المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب موات الأرض - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌باب موات الأرض

‌بَابٌ مَوَاتُ الْأَرْضِ

مَوَاتُ الْأَرْضِ. مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ

ــ

[منح الجليل]

الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ طَلَبُ الْآبِقِ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ فِيهِ إلَّا بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجَهْلِ بِمَحَلِّهِ وَمَنْ عَلِمَهُ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَهُوَ غَارٌّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْعُولُ لَهُ فِي الْآبِقِ أَوْ الضَّالَّةِ عَالِمًا بِمَحَلِّهِ دُونَ الْجَاعِلِ، فَلَهُ إمْضَاءُ الْجُعْلِ وَرَدُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَلَهُ الْأَقَلُّ قِيمَةُ عَنَائِهِ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْمُسَمَّى، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْجَاعِلُ هُوَ الْكَاتِمُ مَوْضِعَ الْعَبْدِ أَوْ الضَّالَّةِ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ عَنَائِهِ أَوْ الْمُسَمَّى.

الرَّابِعُ: إذَا كَانَ الْآبِقُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْلَ فَلْيَرْفَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ أَمْرَهُ لِلْقَاضِي لِيَبِيعَهُ وَيَحْكُمَ بِجُعْلِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْجُعْلِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ.

[بَاب مَوَاتُ الْأَرْضِ]

(بَابٌ) فِي بَيَانِ الْمَوَاتِ وَإِحْيَائِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (مَوَاتُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مَوَتَانٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ وَمَيْتَةٌ. وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَوْتَانُ بِضَمِّهَا فَهُمَا الْمَوْتُ الذَّرِيعُ، أَيْ حَقِيقَةُ مَوَاتِ (الْأَرْضِ مَا) أَيْ أَرْضٍ جِنْسٍ شَمِلَ كُلَّ أَرْضٍ (سَلِمَ) جَرَّدَهُ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَا، أَيْ خَلَا (عَنْ الِاخْتِصَاصِ) أَيْ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِأَحَدٍ، فَصْلٌ مُخْرِجٌ غَيْرَ الْمَوَاتِ. ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَائِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا وَمَوَاتُ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر: 9] فَاطِرٌ، فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبُورِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَتَبِعَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ الْغَزَالِيَّ، وَتَرَكَا رِوَايَةَ ابْنِ غَانِمٍ، وَهِيَ أَجْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ مَدْلُولِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَمُوجِبِهِ.

ص: 72

بِعِمَارَةٍ

ــ

[منح الجليل]

طفي هَذَا التَّعْرِيفُ لِلْغَزَالِيِّ ارْتَكَبَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْمَوَاتَ بِالسَّالِمِ عَنْ الِاخْتِصَاصِ وَالِاخْتِصَاصُ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ لَا تَكُونُ الْأَرْضُ غَيْرَ مَوَاتٍ إلَّا بِاسْتِيفَائِهَا. ابْنُ شَاسٍ الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ أَنْوَاعٌ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْوَاعَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ لَا يُسَمَّى مَوَاتًا، وَهُوَ يُخَالِفُ قَوْلَهُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَى الْإِحْيَاءِ. الْمَوَاتُ قِسْمَانِ: قَرِيبٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَبَعِيدٌ، فَالْقَرِيبُ يَفْتَقِرُ إحْيَاؤُهُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ لِوُقُوعِ التَّشَاحِّ فِيهِ، بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ مَا خَرَجَ عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعِمَارَةِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى إلَخْ، وَكَذَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ يُطْلِقُونَ عَلَى الْحَرِيمِ مَوَاتًا قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، فَاعْجَبْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ كَيْفَ ارْتَكَبُوا هَذَا الْحَدَّ وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِكَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لِكَلَامِهِمْ،، فَالصَّوَابُ فِي تَعْرِيفِ الْمَوَاتِ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُعَمَّرْ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ، وَالْمُحَيَّاةُ مَا عُمِّرَتْ، وَالْإِحْيَاءُ التَّعْمِيرُ.

الْبُنَانِيُّ وَفِي التَّوْضِيحِ إشَارَةٌ إلَى نَحْوِ هَذَا الْإِيرَادِ عِنْدَ تَقْسِيمِ الْمَوَاتِ إلَى قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِجَعْلِ قَوْلِهِ بِعِمَارَةٍ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، فَيَخْرُجُ بِهِ كُلُّ مَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِغَيْرِ الْعِمَارَةِ كَالْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَمَا أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ إلَخْ مُبَالَغَةً عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَمَّرَ لَيْسَ بِمَوَاتٍ، وَيُقَدَّرُ لِقَوْلِهِ وَبِحَرِيمِهَا عَامِلٌ يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ فَيَخْرُجُ بِهِ كَذَا فِي نُسْخَةِ الْبُنَانِيِّ الَّتِي بِيَدِي، وَصَوَابُهُ يَدْخُلُ، إذْ الْمَقْصُودُ إدْخَالُ الْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَالْمُقْطَعِ فِي الْمَوَاتِ، وَلِأَنَّ قَيْدَ الْقَيْدِ لِلْإِدْخَالِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. الْحَطّ وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِتَعْرِيفِ الْمَوَاتَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ فَلِتَقَدُّمِهِ طَبْعًا قَدَّمَهُ وَضْعًا، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ وَاحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادُّ الْمَوَاتِ، فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ بَعْدَهُ.

وَصِلَةُ الِاخْتِصَاصِ (بِعِمَارَةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَعْمِيرٍ، فَالْأَرْضُ الْمُعَمَّرَةُ لَيْسَتْ

ص: 73

وَلَوْ انْدَرَسَتْ، إلَّا لِإِحْيَاءٍ.

ــ

[منح الجليل]

مَوَاتًا إنْ بَقِيَتْ الْعِمَارَةُ، بَلْ (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) أَيْ فَنِيَتْ الْعِمَارَةُ وَعَادَتْ الْأَرْضُ لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ تَعْمِيرِهَا فَلَا يَزُولُ اخْتِصَاصُ مُحْيِيهَا عَنْهَا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِإِحْيَاءٍ) مِنْ شَخْصٍ آخَرَ بَعْدَ طُولِ انْدِرَاسِ عِمَارَةِ الْأَوَّلِ، فَيَزُولُ اخْتِصَاصُ الْأَوَّلِ وَيَخْتَصُّ الثَّانِي بِهَا، فِيهَا مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى دَثَرَتْ وَطَالَ زَمَانُهَا وَهَلَكَتْ أَشْجَارُهَا وَتَهَدَّمَتْ آبَارُهَا وَعَادَتْ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ فَهِيَ لِمُحْيِيهَا آخِرًا. ابْنُ يُونُسَ قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَالَ زَمَانُهُ ثُمَّ صَادَهُ آخَرُ فَهُوَ لِلثَّانِي.

قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا إذَا أَحْيَا فِي غَيْرِ أَصْلٍ كَانَ لَهُ، فَأَمَّا مَنْ مَلَكَ أَرْضًا بِخِطَّةٍ أَوْ شِرَاءٍ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَهَا. الْبَاجِيَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا ثُمَّ انْدَرَسَتْ فَلَا يَرْتَفِعُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِانْدِرَاسِهَا اتِّفَاقًا. ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ بِهَا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ انْدِرَاسِهَا وَعَوْدِهَا لِحَالِهَا الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهَا الثَّانِي بِحِدْثَانِ انْدِرَاسِهَا وَعَوْدِهَا لِحَالِهَا الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً لِلشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا مَنْقُوضَةً بَعْدَ يَمِينِ الْأَوَّلِ إنْ تَرَكَهُ إيَّاهَا لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لَهَا، وَأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا إعَادَتَهَا الْحَطّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ عِلْمِ أَوَّلِ عِمَارَةِ الثَّانِي وَسُكُوتِهِ، وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى إسْلَامِهِ إيَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يُفِيدُهُ نَقْلُهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ الْعِمَارَةَ تَارَةً تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ إحْيَاءٍ، وَتَارَةً عَنْ مِلْكٍ، وَيَحْصُلُ الِاخْتِصَاصُ بِهَا إذَا لَمْ تَنْدَرِسْ فِي الْقِسْمَيْنِ، فَإِنْ انْدَرَسَتْ فَإِنْ كَانَتْ عَنْ مِلْكٍ كَإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ فَالِاخْتِصَاصُ بَاقٍ اتِّفَاقًا خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ، وَلَوْ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ انْدَرَسَتْ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ إحْيَاءٍ فَهَلْ الِاخْتِصَاصُ بَاقٍ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَعَلَى الثَّانِي دَرَجَ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِطُولِ زَمَنِ الِانْدِرَاسِ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَقَوْلُهُ بِعِمَارَةٍ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ مِلْكٍ أَوْ إحْيَاءٍ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ انْدَرَسَتْ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ فَقَطْ لَا لِلْإِشَارَةِ لِلْخِلَافِ، فَلَوْ عَبَّرَ بِأَنْ كَانَ أَوْفَقَ بِاصْطِلَاحِهِ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِإِحْيَاءٍ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ إلَّا الْعِمَارَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ إحْيَاءٍ فَانْدِرَاسُهَا يُخْرِجُهَا عَنْ

ص: 74

وَبِحَرِيمِهَا. كَمُحْتَطَبٍ. وَمَرْعًى. يُلْحَقُ غُدُوًّا، وَرَوَاحًا

ــ

[منح الجليل]

مِلْكِ مُحْيِيهَا، وَبِهَذَا يُوَافِقُ كَلَامُهُ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَضَيْحٍ.

ابْنُ الْحَاجِبِ وَالِاخْتِصَاصُ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ الْعِمَارَةُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ، فَإِنْ كَانَتْ عِمَارَةَ إحْيَاءٍ فَانْدَرَسَتْ فَقَوْلَانِ. قَالَ فِي ضَيْحٍ مُرَادُهُ عِمَارَةُ مِلْكٍ لِمُقَابِلَتِهَا بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ عِمَارَةَ إحْيَاءٍ فَقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ انْدِرَاسَهَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِ مُحْيِيهَا فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِيَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَالثَّانِي: لِسَحْنُونٍ أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ وَإِنْ أَعْمَرَهَا غَيْرُهُ حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى عَنْهُ ثَالِثٌ إنْ كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ الْعُمْرَانِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدًا، فَالثَّانِي أَوْلَى بِهَا قَالَ، وَقَوْلُهُ عِنْدِي صَحِيحٌ عَلَى مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا قَرُبَ لَا يُحْيَا إلَّا بِقَطْعِهِ مِنْ الْإِمَامِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا، وَسَأَلَ ابْنُ عَبْدُوسٍ سَحْنُونًا هَلْ تُشْبِهُ هَذِهِ مَسْأَلَةَ الصَّيْدِ فَقَالَ لَا. الْبَاجِيَّ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّيْدَ لَوْ ابْتَاعَهُ ثُمَّ نَدَّ وَاسْتَوْحَشَ كَانَ لِمَنْ صَادَهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَتَبَوَّرَتْ فَأَحْيَاهَا غَيْرُهُ أَنَّهَا لِمُشْتَرِيهَا، ثُمَّ قَالَ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا الْعِمَارَةُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمِلْكِ كَافٍ فِي الِاخْتِصَاصِ لَا يَفْتَقِرُ لِعِمَارَةٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لِيُقَسِّمَ الْعِمَارَةَ. اهـ. وَكَذَا يُقَالُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) يَكُونُ الِاخْتِصَاصُ أَيْضًا (بِحَرِيمِهَا) أَيْ بِسَبَبِ كَوْنِ الْأَرْضِ حَرِيمًا لِلْعِمَارَةِ. ابْنُ شَاسٍ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الِاخْتِصَاصِ أَنْ تَكُونَ حَرِيمُ عِمَارَةٍ فَيَخْتَصُّ بِهَا صَاحِبُ الْعِمَارَةِ، وَلَا يَمْلِكُ إلَّا بِإِحْيَاءٍ وَلَا يُحْيِي إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ قَرُبَ مِنْ الْعِمَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَمَّا كَانَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (كَمُحْتَطَبٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَوْضِعِ قَطْعِ الْحَطَبِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لِلْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا (وَمَرْعًى) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ مَوْضِعِ رَعْيِ الدَّوَابِّ (يُلْحَقُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَصِلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ لِلِاحْتِطَابِ أَوْ الرَّعْيِ الْمُحْتَطَبَ وَالْمَرْعَى (غُدُوًّا) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْوَاوِ، أَيْ قَبْلَ زَوَالِ يَوْمِهِ.

(وَ) يَرْجِعُ مِنْهُ لِلْبَلَدِ (رَوَاحًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ قَبْلَ مَغِيبِ شَمْسِ يَوْمِهِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ

ص: 75

لِبَلَدٍ.

وَمَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ. وَلَا يَضُرُّ بِمَا لِبِئْرٍ.

ــ

[منح الجليل]

بِهِ فِي طَبْخِ الْعَشَاءِ وَنَحْوَهُ، وَبِحَلْبِ الدَّوَابِّ فِيهِ وَمَا لَا يَلْحَقُ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ حَرِيمًا وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ (لِبَلَدٍ) أُنْشِئَتْ بِمَوَاتٍ. ابْنِ شَاسٍ حَرِيمُ الْبَلَدِ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا بِحَيْثُ تَلْحَقُهُ مَوَاشِيهَا بِالرَّعْيِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا، وَهُوَ لَهُمْ مَسْرَحٌ وَمُحْتَطَبٌ فَهُوَ حَرِيمُهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ ابْنُ حَبِيبٍ الشَّعْرَاءُ الْمُجَاوِرَةُ لِلْقُرَى أَوْ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهُمَا لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَفَا مِنْ الْأَرْضِ الَّذِي هُوَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، إنَّمَا هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ كَالسَّاحَةِ لِلدُّورِ، وَإِنَّمَا الْعَفَا مَا بَعُدَ وَتُعُقِّبَ فَضْلُ قَوْلِهِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّعْرَاءِ فَقَالَ وَأَيْنَ يَقْطَعُ الْإِمَامُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشَّعْرَاءَ الْقَرِيبَةَ جِدًّا؛ لِأَنَّ إقْطَاعَهَا ضَرَرٌ فِي قَطْعِ مَرَافِقِهِمْ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِهَا لِقُرْبِهِمْ ابْنُ رُشْدٍ الْقَرِيبُ مِنْ الْعُمْرَانِ قِسْمَانِ الْقَرِيبُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي أُخِذَ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرٌ بِالطَّرِيقِ وَشَبَهِهِ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ، وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ وَنَحْوُهُ نَقَلَ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُنْظَرُ فِيمَا قَرُبَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ ضَرَرٌ فِي مَسْرَحٍ أَوْ مُحْتَطَبٍ مُنِعَ.

(وَ) كَ (مَا) بِالْقَصْرِ، أَيْ قَدْرٍ مِنْ الْأَرْضِ (لَا يُضَيِّقُ) مَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مُثَقَّلًا فَقَافٍ (عَلَى وَارِدِ) الْبِئْرَ مِنْ الدَّوَابِّ (وَلَا يَضُرُّ بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ بِتَنْشِيفٍ أَوْ تَنْقِيصٍ. " غ " كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ بِنَفْيِ الْفِعْلَيْنِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ رِوَايَتَانِ مَا لَا يَضُرُّ وَمَا يَضُرُّ. عِيَاضٌ كِلَاهُمَا صَوَابٌ فَمَا يَضُرُّ هُوَ حَرِيمُهَا وَمَا لَا يَضُرُّ هُوَ حَدُّ حَرِيمِهَا. ابْنُ يُونُسَ وَأَمَّا الْبِئْرُ فَلَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مَحْدُودٌ لِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ بِالرَّخَاوَةِ وَالصَّلَابَةِ، وَلَكِنَّ حَرِيمَهَا مَا لَا ضَرَرَ مَعَهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا لَا يَضُرُّ بِمَائِهَا وَلَا يُضَيِّقُ مَنَاخَ إبِلِهَا وَلَا مَرَابِضَ مَوَاشِيهَا عِنْدَ وُرُودِهَا وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا أَوْ يَبْنِيَ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ وَهَذَا حَرِيمٌ (لِبِئْرٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ لِسَقْيِ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا عِيَاضٌ حَرِيمُ الْبِئْرِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا يَحْدُثَ بِهَا مَا يَضُرُّ بِهَا لَا بَاطِنًا مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ يُنْقِصُ مَاءَهَا أَوْ يُذْهِبُهُ أَوْ يُغَيِّرُهُ بِطَرْحِ نَجَاسَةٍ فِيهِ يَصِلُ إلَيْهَا وَسَخُهَا وَلَا ظَاهِرًا كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ.

ص: 76

وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِنَخْلَةٍ.

وَمَطْرَحِ تُرَابٍ. وَمَصَبِّ مِيزَابٍ لِدَارٍ.

وَلَا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ. وَلِكُلٍّ. الِانْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ.

ــ

[منح الجليل]

وَ) كَ (مَا) بِالْقَصْرِ، أَيْ قَدْرٍ مِنْ الْأَرْضِ (فِيهِ مَصْلَحَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَنْفَعَةُ حَرِيمٍ بِالنِّسْبَةِ (لِنَخْلَةٍ) ابْنُ يُونُسَ سَأَلَ ابْنُ غَانِمٍ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ حَرِيمِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ قَدْرُ مَا يَرَى أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَتَهَا، وَيَتْرُكُ مَا أَضَرَّ بِهَا وَيَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَدْ قَالُوا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا إلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، وَذَلِكَ حَسَنٌ، وَسَأَلَ عَنْ الْكَرْمِ أَيْضًا فَقَالَ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَعَنْ كُلِّ شَجَرَةٍ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَلِكُلِّ شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا.

(وَ) كَ (مَطْرَحِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِهْمَالِ الْحَاءِ، أَيْ مَوْضِعِ طَرْحِ (تُرَابٍ وَ) كَ (مَصَبِّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ مَوْضِعِ مَاءٍ مَصْبُوبٍ مِنْ (مِيزَابٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَزَايٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ آلَةٍ مُجَوَّفَةٍ تُجْعَلُ فِي طَرَفِ سَطْحِ الدَّارِ يَنْزِلُ مِنْهَا الْمَاءُ الْمُجْتَمِعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا حَرِيمٌ (لِدَارٍ) مُنْشَأَةٍ فِي مَوَاتٍ ابْنُ شَاسٍ حَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ مِنْ مَطْرَحِ تُرَابٍ وَمَصَبِّ مِيزَابٍ.

ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ أَعْرِفْهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِحَالٍ إنَّمَا هُوَ لِلْغَزَالِيِّ لَكِنْ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا.

(وَلَا تَخْتَصُّ) دَارٌ (مَحْفُوفَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ الْأُولَى، أَيْ مَحُوطَةٌ (بِأَمْلَاكٍ) دُورٍ أَوْ غَيْرِهَا بِحَرِيمٍ (وَلِكُلٍّ) مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الَّتِي بَيْنَهَا سَاحَةٌ (الِانْتِفَاعُ) بِهَا وَضْعُ مَتَاعٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ رَبْطُ دَابَّةٍ (مَا لَمْ يَضُرَّ) بِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْلَاكِ الَّذِينَ لَهُمْ حَقٌّ فِيهَا. ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ لِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَسْوِيَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ بِمُجَرَّدِ عَطْفِهِ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى حَرِيمِهِ الْمُغَايِرَ لِمُسَمَّى مِلْكِهِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْفِنَاءِ وَلَيْسَ انْتِفَاعُهُ بِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِمِلْكِهِ، إذْ يَجُوزُ كِرَاءُ مِلْكِهِ

ص: 77

وَبِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ

وَلَا يُقْطِعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ مِلْكًا

ــ

[منح الجليل]

مُطْلَقًا. وَأَمَّا فِنَاؤُهُ فَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي انْتِفَاعُهُمْ بِهَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ أَنْ يُكْرُوهَا.

ابْنُ رُشْدٍ كُلُّ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ كُلِّيَّةٌ غَيْرُ صَادِقَةٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ، كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَبَيْتِ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَنَحْوِهِ وَفِنَاءِ الدَّارِ هُوَ مَا بَيْنَ يَدَيْ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ وَغَالِبًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا أَوْ غَيْرِهِ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخنَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ الْكَائِنُ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَسْمِ وَإِنْ قَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً. فَمَنْ صَارَتْ لَهُ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّهِ فَهِيَ لَهُ وَلَا تُعَدُّ مِنْ الْفِنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ لَهُمْ أَجْمَعِينَ الِانْتِفَاعُ بِهِ نَقَلَهُ " غ " قَالَ لِفَوَائِدِهِ وَأَمَّا الْمُنَاقَشَةُ فَأَمْرُهَا سَهْلٌ.

وَيَكُونُ الِاخْتِصَاصُ (بِ) سَبَبِ (إقْطَاعٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْقَافِ أَيْ إعْطَاءٍ مِنْ الْإِمَامِ أَرْضًا مَوَاتًا. ابْنُ شَاسٍ النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ الْإِقْطَاعُ فَإِذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَرْضًا كَانَتْ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا وَلَا عَمِلَ فِيهَا شَيْئًا يَبِيعُ وَيَهَبُ وَيَتَصَرَّفُ وَيُورَثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِسَبِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ، رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمَهَامِهِ وَالْفَيَافِي أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الْعُمْرَانِ.

(وَلَا يُقْطِعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ لَا يُعْطِي الْإِمَامُ مَكَانًا (مَعْمُورَ) أَرْضَ (الْعَنْوَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، أَيْ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالْجِهَادِ، أَيْ الْأَرْضَ الْمَعْمُورَةَ، أَيْ الصَّالِحَةَ لِزِرَاعَةِ الْحُبُوبِ الْمَفْتُوحَةَ بِالْجِهَادِ حَالَ كَوْنِهَا (مِلْكًا) أَيْ مَمْلُوكَةً لِمَنْ أُقْطِعَتْ هِيَ لَهُ؛ لِأَنَّهَا وُقِفَتْ بِمُجَرَّدِ فَتْحِهَا، وَيُقْطِعُهَا لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا حَيَاتَهُ أَوْ مُدَّةً مَحْدُودَةً وَبَعْدَهَا يَرْجِعُ حُكْمُهَا لِلْإِمَامِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِقْطَاعِ.

فِيهَا لَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا تُقْطَعُ لِأَحَدٍ، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً.

ابْنُ رُشْدٍ الْإِقْطَاعُ فِي الْبَرَارِيِّ وَالْمَعْمُورِ إلَّا مَعْمُورَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ الَّتِي حُكْمُهَا كَوْنُهَا مَوْقُوفَةً ابْنُ عَرَفَةَ أَرَادَ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ وَأَمَّا إقْطَاعُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مُدَّةً فَجَائِزٌ قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ وَغَيْرُهُ

ص: 78

وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجًا إلَيْهِ. قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا. لِكَغَزْوٍ

ــ

[منح الجليل]

وَقَدْ «أَقْطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْضًا بِهَا نَخْلٌ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ» وَأَقْطَعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - النَّاسَ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ.

(وَ) يَكُونُ الِاخْتِصَاصُ (بِحِمَى) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَقْصُورًا، أَيْ حِمَايَةِ وَمَنْعِ (إمَامٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَكَانًا (مُحْتَاجًا) إلَيْهِ لِمَنْفَعَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (قَلَّ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا الْمَكَانُ الْمَحْمِيُّ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِهِ (مِنْ بَلَدٍ) أَيْ أَرْضٍ (عَفَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ خَلَا عَنْ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ، وَصِلَةُ مُحْتَاجًا (لِ) دَوَابَّ (كَغَزْوٍ) وَصَدَقَةٍ رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» بِالنُّونِ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُنْتَخَبِ حَمَى الْعَقِيقَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهِ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا أَصَحُّ أَحَادِيثِ الْحِمَى، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظُ النَّقِيعِ وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَتِيقَةٍ مِنْ الْبَاجِيَّ وَأَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ، وَذَكَرَ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ قَبْلَ الْقَافِ وَكَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَتِيقَةٍ مِنْ النَّوَادِرِ، وَهُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ اللُّغَوِيِّينَ وَأَطَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْكَلَامَ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْحَطَّابَ فَقَدْ نَقَلَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَأَتْبَعَهُ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ

ص: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ الْحِمَى. الْبَاجِيَّ، وَهُوَ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا

ص: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

لَا يَقَعُ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ كَمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا

ص: 81

وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ، وَإِنْ مُسْلِمًا، إنْ قَرُبَ،

ــ

[منح الجليل]

الْغَازِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ كَمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ يَقُومُ مِنْهُ جَوَازُ طُولِ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ لِتَرَجِّي مَصْرِفِهَا.

(وَافْتَقَرَ) إحْيَاءُ الْمَوَاتِ (لِإِذْنِ) مِنْ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُحْيِي مُسْلِمًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ الْمَوَاتُ مِنْ الْعُمْرَانِ. ابْنُ رُشْدٍ الْمَشْهُورُ فِي الْمَوَاتِ الْقَرِيبِ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. الْحَطّ

ص: 82

وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ. إمْضَاؤُهُ، أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا

بِخِلَافِ الْبَعِيدِ،

ــ

[منح الجليل]

الْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يَلْحَقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا اهـ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ فِي إحْيَاءِ الْقَرِيبِ وَأُحْيِيَ (فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ) أَيْ الْإِحْيَاءِ وَإِبْقَاؤُهُ مِلْكًا لِمُحْيِيهِ (وَ) لَهُ (جَعْلُهُ) أَيْ الْمُحْيِي بِغَيْرِ إذْنِهِ (مُتَعَدِّيًا) فَيُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا، وَيُبْقِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ. الْبَاجِيَّ إذَا قُلْنَا لَا يُحْيَا مَا قَرُبَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأُحْيِيَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ، فَإِنْ رَأَى إنْفَاذَهُ فَعَلَ وَإِلَّا أَزَالَهُ وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

(بِخِلَافِ) إحْيَاءِ الْمَوَاتِ (الْبَعِيدِ) مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِذْنِ الْإِمَامِ. ابْنُ رُشْدٍ حَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ الَّذِي يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْبَيْتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْعُمْرَانِ إنْ كَانَ

ص: 83

وَلَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ

ــ

[منح الجليل]

الْمُحْيِي مُسْلِمًا، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) الْأَخَوَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ كُلِّهِ وَالنُّجُودِ. اللَّخْمِيُّ الْحِجَازُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ. الْبَاجِيَّ إنْ أَحْيَا ذِمِّيٌّ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: هِيَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِحَدِيثِ «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، وَإِنَّمَا يُحْيِي الذِّمِّيُّ فِيمَا بَعُدَ. وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَيَخْرُجُ عَنْهُ، وَيُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمَّرَ مَنْقُوضًا؛ لِأَنَّ مَا قَرُبَ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ وَالذِّمِّيُّ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ كُلِّهِ وَالنُّجُودِ وَالْيَمَنِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَلَوْ قِيلَ إنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ كَمَا لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَفَيْءِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ تَمَلُّكُهُ وَلَا قَسْمُهُ وَلَا بَيْعُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَنْ لَا يُحْيِيَهُ عَبْدٌ وَلَا مَرْأَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي إحْيَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مَا قَرُبَ مَضَرَّةٌ فَلَا يَأْذَنُ فِيهِ الْإِمَامُ.

ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ لَمْ يَبْعُدْ. اللَّخْمِيُّ يَخْرُجُ إنَّ عَمَّرَ فِيمَا قَرُبَ.

وَلِابْنِ الْقَصَّارِ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فِي الْإِحْيَاءِ غَيْرَ مُفَرِّقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ. قُلْت فَفِي جَوَازِهِ لَهُ مُطْلَقًا وَمَنْعِهِ مُطْلَقًا. ثَالِثُهَا فِيمَا بَعُدَ لِقَوْلِ الْبَاجِيَّ لَوْ قِيلَ حُكْمُ

ص: 84

وَالْإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ، وَبِبِنَاءٍ وَبِغَرْسٍ، وَبِحَرْثٍ، وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ، وَبِقَطْعِ شَجَرٍ، وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا

ــ

[منح الجليل]

الذِّمِّيِّ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِيمَا قَرُبَ لَمْ يَبْعُدْ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَالْمَشْهُورُ وَعَزَا ابْنُ شَاسٍ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِقَوْلِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ إلَّا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ ابْنِ الْقَصَّارِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ عَمَّرَ فِيمَا بَعُدَ فَذَلِكَ لَهُ، وَفِيمَا قَرُبَ يَخْرُجُ وَلَوْ كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فَيْءٌ وَتَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ.

طفي دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ كَالْمُسْلِمِ فِي إحْيَاءِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: هَذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ إلَّا أَنَّ الْبَاجِيَّ رَكَنَ إلَيْهِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى أَنَّ الْبَاجِيَّ بَعْدَ رُكُونِهِ إلَيْهِ أَتَى بِمَا يُنَاقِضُهُ، فَقَالَ وَفِي إحْيَاءِ غَيْرِ الْمُسْلِمِ مَا قَرُبَ مَضَرَّةٌ فَلَا يَأْذَنُ فِيهِ الْإِمَامُ، فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ لَوْ قِيلَ حُكْمُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ، وَالْقَوْلُ بِإِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ فِي الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَصَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي التَّسْوِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّ الْعُذْرَ لَهُ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ صَدَّرَ بِهَا وَعَزَاهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ أَحْيَا الذِّمِّيُّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَمْلِكُ كَالْمُسْلِمِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ عَمَّرَ فِيمَا بَعُدَ فَذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَلَوْ أَنَّهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمَّرَ وَيُنْزَعُ مِنْهُ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَالْإِحْيَاءُ) يَكُونُ (بِتَفْجِيرِ مَاءٍ) بِالْمَدِّ مِنْ الْأَرْضِ بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ فَتْقِ عَيْنٍ فِي مَوَاتٍ (وَبِإِخْرَاجِهِ) أَيْ الْمَاءِ عَنْ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ الْمَغْمُورَةِ بِهِ (وَبِبِنَاءٍ) فِي الْمَوَاتِ (وَبِغَرْسٍ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لِشَجَرٍ فِي الْمَوَاتِ (وَبِحَرْثٍ) لِلْمَوَاتِ (وَبِتَحْرِيكِ أَرْضٍ) مَوَاتٍ بِغَيْرِ الْحَرْثِ (وَبِقَطْعِ شَجَرٍ) لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا) أَيْ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ. الْبَاجِيَّ أَمَّا صِفَةُ الْإِحْيَاءِ فَقَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الْمَجْمُوعَةِ: إحْيَاءُ

ص: 85

لَا بِتَحْوِيطٍ

وَرَعْيِ كَلَإٍ

وَحَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ

وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ

وَعَقْدُ نِكَاحٍ

وَقَضَاءُ دَيْنٍ

ــ

[منح الجليل]

الْأَرْضِ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يَجْرِي عَيْنًا أَوْ يَغْرِسَ شَجَرًا أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَحْرُثَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إحْيَاءٌ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. عِيَاضٌ اُتُّفِقَ عَلَى سَبْعَةٍ: تَفْجِيرُ الْمَاءِ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ غَامِرِهَا بِهِ وَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَالْحَرْثُ، وَمِثْلُهُ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ بِالْحَفْرِ وَقَطْعُ شَجَرِهَا، وَسَابِعُهَا كَسْرُ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَةُ حُرُوفِهَا وَتَعْدِيلُ أَرْضِهَا.

(لَا) يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ (بِتَحْوِيطٍ) عَلَى الْمَوَاتِ بِنَحْوِ حِجَارَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ التَّحْجِيرُ إحْيَاءٌ أَشْهَبَ مَنْ حَجَرَ أَرْضًا مَوَاتًا بَعِيدَةً فَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ حَجَرَهَا لِيَعْمَلَ فِيهَا إلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لِيُمْكِنَهُ الْعَمَلُ بِيُبْسِ الْأَرْضِ أَوْ إخْلَاءِ الْأُجَرَاءِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا مَنْ حَجَرَ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْهُ مَا عَمِلَ

(وَ) لَا بِ (رَعْيِ كَلَإٍ) بِالْقَصْرِ مَهْمُوزًا، أَيْ خَلًا نَبَتَ بِهَا بِنَفْسِهِ. مِنْهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَا يَكُونُ الرَّعْيُ إحْيَاءً. الْبَاجِيَّ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ

(وَ) لَا بِ (حَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) الْبَاجِيَّ لَيْسَ حَفْرُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إحْيَاءً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ابْنُ عَاشِرٍ مَعْنَاهُ لَيْسَ إحْيَاءً لِلْمَوَاتِ الَّذِي هُوَ بِهِ.

وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ (وَجَازَ بِمَسْجِدٍ) صِلَةُ (سُكْنَى) بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْكَافِ مَقْصُورًا (رَجُلٍ) لَا مَرْأَةٍ وَلَوْ عَجُوزًا (تَجَرَّدَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ تَخَلَّى الرَّجُلُ (لِلْعِبَادَةِ) كَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لَهَا فَلَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لَهُ عَمَّا بُنِيَ لَهُ. ابْنُ شَاسٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ سَكَنًا إلَّا رَجُلٌ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ، فِيهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَإِحْيَائِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ دَائِمَ دَهْرِهِ إنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي التَّوْضِيحِ، الظَّاهِرُ أَنْ يَنْبَغِيَ هَا هُنَا لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ التَّجَرُّدِ لِلْعِبَادَةِ مُمْتَنِعَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لَهُ عَمَّا حُبِسَ لَهُ، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ هَدْمُ الْمَقَاصِيرِ الَّتِي اُتُّخِذَتْ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ لِلسُّكْنَى

(وَ) جَازَ (عَقْدُ نِكَاحٍ) بِمَسْجِدٍ وَاسْتَحْسَنَهُ جَمَاعَةٌ

(وَ) جَازَ (قَضَاءُ دَيْنٍ) بِمَسْجِدٍ.

سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ خِفَّةَ كَتْبِ ذِكْرِ الْحَقِّ بِهِ مَا لَمْ يَطُلْ، وَجَوَازَ قَضَاءِ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ

ص: 86

وَقَتْلُ عَقْرَبٍ

وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ

وَتَضْيِيفٌ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ

ــ

[منح الجليل]

التَّجْرِ وَالصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ. الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ الْمُعْتَادَ الَّذِي فِيهِ يَسِيرُ الْعَمَلِ وَقَلِيلُ الْعَيْنِ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْمَالِ الْجَسِيمِ الْمُحْتَاجِ لِلْوَزْنِ وَالنَّقْدِ وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَيُنْهَى السُّؤَالُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ فِيهِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ سَأَلَ فَلَا يُعْطَى وَأَمَرَ بِحِرْمَانِهِمْ وَرَدِّهِمْ خَائِبِينَ فِي الرِّسَالَةِ يُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ. ابْنُ نَاجِي يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ الْمَسَاجِدُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

عِيَاضٌ بَعْضُ شُيُوخنَا إنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَلِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ آحَادُ النَّاسِ مِمَّا يَتَكَسَّبُ بِهِ فَإِنْ كَانَ يَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْلَ الْمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاحِ آلَاتِ الْجِهَادِ مِمَّا لَا مِهْنَةَ لِلْمَسْجِدِ فِي عَمَلِهِ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ لَمْ أَرَ لِمَالِكٍ " رضي الله عنه " شَيْئًا فِي كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الَّذِي يَصُونُ الْمَسْجِدَ وَيَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فِي الذَّخِيرَةِ يَجْعَلُ الْمَاءَ الْعَذْبَ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

(وَ) جَازَ (قَتْلُ عَقْرَبٍ) وَنَحْوَهَا بِمَسْجِدٍ

(وَ) جَازَ (نَوْمٌ بِقَائِلَةٍ) فِي مَسْجِدٍ لِمُقِيمِ أَوْ مُسَافِرٍ. ابْنُ شَاسٍ خُفِّفَ فِي الْقَائِلَةِ وَالنَّوْمِ فِيهَا نَهَارًا لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ

(وَ) جَازَ (تَضْيِيفٌ) بِالْفَاءِ، أَيْ إنْزَالُ الضَّيْفِ وَإِطْعَامُهُ (بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِقْنَاءِ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِضِيَافَةِ مَنْ أَتَى يُرِيدُ الْإِسْلَامَ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَرَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " بَأْسًا بِأَكْلِ الرُّطَبِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُرَبَاءَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَأْوًى يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْوُوا إلَى الْمَسَاجِدِ وَيَبِيتُوا فِيهَا وَيَأْكُلُوا فِيهَا مَا أَشْبَهَ التَّمْرَ مِنْ الطَّعَامِ الْجَافِّ، وَقَدْ خَفَّفَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي سَمَاع ابْنِ الْقَاسِمِ لِلضِّيفَانِ الْمَبِيتُ وَالْأَكْلُ فِي مَسَاجِدِ الْقُرَى؛ لِأَنَّ الْبَانِيَ لَهَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا عَلِمَ أَنَّ الضِّيفَانَ سَيَبِيتُونَ فِيهَا لِضَرُورَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ بَنَاهَا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ بِنَائِهِ لَهَا إنَّمَا هُوَ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَا مَنْزِلَ لَهُ أَنْ يَبِيتَ فِي الْمَسْجِدِ.

ص: 87

وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ: إنْ خَافَ سَبُعًا:

كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ، وَمُنِعَ عَكْسُهُ:

كَإِخْرَاجِ رِيحٍ، وَمُكْثٍ بِنَجَسٍ

ــ

[منح الجليل]

وَ) جَازَ أَنْ يُتَّخَذَ (إنَاءٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا، أَيْ وِعَاءٌ (لِبَوْلٍ) فِيهِ لَيْلًا بِمَسْجِدٍ (إنْ خَافَ) الْبَائِتُ فِيهِ (سَبْقًا) لِلْبَوْلِ مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْقَافِ.

ابْنُ عَرَفَةَ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ بِسَعَةِ إدْخَالِ مَنْ لَا غِنَى عَنْ مَبِيتِهِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ سَدَنَتِهِ لِحِرَاسَتِهِ وَمَنْ اُضْطُرَّ لِلْمَبِيتِ بِهِ مِنْ شَيْخٍ ضَعِيفٍ وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ وَرَجُلٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ لَيْلًا لِلْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ ظُرُوفًا لِلْبَوْلِ بِهَا، فِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا يُحْرَسُ اتِّخَاذُهُ بِهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، وَصَوْنُهَا عَنْ ظُرُوفِ الْبَوْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي نَقْلٍ بِمَعْصِيَةٍ. الْحَطَّابُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْغَرِيبُ إذَا لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يُدْخِلُ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ.

وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) اتِّخَاذِ (مَنْزِلٍ تَحْتَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ (وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَكْسُهُ) أَيْ اتِّخَاذِ مَنْزِلٍ فَوْقَ الْمَسْجِدِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ بَنَى فَوْقَهُ بَيْتًا فَلَا يُعْجِبُنِي؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامِعُ فِيهِ وَيَأْكُلُ. قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا خِلَافَ أَنَّ لِظَهْرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ وَلَا الْبُنْيَانُ الَّذِي فَوْقَهُ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَحْتَهُ وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ هَلْ تُكْرَهُ ابْتِدَاءً، وَتَصِحُّ إنْ فُعِلَتْ أَوْ لَا تَصِحُّ وَتُعَادُ أَبَدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ.

وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) مِنْ دُبُرٍ بِمَسْجِدٍ فَيُمْنَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ لِحُرْمَتِهِ وَأَذِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ. ابْنُ رُشْدٍ لَا يُحْدِثُ بِالْمَسْجِدِ حَدَثَ الرِّيحِ (وَ) كَ (مُكْثٍ) فِي الْمَسْجِدِ (بِنَجَسٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ قَلِيلٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي وُجُوبِ خُرُوجِ مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ كَثِيرَ دَمٍ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَتَرَكَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاتِرًا نَجَاسَتَهُ بِبَعْضِهِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ.

ص: 88

وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَحَكَّهُ

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ الْقَاسِمُ لَا بَأْسَ بِوُضُوءِ ظَاهِرِ الْأَعْضَاءِ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يَجُوزُ أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ اللَّهِ تَعَالَى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور: 36] ، فَوَجَبَ أَنْ تُرْفَعَ وَتُنَزَّهَ عَنْ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِيهَا لِمَا يَسْقُطُ فِيهَا مِنْ غُسَالَةِ الْأَعْضَاءِ مِنْ أَوْسَاخٍ وَالتَّمَضْمُضِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ لِلصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ آخَرُ فَيَتَأَذَّى بِالْمَاءِ الْمُهْرَاقِ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «اجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» ، وَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " الْوُضُوءَ بِالْمَسْجِدِ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي طَسْتٍ، وَذُكِرَ أَنَّ هِشَامًا فَعَلَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَرَادَ لُقْمَانُ بْنُ يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ وَكَانَ حَافِظَ الْمَذْهَبِ مُفْتِيًا ثِقَةً صَالِحًا غَسْلَ رِجْلَيْهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فِي جَامِعِ تُونُسَ فَأَنْكَرَ إنْسَانٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ لُقْمَانُ كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَذَا يَمْنَعنِي أَنْ أَغْسِلَ رِجْلَيَّ فِي جَامِعِ تُونُسَ.

وَرَوَى الشَّيْخُ يُكْرَهُ: السِّوَاكُ بِالْمَسْجِدِ فِيهَا وَلَا يَأْخُذُ الْمُعْتَكِفُ بِهِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَإِنْ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ خَارِجَهُ الْحَطَّابُ بِمَنْعِ الْمُكْثِ بِالنَّجَسِ فِي الْمَسْجِدِ صَدَّرَ ابْنُ شَعْبَانَ، وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ يَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ دَمًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يَخْلَعُهُ فِيهِ، وَقِيلَ يَخْلَعُهُ وَيَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُغَطِّي الدَّمَ الْقَلْشَانِيُّ وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي إدْخَالِ النَّعْلِ الَّذِي لَحِقَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي مِحْفَظَةٍ أَوْ مَلْفُوفَةٍ فِي خِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ الْجُزُولِيُّ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ مَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ نَعْلَاهُ إذَا كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ فَلَا يُدْخِلُهُمَا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَحُكَّهُمَا، وَلَا يَغْسِلُهُمَا فَإِنَّهُ يُفْسِدُهُمَا. اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ فَظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ) أَيْ عَلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ (وَحَكَّهُ) أَيْ مَعَ حَكِّهِ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ التَّصْوِيرِ، أَيْ الْبُصَاقِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَبْصُقُ أَحَدٌ فِي حَصِيرِ الْمَسْجِدِ وَيُدَلِّكُهُ بِرِجْلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ تَحْتَ الْحَصِيرِ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ غَيْرَ مُحَصَّبٍ فَلَا يَبْصُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ وَيَحُكُّهُ بِرِجْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَصِيرِ

ص: 89

وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ

وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ

وَسَلُّ سَيْفٍ

ــ

[منح الجليل]

الْإِمَام مَالِكٌ إنَّ الْمَسْجِدَ مُحَصَّبٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ وَيَدْفِنَهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَهُ فِي حَائِطِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلٌ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلٌ فِي الصَّلَاةِ بَصَقَ أَمَامَهُ وَدَفَنَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْنِهِ فَلَا يَبْصُقُ فِي الْمَسْجِدِ بِحَالٍ كَانَ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْصُقُ فِي الْقِبْلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْصُقْ فِي ثَوْبِهِ» ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فَلْيَبْصُقْ إذَا بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» . أَبُو عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ.

(وَ) كُرِهَ (تَعْلِيمُ صَبِيٍّ) بِمَسْجِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ أَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَقِرُّ فِيهِ وَيَعْبَثُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَرَوَى سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ

(وَ) كُرِهَ (بَيْعٌ وَشِرَاءٌ) بِمَسْجِدٍ. رَوَى الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «قَالَ إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك، وَإِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رضي الله عنه لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ ذَهَبًا الْبَاجِيَّ لَعَلَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَ الْيَسِيرِ.

وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُظْهِرَ سِلْعَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ فَأَمَّا أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ عَلَيْهِ أَوْ بِسِلْعَةٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا فَيُوجِبُ بَيْعَهَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ. الْجُزُولِيُّ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الشِّرَاءُ، وَاخْتُلِفَ إذَا رَأَى سِلْعَةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ بَيْعَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ سِمْسَارٍ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالسِّمْسَارِ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ بَاعَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَأَنَّهُ مَاضٍ.

(وَ) كُرِهَ (سَلُّ سَيْفٍ) بِمَسْجِدٍ. ابْنِ رُشْدٍ لَا تُسَلُّ بِالْمَسْجِدِ سُيُوفٌ، رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ

ص: 90

وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ

ــ

[منح الجليل]

لَا يُمَرُّ فِي الْمَسْجِدِ بِلَحْمٍ وَلَا يُنْقَرُ فِيهِ النَّبْلُ وَتُمْنَعُ الْمُقَاتَلَةُ فِيهِ. ابْنُ حَبِيبٍ يَعْنِي بِنَقْرِ النَّبْلِ إدَارَتَهَا عَلَى الظُّفْرِ لِيَعْلَمَ مُسْتَقِيمَهَا مِنْ مُعْوَجِّهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ الْفَرَّارَةَ الَّتِي أُحْدِثَتْ عِنْدَنَا بِمَسْجِدِ قُرْطُبَةَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً

(وَ) كُرِهَ (إنْشَادُ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ، أَيْ تَعْرِيفُ وَطَلَبُ دَابَّةٍ (ضَالَّةٍ) بِمَسْجِدٍ لِحَدِيثِ «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» ، بَعْضُهُمْ وَنَشْدُهَا أَيْ طَلَبُ رَبِّهَا مَنْ وَجَدَهَا، وَالنَّهْيُ مُقَيَّدٌ بِرَفْعِ الصَّوْتِ. الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ لَوْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَسَأَلَ عَنْهَا جُلَسَاءَهُ غَيْرَ رَافِعٍ صَوْتَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْمُحَادَثَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ اهـ.

الْحَطّ أَرَادَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ مَرَّ عُمَرُ بِحَسَّانَ " رضي الله عنه " يُنْشِدُ شِعْرًا فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إلَيْهِ، أَيْ أَوْمَأَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ أَنْ اُسْكُتْ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ " رضي الله عنه " كَرِهَ إنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَى رَحْبَةً خَارِجَهُ، وَقَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا وَالْإِجَازَةِ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ التَّفْصِيلُ، فَمَا اشْتَمَلَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُمَا كَشِعْرِ حَسَّانَ، أَوْ تَضَمَّنَ حَثًّا عَلَى خَيْرٍ فَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَالتَّزَيُّنِ بِالْبَاطِلِ غَالِبًا، وَلَوْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذَرُ وَالْمَسَاجِدُ تُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هِيَ لِلذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» . اهـ نَقَلَهُ الْحَطّ.

طفي فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إنْشَادَ مَصْدَرُ أَنْشَدَ الرُّبَاعِيِّ، وَهُوَ تَعْرِيفُهَا وَنَشَدَ الثُّلَاثِيُّ، وَهُوَ طَلَبُهَا، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ، فَفِي الصِّحَاحِ نَشَدْت الضَّالَّةَ أَنْشُدُهَا نِشْدَةً وَنِشْدَانًا طَلَبْتهَا وَأَنْشَدْتهَا أَيْ عَرَّفْتهَا. اهـ. وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ الْمَأْلُوفُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي لُقَطَةِ مَكَّةَ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» ، أَيْ مُعَرِّفٍ. «وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ طَلَبَ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ أَيُّهَا النَّاشِدُ غَيْرُك الْوَاجِدُ» تَأْدِيبًا لَهُ،

ص: 91

وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ، وَرَفْعُ صَوْتٍ. كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ

ــ

[منح الجليل]

لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ إنَّ نَشَدَ وَأَنْشَدَ يُقَالَانِ لِلطَّلَبِ وَلِلتَّعْرِيفِ، وَإِنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَنَصُّهُ نَشَدَ الضَّالَّةَ نَشْدًا وَنِشْدَانًا وَنِشْدَةً بِكَسْرِهِمَا طَلَبَهَا، وَعَرَّفَهَا ثُمَّ قَالَ وَأَنْشَدَ الضَّالَّةَ عَرَّفَهَا وَاسْتَرْشَدَ عَمَّا ضَلَّ. اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ صَالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.

(وَ) كُرِهَ (هَتْفٌ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ فَفَاءٍ، أَيْ صِيَاحٌ فِي الْأَخْبَارِ (بِ) مَوْتِ (مَيِّتٍ) بِمَسْجِدٍ أَوْ بَابِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّذِيرُ بِمِصْرَ وَزَعَقَاتُ الْمُؤَذِّنِينَ فَمِنْ النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَالَهُ تت (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ صَوْتٍ) بِعِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِمَسْجِدٍ إلَّا لِلتَّبْلِيغِ. الْبَاجِيَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعٌ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْخُصُومَةِ مِنْ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَجَهْرِ الْإِمَامِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْمُتَنَفِّلِ بِاللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَأَمَّا جَهْرُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَمْنُوعٌ. ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} [الحجرات: 2] كَرِهَ الْعُلَمَاءُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ صلى الله عليه وسلم وَبِحَضْرَةِ الْعَالِمِ وَفِي الْمَسَاجِدِ وَفِي هَذِهِ كُلِّهَا آثَارٌ، وَفِي قَوْلِهِ {لا تُقَدِّمُوا} [الحجرات: 1] ابْنُ أَبِي أَوْفَى أَيْ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَشْيِ، وَكَذَا بَيْنَ يَدَيْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ.

وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَرَفْعِهِ) أَيْ الصَّوْتِ (بِعِلْمٍ) فَوْقَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْإِسْمَاعِ فَيُكْرَهُ فِي مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الْمَبْسُوطِ. ابْنُ الْقَاسِمِ رَأَيْت مَالِكًا " رضي الله عنه " يَعِيبُ عَلَى أَصْحَابِهِ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ. ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْمَسْجِدِ وَالْهَتْفُ بِالْمَيِّتِ بِهِ، وَكُلُّ مَا يُرْفَعُ بِهِ الصَّوْتُ حَتَّى بِالْعِلْمِ فَقَدْ كُنْت رَأَيْت بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمِيرَهَا، يَقِفُ بِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مَجْلِسِهِ إذَا اسْتَعْلَى كَلَامَهُ وَكَلَامَ أَهْلِ مَجْلِسِهِ فِي الْعِلْمِ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا مَرْوَانَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِك، وَأْمُرْ جُلَسَاءَك يَخْفِضُونَ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ وَالْمَشْهُورُ كَرَاهَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ، وَتَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْكَرَاهَةِ فَيَنْبَغِي حَمْلَهَا عَلَى الْمَنْعِ كَمَا قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ.

ص: 92

وَوَقِيدُ نَارٍ

وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ

وَفَرْشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ

وَلِذِي مَأْجَلٍ، وَبِئْرٍ، وَمِرْسَالِ مَطَرٍ. كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ

ــ

[منح الجليل]

وَ) كُرِهَ (وَقِيدُ نَارٍ) بِمَسْجِدٍ وَلَوْ بِالْقَنَادِيلِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ. ابْنُ وَهْبٍ لَا تُوقَدُ نَارٌ فِي الْمَسْجِدِ

(وَ) كُرِهَ (دُخُولُ كَخَيْلٍ) وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ مِمَّا فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ (لِنَقْلِ) الشَّيْءِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْهُ وَلَمْ يَحْرُمْ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مَا فَضَلْتُهُ طَاهِرَةٌ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَدُخُولُهُ لِنَقْلٍ جَائِزٌ. ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى الشَّيْخُ أَكْرَهُ إدْخَالَ الْمَسْجِدِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ لِنَقْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلْيُنْقَلْ عَلَى إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ. وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَسَّعَ فِي دُخُولِ النَّصَارَى الْمَسْجِدَ لِيَبْنُوا بِهِ. قَالَ وَلْيَدْخُلُوا مِنْ جِهَةِ عَمَلِهِمْ.

(وَ) كُرِهَ (فَرْشٌ) فِي الْمَسْجِدِ لِشَيْءٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ كَبُسُطٍ وَسَجَّادَاتٍ يَجْلِسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ الْمَطْلُوبَ فِيهَا وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَحْصِيبِهِ (وَ) كُرِهَ (مُتَّكَأٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ مُثَقَّلَةً مَهْمُوزًا مَقْصُورًا، أَيْ شَيْءٌ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ بِمَسْجِدٍ لِذَلِكَ كَوِسَادَةٍ. رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَقَّى بَرْدُ الْأَرْضِ وَالْحَصَا بِالْحَصِيرِ وَالْمُصَلَّيَاتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكُرِهَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ يُتَّكَأَ فِيهِ عَلَى وِسَادَةٍ. الْبَاجِيَّ أَرَادَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّوَاضُعَ الْمَشْرُوعَ فِي الْمَسَاجِدِ.

(وَلِذِي) أَيْ صَاحِبِ (مَأْجَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَقَلَّ كَسْرُهَا وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَيْنَهُمَا هَمْزٌ سَاكِنٌ أَيْ مَخْزَنِ مَاءٍ كَصِهْرِيجٍ (وَ) لِذِي (بِئْرٍ فِي مِلْكِهِ وَ) لِذِي (مِرْسَالِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ مَحَلِّ اجْتِمَاعِ (مَطَرٍ) وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَ) بَيْعِ (مَاءٍ يَمْلِكُهُ) فِي إنَاءٍ وَمُبْتَدَأُ لِذِي مَأْجَلٍ إلَخْ (مَنْعُهُ) أَيْ مَاءَ الْمَأْجَلِ وَالْبِئْرِ وَالْمِرْسَالِ وَالْمَمْلُوكِ فِي آنِيَةٍ مِنْ غَيْرِهِ (وَلَهُ بَيْعُهُ) أَيْ مَاءِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَرْبَعٌ لَا تُمْنَعُ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْحَطَبُ وَالْكَلَأُ. وَرُدَّ بِمَنْعِ بَيْعِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. ابْنُ فَرْحُونٍ قَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْخِلَافَ

ص: 93

إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ وَالْأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ

ــ

[منح الجليل]

بِمَا إذَا كَانَتْ فِي أَرْضِهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي دُخُولِهَا لِلِاسْتِقَاءِ. وَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي فِي حَائِطِ الرَّجُلِ أَوْ دَارِهِ قَدْ حَظَرَ عَلَيْهَا، فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالْحَطَبِ وَالْكَلَأِ الَّذِي فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ، بَلْ فِي الْفَحْصِ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يُمْنَعُ نَقْعٌ وَلَا رَهْوُ مَاءٍ» عَلَى عُمُومِهِ، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَتَأَوَّلَهُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَلَى مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ اهـ وَرَهْوُ الْمَاءِ مُجْتَمَعُهُ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ رَبَّ الْمَاءِ الْمُسْتَخْرَجِ يَحْفِرُ فِي أَرْضِهِ أَحَقُّ بِهِ كَالْمَاءِ الَّذِي فِي آنِيَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ، وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ وَاللَّخْمِيُّ وَإِيَّاهُمْ تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافَهُ مِنْ قَوْلِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْمُتَقَدِّمِ وَأَتْبَاعِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ يُرَدُّ بِاحْتِمَالِ حَمْلِهِ عَلَى الْمِيَاهِ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ بِنُزُولِ مَطَرٍ أَوْ تَفَجُّرٍ فِيهَا دُونَ تَسَبُّبٍ فِيهِ بِحَفْرٍ وَنَحْوِهِ وَلِذَا قَارَنَهُ بِالنَّارِ وَالْحَطَبِ وَالْكَلَأِ.

وَاسْتَثْنَى مِنْ مُتَعَلِّقِ قَوْلِهِ لَهُ مَنْعُهُ فَقَالَ (إلَّا مَنْ) أَيْ إنْسَانًا (خِيفَ عَلَيْهِ) الْهَلَاكُ أَوْ الْمَرَضُ الْخَطِرُ (وَ) الْحَالُ (لَا ثَمَنَ) لِلْمَاءِ الْمُحْتَاجِ لَهُ (مَعَهُ) أَيْ مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْمَاءِ مَنْعُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْفَاضِلَ مِنْ الْمَاءِ مَجَّانًا لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِ. ابْنُ رُشْدٍ مَا كَانَ مِنْ الْمَاءِ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِثْلَ بِئْرٍ يَحْضُرُهَا أَوْ عَيْنٍ يَسْتَخْرِجُهَا أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْبَطٍ غَدِيرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ، وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ، وَيُخَافَ عَلَيْهِمْ الْهَلَاكُ إنْ مَنَعَهُمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُمْ، فَإِنْ مَنَعَهُمْ فَعَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَهْيَهُ عليه الصلاة والسلام عَنْ مَنْعِ نَقْعِ الْبِئْرِ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَمْنَعَ الشُّرْبَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْغَدِيرِ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَهُ فِي وَاجِبِ الْحُكْمِ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ إذَا شَاءَ وَيُبِيحَهُ إذَا شَاءَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَاءُ فِي إنَاءٍ لِرَبِّهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمُوَاسَاةِ.

(وَالْأَرْجَحُ) عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْخِلَافِ أَخْذُهُ (بِالثَّمَنِ)" غ " يُرِيدُ إنْ كَانَ مَعَهُ ثَمَنٌ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ مَعَ وُجُودِهِ. طفي؛ لِأَنَّ تَرْجِيحَ ابْنِ يُونُسَ

ص: 94

كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ، وَأَخَذَ يُصْلِحُ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ:

ــ

[منح الجليل]

أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَا يَتْبَعُ بِهِ دَيْنًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ. وَنَصُّ ابْنِ يُونُسَ: وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَافَ عَلَى مُسْلِمٍ الْمَوْتَ أَنْ يُحْيِيَهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمِيَاهِ بَيْعُهَا مِنْ الْمُسَافِرِينَ بِمَا تُسَاوِي، وَلَا يُشَطِّطُوا عَلَيْهِمْ فِي ثَمَنِهَا. وَلَمْ يَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَأْخُذُوهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَقَالَهُ فِي الَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ أَنَّهُ يَسْقِي بِمَاءِ جَارِهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. ابْنُ يُونُسَ وَإِحْيَاءُ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إحْيَاءِ زَرْعِهِ، وَالْأَوْلَى فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ مَاتَ جَمَلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَكَانَ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّفَقَاءِ أَنْ يُكْرُوا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَجَبَتْ مُوَاسَاتُهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتْبَعُوا بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ بِبَلَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ الْيَوْمَ أَبْنَاءُ سَبِيلٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِمْ اهـ.

" غ " زَادَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ فَضْلَ مَاءِ جَارِهِ لَا ثَمَنَ لَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ، فَيَصِحُّ الْجَوَابُ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي بَاعَهُ لِلْمُسَافِرِينَ لَهُ ثَمَنٌ، فَاخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ مُخْتَارُونَ بِسَبَبِ السَّفَرِ، وَاَلَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ.

وَشَبَّهَ فِي حُرْمَةِ الْمَنْعِ وَوُجُوبِ الْبَذْلِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْأَرْجَحِ فَقَالَ (كَفَضْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَائِدُ مَاءِ (بِئْرِ زَرْعٍ) عَنْ سَقْيِ زَرْعِ حَافِرِهِ وَ (خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ) أَيْ حَافِرِ الْبِئْرِ أَوْ نَخْلِهِ الْهَلَاكُ بِالْعَطَشِ (بِ) سَبَبِ (هَدْمِ) أَيْ انْهِدَامِ (بِئْرِهِ) أَيْ الْجَارِ أَوْ غَوْرِ مَائِهِ (وَأَخَذَ) أَيْ شَرَعَ الْجَارُ (يُصْلِحُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بِئْرَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ أَنَّهُ زَرَعَ عَلَى مَاءٍ فَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ تَمْكِينُ جَارِهِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ بِمَا فَضَلَ عَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الثَّمَنَ يَلْزَمُ الْجَارَ إنْ وُجِدَ مَعَهُ.

(وَ) إنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْبِئْرِ مِنْ تَمْكِينِ جَارِهِ مِنْ ذَلِكَ (أُجْبِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ

ص: 95

كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ

ــ

[منح الجليل]

الْمُوَحَّدَةِ صَاحِبُ الْبِئْرِ (عَلَيْهِ) أَيْ تَمْكِينِ جَارِهِ مِنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ نَخْلِهِ لِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى زَرْعِ الْجَارِ أَوْ نَخْلِهِ أَوْ كَانَ زَرَعَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَوْ لَمْ تَنْهَدِمْ بِئْرُهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ فِي إصْلَاحِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ. فِيهَا إذَا حَرَثَ جَارُكَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك الَّتِي فِي أَرْضِك إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت. أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ. ابْنُ يُونُسَ: أَمَّا إذَا كَانَ لَا ثَمَنَ لَهُ وَلَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُهُ بِفَضْلِهِ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ الْجَارَ أَنْ يَبْتَدِئَ الزَّرْعَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.

ابْنُ رُشْدٍ مِنْ حَقِّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمَاءِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا فَضَلَ مِنْهُ دُونَ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبُهُ ثَمَنًا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ وَجَدَ فَعَلَى اخْتِلَافٍ. وَأَمَّا إنْ حَرَثَ وَلِأَرْضِهِ بِئْرٌ فَانْهَارَتْ فَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ، فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ عَلَيْك بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَائِكَ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ " رضي الله عنه " أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ تَرَكَ التَّشَاغُلَ بِإِصْلَاحِ بِئْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى بِئْرِ جَارِهِ فَلَا يَلْزَمُ جَارَهُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ زَرَعَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ.

وَشَبَّهَ فِي الْجَبْرِ فَقَالَ (كَفَضْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَائِدُ مَاءِ (بِئْرِ) سَقْيِ (مَاشِيَةٍ) حُفِرَتْ (بِصَحْرَاءَ) لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدٍ بِهَا فَيَجِبُ عَلَى حَافِرِهَا دَفْعُهُ لِوَارِدِهَا (هَدَرًا) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ بِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا لَهُ فَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ وَلَا يُورَثُ إذَا مَاتَ (إنْ لَمْ يُبَيِّنْ) حِينَ حَفْرِهِ أَنَّهُ قَصَدَ (الْمِلْكِيَّةَ) لِلْبِئْرِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ بَيَّنَهَا فَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَتُورَثُ عَنْهُ إنْ مَاتَ، وَمِنْ الْبَيَانِ أَنْ يُشْهِدَ حِينَ حَفْرِهَا أَنَّهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ أَوْ شَفَةً فَلَا يَمْنَعُ فَضْلَهَا مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ مَنَعَهَا حَلَّ قِتَالُهُ وَيَغْرَمُ. دِيَةَ مَنْ مَنَعَهُ وَمَاتَ عَطَشًا. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَرِينَانِ لِاتِّبَاعِ مِيَاهِ الْمَوَاشِي وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا عَطَاءٌ. ابْنُ رُشْدٍ مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ لِمَاشِيَتِهِ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ وَالْبِئْرُ وَالْمَأْجَلُ وَالْجُبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ

ص: 96

وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ، ثُمَّ حَاضِرٍ، ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرَّيِّ،

ــ

[منح الجليل]

مَالِكٍ " رضي الله عنه " سَوَاءٌ، فَلَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ حَفْرِهَا أَنَّهُ يَحْفِرُهَا لِنَفْسِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ مَائِهَا وَاسْتَحَقَّهَا مَالِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ.

(وَ) إذَا اجْتَمَعَ عَلَى فَضْلِ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِصَحْرَاءَ عَنْ سَقْيِ أَهْلِهِ وَرَيٍّ جَمِيعُهُمْ مُسْتَحِقُّونَ، وَهُوَ يَكْفِيهِمْ (بُدِئَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (بِ) سَقْيِ ذَاتِ (مُسَافِرٍ) عَلَى سَقْيِ حَاضِرٍ، أَيْ مُقِيمٍ بِبَلَدِ الْمَاءِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسَافِرِ عَلَى الْحَاضِرِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ الْمَاءِ أَوْ غَيْرَهُ (عَارِيَّةٌ) أَيْ إعَارَةُ (آلَةٍ) لِلْمَاءِ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ وَحَوْضٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى إخْرَاجِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ لِابْنِ السَّبِيلِ عَارِيَّةُ الدَّلْوِ وَالرِّشَاءِ وَالْحَوْضِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أَدَاةٌ يُعِينُهُ بِهَا وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّكِيَّةِ فَيَسْقِي. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ عَارِيَّةِ الْآلَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْفَقِيرِ، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْكِرَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَاهُ لَوْ اتَّخَذَهَا مَالِكُهَا لِلْكِرَاءِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ عَارِيَّتُهَا لِلْمُسَافِرِ، وَمُقْتَضَى الرِّوَايَةِ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ تَعْلِيلِ وُجُوبِ عَارِيَّتِهَا بِاضْطِرَارِ الْمُسَافِرِ بِمَحَلٍّ هُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ اتِّخَاذِ الْآلَةِ لِلْكِرَاءِ، فَلَا يُنْتَقَضُ ذَلِكَ بِنُدُورِ اتِّخَاذِهَا لَهُ فِيهِ حَسَبَ مَا تَقَرَّرَ فِي التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ.

(ثُمَّ) يُبْدَأُ بَدْءًا إضَافِيًّا أَيْضًا بِشَخْصٍ (حَاضِرٍ) أَيْ مُقِيمٍ فِي بَلَدِ الْمَاءِ غَيْرِ صَاحِبِهِ (ثُمَّ) يُبْدَأُ بِسَقْيِ (دَابَّةِ رَبِّهَا) أَيْ الْبِئْرِ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا ثُمَّ دَابَّةِ الْمُسَافِرِ ثُمَّ دَابَّةِ الْحَاضِرِ ثُمَّ مَاشِيَةِ رَبِّهَا ثُمَّ مَاشِيَةِ الْحَاضِرِ وَكُلِّ مَنْ قَدِمَ (فَ) يُقَدَّمُ (بِجَمِيعِ الرَّيِّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرُ رَوِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ وَجْهُ التَّبْدِئَةِ فِي الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبِئْرِ وَالْمَارَّةُ وَسَائِرُ النَّاسِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ أَنْ يُبْدَأَ أَوَّلًا بِأَهْلِ الْمَاءِ، فَيَأْخُذُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْمَارَّةِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ سَائِرِ النَّاسِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ الْمُسَافِرِينَ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابِّ سَائِرِ النَّاسِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْفَضْلُ لِسَائِرِ مَوَاشِي النَّاسِ.

الْخَرَشِيُّ ثُمَّ مَوَاشِي رَبِّهِ، ثُمَّ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ، ثُمَّ مَوَاشِي الْحَاضِرِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ

ص: 97

وَإِلَّا بِنَفْسِ الْمَجْهُودِ

ــ

[منح الجليل]

بِالْمُسَافِرِ وَالْحَاضِرِ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَ فِي أَرْبَابِهَا وَسُكُوتُهُ فِيهَا عَنْ مَاشِيَةِ الْمُسَافِرِ، اعْتَذَرُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا مَاشِيَةَ لَهُ، وَأُخِّرَتْ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ عَنْ دَابَّتِهِ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا تُذَكَّى إذَا خِيفَ مَوْتُهَا بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ. الْعَدَوِيُّ فِيهِ أَنَّهُ قُدِّمَتْ دَابَّةُ الْمُسَافِرِ عَلَى دَابَّةِ غَيْرِهِ لِاسْتِعْجَالِهِ فَيُفِيدُ أَنَّ مَاشِيَتَهُ تَكُونُ مَعَ دَابَّتِهِ وَلَا تُؤَخَّرُ عَنْهَا كَمَا هُوَ الْوَجْهُ، فَمَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ تَأْخِيرِ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ عَنْ دَابَّتِهِ، وَأَنَّهَا بَعْدَ مَاشِيَةِ أَهْلِ الْمَاءِ فِيهِ نَظَرٌ.

(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ كَافِيًا لِجَمِيعِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ (فَ) يُبْدَأُ (بِنَفْسِ) الشَّخْصِ (الْمَجْهُودِ) أَيْ الَّذِي اشْتَدَّ عَطَشُهُ وَخِيفَ هَلَاكُهُ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ " غ " رَاجِعٌ لِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَضْلٌ بُدِئَ بِنَفْسِ الْمَجْهُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ فَيَجْمَعُ الرَّيَّ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَضْلِ رَيُّ الْجَمِيعِ. ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَاءِ فَضْلٌ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ مَنْ كَانَ الْجَهْدُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ بِتَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ تَوَاسَوْا. هَذَا مَذْهَبُ أَشْهَبَ.

وَذَهَبَ ابْنُ لُبَابَةَ أَنَّهُمْ إذَا تَسَاوَوْا فِي الْجَهْدِ فَأَهْلُ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالتَّبْدِئَةِ لِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ، وَأَمَّا إنْ قَلَّ الْمَاءُ وَخِيفَ عَلَى بَعْضِهِمْ بِتَبْدِئَةِ بَعْضٍ الْهَلَاكُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ فَيَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ عَنْهُمْ الْخَوْفَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُ لِنَفْسِهِ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ أَهْلُ الْمَاءِ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ عَنْهَا الْخَوْفَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُ لِدَوَابِّهِ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهَا، وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدِي فِي هَذَا الْوَجْهِ.

طفي الِاحْتِمَالَانِ رَاجِعَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ أَمَسُّ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ الْكَلَامَ فِي الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ الْبِئْرِ، وَلِذَا قَالَ وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ، وَالْأَئِمَّةُ فَرَضُوا الْكَلَامَ فِيمَنْ يَقْدَمُ فِي الْمَاءِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ رَتَّبُوا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ مَا حُفِرَ فِي الْفَيَافِي وَالطُّرُقِ مِنْ الْمَوَاجِلِ كَمُوَاجَلِ طُرُقِ الْمَغْرِبِ. كَرِهَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " بَيْعَ مَائِهَا وَلَمْ يَرَهُ حَرَامًا بَيِّنًا، وَهِيَ مِثْلُ آبَارِ الْمَاشِيَةِ فِي الْمَهَامِهِ، وَكَرِهَ بَيْعَ أَصْلِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ أَوْ مَائِهَا أَوْ فَضْلَهَا

ص: 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

حُفِرَتْ فِي جَاهِلِيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ قَرُبَتْ مِنْ الْعُمْرَانِ أَوْ بَعُدَتْ، وَأَهْلُهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا حَتَّى يَرْوُوا وَمَا فَضَلَ بَيْنَ النَّاسِ بِالسَّوَاءِ إلَّا مَنْ مَرَّ بِهِمْ لِسَقْيِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ فَلَا يُمْنَعُونَ وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ قَوْلَهَا فِي الْمَوَاجِلِ، قَالَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي جِبَابِ الْبَادِيَةِ الَّتِي لِلْمَاشِيَةِ نَحْوَهُ، قِيلَ لَهُ فَالْجِبَابُ الَّتِي تُجْعَلُ لِمَاءِ السَّمَاءِ، قَالَ: ذَلِكَ أَبْعَدُ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: لَهُ مَنْعُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَالْبِئْرِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا تُورَثُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُبَاعُ وَإِنْ احْتَاجَ. أَرَادَ لَا تُورَثُ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَلَا حَظَّ فِيهَا لِزَوْجَةٍ وَلَا زَوْجٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.

ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَرَوَوْا: حَافِرُهَا وَوَرَثَتُهُ أَحَقُّ بِحَاجَتِهِمْ مِنْ مَائِهَا. ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا إرْثَ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِمَعْنَى الْمِلْكِ، وَمَنْ اسْتَغْنَى مِنْهُمْ عَنْ حَقِّهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدًا، وَسَائِرُ أَهْلِ الْبِئْرِ أَوْلَى مِنْهُ، وَمِمَّنْ غَابَ وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ بِمَعْنَى لَا تَنْفُذُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ لَا أَرَى بَيْعَهَا حَرَامًا. وَظَاهِرُ الْمَجْمُوعَةِ خِلَافُ ذَلِكَ، لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي، وَعَلَّلَهُ أَشْهَبُ بِأَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي مِنْ مَائِهَا مَا يَرْوِيهِ، وَهُوَ مَجْهُودٌ، وَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ لَجَازَ أَنْ تُورَثَ أَوْ تُوهَبَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُبَاعُ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهَا مَنَافِعَ.

الْبَاجِيَّ وَعِنْدِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا حَفَرَهُ عَلَى مَعْنَى انْفِرَادِهِ بِهِ، وَإِنْ حَفَرَهُ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ لِفَضْلِهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَحُكْمِ التَّبْدِئَةِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ سُنَّةٌ بِتَقَدُّمِ الْمَالِ الْكَثِيرِ أَوْ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ خُلُّوا عَلَيْهَا وَإِلَّا اسْتَهَمُوا. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا يُمْنَعُ ابْنُ السَّبِيلِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى مَنْ احْتَفَرَ بِئْرًا: إنَّ أَوَّلَ مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ. ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ بَعْدَ رَيِّ أَهْلِهَا، فَإِنْ مَنَعُوهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ جِرَاحِهِمْ لِحَدِيثِ «لَا يُمْنَعُ نَفْعُ بِئْرٍ» ، وَلَوْ مَنَعُوا الْمُسَافِرِينَ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ الْمَانِعِينَ وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ وَلِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِابْنِ السَّبِيل أَنْ يَشْرَبَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مِنْ فَضْلِ الْآبَارِ

ص: 99

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَالْمَوَاجِلِ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَضْلٌ، وَاضْطُرَّتْ دَوَابُّهُمْ إلَيْهِ وَمَسَافَةُ مَاءٍ آخَرَ بَعِيدَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ أُسْوَةً بَيْنَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْمِيَاهِ غَوْثٌ أَقْرَبُ مِنْ غَوْثِ السَّفَرِ، فَيَكُونُ السَّفَرُ أَوْلَى بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ.

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْآبَارِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ابْنُ السَّبِيلِ أَوَّلُ مَنْ يَشْرَبُ بِهَا، وَهُوَ حَسَنٌ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَيَتَزَوَّدُ مِنْهُ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ مِثْلُ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لِقُرْبِ غَوْثِهِمْ وَجِمَامِ بِئْرِهِمْ، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ، لَا تُبَاعُ مِيَاهُ الْمَوَاشِي إنَّمَا يَشْرَبُ بِهَا أَهْلُهَا وَيَشْرَبُ بِهَا أَبْنَاءُ السَّبِيلِ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا عَطَاءٌ.

ابْنُ رُشْدٍ مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ هُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ فِي السَّمَاعِ تَسَاوِي أَهْلِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِيهِ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَشْرَبُ أَهْلُهَا ثُمَّ يَشْرَبُ ابْنُ السَّبِيلِ قَالُوا وَفِيهِ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّشْرِيكِ فَإِنْ تَشَاحَّ أَهْلُ الْبِئْرِ فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَقْرَبُ إلَى حَافِرِهَا، فَالْأَقْرَبُ قُلْت مَاشِيَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ اسْتَهَمُوا هَذَا عِنْدِي إنْ اسْتَوَى فَعَدَدُهُمْ مِنْ حَافِرِهَا وَالْأَقْدَمُ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ، فَالْأَقْرَبُ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ غَنَمُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَغَنَمُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ وَالْمَاءُ إنَّمَا يَكْفِي مِائَةً قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَكَذَا فِي الزَّرْعِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْبَيَانِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْمَاءِ وَالْمَارَّةُ وَالْمَاءُ يَكْفِيهِمْ بُدِئَ بِأَنْفُسِ أَهْلِ الْمَاءِ ثُمَّ أَنْفُسِ الْمَارَّةِ ثُمَّ دَوَابِّهِمَا ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ ثُمَّ مَوَاشِي النَّاسِ، وَبَدَأَ أَشْهَبُ بِدَوَابّ الْمُسَافِرِ مِنْ قَبْلِ دَوَابِّ أَهْلِ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهُمْ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ بُدِئَ مَنْ الْجَهْدِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ بِتَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ فَقِيلَ يَتَسَاوَوْنَ فِيهِ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ أَهْلُ الْمَاءِ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ أَخَذَ الْمُسَافِرُونَ لِدَوَابِّهِمْ بِقَدْرِ مَا يُذْهِبُ الْخَوْفَ عَنْهُمْ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَالْبِئْرُ وَالْمَاجِلُ وَالْجُبُّ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " سَوَاءٌ.

ص: 100

وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سُقِيَ الْأَعْلَى، إنْ تَقَدَّمَ لِلْكَعْبِ، وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَإِلَّا: فَكَحَائِطَيْنِ،

ــ

[منح الجليل]

وَإِنْ سَالَ) أَيْ اجْتَمَعَ (مَطَرٌ بِ) مَكَان (مُبَاحٍ) الِانْتِفَاعُ بِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَبِقُرْبِهِ بَسَاتِينُ وَمَزَارِعُ (سُقِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْبُسْتَانُ أَوْ الْمُزْرَعُ (الْأَعْلَى) أَيْ الْأَقْرَبُ لِلْمَاءِ قَبْلَ سَقْيِ غَيْرِهِ (إنْ تَقَدَّمَ) إحْيَاءُ الْأَعْلَى عَلَى إحْيَاءِ الْأَسْفَلِ أَوْ اسْتَوَيَا فِي الْإِحْيَاءِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ إحْيَاءُ الْأَسْفَلِ قُدِّمَ سَقْيُ الْأَسْفَلِ إنْ خِيفَ هَلَاكُهُ وَالْأَقْدَمِ إلَّا عَلَى الْمُتَأَخِّرِ إحْيَاؤُهُ، فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ، فَلَوْ قَالَ إنْ تَقَدَّمَ أَوْ سَاوَى كَانَ تَأَخُّرُ مَا لَمْ يُخَفْ هَلَاكُ الْأَسْفَلِ لَكَانَ أَحْسَنَ قَالَهُ عج، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَقْدِيمَ السَّابِقِ فِي الْإِحْيَاءِ مُطْلَقًا تَبَعًا لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَاحْتُرِزَ بِمُبَاحٍ مِنْ سَيَلَانِهِ بِمَكَانٍ مَمْلُوكٍ فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَسْتَحِقُّ الْمُقَدَّمُ فِي السَّقْيِ بُلُوغَ الْمَاءِ فِيهِ (لِلْكَعْبِ) مِنْ الرَّجُلِ الْوَاقِفِ فِيهِ، ثُمَّ يُرْسَلُ لِلَّذِي يَلِيهِ جَمِيعُ الْمَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ يُحْبَسُ مَا بَلَغَ الْكَعْبَ فِي الْأَعْلَى وَيُرْسَلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِلَّذِي يَلِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

(وَأُمِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ صَاحِبُ الْأَعْلَى (بِالتَّسْوِيَةِ) لِأَرْضِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوِيَةً بِأَنْ كَانَ بَعْضُهَا عَالِيًا وَبَعْضُهَا وَاطِيًا إنْ أَمْكَنَتْهُ التَّسْوِيَةُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْهُ التَّسْوِيَةُ، وَكَانَ الْمَاءُ لَا يَبْلُغُ الْكَعْبَ فِي الْأَعْلَى إلَّا وَقَدْ بَلَغَ أَكْثَرَ مِنْهُ جِدًّا فِي الْأَسْفَلِ (فَ) الْأَعْلَى الَّذِي لَمْ تَسْتَوِ أَرْضُهُ (كَحَائِطَيْنِ) حَائِطٍ أَعْلَى وَحَائِطٍ أَسْفَلَ فَيُسْقَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ لِلْكَعْبِ، ثُمَّ يُسْقَى الْأَسْفَلُ كَذَلِكَ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ يُمْسِكُ الْأَعْلَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» أَبُو عُمَرَ هُمَا وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ تَنَافَسَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا.

ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَاءٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ يَجْرِي مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا فَهُوَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يُرْسَلُ جَمِيعُ الْمَاءِ إلَى الْأَسْفَلِ أَوْ لَا يُرْسَلُ عَلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ

ص: 101

وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابَلَيْنِ.

ــ

[منح الجليل]

وَابْنُ وَهْبٍ يُرْسَلُ عَلَى الْأَسْفَلِ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلْ يُرْسَلُ جَمِيعُ الْمَاءِ وَلَا يُحْبَسُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَكَانَ الْخَطِيبُ الْحَفَّارُ مِنْ أَشْيَاخِ أَشْيَاخِنَا يُفْتِي بِأَنَّ الْمَاءَ الْهَابِطَ كَكَنْزٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ. وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ لُبٍّ مَاءُ الْأَوْدِيَةِ غَيْرُ مُتَمَلَّكٍ يُسْقَى بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَاتِّفَاقُ مَنْ اتَّفَقَ مِمَّنْ دَرَجَ عَلَى مَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَهُ سَعَةٌ فِي فَتْوَى أُخْرَى، لَكِنْ السَّوَاقِي الْقَدِيمَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقُ الْمُنْتَفِعِينَ بِمَائِهَا وَتَصِيرُ تِلْكَ الْحُقُوقُ مَمْلُوكَةً لَهُمْ بِطُولِ حِيَازَتِهِمْ فَلَا يُسْمَحُ لِقَوْمٍ أَنْ يَرْفَعُوا سَاقِيَةً فِي هَذِهِ.

السَّاقِيَةِ الْبَاجِيَّ إنْ كَانَ بَعْضُ الْحَائِطِ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ سَحْنُونٌ يُؤْمَرُ أَنْ يَعْدِلَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ عَلَى أَرْضِهِ كُلِّهَا الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ تَسْوِيَتُهُ سُقِيَ كُلُّ مَكَان وَحْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَحْيَا رَجُلٌ بِمَاءِ سَيْلٍ ثُمَّ أَحْيَا فَوْقَهُ غَيْرُهُ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْمَاءِ وَيَسْقِيَ قَبْلَ الْأَسْفَلِ الَّذِي أَحْيَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عَمَلَ الْأَسْفَلِ وَيُتْلِفُ زَرْعَهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِالْمَاءِ، وَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ إنْ أُحْدِثَ إحْيَاءُ الْأَعْلَى فَالْأَقْدَمُ أَحَقُّ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ. وَتُورِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي تَرْكِ قَيْدِ الْخَوْفِ لَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، وَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرَى سَحْنُونٌ الْأَقْدَمَ أَوْلَى إذَا فَقَدَ هَذَا الشَّرْطَ، فَجَزْمُ عج بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي إبْقَاءَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ تَبِعَ ظَاهِرَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، ثُمَّ قَالَ فَفِي شَرْطِ تَقَدُّمِ الْأَسْفَلِ عَلَى الْأَعْلَى بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ إحْيَائِهِ عَلَى الْأَعْلَى مَعَ خَوْفِ هَلَاكِ زَرْعِهِ ثَالِثُهَا مَعَ انْفِرَادِهِ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ، لِنَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ ظَاهِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ. ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ وَتَفْسِيرُ أَصْبَغَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. اهـ. فَجُعِلَ قَوْلُ سَحْنُونٍ خِلَافًا لَا تَقْيِيدًا قَالَهُ طفي.

(وَقُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ الْجَارِي مِنْ نَحْوِ الْمَطَرِ (لِ) حَائِطَيْنِ مَثَلًا (الْمُتَقَابِلَيْنِ) عَلَيْهِ بِأَنْ أَحَاطَا بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ. سَحْنُونٌ فَإِنْ كَانَ الْجَانِبَانِ مُتَقَابِلَيْنِ فِيمَا حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَعْلَى فَالْأَعْلَى قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَسْفَلُ مُقَابِلًا لِبَعْضِ الْأَعْلَى حُكِمَ لِمَا كَانَ أَعْلَى بِحُكْمِ الْأَعْلَى، وَلِمَا كَانَ مُقَابِلًا بِحُكْمِ الْمُقَابِلِ، وَهَذَا اسْتَوَيَا فِي زَمَنِ الْإِحْيَاءِ وَالْأَقْدَمُ الْأَسْبَقُ فِيهِ

ص: 102

كَالنِّيلِ، وَإِنْ مُلِكَ أَوَّلًا قُسِمَ بِقِلْدٍ،

ــ

[منح الجليل]

بِالْأَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسْفَلِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ أَفَادَ الْبُنَانِيُّ أَرَادَ بِهِ قَوْلَ الْخَرَشِيِّ وعب، ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي زَمَنِ الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ، وَهَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ مُطْلَقًا أَوْ بِحَسَبِ مِسَاحَتِهِمَا كَفَدَّانٍ وَالْآخَرُ نِصْفُ فَدَّانٍ، فَلِلْأَوَّلِ الثُّلُثَانِ، وَلِلثَّانِي الثُّلُثُ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الشُّرَّاحِ.

وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِمَا سَالَ مِنْ الْمَطَرِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَقَالَ (كَالنِّيلِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ نَهْرِ مِصْرَ الْبَاجِيَّ مَا لَا يُمْلَكُ كَالسُّيُولِ وَالْأَمْطَارِ إنْ كَانَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ لَا تُمْلَكُ كَشِعَابِ الْجِبَالِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِثْلَ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ يَأْتِي حَتَّى يُحَاذِيَ مَجْرَى الْمَاءِ فِي جَانِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَزَارِعُ وَحَدَائِقُ يُسْقَوْنَ بِهَا فَحُكْمُهُ أَنْ نَسْقِيَ بِهِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى إذَا كَانَ إحْيَاؤُهُمْ مَعًا أَوْ إحْيَاءُ الْأَعْلَى قَبْلُ، وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ابْنُ نَافِعٍ وَهَذَا حُكْمُ النِّيلِ.

(وَإِنْ مُلِكَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ (أَوَّلًا) بِشَدِّ الْوَاوِ مُنَوَّنًا، أَيْ ابْتِدَاءً لِأَصْحَابِ الْحَوَائِطِ وَالْمَزَارِعِ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى إجْرَائِهِ لِأَرْضِهِمْ (قُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَاءُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ حِصَصِهِمْ فِيهِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ، وَصِلَةُ قُسِمَ (بِقِلْدٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ. ابْنُ عَرَفَةَ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ. غَيْرَ وَاحِدٍ هِيَ الْقَدْرُ الَّتِي يُقْسَمُ بِهَا الْمَاءُ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْمُرَادِ هُنَا، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي، بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ هُوَ الْحَظُّ مِنْ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ سَقْيُ الزَّرْعِ وَقْتَ حَاجَتِهِ.

قُلْت هُوَ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ الْآلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَظٍّ مِنْ الْمَاءِ حَظَّهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، وَلِلْمُتَقَدِّمَيْنِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَقِيقَتِهِ أَقْوَالٌ وَتَعَقُّبَاتٌ بِاخْتِلَافِ جَرْيِ الْمَاءِ الَّذِي يُقْسَمُ بِمُدَّتِهِ لِقِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ بِاللَّيْلِ وَبُطْئِهَا بِالنَّهَارِ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ غَيْرَ مُتَنَافَسٍ فِيهِ جِدًّا، فَالتَّقَارُبُ فِيهِ كَافٍ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ، وَإِنْ عَزَّ ثَمَنُهُ انْبَغَى تَحْقِيقُ مَا يُحَقَّقُ بِهِ بِأَنْ يُقْسَمَ مَاءُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ وَمَاءُ النَّهَارِ وَحْدَهُ بِالسَّاعَاتِ الرَّمْلِيَّةِ الْمُحَقِّقَةِ.

ص: 103

أَوْ غَيْرِهِ، وَأُقْرِعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ

وَلَا يُمْنَعُ صَيْدُ سَمَكٍ، وَإِنْ مِنْ مِلْكِهِ وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ أَوْ إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلَانِ

ــ

[منح الجليل]

عِيَاضٌ إذَا جُعِلَ قَسْمُ اللَّيْلِ عَلَى حِدَةٍ وَالنَّهَارِ عَلَى حِدَةٍ سَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الضَّرُورَةُ دَعَتْ إلَى هَذَا، وَهُوَ غَايَةُ الْمَقْدُورِ كَقَسْمِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ وَبَعْضُهَا جَيِّدُ الْبِنَاءِ وَبَعْضُهَا وَاهٍ وَالْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ، وَبَعْضُهَا كَرِيمٌ وَبَعْضُهَا دَنِيءٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي ذَلِكَ وَابْتِدَاءُ زَمَنِ الْحَظِّ مِنْ الْمَاءِ مِنْ حِينِ ابْتِدَاءِ جَرْيِهِ لِأَرْضِ ذِي الْحَظِّ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَصْلُ أَرَاضِيِهِمْ شَرِكَةً ثُمَّ قُسِمَتْ بَعْدَ شَرِكَتِهِمْ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَى ذَلِكَ قُسِمَتْ الْأَرْضُ حِينَ قَسْمِهَا وَإِلَّا فَمِنْ وُصُولِهِ لِأَرْضِهِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ الْقِلْدِ مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، ثُمَّ إنْ رَضِيَ الشُّرَكَاءُ بِتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. (وَ) إلَّا (أُقْرِعَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَيْنَهُمْ (لِ) إزَالَةِ (التَّشَاحِّ) أَيْ التَّنَازُعِ الْحَاصِلِ بَيْنَهُمْ (فِي السَّبْقِ) السَّقْيِ الْبَاجِيَّ يَأْخُذُ كُلُّ أَحَدٍ مَاءَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فِي التَّبْدِئَةِ اسْتَهَمُوا عَلَيْهَا

(وَلَا يُمْنَعُ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَحَدٌ (صَيْدُ سَمَكٍ) مِنْ مَاءِ الْأَوْدِيَةِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَرَاضِي الَّتِي لَمْ تُمْلَكْ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وَالصَّيْدَ مُبَاحَانِ لِلسَّابِقِ إلَيْهِمَا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ السَّمَكُ فِي أَرْضٍ (مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَانِعِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَا أَرَى لَهُ مَنْعَ أَحَدٍ يَصِيدُهُ فِيهَا إذَا كَانَ غَدِيرٌ أَوْ بِرْكَةٌ أَوْ بُحَيْرَةٌ فِي أَرْضِكَ، وَفِيهَا سَمَكٌ فَلَا تَمْنَعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.

(وَهَلْ) عَدَمُ الْمَنْعِ مِنْهُ (فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ) أَيْ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِالْقَهْرِ وَالْقِتَالِ (فَقَطْ) أَيْ أَرْضِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ وَقْفٌ فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فَلِمَالِكِهَا مَنْعُهُ (أَوْ) عَدَمُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ، فَلَا يَمْنَعُهُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ) فِيهَا فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي

ص: 104

وَكَلَإٍ بِفَحْصٍ، وَعَفَا

ــ

[منح الجليل]

الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ فَهْمَانِ لِشَارِحَيْهَا، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَوَالَدَ السَّمَكُ فِي الْمَاءِ أَوْ انْجَرَّ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.

وَقَالَ أَشْهَبُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ تَوَالَدَ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ جَرَّهُ الْمَاءُ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ. فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَأَلْت الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ بُحَيْرَاتٍ تَكُونُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ لِأَهْلِ قُرًى أَرَادَ أَهْلُهَا بَيْعَ سَمَكِهَا لِمَنْ يَصِيدُهُ مِنْهَا، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُبَاعَ؛ لِأَنَّهَا تَقِلُّ وَتَكْثُرُ، وَلَا يُدْرَى كَيْفَ تَكُونُ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ تِلْكَ الْبُحَيْرَةِ يَصِيدُ فِيهَا. وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ مُنِعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لَهُمْ، إذْ أَرْضُ مِصْرَ وَقْفٌ وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ لَكَانَ لَهُمْ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهُ إذَا كَانَ هُوَ لَا يَصِيدُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فَلَا يَمْنَعُ النَّاسَ هَذَا مُحَصَّلُ مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَنَصُّهُ إثْرَ قَوْلِهَا وَلَا يُمْنَعُ مَنْ يَصِيدُ فِيهَا وَلَا الشُّرْبُ مِنْهَا. ابْنُ الْكَاتِبِ إنَّمَا قَالَ لَا يَمْنَعُ أَرْبَابُهَا النَّاسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا هُمْ مُتَوَلُّونَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضُ خَرَاجِ السُّلْطَانِ.

وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ أَرْضَ إنْسَانٍ وَمِلْكَهُ لَكَانَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَوَابِهِ عَمَّا حَفَرَ فِي أَرْضِهِ أَنَّ لَهُ مَنْعَ مَائِهِ مِنْ النَّاسِ وَلَهُ بَيْعُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِنَا الْقَرَوِيِّينَ إنَّمَا لَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهَا إذَا كَانَ لَا يَصِيدُهُ، إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فَلَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ فِي الْكَلَأِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ بِرَعْيٍ أَوْ بَيْعٍ فَلَهُ مَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ وَلَا وَجَدَ لَهُ ثَمَنًا فَلْيُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَكَذَلِكَ بِرَكُ الْحِيتَانِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.

(وَلَا) يُمْنَعُ (كَلَأٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ فَهَمْزٌ مَقْصُورٌ، أَيْ الْخَلَاءُ النَّابِتُ بِنَفْسِهِ (بِفَحْصٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، أَيْ أَرْضٍ لَمْ تُزْرَعْ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا (وَعَفَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ مَقْصُورًا، أَيْ الدَّارِسِ الَّذِي لَا يَزْرَعُ جَمْعُ عَافٍ قَالَهُ

ص: 105

لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعَهُ بِخِلَافِ مَرْجِهِ وَحِمَاهُ.

ــ

[منح الجليل]

ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ (لَمْ يَكْتَنِفْهُ) أَيْ الْكَلَأَ (زَرْعُهُ) أَيْ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَإِنْ اكْتَنَفَهُ زَرْعُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي وُصُولِ النَّاسِ بِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ إلَيْهِ فَلَهُ مَنْعُهُ (بِخِلَافِ) الْكَلَإِ النَّابِتِ فِي (مَرْجِهِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَوْضِعِ رَعْيِ دَوَابِّهِ (وَ) فِي (حِمَاهُ) أَيْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَوَّرَهُ لِنَبَاتِ الْكَلَأِ فِيهِ لِرَعْيِ دَوَابِّهِ فَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ بِالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَ كَلَأِ أَرْضِهِ الَّتِي حَظَرَهَا بِحَائِطٍ أَوْ زَرْبٍ فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ خِصْبًا فِي أَرْضِك مِمَّنْ يَرْعَاهُ عَامَهُ بَعْدَ نَبَاتِهِ وَحُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

ابْنُ الْقَاسِمِ الْخِصْبُ الَّذِي يَبِيعُهُ وَيَمْنَعُ النَّاسُ النَّاسَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ مَا فِي مَرْجِهِ وَحِمَاهُ ابْنُ رُشْدٍ مَا بِالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ أَقْسَامٌ: الْمُحَظَّرَةُ بِالْحِيطَانِ، كَالْحَوَائِطِ وَالْجَنَّاتِ رَبُّهَا أَحَقُّ بِمَا بِهَا مِنْ الْكَلَأِ، وَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الرَّعْيَ وَالِاحْتِشَاشَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ.

وَأَمَّا الْعَفَاءُ وَالْمَسْرَحُ مِنْ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا بِهَا مِنْ كَلَأٍ وَلَا مَنْعُ أَحَدٍ مِنْ فَضْلِ حَاجَتِهِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَضُرَّهُ بِدَابَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي زَرْعٍ يَكُونُ لَهُ حَوَالَيْهِ. وَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي بَوَّرَهَا لِلرَّعْيِ وَتَرَكَ زِرَاعَتَهَا لِذَلِكَ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا جَوَازُ مَنْعِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ وَإِلَّا جُبِرَ عَلَى تَرْكِهِ لِلنَّاسِ. وَأَمَّا فُحُوصُ أَرْضِهِ وَفَدَادِينُهُ الَّتِي لَمْ يُبَوِّرْهَا لِلرَّعْيِ فَفِيهَا أَقْوَالٌ.

ابْنُ يُونُسَ اُخْتُلِفَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي لَمْ يُوقِفْهَا لِلْكَلَأِ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ. وَأَمَّا إذَا أَوْقَفَ الْأَرْضَ لِلْكَلَأِ فَلَهُ مَنْعُهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ أَفَادَهُ " ق ". " غ " هَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْأَرْضِ الْمُتَمَلَّكَةِ، وَتُعْرَفُ بِالْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ هُنَا، وَنَصُّهُ وَإِنْ كَانَ الْكَلَأُ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُحَظَّرَةً قَدْ حَظَرَ عَلَيْهَا بِالْحِيطَانِ كَالْجَنَّاتِ وَالْحَوَائِطِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُحَظَّرَةٍ إلَّا أَنَّهَا حِمَاهُ وَمُرُوجُهُ الَّتِي قَدْ بَوَّرَهَا لِلرَّعْيِ وَتَرَكَ زِرَاعَتَهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: فَدَادِينُهُ وَفُحُوصُ أَرْضِهِ الَّتِي لَمْ يُبَوِّرْهَا لِلْمَرْعَى، وَإِنَّمَا تَرَكَ زِرَاعَتَهَا

ص: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا أَوْ لِيَحْمِيَهَا لِلْحَرْثِ. الرَّابِعُ الْعَفَاءُ وَالْمَرْجُ مِنْ أَرْضٍ قَرِيبَةٍ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَمْنَعُ النَّاسَ عَمَّا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ إلَيْهِ بِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ زَرْعٍ يَكُونُ حَوَالَيْهِ فَيَفْسُدُ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَاخْتُلِفَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَرْعَى أَرْضِهِ كَأَنْ بَوَّرَهَا لِلْكِرَاءِ أَوْ لَمْ يُبَوِّرْهَا لَهُ.

وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ وَيَتْرُكُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إنْ أَوْقَفَهَا لِلرَّعْيِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا فِي فَدَادِينِهِ وَفُحُوصِهِ. اهـ. وَلَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِاَلَّتِي حَظَرَ عَلَيْهَا إمَّا لِانْدِرَاجِهَا فِي حِمَاهُ، أَوْ؛ لِأَنَّهَا أَحْرَى مِنْهُ، وَاَلَّذِي عِنْدَ الْجَوْهَرِيِّ الْعَفَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الدُّرُوسُ وَالْهَلَاكُ وَالْعَفْوُ الْأَرْضُ الْغُفْلِ لَمْ تُوطَأْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. طفي لَا تُدْرَكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ قَدْ يُطْلَقُ الْعَفَاءُ عَلَى نَفْسِ الْأَرْضِ فَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي حَدِيثِ أَقْطَعَ أَرْضَ الْمَدِينَةِ مَا كَانَ عَفَاءً، أَيْ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ مِنْ عَفَا الشَّيْءُ إذَا دَرَسَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ يُقَالُ عَفَتْ الدَّارُ عَفَاءً، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 107