المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المراد من العبودية لله عز وجل - منازل الحور العين في قلوب العارفين برب العالمين

[عبد الكريم الحميد]

الفصل: ‌ المراد من العبودية لله عز وجل

وكلام ابن القيم وأهل العلم في ذلك واضح في أن‌

‌ المراد من العبودية لله عز وجل

تفريغ القلب من المحبوبِ المزاحمِ الدخيلِ الطارئ ليبقى القلبُ على الفطرةِ وهي محبة الله بلا مُشارك والتي غذاؤها واستنارتها بالشِّرْعة.

قال فتح بن شَخرف: دخلت على ذي النون عند موته فقلت له: كيف تجدك؟!، فقال:

أموتُ وما ماتتْ إليكَ صبابتي

ولا رَوِيَتْ مِن صدقِ حُبِّكَ أوْطاري

مُنايَ المُنى كلّ المنى أنتَ لي مُنى

وأنت الغِنى كلّ الغِنى عندَ إقتاري

وأنت مَدى سُؤْلي وغايةُ رغبتي

ومَوِْضعُ آمالي ومكنون إضْماري (1)

قال أبو الأشهب السائح: بينا أنا في الطواف إذا بجويْرية قد تعلقتْ بأستار الكعبة وهي تقول: (يا وَحْشتي بعد الأُنس، ويا ذُلِّي بعد العزّ، ويا فقري بعد الغِنى)، فقلت لها: مالكِ؟!، أذَهبَ لكِ مال أو أُصِبْتِ بمصيبة؟!، قالت:(لا، ولكن كان لي قلب فَفَقدته). قلت: هذه مصيبتكِ؟!، قالت:(وأيّ مصيبة أعظم من فقْد القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟!)، فقلت لها: إن حُسْنَ صوتكِ قد عَطّل على مَن سمع الكلام الطواف!. فقالت: (يا شيخ!، البيت بيتُك أم بيتُه؟!) قلت: بل بيتُه. فقالت: (فالحرم حَرَمُك أم حرَمُه؟!) قلت: بل حَرَمُه. فقالت: (فَدَعْنا

(1) صفة الصفوة، 4/ 320.

ص: 73

نتدلّل عليه على قدْر ما اسْتَزارنا إليه)؛ ثم قالت: (بحبكَ لي إلاّ ردَدْتَ عليَّ قلبي)؛ قال: فقلت: مِن أين تعلمين أنه يحبك؟!، فقالت:(جَيَّش من أجْلي الجيوش، وأنفق الأموال، وأخرجني من دار الشرك وأدخلني في التوحيد، وعَرَّفني نفْسَه بعد جهلي إياه، فهل هذا إلاّ لِعِناية!)، قلت: كيف حبك له؟!، قالت:(أعظم شيء وأجَلّه)(1).

قال الإمام الجنيد رحمه الله: (حججت على الوحدة فجاوَرْتُ بِمَكة، فكنتُ إذا جَنَّ الليل دخلت الطواف، فإذا أنا بجارية تطوف وتقول:

أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمتُه

فأصبح عندي قد أناخَ وطنَّبا (2)

إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكْرهِ

وإنْ رُمْتُ قرباً من حبيبي تقرّبا

قال: فقلت لها: يا جارية أما تتقين الله تعالى؟!، في مثل هذا المكان تتكلمين بمثل هذا الكلام؟!، فالتفتتْ إليّ وقالت: يا جنيد!:

لَوْلَا التُّقى لَمْ تَرَني

أهْجُرُ طِيبَ الوَسَنِ

إنَّ التُّقَى شَرّدَني

كَمَا ترَى عَنْ وَطَنِي

أفِرُّ مِنْ وَجْدي بِهِ

فَحُبُّهُ هَيَّمَنِي

ثم قالت: يا جنيد!، تطوف بالبيت أم برب البيت؟!، فقلت: أطوف

(1) المصدر السابق 4/ 419.

(2)

طنّب: أي أقام، ويُقال: طنب بالمكان: أي أقام به. أنظر لسان العرب لابن منظور 1/ 562.

ص: 74

بالبيت؛ فرفعتْ رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلْقٌ كالأحجار يطوفون بالأحجار!. ثم أنشأتْ تقول:

يطوفونَ بالأحجارِ يَبْغونَ قُرْبةً

إليكَ وهُمْ أقسى قلوباً مِنَ الصَّخْرِ

وتاهوا فلمْ يدْروا مِنَ التِّيهِ مَنْ هُمُ

وخلُّوا محلّ القُربِ في باطنِ الفكْرِ

فلَوْ أخلصوا في الوُدِّ غابَتْ صِفاتهم

وقامتْ صِفاتُ الوُدِّ للحقِّ بالذِّكر

قال الجنيد: فغُشي عليّ من قولها!، فلما أفقتُ لم أرَها) انتهى (1).

وقال سَري السقطي رحمه الله: (بَدَوْتُ (2) يوماً من الأيام وأنا حَدَث، فطاب وقتي وجُنّ علي الليل وأنا بفناء جبل لا أنيس به، فناداني منادٍ من جوف الجبل: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فَوْت المحبوب!؛ قال: فتعجبت، وقلت: جِنى يناديني أم إنسي؟!؛ قال: بل جني مؤمن بالله عز وجل ومعي إخواني؛ قال: قلت: فهل عندهم ما عندك؟!، قال: نعم وزيادة؛ قال: فناداني الثاني منهم: لا تذهب من البدن الفتْرة إلا بدوَام الغُربة؛ قال: فقلت في نفسي: ما أبْلَغَ كلامهم؛ فناداني الثالث منهم: مَن أنِسَ به في الظلام لا يبقى له اهْتمام؛ قال: فصعقت!، فما أفقتُ إلاّ برائحة الطيب وإذا نرْجسة على صدري، فشممتها فأفقت، فقلتُ: وصية يرحمكم الله جميعاً؟!.

(1) المصدر السابق.

(2)

بدَوْت: أي خرجت إلى البادية. أنظر لسان العرب 14/ 67.

ص: 75

فقالوا جميعاً: " أبى الله أن تحيا به إلاّ قلوب المتقين، فمن طَمِعَ في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، ومَن تبع طبيباً مريضاً دامتْ عِلّته " وَوَدّعوني ومَضوْا، وقد أتى عليّ حِينٌ ولا أزال أرى بركة كلامهم موجودة في خاطري) انتهى (1)، ويا لها من موعظة!، فالتقوى وصية الله لعباده وهي وصية الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لأممهم، وبها يَنال العبد رفيع الأحوال، ويبلغ غاية الآمال.

وحيث إنه قد تبَيَّن موضوعُ هذا الكتاب فالسؤال الوارد الآن هو: هل من تحقيق المعرفة بالله جل جلاله والصدق والإخلاص في إرادة وجهه الكريم والقرب منه ومحبته والشوق إليه أن يكون الغالب على فِكْرِ العبد إذا تفكَّر والسابقُ إلى قلبه في الإرادة والطلب نساءُ الجنةِ من الحوُرِ، وكذلك ما فيها من المآكل والمشارب والمساكن والقصور؟!.

لقد ظَهَرَ لكَ أن هذا عند العارفين بمعبودهم الحقِّ قُصُور!، وإننا لو أنصفنا لعرفنا، فهل نَظَرْنا وتَدَبَّرْنا وتَفَكَّرْنا إذا حصَلَ عندما نَمُرّ بآيةٍ من آيات صفاتِ الإله جل جلاله أو حديثٍ ممَّا يفتح بابَ معرفته ومحبته سبحانه يكون كنظرنا وتدبرنا وتفكرنا إذا حصل عندما نَمُرّ بآيةٍ أو حديثٍ فيه وصف الحور والمآكل والمشارب والقصور؟!.

هذا ميزانٌ يَصْدُقُكَ في التفكُّرِ المقيَّد وكذلك التفكُّر الْمُطْلَق!.

(1) صفة الصفوة، 4/ 446.

ص: 76

ولا شك أن من الجفاء مع الله تبارك وتعالى إشغال النفْس بغيره من حُبٍّ له وشوقٍ إليه كعدم الوقوف عند ما يَرِد من الآياتِ والأحاديثِ من صفاته وأسمائه الحسنى وتدبر ذلك وتأمله مما يفتح باب معرفته وحُبّه عز وجل، وقد عاتب الله تعالى مَنْ هَذِه حَالُه حيث جاء في الأثر أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام:(قل لشُبَّان بني إسرائيل: لِمَ تشغلون نفوسكم بغيري؟!، ماهذا الَجَفَاء (1)؟! .. ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقاً إليَّ وانقطعت أوصالهم من محبتي! .. هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين عليَّ!) (2)، فتأمل!.

وقد تكلم ابن القيم – رحمه الله – في كتابه النَّفِيس (مدارج السالكين) عن منزلة الإخلاص بكلام عظيم القدْر، واتصاله وثيق في موضوع هذا الكتاب؛ ومن كلامه – رحمه الله – قوله:(يَعْرِض للعامل في عمله ثلاث آفات: رؤيته وملاحظته، وطلب العِوَض – أي الأجْر - عليه، ورضاه به وسكونه إليه)(3)، ثم ذكر علاج هذه الأمراض وكيف يتخلص منها العبد ليخلص عمله لربه؛ ونحن وإن كان لنا من هذه الآفات النصيب الأوفر لقلة العلم بالله وعبوديته في زماننا وقواطع الذنوب لكن المراد هنا الآفة الثانية لاتصال معناها مباشرة بموضوع الكتاب، فقد قال رحمه الله في علاج

(1) الْجَفَاءُ بفتح الجيم، وهو: البُعد عن الشيء وترك صِلَتِه. أنظر لسان العرب 14/ 148.

(2)

أورده ابن القيم في كتابه (روضة المحبين) ص (438).

(3)

مدارج السالكين، 2/ 92.

ص: 77

هذه الآفة: (والذي يُخلِّصُه من طلب العِوَض على العمل عِلْمُه بأنه عبدٌ مَحْض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيِّدِهِ عِوَضاً ولا أُجْرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فَمَا يناله مِن سيِّدهِ من الأجر والثواب تفضُّل منه وإحسان إليه وإنعام عليه لا معاوَضة، إذِ الأُجْرَة إنما يستحقها الْحُرُّ أو عبدُ الغير، فأمَّا عبد ربِّهِ فَلَا) انتهى (1).

لقد كان اهتمامُ السَّلَف في معرفة معبودهم سبحانه وتصحيح عبوديته أكبر هَمِّهم وأعظم شُغلهم، ومن هنا ارتفعت مقاماتهم وصَلُحَت أعمالهم.

ولذلك يقول ابن القيم: (فمِنْ أنفع ما للقلب النظر في حقِّ الله على العبد، فإن ذلك يورثه مَقْتَ نفْسِه والإزراء عليها ويُخَلِّصه من العُجْب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذُّلّ والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته)(2).

ثم قال – رحمه الله: (فهذا مَحَل نظَر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفُسِهِم وعلَّقَ رجاءهم كلَّه بعفوِ الله ورحمته، وإذا تأملتَ حالَ أكثرِ الناس وجدتهم بضد ذلك ينظرون في حقهم على الله ولا ينظرون في حقِّ الله عليهم!) انتهى (3).

(1) مدارج السالكين، 2/ 92.

(2)

إغاثة اللهفان، 1/ 88.

(3)

المصدر السابق.

ص: 78