الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل الثاني وقفات سريعة حول خطبة الجمعة]
الفصل الثاني
وقفات سريعة حول خطبة الجمعة إِن خطبة الجمعة وسيلة هامَّة من وسائل الإِرشاد والتقويم والتذكير، حيث إِنها معنيَّة بمخاطبة مجموعة كبيرة من الناس في يوم مخصوص وساعة مخصوصة، وهم يتفاوتون في مستوياتهم الإِيمانية والعقلية والفكرية والثقافية والسلوكية، ويتباينون كذلك في الالتزام والتقوى والاستجابة والتأثر لما يقوله الخطيب، زد على ذلك تعدّد المشكلات وتنوع القضايا التي يطرقها الخطيب في كل جمعة، كما أن خطبة الجمعة فرصة ثمينة له تتكرر مرة كل أسبوع، للتأثير على ذلك العدد الضخم من الناس الذين يأتون راغبين غير مجبرين، ولكلِّ ذلك وجب على كل خطيب أن يجتهد في إِعداد خطبته وتنقيحها وتجويدها حتى تحقق أهدافها المرجوَّة، وممِّا يزيد في أهميتها أن النبي صلوات الله وسلامه عليه نهى عن اللغو والإِمام يخطب، وعد من اللغو قول:(انصت)، ففي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا قلت
أنصت والإِمام يخطب فقد لغوت» (1) .
ومن أجل ذلك أقف هنا وقفات سريعة حول خطبة الجمعة وأهمية تجويدها وإيقانها قلبا وقالبا، شكلا ومضمونا فيما يأتي:
الوقفة الأولى: إعداد الخطبة إِن حسن إِعداد الخطبة، وترتيب أفكارها، ووحدة موضوعها ممَّا ينتج المعاني المتناسقة، والألفاظ المناسبة والسبك الرائع، والأداء القوي المشرق، فلا يستطيع الخطيب أن يلقي خطبته مكتملة العناصر، رائعة التعبير، إِلا بعد إِعداد سابق حيث يخلو الخطيب بمكتبته ومطالعاته فيختار منها ما يناسب موضوع الخطبة، ثم يرتّبه ويختار له العبارات المناسبة التي تمنح خطبته تأثيرا وجمالا.
وظاهرة الإِعداد ليست دليلا على ضعف الخطيب،
(1) رواه أبو داود في سننه برقم 1112 من كتاب الصلاة باب الكلام والإمام يخطب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقلة زاده العلمي، بل هي إِشارة إلى مدى اهتمامه بموضوع خطبته وبالذين يؤمُّون مسجده ويستمعون إِليه وينتظرون منه الفائدة. إِذ لو أنه ارتجل خطبته ولم يعدّ أفكارها ومعانيها لجاءت عاجزة عن معالجة الموضوع الذي يتناوله بصورة محكمة، ولربما تلجلج لسانه، واختلطت في ذهنه المعاني، واضطربت على لسانه الألفاظ فيتلعثهم ويُرْتَج عليه ممَّا يؤدي إِلى انتزاع ثقة مستمعيه به، بخلاف الإِعداد والتهيؤ فإِن من ثمراته زرع الثقة به من الناس لأنهم يلمسون في كلامه آثار العناية والتجويد، والحرص على الإِفادة من خلال الأفكار الناضجة، والمعاني الخصبة المتناسقة والألفاظ المعبرة التي يسوقها إِليهم عبر خطبته.
الوقفة الثانية: وحدة موضوعها ووحدة موضوع الخطبة تُعدُّ ميزةً طيبة فيها إِذ تجعل الخطيب يركز ذهنه علىَ استجماع عناصر الموضوع الواحد دون التشتت في موضوعات مختلفة ممِّا يورث
الإِملال والسآمة لدى الناس ويجعلهم في حيرة من أمرهم، وقد تزدحم الموضوعات في هذه الحالة لكثرتها فلا يعلق بذهن المصلي شيء منها، أمَّا وحدة موضوع الخطبة فإِنه يفيد السامعين ويجعلهم يخرجون بفكرة متكاملة عن الموضوع المطروح. فكلما اتحد موضوع الخطبة كلَما عمَّت الفائدة واختصر الوقت؛ وكلما تفرق موضوعها وتشتت كلّما انعدمت الفائدة وطال الوقت على المصلين فأورثهم السآمة والملل.
الوقفة الثالثة: لغة الخطبة وأسلوبها إِن الأصل في لغة الخطبة أن تكون عربية فصيحة بعيدة عن العامية، ولكن بأسلوب سهل مفهوم، ليس فيه مفردات غريبة يعجز السامعون عن إِدراكها، وبمقدار ما تكون تركيبات الخطبة وألفاظها سهلة حسنة السبك، جاريةً على قواعد العربية، خالية من التعقيد وتنافر الكلمات، مؤتلفة مع الجو العام للخطبة، متناسبةً مع المعاني المقصودة، من حيث طولها وقصرها فإِن الخطبة تكون قوية التأثير
جميلة العرض، محمودة الذكر، وأوقع في نفوس السامعين.
ولا بدَّ من التنويع في أسلوب الخطبة، والتلوين في ضروب التعبير، والانتقال من الأمر إِلى الاستفهام إِلى النهي إِلى التعجب إِلى الإِخبار ونحو ذلك، " الأمر الذي يجعل الخطبة متجددة العرض، منبهةً للأذهان، مسيطرةً على الأسماع، آخذةً مؤثرةً في النفوس (1) .
أما إِذا التزم الخطيب ضربا واحدا من ضروب التعبير فسوف ينجم عن ذلك حلول الملل والسآمة في نفوس المتلقين، وضجر الأسماع وانصرافها عن متابعة الخطبة، وربما تسرب النعاس والنوم إِلى أجفان كثير من المستمعين.
الوقفة الرابعة: الحكمة والبعد عن التجريح وإثارة الفتنة يغلب على خطبة الجمعة دائما طابع إِثارة العواطف، وتحريك المشاعر نحو الخير والفضيلة، وربط المستمعين بالله عز وجل وابتغاء ما عنده من المثوبة في الآخرة،
(1) " انظر خصائص الخطبة والخطيب تأليف نذير محمد مكتبي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 1 سنة 1409هـ - 1989م، ص 43.
وإنارة العقول في الأخذ بما أحل الله من متاع الدنيا وِالبعد عن المبالغة والإِسراف اتباعا لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32 - 33]
وإذا تجرد الخطيب من الحماسة وبردت عاطفته، وفتر شعوره انعدم تأثيره على أسماع المصلين، واستثارة عواطفهم، ثم ينشأ من ذلك انعزالهم عنه وانصراف عقولهم.
وقد أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إِذا خطب احمرَّتْ عيناه، وعلا صوته واشتدَّ غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومسَّاكم» (1) الحديث.
(1) انظر الحديث بتمامه في صحيح مسلم رقم 867 في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة.
لكن ينبغي أن يعلم أن حماسة الخطيب في خطبته يجب أن تكون منضبطة ومتزنة وملتزمة بالحكمة والتعقُّل والبعد عن إِثارة الفتنة أو التعرض لأناس بأعيانهم، والنيل منهم بطريقة نابية تشمئز منها النفوس وتنفر منها الطباع السليمة، والعقول السوَّية، كما يجب عدم التشهير بالعصاة من فوق أعواد المنبر، فإِن الولوغ في أعراض الناس ونهشها أمر قبيح لا يقرُّه من عنده أثارة من دين أو عقل أو أدب، بل إِن ذلك بعيد كُلَّ البعد عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف عنه أنه شهَّر بأحد أو جرَّحه، وإنما يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا.
ففي التلميح ما يغني عن التصريح، وفي التعميم ما يغني عن التخصيص، والتجريحُ والتشهيرُ فوق المنبر سوءُ أدب مع المستمع وتوبيخ لصاحب المعصية ممَّا يؤدي به إِلى الإِعراض عن النصيحة والتمادي في الخطأ وفي ذلك يقول الإِمام الشافعي رحمه الله:
تعمَّدْني بنُصْحك في انفرادي
…
وجَنِّبني النصيحة في الجماعةْ
فإن النُّصْح بَيْنَ الناس نوعٌ
…
من التَّوبيخ لا أرضى اسْتَمَاعَهْ
وإِنْ خالفْتَنيِ وعَصَيْتَ قولي
…
فلا تجزع إِذا لم تُعْطَ طَاعَهْ (1)
الوقفة الخامسة: الارتجال والخطبة من ورقة لا شك أن ارتجال الخطبة أوقع أثرا في نفوس السامعين ممَّا لو قرئت من كتاب أو ورقة. لكنَّ الحكم في هذه المسألة نسبي. فقد يرتجل خطيب خطبته دون إِعداد مسبق ولا اطّلاع كاف حول الموضوع المراد، فيقع في الارتباك والتخبط والحيرة، ويذهب بالناس إِلى مسالك متعددة من الكلام، ولا رابط بينها ولا ضابط فيملُّونه ويتضجرون من طريقته، لكن إِذا وجدت الجرأة الكافية
(1) الشافعي شعره وأدبه، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر، مطابع الإشعاع بالرياض غير موضح سنة الطبع ص 116.
عند الخطيب على الارتجال مع الإِعداد المسبق وترتيب المعاني والأفكار، والقدرة على استحضار الآيات الكريمة والأحاديث النبوية والقصص المناسبة، فلا ريب أن الارتجال في هذا الموقف أجمل وأحسن من القراءة في ورقة أو الارتجال دون إِعداد تام.
وفي المقابل قد يوجد خطيب متمكن من طرائق الصياغة وحسن الإِلقاء والإِعداد البارع الذي يستوفي عناصر الموضوع، فيستلب الألباب بجمال إِلقائه وترابط موضوعه حتى ولو قرأ الخطبة من ورقة، ويأتي خطيب آخر ليست عنده أدنى حصيلة من العلم ولا موهبة الإِلقاء، فيقرأ على الناس خطبَةَ كيفما اتفق لا يراعي فيها جمال الإِلقاء ولا قوة الأسلوب.
وأخلص إِلى القول بأن الارتجال جميل في موطن وقبيح في آخر، وكذا الخطبة من ورقة تحسن في موقف ولا تحسن في آخر.
ويجدر بي الإِشارة إِلى أن الارتجال المتقن في
الخطب لا يجيده إِلا صاحب الموهبة الراسخة والتجربة العميقة، والخبرة الدقيقة في مجال الخطابة ممَّن هو فصيح اللسان، جريء القلب، غزير الاطلاع، قويّ الذاكرة، سريع البديهة، ثريُّ اللغة، واثق النفس.
وأمَّا من كان فاقد الجرأة على مواجهة الناس، ضعيفا خائر القلب، ضحل المعارف، كثير النسيان، هزيل البيان فإِنه لن يجرؤ على الارتجال، لأن رهبة موقفه، وهيبة مقامه يجعلان الأفكار تشرد عن ذهنه، والكلمات تعزب عن لسانه، فيتلجلج على منبره، ويخفق في حديثه ويضحي مجالا للتندُّر والسخرية.
الوقفة السادسة: الاستشهاد في الخطبة إِن أَيَّة فكرة يودّ أن يطرحها خطيب على المصلين لا تجد وقعا في نفوسهم وقبولا كاملا في عقولهم ما لم يدعمها ويعضدها بالشواهد المناسبة التي تكسبه اطمئنان قلوبهم، وعمق ثقتهم، لأن الشاهد المناسب يعدُّ قوة لترسيخ الأفكار الواردة في الخطبة وتثبيتها في
قلوب الناس وعقولهم.
ونجد أن ثقة المستمعين وتصديقهم يتدرجان بتدرّج منزلة من ينسب إِليه القول المستشهد به فكلام الله سبحانه يحتلّ المنزلة العليا في ثقة الناس واعتقادهم، لأنه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويستحيل أن يتطرق إِليه أيُّ تحريف، فهو محفوظ بحفظ الله سبحانه له إِلى أن تقوم الساعة كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]
ثم يأتي بعد ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح، فإِنه ينال المنزلة الكريمة في ثقة الناس وتصديقهم، وبعده أقوال الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح من التابعين وتابعيهم؛ ويمكن للخطيب أن يسوق القصة المناسبة لموضوعه ويضرب المثل؛ ليبعث في نفوس السامعين النشاط وعدم الملل ويلفت انتباههم إِلى الموضوع، إِلى جانب الاستشهاد بالأبيات الشعرية المؤثرة مما يضفي على الخطبة لونا من الحركة والحيوية.