا فتنة مضلة، وأن يزينا بزينة الإيمان ويجعلنا هداةً مهتدين (1) .. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً.
عبد الكريم بن صالح الحميد
بريدة - ربيع الأول، رمضان / 1426هـ
(1) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الدعَوَات: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصْدَ في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يبيد، وقرةَ عَيْنٍ لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذةَ النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين) رواه النسائي في المجتبى برقم (1305) وسننه الكبرى برقم (1228)، وابن حبان في صحيحه 5/ 305، والطبراني في الدعاء برقم (624)؛ فعلى المسلم أن يكثر من هذا الدعاء العظيم فهو دعاء جامع شامل، نسأل الله تبارك وتعالى أن لا يحرمنا فضله وخيرَ ما عنده، وأن يملأ قلوبنا بخشيته ومعرفته وحُبِّه والشوق إليه، وأن يقر أعيننا برؤية وجهه الكريم.